Al-BaydawiAli 'Imran · 3:141–163

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:141–163

3:141–142Page 68

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١

And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢

Or do you think that you will enter Paradise while Allāh has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِيُطَهِّرَهم ويُصَفِّيهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ إنْ كانَتِ الدُّولَةُ عَلَيْهِمْ. ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ ويُهْلِكَهم إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ، والمَحْقُ نَقْصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بَلْ أحَسِبْتُمْ ومَعْناهُ الإنْكارُ. ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ ولَمّا تُجاهِدُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ والفَرْقُ بَيْنَ لَمّا ولَمْ أنَّ فِيهِ تَوَقُّعَ الفِعْلِ فِيما يُسْتَقْبَلُ.

وَقُرِئَ «يَعْلَمَ» بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ فَحُذِفَتِ النُّونُ، ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

3:143Page 68

وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣

And you had certainly wished for death [i.e., martyrdom] before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أيِ الحَرْبَ فَإنَّها مِن أسْبابِ المَوْتِ، أوِ المَوْتَ بِالشَّهادَةِ. والخِطابُ لِلَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا وتَمَنَّوْا أنْ يَشْهَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشْهَدًا لِيَنالُوا ما نالَ شُهَداءُ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ فَألَحُّوا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى الخُرُوجِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوهُ وتَعْرِفُوا شِدَّتَهُ. ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أيْ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ دُونَكم مَن قُتِلَ مِن إخْوانِكُمْ، وهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى أنَّهم تَمَنَّوُا الحَرْبَ وتَسَبَّبُوا لَها ثُمَّ جَبُنُوا وانْهَزَمُوا عَنْها، أوْ عَلى تَمَنِّي الشَّهادَةِ فَإنَّ في تَمَنِّيها تَمَنِّيَ غَلَبَةِ الكُفّارِ.

3:144Page 68

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.

﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فَسَيَخْلَوْنَ كَما خَلَوْا بِالمَوْتِ أوِ القَتْلِ. ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ إنْكارًا لِارْتِدادِهِمْ وانْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ عَنِ الدِّينِ لِخُلُوِّهِ بِمَوْتٍ أوْ قَتْلٍ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ وبَقاءِ دِينِهِمْ مُتَمَسِّكًا بِهِ. وقِيلَ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَجْعَلُوا خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِانْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِ.

رُوِيَ « (أنَّهُ لَمّا رَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُمَيْئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رُباعِيَّتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ صاحِبَ الرّايَةِ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قُمَيْئَةَ وهو يَرى أنَّهُ قَتَلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: قَدْ قَتَلْتُ مُحَمَّدًا وصَرَخَ صارِخٌ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأ النّاسُ وجَعَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُو إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ فانْحازَ إلَيْهِ ثَلاثُونَ مِن أصْحابِهِ وحَمَوْهُ حَتّى كَشَفُوا عَنْهُ المُشْرِكِينَ وتَفَرَّقَ الباقُونَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْتَ ابْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، وقالَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما قُتِلَ ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم ودِينِكم فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يا قَوْمِ إنْ كانَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُونَ وأبْرَأُ إلَيْكَ مِنهُ وشَدَّ بِسَيْفِهِ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَنَزَلَتْ.» ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بِارْتِدادِهِ بَلْ يَضُرُّ نَفْسَهُ. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ كَأنَسٍ وأضْرابِهِ.

3:145Page 68

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِإذْنِهِ لِمَلَكِ المَوْتِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَبْضِ رُوحِهِ، والمَعْنى أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا مُسَمًّى في عِلْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ بِالإحْجامِ عَنِ القِتالِ والإقْدامِ عَلَيْهِ. وفِيهِ تَحْرِيضٌ وتَشْجِيعٌ عَلى القِتالِ، ووَعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالحِفْظِ وتَأْخِيرِ الأجَلِ. ﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ إذِ المَعْنى كُتِبَ المَوْتُ كِتابًا. ﴿مُؤَجَّلا﴾ صِفَةٌ لَهُ أيْ مُؤَقَّتًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ. ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ تَعْرِيضٌ لِمَن شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ حَمَلُوا عَلى المُشْرِكِينَ وهَزَمُوهم وأخَذُوا يَنْهَبُونَ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ ذَلِكَ أقْبَلُوا عَلى النَّهْبِ وخَلَّوْا مَكانَهم فانْتَهَزَ المُشْرِكُونَ وحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِن ورائِهِمْ فَهَزَمُوهم. ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ مِن ثَوابِها. ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ الَّذِينَ شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فَلَمْ يَشْغَلْهم شَيْءٌ عَنِ الجِهادِ.

3:146Page 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.

﴿وَكَأيِّنْ﴾ أصْلُهُ أيْ دَخَلَتِ الكافُ عَلَيْها وصارَتْ بِمَعْنى كَمْ والنُّونُ تَنْوِينٌ أُثْبِتَ في الخَطِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «وَكائِنٌ» كَكاعِنٍ ووَجْهُهُ أنَّهُ قَلَبَ قَلْبَ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَقَوْلِهِمْ رَعْمَلِي في لَعَمْرِي، فَصارَ كَيْأنَّ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ لِلتَّخْفِيفِ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ الأُخْرى ألِفًا كَما أُبْدِلَتْ مِن طائِيٍّ مِن نَبِيٍّ بَيانٌ لَهُ.

﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ رَبّانِيُّونَ عُلَماءُ أتْقِياءُ، أوْ عابِدُونَ لِرَبِّهِمْ. وقِيلَ جَماعاتٌ والرِّبِّيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُّبَّةِ وهي الجَماعَةُ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ «قَتَلَ»، وإسْنادُهُ إلى رِبِّيُّونَ أوْ ضَمِيرِ النَّبِيِّ ومَعَهُ رِبِّيُّونَ حالٌ مِنهُ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وقُرِئَ رَبِّيُّونَ بِالفَتْحِ عَلى الأصْلِ وبِالضَّمِّ وهو مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ كالكَسْرِ. ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَما فَتَرُوا ولَمْ يَنْكَسِرْ جَدُّهم لِما أصابَهم مِن قَتْلِ النَّبِيِّ أوْ بَعْضِهِمْ. ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ عَنِ العَدُوِّ أوْ في الدِّينِ. ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ وما خَضَعُوا لِلْعَدُوِّ، وأصْلُهُ اسْتَكَنَ مِنَ السُّكُونِ لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِصاحِبِهِ لِيَفْعَلَ بِهِ ما يُرِيدُهُ، والألِفُ مِن إشْباعِ الفَتْحَةِ أوِ اسْتَكْوَنَ مِنَ (p-42)

الكَوْنِ لِأنَّهُ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لِمَن يَخْضَعُ لَهُ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ فَيَنْصُرُهم ويُعْظِمُ قَدْرَهم.

3:147–148Page 68

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ وما كانَ قَوْلُهم مَعَ ثَباتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ في الدِّينِ وكَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ إلّا هَذا القَوْلَ، وهو إضافَةُ الذُّنُوبِ والإسْرافِ إلى أنْفُسِهِمْ هَضْمًا لَها وإضافَةً لِما أصابَهم إلى سُوءِ أعْمالِهِمْ والِاسْتِغْفارِ عَنْها، ثُمَّ طَلَبَ التَّثْبِيتَ في مُواطِنِ الحَرْبِ والنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ لِيَكُونَ عَنْ خُضُوعٍ وطَهارَةٍ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ، وإنَّما جَعَلَ قَوْلَهم خَبَرًا لِأنَّ "أنْ قالُوا" أعْرَفُ لِدَلالَتِهِ عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ.

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَآتاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ الِاسْتِغْفارِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ والعِزَّ وحُسْنَ الذِّكْرِ في الدُّنْيا، والجَنَّةَ والنَّعِيمَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ ثَوابَها بِالحُسْنِ إشْعارًا بِفَضْلِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ.

3:149–150Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ﴾ أيْ إلى الكُفْرِ ﴿عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ نَزَلَتْ في قَوْلِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إلى دِينِكم وإخْوانِكم ولَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَما قُتِلَ.

وَقِيلَ أنْ تَسْتَكِينُوا لِأبِي سُفْيانَ وأشْياعِهِ وتَسْتَأْمِنُوهم يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ. وقِيلَ عامٌّ في مُطاوَعَةِ الكَفَرَةِ والنُّزُولِ عَلى حُكْمِهِمْ فَإنَّهُ يَسْتَجِرُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ.

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكم. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ فاسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ وِلايَةِ غَيْرِهِ ونَصْرِهِ.

3:151Page 69

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يُرِيدُ ما قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى تَرَكُوا القِتالَ ورَجَعُوا مِن غَيْرِ سَبَبٍ، ونادى أبُو سُفْيانَ يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شاءَ اللَّهُ»

. وقِيلَ لَمّا رَجَعُوا وكانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَدِمُوا وعَزَمُوا أنْ يَعُودُوا عَلَيْهِمْ لِيَسْتَأْصِلُوهُمْ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ في كُلِّ القُرْآنِ ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِهِ. ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ آلِهَةً لَيْسَ عَلى إشْراكِها حُجَّةٌ ولَمْ يُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ بِهِ سُلْطانًا وهو كَقَوْلِهِ:

وَلا تَرى الضُّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وأصْلُ السَّلْطَنَةِ القُوَّةُ ومِنهُ السَّلِيطُ لِقُوَّةِ اشْتِعالِهِ والسَّلاطَةُ لِحِدَّةِ اللِّسانِ. ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ أيْ مَثْواهُمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّعْلِيلِ.

3:152Page 69

وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢

And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيْ وعْدَهُ إيّاكم بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ، وكانَ كَذَلِكَ حَتّى خالَفَ الرُّماةُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أقْبَلُوا جَعَلَ الرُّماةُ يَرْشُقُونَهم بِالنَّبْلِ والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسَّيْفِ حَتّى انْهَزَمُوا والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ. ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ تَقْتُلُونَهُمْ، مِن حِسِّهِ إذا أبْطَلَ حِسُّهُ. ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جَبُنْتُمْ وضَعُفَ رَأْيُكُمْ، أوْ مِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ فَإنَّ الحِرْصَ مِن ضَعْفِ العَقْلِ. ﴿وَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ يَعْنِي اخْتِلافَ الرُّماةِ حِينَ انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ فَقالَ بَعْضُهم فَما مَوْقِفُنا هاهُنا، وقالَ آخَرُونَ لا نُخالِفُ أمْرَ الرَّسُولِ فَثَبَتَ مَكانَهُ أمِيرُهم في نَفَرٍ دُونَ العَشَرَةِ ونَفَرَ الباقُونَ لِلنَّهْبِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وانْهِزامِ العَدُوِّ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ وهو امْتَحَنَكُمْ، ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهُمُ التّارِكُونَ المَرْكَزَ لِلْغَنِيمَةِ.

﴿وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وهُمُ الثّابِتُونَ مُحافَظَةً عَلى أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ ثُمَّ كَفَّكم عَنْهم حَتّى حالَتِ الحالُ فَغَلَبُوكم. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ عَلى المَصائِبِ ويَمْتَحِنَ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ عِنْدَها. ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ تَفَضُّلًا ولِما عَلِمَ مِن نَدَمِكم عَلى المُخالَفَةِ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ، أوْ في الأحْوالِ كُلِّها سَواءٌ أُدِيلَ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ إذِ الِابْتِلاءُ أيْضًا رَحْمَةٌ.

3:153Page 69

۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكُمْ، أوْ لِيَبْتَلِيَكم أوْ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرُوا. والإصْعادُ الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ يُقالُ: أصْعَدْنا مِنمَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ لا يَقِفُ أحَدٌ لِأحَدٍ ولا يَنْتَظِرُهُ. ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كانَ يَقُولُ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ. ﴿فِي أُخْراكُمْ﴾ في ساقَتِكم أوْ جَماعَتِكُمُ الأُخْرى ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ عُطِفَ عَلى صَرَفَكُمْ، والمَعْنى فَجازاكُمُ اللَّهُ عَنْ فَشَلِكم وعِصْيانِكم غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، مِنِ الِاغْتِمامِ بِالقَتْلِ والجَرْحِ وظَفَرِ المُشْرِكِينَ والإرْجافِ بِقَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ فَجازاكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعِصْيانِكم لَهُ. ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ لِتَتَمَرَّنُوا عَلى الصَّبْرِ في الشَّدائِدِ فَلا تَحْزَنُوا فِيما بَعْدُ عَلى نَفْعٍ فائِتٍ ولا ضُرٍّ لاحِقٍ. وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ والمَعْنى لِتَأْسَفُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وعَلى ما أصابَكم مِنَ الجَرْحِ والهَزِيمَةِ عُقُوبَةً لَكم. وقِيلَ الضَّمِيرُ في فَأثابَكم لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ فَآساكم في الِاغْتِمامِ فاغْتَمَّ بِما نَزَلَ عَلَيْكُمْ، كَما اغْتَمَمْتُمْ بِما نَزَلَ عَلَيْهِ ولَمْ يَثُرْ بِكم عَلى عِصْيانِكم تَسْلِيَةً لَكم كَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ النَّصْرِ ولا عَلى ما أصابَكم مِنَ الهَزِيمَةِ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم وبِما قَصَدْتُمْ بِها.

3:154Page 70

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الأمْنُ حَتّى أخَذَكُمُ النُّعاسُ، وعَنْ أبِي طَلْحَةَ غَشِيَنا النُّعاسُ في المَصافِّ حَتّى كانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا فَيَأْخُذُهُ، ثُمَّ يَسْقُطُ فَيَأْخُذُهُ. والأمَنَةُ الأمْنُ (p-44)

نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ ونُعاسًا بَدَلٌ مِنها أوْ هو المَفْعُولُ، و «أمَنَةً» حالٌ مِنهُ مُتَقَدِّمَةٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ بِمَعْنى ذَوِي أمَنَةٍ أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعَ آمِنَ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ. وقُرِئَ «أمْنَةً» بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها المَرَّةُ في الإمْرِ ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ أيِ النُّعاسُ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ رَدًّا عَلى الأمَنَةِ والطّائِفَةُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا.

﴿وَطائِفَةٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ. ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أوْقَعَتْهم أنْفُسُهم في الهُمُومِ، أوْ ما يُهِمُّهم إلّا هَمُّ أنْفُسِهِمْ وطَلَبُ خَلاصِها. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِطائِفَةٍ أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى وجْهِ البَيانِ لِما قَبْلَهُ، وغَيْرَ الحَقِّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ، وظَنُّ الجاهِلِيَّةِ بَدَلُهُ وهو الظَّنُّ المُخْتَصُّ بِالمِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ وأهْلِها. ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بَدَلٌ مِن يَظُنُّونَ. ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ هَلْ لَنا مِمّا أمَرَ اللَّهُ ووَعَدَ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ نَصِيبٌ قَطُّ. وقِيلَ: أخْبَرَ ابْنُ أُبَيٍّ بِقَتْلِ بَنِي الخَزْرَجِ فَقالَ ذَلِكَ، والمَعْنى إنّا مَنَعْنا تَدْبِيرَ أنْفُسِنا وتَصْرِيفَها بِاخْتِيارِنا، فَلَمْ يَبْقَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ هَلْ يَزُولُ عَنّا هَذا القَهْرُ فَيَكُونُ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ أيِ الغَلَبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ، أوِ القَضاءُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ وهو اعْتِراضٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ كُلُّهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ يَقُولُونَ أيْ يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ النَّصْرَ مُبْطِلِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ. ﴿يَقُولُونَ﴾ أيْ في أنْفُسِهِمْ وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وهو بَدَلٌ مِن يُخْفُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى وجْهِ البَيانِ لَهُ. ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ أوْ زَعَمَ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ولِأوْلِيائِهِ، أوْ لَوْ كانَ لَنا اخْتِيارٌ وتَدْبِيرٌ ولَمْ نَبْرَحْ كَما كانَ ابْنُ أُبَيٍّ وغَيْرُهُ.

ما قُتِلْنا هاهُنا لِما غُلِبْنا، أوْ لِما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ. ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ أيْ لَخَرَجَ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى مَصارِعِهِمْ ولَمْ تَنْفَعْهُمُ الإقامَةُ بِالمَدِينَةِ ولَمْ يَنْجُ مِنهم أحَدٌ، فَإنَّهُ قَدَّرَ الأُمُورَ ودَبَّرَها في سابِقِ قَضائِهِ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ ولِيَمْتَحِنَ ما في صُدُورِكم ويُظْهِرَ سَرائِرَها مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، وهو عِلَّةُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَبْتَلِيَ أوْ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لَبَرَزَ لِنَفاذِ القَضاءِ أوْ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِلِابْتِلاءِ، أوْ عَلى لِكَيْلا تَحْزَنُوا. ﴿وَلِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ ولِيَكْشِفَهُ ويُمَيِّزَهُ أوْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الوَساوِسِ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِخِفْياتِها قَبْلَ إظْهارِها، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الِابْتِلاءِ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ.

3:155Page 70

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي إنَّ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما كانَ السَّبَبُ في انْهِزامِهِمْ أنَّ الشَّيْطانَ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ فَأطاعُوهُ واقْتَرَفُوا ذُنُوبًا لِمُخالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَرْكِ المَرْكَزِ، والحِرْصِ عَلى الغَنِيمَةِ أوِ الحَياةِ فَمُنِعُوا التَّأْيِيدَ وقُوَّةَ القَلْبِ. وقِيلَ اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ تَوَلِّيهِمْ وذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لَهم فَإنَّ المَعاصِيَ يَجُرُّ بَعْضُها بَعْضًا كالطّاعَةِ. وقِيلَ اسْتَزَلَّهم بِذِكْرِ ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهم فَكَرِهُوا القِتالَ قَبْلَ إخْلاصِ التَّوْبَةِ والخُرُوجِ مِنَ المَظْلَمَةِ. ﴿وَلَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ واعْتِذارِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ الذَّنْبِ كَيْ يَتُوبَ.

3:156Page 70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ. ﴿وَقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ لِأجْلِهِمْ وفِيهِمْ، (p-45)

وَمَعْنى إخْوَتِهِمُ اتِّفاقُهم في النَّسَبِ أوِ المَذْهَبِ ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ إذا سافَرُوا فِيها وأبْعَدُوا لِلتِّجارَةِ أوْ غَيْرِها، وكانَ حَقُّهُ إذْ لِقَوْلِهِ قالُوا لَكِنَّهُ جاءَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾ جَمْعُ غازٍ كَعافٍ وعُفًّى. ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ مَفْعُولُ قالُوا وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ إخْوانَهم لَمْ يَكُونُوا مُخاطَبِينَ بِهِ.

﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ قالُوا عَلى أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ مِثْلُها في لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، أوْ لا تَكُونُوا أيْ لا تَكُونُوا مَثَّلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ لِيَجْعَلَهُ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم مِنِ الِاعْتِقادِ. وقِيلَ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ أيْ لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّ مُخالَفَتَهم ومُضادَّتَهم مِمّا يَغُمُّهم. ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ أيْ هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ لا الإقامَةِ والسَّفَرِ فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوهم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا.

3:157–158Page 70

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ أيْ مُتُّمْ في سَبِيلِهِ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يُماتُ. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ وهو سادٌّ مَسَدَّ الجَزاءِ والمَعْنى: إنَّ السَّفَرَ والغَزْوَ لَيْسَ مِمّا يَجْلِبُ المَوْتَ ويُقَدِّمُ الأجَلَ وإنْ وقَعَ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَما تَنالُونَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِالمَوْتِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ تَمُوتُوا. وقَرَأ حَفْصٌ بِالياءِ.

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ أيْ عَلى أيِّ وجْهٍ اتَّفَقَ هَلاكُكم. ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ لَإلى مَعْبُودِكُمُ الَّذِي تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ. وبَذَلْتُمْ مُهَجَكم لِوَجْهِهِ لا إلى غَيْرِهِ لا مَحالَةَ تُحْشَرُونَ، فَيُوَفِّي جَزاءَكم ويُعْظِمُ ثَوابَكم. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُتِمٌّ بِالكَسْرِ.

3:159Page 71

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ فَبِرَحْمَةٍ، وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ لِينَهُ لَهم ما كانَ إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهو رَبْطُهُ عَلى جَأْشِهِ وتَوْفِيقُهُ لِلرِّفْقِ بِهِمْ حَتّى اغْتَمَّ لَهم بَعْدَ أنْ خالَفُوهُ. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ سَيِّئَ الخُلُقِ جافِيًا. ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ قاسِيهِ. ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ. ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فِيما يَخْتَصُّ بِكَ. ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فِيما لِلَّهِ. ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ أيْ في أمْرِ الحَرْبِ إذِ الكَلامُ فِيهِ، أوْ فِيما يَصِحُّ أنْ يُشاوِرَ فِيهِ اسْتِظْهارًا بِرَأْيِهِمْ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ وتَمْهِيدًا لِسُنَّةِ المُشاوَرَةِ لِلْأُمَّةِ. ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾ فَإذا وطَّنْتَ نَفْسَكَ عَلى شَيْءٍ بَعْدَ الشُّورى. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في إمْضاءِ أمْرِكَ عَلى ما هو أصْلَحُ لَكَ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ سِواهُ. وقُرِئَ «فَإذا عَزَمْتَ»، عَلى التَّكَلُّمِ أيْ فَإذا عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ وعَيَّنْتُهُ لَكَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ولا تُشاوِرْ فِيهِ أحَدًا. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ فَيَنْصُرُهم ويَهْدِيهِمْ إلى الصَّلاحِ.

3:160Page 71

إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠

If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم. ﴿وَإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ كَما خَذَلَكم يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ بِمَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ فَلا (p-46)

ناصِرَ لَكُمْ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى المُقْتَضى لِلتَّوَكُّلِ وتَحْرِيضٌ عَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ وتَحْذِيرٌ عَمّا يَسْتَجْلِبُ خِذْلانَهُ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَخُصُّوهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لِما عَلِمُوا أنْ لا ناصِرَ لَهم سِواهُ وآمَنُوا بِهِ.

3:161Page 71

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ وما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يَخُونَ في الغَنائِمِ فَإنَّ النُّبُوَّةَ تُنافِي الخِيانَةَ، يُقالُ غَلَّ شَيْئًا مِنَ المَغْنَمِ يَغُلُّ غُلُولًا وأغَلَّ إغْلالًا إذا أخَذَهُ في خُفْيَةٍ والمُرادُ مِنهُ: إمّا بَراءَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا اتُّهِمَ بِهِ إذْ رُوِيَ أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، أوْ ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ لِلْغَنِيمَةِ وقالُوا نَخْشى أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ ولا يُقَسِّمُ الغَنائِمَ.

وَإمّا المُبالَغَةُ في النَّهْيِ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ بَعَثَ طَلائِعَ، فَغَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَسَّمَ عَلى مَن مَعَهُ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ فَنَزَلَتْ.

فَيَكُونُ تَسْمِيَةُ حِرْمانِ بَعْضِ المُسْتَحِقِّينَ غُلُولًا تَغْلِيظًا ومُبالَغَةً ثانِيَةً. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ أنْ يُغَلَّ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والمَعْنى: وما صَحَّ لَهُ أنْ يُوجَدَ غالًّا أوْ أنْ يُنْسَبَ إلى الغُلُولِ. ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَأْتِ بِالَّذِي غَلَّهُ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ. أوْ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ يَعْنِي تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ وافِيًا، وكانَ اللّائِقُ بِما قَبْلَهُ أنْ يُقالَ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَتْ لَكِنَّهُ عَمَّمَ الحُكْمَ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ فالغالُّ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ ولا يُزادُ في عِقابِ عاصِيهِمْ.

3:162–163Page 71

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢

So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣

They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ بِالطّاعَةِ. ﴿كَمَن باءَ﴾ رَجَعَ. ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِسَبَبِ المَعاصِي. ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ أنَّ المَصِيرَ يَجِبُ أنْ يُخالِفَ الحالَةَ الأُولى ولا كَذَلِكَ المَرْجِعُ.

هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ شُبِّهُوا بِالدَّرَجاتِ لِما بَيْنَهم مِنَ التَّفاوُتِ في الثَّوابِ والعِقابِ، أوْ هم ذَوُو دَرَجاتٍ. واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ صادِرَةٌ عَنْهم فَيُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском