Al-BaydawiAn‑Nur · 24:40–61

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:40–61

24:40Page 355

أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.

﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ عُطِفَ عَلى ( كَسَرابٍ ) و ( أوْ ) لِلتَّخْيِيرِ فَإنَّ أعْمالَهم لِكَوْنِها لاغِيَةً لا مَنفَعَةَ لَها كالسَّرابِ، ولِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ نُورِ الحَقِّ كالظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ مِن لُجِّ البَحْرِ والأمْواجِ والسَّحابِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَإنَّ أعْمالَهم إنْ كانَتْ حَسَنَةً فَكالسَّرابِ وإنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَكالظُّلُماتِ، أوْ لِلتَّقْسِيمِ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ فَإنَّها كالظُّلُماتِ في الدُّنْيا وكالسَّرابِ في الآخِرَةِ. ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ ذِي لُجٍّ أيْ عَمِيقٍ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ وهو مُعْظَمُ الماءِ.

﴿يَغْشاهُ﴾ يَغْشى البَحْرَ. ﴿مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيْ أمْواجٌ مُتَرادِفَةٌ مُتَراكِمَةٌ. ﴿مِن فَوْقِهِ﴾ مِن فَوْقِ المَوْجِ الثّانِي.

﴿سَحابٌ﴾ غَطّى النُّجُومَ وحَجَبَ أنْوارَها، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْـ ( بَحْرٍ ) . ﴿ظُلُماتٌ﴾ أيْ هَذِهِ ظُلُماتٌ.

﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ظُلُماتٌ﴾ بِالجَرِّ عَلى إبْدالِها مِنَ الأُولى أوْ بِإضافَةِ الـ ( سَحابٌ ) إلَيْها في رِوايَةِ البَزِّيِّ. ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ وهي أقْرَبُ ما يُرى إلَيْهِ. ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ لَمْ يَقْرُبْ أنْ يَراها فَضْلًا أنْ يَراها كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:

؎ إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ. . . رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

والضَّمائِرُ لِلْواقِعِ في البَحْرِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذَكَرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ ومَن لَمْ (p-110)

يُقَدِّرُ لَهُ الهِدايَةَ ولَمْ يُوَفِّقْهُ لِأسْبابِها. ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ بِخِلافِ المُوَفَّقِ الَّذِي لَهُ نُورٌ عَلى نُورٍ.

24:41–42Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١

Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يُشْبِهُ المُشاهَدَةَ في اليَقِينِ والوَثاقَةَ بِالوَحْيِ أوِ الِاسْتِدْلالِ. ﴿أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُنَزِّهُ ذاتَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ، و ( مَن ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ أوِ المَلائِكَةِ والثَّقَلانِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن مَقالٍ أوْ دَلالَةِ حالٍ. ﴿والطَّيْرُ﴾ عَلى الأوَّلِ تَخْصِيصٌ لِما فِيها مِنَ الصُّنْعِ الظّاهِرِ والدَّلِيلِ الباهِرِ ولِذَلِكَ قَيَّدَها بِقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ﴾ فَإنَّ إعْطاءَ الأجْرامِ الثَّقِيلَةِ ما بِهِ تَقْوى عَلى الوُقُوفِ في الجَوِّ باسِطَةً أجْنِحَتَها بِما فِيها مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ تَعالى ولُطْفِ تَدْبِيرِهِ.

﴿كُلٌّ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرَ أوْ مِنَ الطَّيْرِ. ﴿قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ أيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ دُعاءَهُ وتَنْزِيهَهُ اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أوْ عَلِمَ كُلٌّ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ والمَيْلِ إلى النَّفْعِ عَلى وجْهٍ يَخُصُّهُ بِحالِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ تَعالى الطَّيْرَ دُعاءً وتَسْبِيحًا كَما ألْهَمَها عُلُومًا دَقِيقَةً في أسْبابٍ تُعَيِّشُها لا تَكادُ تَهْتَدِي إلَيْها العُقَلاءُ. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّهُ الخالِقُ لَهُما وما فِيهِما مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ مِن حَيْثُ إنَّها مُمْكِنَةٌ واجِبَةُ الِانْتِهاءِ إلى الواجِبِ. ﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ مَرْجِعُ الجَمِيعِ.

24:43Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣

Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ يَسُوقُهُ ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ فَإنَّهُ يُزْجِيها كُلُّ أحَدٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ بِأنْ يَكُونَ قُزَعًا فَيَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ صَحَّ بَيْنَهُ إذِ المَعْنى بَيْنَ أجْزائِهِ، وقَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ ( يُوَلِّفُ ) غَيْرَ مَهْمُوزٍ. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ مِن فُتُوقِهِ جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ في جَبَلٍ، وقُرِئَ مِن «خَلَلِهِ» . ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الغَمامِ وكُلُّ ما عَلاكَ فَهو سَماءٌ. ﴿مِن جِبالٍ فِيها﴾ مِن قِطَعٍ عِظامٍ تُشْبِهُ الجِبالَ في عِظَمِها أوْ جُمُودِها. ﴿مِن بَرَدٍ﴾ بَيانٌ لِلْجِبالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ( يُنَزِّلُ ) مُبْتَدَأً ﴿مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ بَرَدًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنِ الثّانِيَةُ أوِ الثّالِثَةُ لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةً مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وقِيلَ المُرادُ بِالسَّماءِ المِظَلَّةُ وفِيها جِبالٌ مِن بَرَدٍ كَما في الأرْضِ جِبالٌ مِن حَجَرٍ، ولَيْسَ في العَقْلِ قاطِعٌ يَمْنَعُهُ والمَشْهُورُ أنَّ الأبْخِرَةَ إذا تَصاعَدَتْ ولَمْ تُحَلِّلْها حَرارَةٌ فَبَلَغَتِ الطَّبَقَةَ البارِدَةَ مِنَ الهَواءِ وقَوِيَ البَرْدُ هُناكَ اجْتَمَعَ وصارَ سَحابًا، فَإنْ لَمْ يَشْتَدَّ البَرْدُ تَقاطَرَ مَطَرًا، وإنِ اشْتَدَّ فَإنَّ وصَلَ إلى الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ قَبْلَ اجْتِماعِها نَزَلَ ثَلْجًا وإلّا نَزَلَ بَرَدًا، وقَدْ يَبْرُدُ الهَواءُ بَرْدًا مُفْرِطًا فَيَنْقَبِضُ ويَنْعَقِدُ سَحابًا. يَنْزِلُ مِنهُ المَطَرُ أوِ الثَّلْجُ وكُلُّ ذَلِكَ لا بُدَّ أنْ يَسْتَنِدَ إلى إرادَةِ الواجِبِ الحَكِيمِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّها المُوجِبَةُ لِاخْتِصاصِ الحَوادِثِ بِمِحالِّها وأوْقاتِها وإلَيْها أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ والضَّمِيرُ لِلْـ ( بَرَدٍ ) . ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ ضَوْءُ بَرْقِهِ، وقُرِئَ بِالمَدِّ بِمَعْنى العُلُوِّ وبِإدْغامِ الدّالِ في السِّينِ «وَبُرَقَهُ» بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ وهو جَمْعُ بُرْقَةٍ وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ وبِضَمِّها لِلِاتِّباعِ. ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ بِأبْصارِ النّاظِرِينَ إلَيْهِ مِن فَرْطِ الإضاءَةِ وذَلِكَ أقْوى دَلِيلٍ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَوْلِيدٌ لِلضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ، وقُرِئَ «يَذْهَبُ» عَلى زِيادَةِ الباءِ.

24:44–45Page 356

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤

Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بِالمُعاقَبَةِ بَيْنَهُما أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ، أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ والظُّلْمَةِ والنُّورِ أوْ بِما يَعُمُّ ذَلِكَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِدَلالَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الحاجَةِ وما يُفْضِي إلَيْها لِمَن يَرْجِعُ إلى بَصِيرَةٍ.

﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خالِقٌ كَلَّ دابَّةٍ» بِالإضافَةِ. ﴿مِن ماءٍ﴾ هو جُزْءُ مادَّتِهِ، أوْ ماءٌ مَخْصُوصٌ هو النُّطْفَةُ فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ إذْ مِنَ الحَيَواناتِ ما يَتَوَلَّدُ عَنِ النُّطْفَةِ، وقِيلَ ﴿مِن ماءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( دابَّةٍ ) ولَيْسَ بِصِلَةٍ لِـ ( خَلَقَ ) . ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيَّةِ وإنَّما سُمِّيَ الزَّحْفُ مَشْيًا عَلى الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ. ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ. ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالنَّعَمِ والوَحْشِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ فَإنَّ اعْتِمادَها إذا مَشَتْ عَلى أرْبَعٍ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ والتَّعْبِيرِ بِمَن عَنِ الأصْنافِ لِيُوافِقَ التَّفْصِيلُ الجُمْلَةَ والتَّرْتِيبَ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ بَسِيطًا ومُرَكَّبًا عَلى اخْتِلافِ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفْعالِ مَعَ اتِّحادِ العُنْصُرِ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ.

24:46–48Page 356

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ لِلْحَقائِقِ بِأنْواعِ الدَّلائِلِ. ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ فِيها والتَّدَبُّرِ لِمَعانِيها. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دِينُ الإسْلامِ المُوَصِّلُ إلى دَرْكِ الحَقِّ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ.

﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ نَزَلَتْ في بِشْرٍ المُنافِقِ خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وهو يَدْعُوهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ في مُغِيرَةَ بْنِ وائِلٍ خاصَمَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أرْضٍ فَأبى أنْ يُحاكِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿وَأطَعْنا﴾ أيْ وأطَعْناهُما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ. ﴿فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِمْ هَذا. ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ بِأسْرِهِمْ فَيَكُونُ إعْلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ لَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم، أوْ إلى الفَرِيقِ مِنهم وسَلَبَ الإيمانَ عَنْهم لِتَوَلِّيهِمْ، والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفْتَهم وهُمُ المُخْلِصُونَ في الإيمانِ والثّابِتُونَ عَلَيْهِ.

﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ لِيَحْكُمَ النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّهُ الحاكِمُ ظاهِرًا والمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وذُكِرَ اللَّهُ لِتَعْظِيمِهِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَهُ ﷺ في الحَقِيقَةِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإعْراضَ إذا كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّكَ لا تَحْكُمُ لَهم، وهو شَرْحٌ لِلتَّوَلِّي ومُبالَغَةٌ فِيهِ.

24:49–50Page 356

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيِ الحُكْمُ لا عَلَيْهِمْ. ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ مُنْقادِينَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يَحْكُمُ لَهم، و (p-112)

( إلَيْهِ ) صِلَةٌ لِـ ( يَأْتُوا ) أوْ لِـ ( مُذْعِنِينَ ) وتَقْدِيمُهُ لِلِاخْتِصاصِ.

﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كُفْرٌ أوْ مَيْلٌ إلى الظُّلْمِ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ بِأنْ رَأوْا مِنكَ تُهْمَةً فَزالَ يَقِينُهم وثِقَتُهم بِكَ.

﴿أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ في الحُكُومَةِ. ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِتَحْقِيقِ القِسْمِ الأوَّلِ، ووَجْهُ التَّقْسِيمِ أنَّ امْتِناعَهم إمّا لِخَلَلٍ فِيهِمْ أوْ في الحاكِمِ، والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا عِنْدَهم أوْ مُتَوَقَّعًا وكِلاهُما باطِلٌ، لِأنَّ مَنصِبَ نُبُوَّتِهِ وفَرْطَ أمانَتِهِ ﷺ يَمْنَعُهُ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وظُلْمُهم يَعُمُّ خَلَلَ عَقِيدَتِهِمْ ومِيلَ نُفُوسِهِمْ إلى الحَيْفِ والفَصْلُ لِنَفْيِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ سِيَّما المَدْعُوَّ إلى حُكْمِهِ.

24:51–52Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ عَلى عادَتِهِ تَعالى في إتْباعِ ذِكْرِ المُحِقِّ المُبْطِلُ والتَّنْبِيهِ عَلى ما يَنْبَغِي بَعْدَ إنْكارِهِ لِما لا يَنْبَغِي، وقُرِئَ ( قَوْلُ ) بِالرَّفْعِ و ( لِيُحْكَمَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ مَصْدَرِهِ عَلى مَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ.

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما يَأْمُرانِهِ أوْ في الفَرائِضِ والسُّنَنِ. ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فِيما بَقِيَ مِن عُمُرِهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وقالُونُ عَنْ نافِعٍ بِلا ياءٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الهاءِ، وحَفْصٌ بِسُكُونِ القافِ فَشَبَّهَ تَقِهِ بِكَتِفٍ وخُفِّفَ والهاءُ ساكِنَةٌ في الوَقْفِ بِالِاتِّفاقِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.

24:53–54Page 356

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤

Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إنْكارٌ لِلِامْتِناعِ عَنْ حُكْمِهِ. ﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالخُرُوجِ عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جَوابٌ لِـ ( أقْسَمُوا ) عَلى الحِكايَةِ. ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ عَلى الكَذِبِ. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا اليَمِينُ عَلى الطّاعَةِ النِّفاقِيَّةِ المُنْكَرَةِ. ( أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) أمْثَلُ مِنها أوْ لِتَكُنْ طاعَةً، وقُرِئَتْ بِالنَّصْبِ عَلى أطِيعُوا طاعَةً. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سَرائِرُكم.

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمْرٌ بِتَبْلِيغِ ما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحِكايَةِ مُبالَغَةً في تَبْكِيتِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿ما حُمِّلَ﴾ مِنَ التَّبْلِيغِ. ﴿وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ مِنَ الِامْتِثالِ. ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ﴾ في حُكْمِهِ. ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحَقِّ. ﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ التَّبْلِيغُ المُوَضِّحُ لِما كُلِّفْتُمْ بِهِ، وقَدْ أدّى وإنَّما بَقِيَ ﴿ما حُمِّلْتُمْ﴾ فَإنْ أدَّيْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكم.

24:55Page 357

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥

Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْأُمَّةِ أوَّلُهُ ولِمَن مَعَهُ ومِن لِلْبَيانِ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ لَيَجْعَلَنَّهم خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ في الأرْضِ تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِيكِهِمْ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ وعَدَهُمُ اللَّهُ وأقْسَمَ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم، أوِ الوَعْدُ في تَحَقُّقِهِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ القَسَمِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ (p-113)الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَخْلَفَهم في مِصْرَ والشّامِ بَعْدَ الجَبابِرَةِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ وإذا ابْتَدَأ ضَمَّ الألِفَ والباقُونَ بِفَتْحِهِما وإذا ابْتَدَءُوا كَسَرُوا الألِفَ. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ وهو الإسْلامُ بِالتَّقْوِيَةِ والتَّثْبِيتِ. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ مِنَ الأعْداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ. ﴿أمْنًا﴾ مِنهم وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ مَكَثُوا بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ خائِفِينَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ يُصْبِحُونَ في السِّلاحِ ويُمْسُونَ فِيهِ حَتّى أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ فَأظْهَرَهم عَلى العَرَبِ كُلِّهِمْ وفَتَحَ لَهم بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِلْإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ وخِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ إذْ لَمْ يَجْتَمِعِ المَوْعُودُ والمَوْعُودُ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمْ بِالإجْماعِ. وقِيلَ الخَوْفُ مِنَ العَذابِ والأمْنُ مِنهُ في الآخِرَةِ.

﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِنَ الَّذِينَ لِتَقْيِيدِ الوَعْدِ بِالثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ المُقْتَضِي لِلِاسْتِخْلافِ والأمْنِ. ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ يَعْبُدُونَنِي غَيْرَ مُشْرِكِينَ. ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ومَنِ ارْتَدَّ أوْ كَفَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ كَبَعْدَ الوَعْدِ أوْ حُصُولِ الخِلافَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ ارْتَدُّوا بَعْدَ وُضُوحِ مِثْلِ هَذِهِ الآياتِ، أوْ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ.

24:56–57Page 357

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦

And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في سائِرِ ما أمَرَكم بِهِ ولا يَبْعُدُ عَطْفُ ذَلِكَ عَلى أطِيعُوا اللَّهَ فَإنَّ الفاصِلَ وعْدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَيَكُونُ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِلتَّأْكِيدِ وتَعْلِيقُ الرَّحْمَةِ بِها أوْ بِالمُنْدَرِجَةِ هي فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ كَما عُلِّقَ بِهِ الهُدى.

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ الكُفّارَ مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ، و ( في الأرْضِ ) صِلَةُ ( مُعْجِزِينَ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى كَما هو في القِراءَةِ بِالتّاءِ أوِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعِلٌ والمَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكُفّارُ في الأرْضِ أحَدًا مُعْجِزًا لِلَّهِ، فَيَكُونُ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ مَفْعُولَيْهِ أوْ لا يَحْسَبُونَهم ( مُعْجِزِينَ ) فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِأنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ فاكْتَفى بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنِ الثّالِثِ. ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا لَيْسُوا بِمُعْجِزِينَ ومَأْواهُمُ النّارُ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الإعْجازِ.

﴿وَلَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَأْوى الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ.

24:58Page 357

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ رُجُوعٌ إلى تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّالِفَةِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الإلَهِيّاتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الطّاعَةِ فِيما سَلَفَ مِنَ الأحْكامِ وغَيْرِها والوَعْدِ عَلَيْها والوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْها، والمُرادُ بِهِ خِطابُ الرِّجالِ والنِّساءِ غَلَّبَ فِيهِ الرِّجالَ لِما رُوِيَ أنَّ غُلامَ أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُدْلِجَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ وكانَ غُلامًا وقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَ عُمَرَ، فَدَخَلَ وهو نائِمٌ وقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ ثَوْبُهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمَنا أنْ لا يَدْخُلُوا هَذِهِ السّاعاتِ عَلَيْنا إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَهُ وقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ» الآيَةُ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ والصِّبْيانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مِنَ الأحْرارِ فَعَبَّرَ عَنِ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ لِأنَّهُ أقْوى دَلائِلِهِ. ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مَرَّةً. ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ (p-114)

المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النَّوْمِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ بَدَلًا مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ أوِ الرَّفْعُ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ أيْ هي مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ﴾ أيْ ثِيابَكم لِلْيَقَظَةِ لِلْقَيْلُولَةِ. ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بَيانٌ لِلْحِينِ. ﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ لِأنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ عَنِ اللِّباسِ والِالتِحافِ بِاللِّحافِ. ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أيْ هي ثَلاثُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها تَسَتُّرُكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ وأصْلُ العَوْرَةِ الخَلَلُ ومِنها أعْوَرَ المَكانُ ورَجُلٌ أعْوَرُ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ثَلاثَ﴾ بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِن ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ . ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُنافِي آيَةَ الِاسْتِئْذانِ فَيَنْسَخُها لِأنَّهُ في الصِّبْيانِ ومَمالِيكِ المَدْخُولِ عَلَيْهِ وتِلْكَ في الأحْرارِ البالِغِينَ. ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ هم طَوّافُونَ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وهو المُخالَطَةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها بِأنَّها عَوْراتٌ. ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ أوْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الأحْكامَ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِكم. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما شَرَعَ لَكم.

24:59–60Page 358

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠

And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الَّذِينَ بَلَغُوا مِن قَبْلِهِمْ في الأوْقاتِ كُلِّها، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن أوْجَبَ اسْتِئْذانَ العَبْدِ البالِغِ عَلى سَيِّدَتِهِ، وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المَعْهُودُونَ الَّذِينَ جُعِلُوا قَسِيمًا لِلْمَمالِيكِ فَلا يَنْدَرِجُونَ فِيهِمْ. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ.

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ العَجائِزُ اللّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَمْلِ. ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ لا يَطْمَعْنَ فِيهِ لِكِبَرِهِنَّ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ الثِّيابَ الظّاهِرَةَ كالجِلْبابِ، والفاءُ فِيهِ لِأنَّ اللّامَ في ( القَواعِدُ ) بِمَعْنى اللّاتِي أوْ لِوَصْفِها بِها. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غَيْرَ مُظْهِراتٍ زِينَةً مِمّا أُمِرْنَ بِإخْفائِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وأصْلُ التَّبَرُّجِ التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى مِن قَوْلِهِمْ: سَفِينَةٌ بارِجَةٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والبَرَجُ سِعَةُ العَيْنِ بِحَيْثُ يُرى بَياضُها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ لا يَغِيبُ مِنهُ شَيْءٌ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِكَشْفِ المَرْأةِ زِينَتَها ومَحاسِنَها لِلرِّجالِ. ﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ مِنَ الوَضْعِ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَقالَتِهِنَّ لِلرِّجالِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَقْصُودِهِنَّ.

24:61Page 358

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١

There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ نَفْيٌ لَمّا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن مُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ حَذَرًا مِنَ اسْتِقْذارِهِمْ، أوْ أكْلِهِمْ مِن بَيْتِ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِمُ المِفْتاحُ ويُبِيحُ لَهُمُ التَّبَسُّطَ فِيهِ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ وخَلَّفَهم عَلى المَنازِلِ مَخافَةَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مِن طِيبِ قَلْبٍ، أوْ مِن إجابَةِ مَن دَعَوْهم إلى (p-115)

بُيُوتِ آبائِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأقارِبِهِمْ فَيُطْعِمُونَهم كَراهَةَ أنْ يَكُونُوا كَلًّا عَلَيْهِمْ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا عُلِمَ رِضا صاحِبِ البَيْتِ بِإذْنٍ أوْ قَرِينَةٍ أوْ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِنَحْوِ قَوْلِهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ﴾ . وقِيلَ نَفْيٌ لِلْحَرَجِ عَنْهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وهو لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ. ﴿وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم فَيَدْخُلُ فِيها بُيُوتُ الأوْلادِ لِأنَّ بَيْتَ الوَلَدِ كَبَيْتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» .

﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ وهو ما يَكُونُ تَحْتَ أيْدِيكم وتَصَرُّفِكم مِن ضَيْعَةٍ أوْ ماشِيَةٍ وِكالَةٍ أوْ حِفْظًا. وقِيلَ بُيُوتُ المَمالِيكِ والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ وقُرِئَ «مِفْتاحَهُ» . ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أوْ بُيُوتِ صَدِيقِكم فَإنَّهم أرْضى بِالتَّبَسُّطِ في أمْوالِهِمْ وأسَرُّ بِهِ، وهو يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ، هَذا كُلُّهُ إنَّما يَكُونُ إذا عُلِمَ رِضا صاحِبِ البَيْتِ بِإذْنٍ أوْ قَرِينَةٍ ولِذَلِكَ خُصِّصَ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ يُعْتادُ التَّبَسُّطُ بَيْنَهم، أوْ كانَ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ فَنُسِخَ فَلا احْتِجاجَ لِلْحَنَفِيَّةِ بِهِ عَلى أنْ لا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مالِ المَحْرَمِ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ نَزَلَتْ في بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو مِن كِنانَةَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ. أوْ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ. أوْ في قَوْمٍ تَحَرَّجُوا عَنِ الِاجْتِماعِ عَلى الطَّعامِ لِاخْتِلافِ الطَّبائِعِ في القَذارَةِ والنَّهَمَةِ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ مِن هَذِهِ البُيُوتِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم مِنكم دِينًا وقَرابَةً. ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةً لِلتَّحِيَّةِ فَإنَّهُ طَلَبَ الحَياةَ وهي مِن عِنْدِهِ تَعالى وانْتِصابُها بِالمَصْدَرِ لِأنَّها بِمَعْنى التَّسْلِيمِ. ﴿مُبارَكَةً﴾ لِأنَّها يُرْجى بِها زِيادَةُ الخَيْرِ والثَّوابِ. ﴿طَيِّبَةً﴾ تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ.

وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِي «مَتى لَقِيتَ أحَدًا مِن أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمُرُكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِكَ، وصَلِّ صَلاةَ الضُّحى فَإنَّها صَلاةُ الأبْرارِ الأوّابِينَ» .

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ كَرَّرَهُ ثَلاثًا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ وتَفْخِيمِ الأحْكامِ المُخْتَتَمَةِ بِهِ وفَصْلُ الأوَّلِينَ بِما هو المُقْتَضى لِذَلِكَ وهَذا بِما هو المَقْصُودُ مِنهُ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيِ الحَقَّ والخَيْرَ في الأُمُورِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском