Al-BaydawiAli 'Imran · 3:116–140

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:116–140

3:116–117Page 65

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مِنَ العَذابِ، أوْ مِنَ الغِناءِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا. ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ مُلازِمُوها. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ ما يُنْفِقُ الكَفَرَةُ قُرْبَةً، أوْ مُفاخَرَةً وسُمْعَةً، أوِ المُنافِقُونَ رِياءً أوْ خَوْفًا. ﴿فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ بَرْدٌ شَدِيدٌ والشّائِعُ إطْلاقُهُ لِلرِّيحِ البارِدَةِ كالصَّرْصَرِ، فَهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ نَعْتٌ وُصِفَ بِهِ البَرْدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ بَرْدٌ بارِدٌ. ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾، عُقُوبَةً لَهم لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ بِحَرْثِ كَفّارٍ ضَرَبَتْهُ صِرٌّ فاسْتَأْصَلَتْهُ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ مَنفَعَةٌ ما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِإيلاءِ كَلِمَةِ التَّشْبِيهِ لِلرِّيحِ دُونَ الحَرْثِ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ كَمِثْلِ مَهْلِكِ رِيحٍ وهو الحَرْثُ. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ ما ظَلَمَ المُنْفِقِينَ بِضَياعِ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم لِما لَمْ يُنْفِقُوها بِحَيْثُ يُعْتَدُّ بِها، أوْ ما ظَلَمَ أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ. وقُرِئَ «وَلَكِنَّ» أيْ ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: (p-35)

؎ وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ مَن يُبْصِرُ جُفُونَكَ يَعْشَقُ

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ ولِيجَةً، وهو الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أسْرارَهُ ثِقَةً بِهِ، شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ كَما شُبِّهَ بِالشِّعارِ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ».»

﴿مِن دُونِكُمْ﴾ مِن دُونِ المُسْلِمِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِلا تَتَّخِذُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ بِطانَةٍ أيْ بِطانَةً كائِنَةً مِن دُونِكم. ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ، والألْوُ التَّقْصِيرُ وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى بِالحَرْفِ وعُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أوِ النَّقْصِ. ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ تَمَنَّوْا عَنَتَكُمْ، وهو شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ في كَلامِهِمْ لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ أنْفُسَهم لِفَرْطِ بُغْضِهِمْ. ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ مِمّا بَدا لِأنَّ بُدُوَّهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ. ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما بُيِّنَ لَكُمْ، والجُمَلُ الأرْبَعُ جاءَتْ مُسْتَأْنِفاتٌ عَلى التَّعْلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثَّلاثُ الأُوَلُ صِفاتٍ لِبِطانَةٍ.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ الكُفّارِ وتُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ، بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرٌ لِأُولاءِ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأنْتَمِ كَقَوْلِكَ: أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، أوْ صِلَتُهُ أوْ حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ أُولاءِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ بِجِنْسِ الكِتابِ كُلِّهِ، وهو حالٌ مِن لا يُحِبُّونَكم والمَعْنى: إنَّهم لا يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ أيْضًا فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكُمْ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم. ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا وتَغْرِيرًا ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ مِن أجْلِهِ تَأسُّفًا وتَحَسُّرًا حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًا. ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ البَغْضاءِ والحَنَقِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَقُولِ أيْ وقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًا، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ بِمَعْنى قُلْ لَهم ذَلِكَ ولا تَتَعَجَّبْ مِنِ اطِّلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ بَيانٌ لِتَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدٍّ حَسَدُوا ما نالَهم مِن خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، وشَمِتُوا بِما أصابَهم مِن ضُرٍّ وشِدَّةٍ، والمَسُّ مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى عَداوَتِهِمْ، أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُوالاتِهِمْ، أوْ ما حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ عَلَيْكم. ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِفْظِهِ المَوْعُودِ لِلصّابِرِينَ والمُتَّقِينَ ولِأنَّ المُحِدَّ في الأمْرِ، المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الِانْفِعالِ جَرِيئًا عَلى الخَصْمِ، وضَمُّهُ الرّاءَ لِلِاتِّباعِ كَضَمَّةِ مَدٍّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ لا يَضُرُّكم مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى وغَيْرِهِما. ﴿مُحِيطٌ﴾ أيْ مُحِيطٌ (p-36)

عِلْمُهُ فَيُجازِيكم مِمّا أنْتُمْ أهْلُهُ. وقُرِئَ بِالياءِ أيْ بِما يَعْمَلُونَ، في عَداوَتِكم عَلِيمٌ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ.

3:121Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

﴿وَإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ﴿مِن أهْلِكَ﴾ أيْ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ تُنْزِلُهم. أوْ تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِاللّامِ. ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ مَواقِفَ وأماكِنَ لَهُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ المَقْعَدُ والمَقامُ بِمَعْنى المَكانِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِأقْوالِكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِكم.

رُوِيَ « (أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ ثانِيَ عَشَرَ شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ. فاسْتَشارَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْحابَهُ، وقَدْ دَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ ولَمْ يَدْعُهُ قَبْلُ فَقالَ هو وأكْثَرُ الأنْصارِ: أقِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجُ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا أصابَ مِنّا، ولا دَخَلَها عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا؟ فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ. وأشارَ بَعْضُهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرَةً مَذْبُوحَةً حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًا، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً، ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدَعُوهُمْ، فَقالَ رِجالٌ فاتَتْهم بَدْرٌ وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا. وبالَغُوا حَتّى دَخَلَ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ نَدِمُوا عَلى مُبالَغَتِهِمْ وقالُوا: اصْنَعْ يا رَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ فَقالَ: «لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ» . فَخَرَجَ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِشِعْبِ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، ونَزَلَ في عُدْوَةِ الوادِي وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وسَوّى صَفَّهُمْ، وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ وقالَ: انْضَحُوا عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مِن ورائِنا.»

3:122Page 66

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَمِيعٌ عَلِيمٌ أوْ بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ. ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ، وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ وكانا جَناحَيِ العَسْكَرِ. ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أنْ تَجْبُنا وتَضْعُفا.

رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ في زُهاءِ ألْفِ رَجُلٍ ووَعَدَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا بَلَغُوا الشَّوْطَ انْخَذَلَ ابْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ وقالَ: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا، فَتَبِعَهم عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الأنْصارِيُّ وقالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ والإسْلامَ في نَبِيِّكم وأنْفُسِكم. فَقالَ: ابْنُ أُبَيٍّ لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ، فَهُمُ الحَيّانِ بِاتِّباعِهِ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ فَمَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .

والظّاهِرُ أنَّها ما كانَتْ عَزِيمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ عاصِمُهُما مِنِ اتِّباعِ تِلْكَ الخَطِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ واللَّهُ ناصِرُهُما فَما لَهُما يَفْشَلانِ ولا يَتَوَكَّلانِ عَلى اللَّهِ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ ولا يَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِهِ لِيَنْصُرَهم كَما نَصَرَهم بِبَدْرٍ.

3:123–124Page 66

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣

And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ ما أفادَهُمُ التَّوَكُّلُ. وبَدْرٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ كانَ لِرَجُلٍ يُسَمّى بَدْرًا فَسُمِّيَ بِهِ. وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وإنَّما قالَ أذِلَّةٌ ولَمْ يَقُلْ ذَلائِلَ تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ لِضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ المَراكِبِ والسِّلاحِ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الثِّيابِ. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن نَصْرِهِ، أوْ لَعَلَّكم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم فَتَشْكُرُونَ، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ.

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم. وقِيلَ بَدَلٌ ثانٍ مِن إذْ غَدَوْتَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لَهم يَوْمَ أُحُدٍ وكانَ مَعَ (p-37)

اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الغَنائِمِ وخالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ.

﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إنْكارٌ أنْ لا يَكْفِيَهُمْ، ذَلِكَ وإنَّما جِيءَ بِلَنْ إشْعارًا بِأنَّهم كانُوا كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِضَعْفِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِمْ. قِيلَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ أوَّلًا بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مُنَزَّلِينَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ.

3:125Page 66

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."

﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ لَنْ، أيْ بَلى يَكْفِيكم. ثُمَّ وعَدَ لَهُمُ الزِّيادَةَ عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى حَثًّا عَلَيْهِما وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ. ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذْ غَلَتْ، فاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ أُطْلِقَ لِلْحالِ الَّتِي لا رَيْثَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى إنَّ يَأْتُوكم في الحالِ. يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ في حالِ إتْيانِهِمْ بِلا تَراخٍ ولا تَأْخِيرٍ. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ مُعَلَّمِينَ مِنَ التَّسْوِيمِ الَّذِي هو إظْهارُ سِيما الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ.

«تَسُومُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ».» أوْ مُرْسَلِينَ مِنَ التَّسْوِيمِ بِمَعْنى الأُسامَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الواوِ.

3:126–127Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِالمَلائِكَةِ. ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ ولِتَسْكُنَ إلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ. ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا مِنَ العُدَّةِ والعَدَدِ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حاجَةَ في نَصْرِهِمْ إلى مَدَدٍ وإنَّما أمَدَّهم ووَعَدَ لَهم بِهِ بِشارَةً لَهم ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العامَّةِ إلى الأسْبابِ أكْثَرُ، وحَثًّا عَلى أنْ لا يُبالُوا بِمَن تَأخَّرَ عَنْهم.﴿العَزِيزِ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ في أقْضِيَتِهِ. ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يَنْصُرُ ويَخْذُلُ بِوَسَطٍ وبِغَيْرِ وسَطٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَصْرِكُمْ، أوْ وما النَّصْرُ إنْ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى لِيَنْقُصَ مِنهم بِقَتْلِ بَعْضٍ وأسْرِ آخَرِينَ، وهو ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن صَنادِيدِهِمْ. ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أوْ يُخْزِيَهُمْ، والكَبْتُ شِدَّةُ الغَيْظِ، أوْ وهَنٌ يَقَعُ في القَلْبِ، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ.

3:128Page 66

لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨

Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ. ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ أوْ يَكْبِتَهُمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكُ أمْرِهِمْ فَإمّا أنْ يُهْلِكَهم أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، وإنَّما أنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ لِإنْذارِهِمْ وجِهادِهِمْ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الأمْرِ أوْ شَيْءٍ بِإضْمارِ أنْ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ. أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ. وأنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى إلّا أنْ. أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتُسَرُّ بِهِ أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهم.

رُوِيَ « (أنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي وقّاصٍ شَجَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ وكَسَرَ رُباعِيَّتَهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ فَنَزَلَتْ.» وقِيلَ هَمَّ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَهاهُ (p-38)

اللَّهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ. ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ قَدِ اسْتَحَقُّوا التَّعْذِيبَ بِظُلْمِهِمْ.

3:129–130Page 66

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.

﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا لَكَ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ وعَدَمِها كالمُنافِي لَهُ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِعِبادِهِ فَلا تُبادِرُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ لا تَزِيدُوا زِياداتٍ مُكَرَّرَةً، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِحَسَبِ الواقِعِ. إذْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يُرْبِي إلى أجَلٍ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ زِيادَةً أُخْرى حَتّى يَسْتَغْرِقَ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مالَ المَدْيُونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «مُضَعَّفَةً» . ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ الفَلاحَ.

3:131–132Page 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ وتَعاطِي أفْعالِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النّارَ بِالذّاتِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ وبِالعَرْضِ لِلْعُصاةِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، ولَعَلَّ وعَسى في أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلُ عِزَّةٍ التَّوَصُّلِ إلى ما جُعِلَ خَبَرًا لَهُ.

3:133–134Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

﴿وَسارِعُوا﴾ بادِرُوا وأقْبِلُوا. ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ إلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ المَغْفِرَةَ، كالإسْلامِ والتَّوْبَةِ والإخْلاصِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ سارِعُوا بِلا واوٍ. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ عَرْضُها كَعَرْضِهِما، وذِكْرُ العَرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِها بِالسِّعَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، لِأنَّهُ دُونَ الطُّولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَسَبْعِ سَماواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هُيِّئَتْ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وإنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ. ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أوِ الأحْوالِ كُلِّها إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ مَسَرَّةٍ أوْ مُضِرَّةٍ، أيْ لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ، مِن كَظَمْتُ القِرْبَةَ إذا مَلَأْتَها وشَدَدْتَ رَأْسَها.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا.»

﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ التّارِكِينَ عُقُوبَةَ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ».» وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ، والعَهْدَ فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِمْ.

3:135Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً فِعْلَةً بالِغَةً في القُبْحِ كالزِّنى. أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ أذْنَبُوا أيَّ ذَنْبٍ كانَ وقِيلِ الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ، ولَعَلَّ الفاحِشَةَ ما يَتَعَدّى وظُلْمَ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ. ذَكَرُوا (p-39)

اللَّهَ تَذَكَّرُوا وعِيدَهُ أوْ حُكْمَهُ أوْ حَقَّهُ العَظِيمَ. فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بِالنَّدَمِ والتَّوْبَةِ. ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، والمُرادُ بِهِ وصْفُهُ تَعالى بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ والحَثُّ عَلى الِاسْتِغْفارِ والوَعْدُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ولَمْ يُقِيمُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ غَيْرَ مُسْتَغْفِرِينَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً».»

وَهم يَعْلَمُونَ، حالٌ مِن يُصِرُّوا أيْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ عالِمِينَ بِهِ.

3:136Page 67

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ خَبَرٌ لِلَّذِينِ إنِ ابْتَدَأْتَ بِهِ، وجُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها إنْ عَطَفْتَهُ عَلى المُتَّقِينَ، أوْ عَلى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ. ولا يَلْزَمُ مِن إعْدادِ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ جَزاءً لَهم أنْ لا يَدْخُلَها المُصِرُّونَ، كَما لا يَلْزَمُ مِن إعْدادِ النّارِ لِلْكافِرِينَ جَزاءً لَهم أنْ لا يَدْخُلَها غَيْرُهُمْ، وتَنْكِيرُ جَنّاتٍ عَلى الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما هم أدْوَنُ مِمّا لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وكَفاكَ فارِقًا بَيْنَ القَبِيلَيْنِ أنَّهُ فَصَلَ آيَتَهم بِأنْ بَيَّنَ أنَّهم مُحْسِنُونَ مُسْتَوْجِبُونَ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم حافَظُوا عَلى حُدُودِ الشَّرْعِ وتَخَطَّوْا إلى التَّخَصُّصِ بِمَكارِمِهِ، وفَصَلَ آيَةَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ لِأنَّ المُتَدارِكَ لِتَقْصِيرِهِ كالعامِلِ لِتَحْصِيلِ بَعْضِ ما فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ، وكَمْ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُتَدارِكِ والمَحْبُوبِ والأجِيرِ، ولَعَلَّ تَبْدِيلَ لَفْظِ الجَزاءِ بِالأجْرِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ يَعْنِي المَغْفِرَةَ والجَنّاتِ.

3:137–138Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وقائِعُ سَنَّها اللَّهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ وقِيلَ أُمَمٌ قالَ:

؎ ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ∗∗∗ ولا رَأوْا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ

﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ.

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ، أوْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فانْظُرُوا أيْ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ وقِيلَ إلى القُرْآنِ.

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، والمَعْنى لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ بِما أصابَكم ولا تَحْزَنُوا عَلى مَن قُتِلَ مِنكم. ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ وحالُكم إنَّكم أعْلى مِنهم شَأْنًا، فَإنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالُكم لِلَّهِ وقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وإنَّهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِلشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، أوْ لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ، أوْ ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ في العاقِبَةِ فَيَكُونُ بِشارَةً لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ أيْ لا تَهِنُوا إنْ صَحَّ إيمانُكُمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي قُوَّةَ القَلْبِ بِالوُثُوقِ عَلى اللَّهِ أوْ بِالأعْلَوْنَ.

3:140Page 67

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالضَّعْفِ والضَّعْفِ. وقِيلَ هو بِالفَتْحِ الجِراحُ وبِالضَّمِّ ألَمُها، والمَعْنى إنْ أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَجْبُنُوا فَأنْتُمْ أوْلى بِأنْ لا تَضْعُفُوا، فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وقِيلَ كَلا المِسِينَّ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ. ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ نَصْرِفُها بَيْنَهم نُدِيلُ لِهَؤُلاءِ تارَةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى كَقَوْلِهِ:

؎ فَيَوْمًا عَلَيْنا ويَوْمًا لَنا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ

والمُداوَلَةُ كالمُعاوَدَةِ يُقالُ داوَلْتُ الشَّيْءَ بَيْنَهم فَتَداوَلُوهُ، والأيّامَ تَحْتَمِلُ الوَصْفَ والخَبَرَ ونُداوِلُها يَحْتَمِلُ الخَبَرَ والحالَ والمُرادُ بِها: أوْقاتُ النَّصْرِ والغَلَبَةِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عُطِفَ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نُداوِلُها لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ إيذانًا بِأنَّ العِلَّةَ فِيهِ غَيْرُ واحِدَةٍ، وإنَّ ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ ما لا يُعْلَمُ، أوِ الفِعْلُ المُعَلَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ولِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُونَ عَلى الإيمانِ مِنَ الَّذِينَ عَلى حَرْفٍ فَعَلْنا ذَلِكَ، والقَصْدُ في أمْثالِهِ ونَقائِضِهِ لَيْسَ إلى إثْباتِ عِلْمِهِ تَعالى ونَفْيِهِ بَلْ إلى إثْباتِ المَعْلُومِ ونَفْيِهِ عَلى طَرِيقِ البُرْهانِ. وقِيلَ مَعْناهُ لِيُعْلِمَهم عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ وهو العِلْمُ بِالشَّيْءِ مَوْجُودًا. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ ويُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ يُرِيدُ شُهَداءَ أُحُدٍ، أوْ يَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًا مُعَدَّلِينَ بِما صُودِفَ مِنهم مِنَ الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يُضْمِرُونَ خِلافَ ما يُظْهِرُونَ، أوِ الكافِرِينَ وهو اعْتِراضٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْصُرُ الكافِرِينَ عَلى الحَقِيقَةِ وإنَّما يَغْلِبُهم أحْيانًا اسْتِدْراجًا لَهم وابْتِلاءً لِلْمُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском