Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:164–184
3:164Page 71
لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤
Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أنْعَمَ عَلى مَن آمَنَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ مِن قَوْمِهِ وتَخْصِيصُهم مَعَ أنَّ نِعْمَةَ البِعْثَةِ عامَّةٌ لِزِيادَةِ انْتِفاعِهِمْ بِها. وقُرِئَ «لِمَن مَنَّ اللَّهُ» عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلَ مَنِّهِ أوْ بَعْثِهِ. ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى حالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ مُفْتَخِرِينَ بِهِ. وقُرِئَ «مِن أنْفَسِهِمْ» أيْ مِن أشْرَفِهِمْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أشْرَفِ قَبائِلِ العَرَبِ وبُطُونِهِمْ. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ أيِ القُرْآنَ بَعْدَ ما كانُوا جُهّالًا لَمْ يَسْمَعُوا الوَحْيَ. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ والأعْمالِ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ القُرْآنَ والسُّنَّةَ. ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ "إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ والمَعْنى وإنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ بِعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ في ضَلالٍ ظاهِرٍ.
3:165Page 71
أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥
Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.
(p-47)﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ عَلى ما سَبَقَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ أوْ عَلى مَحْذُوفٍ مِثْلَ أفَعَلْتُمْ كَذا وقُلْتُمْ، ولَمّا ظَرْفُهُ المُضافُ إلى ما أصابَتْكم أيْ أقُلْتُمْ حِينَ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي قَتْلُ سَبْعِينَ مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، والحالُ إنَّكم نِلْتُمْ ضِعْفَها يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن أيْنَ هَذا أصابَنا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِمّا اقْتَرَفَتْهُ أنْفُسُكم مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ بِتَرْكِ المَرْكَزِ فَإنَّ الوَعْدَ كانَ مَشْرُوطًا بِالثَّباتِ والمُطاوَعَةِ، أوِ اخْتِيارِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِاخْتِيارِكُمُ الفِداءَ يَوْمَ بَدْرٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى النَّصْرِ ومَنعِهِ وعَلى أنْ يُصِيبَ بِكم ويُصِيبَ مِنكم.
3:166–167Page 72
وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦
And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧
And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -
﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَهو كائِنٌ بِقَضائِهِ أوْ تَخْلِيَتِهِ الكُفّارَ سَمّاها إذْنًا لِأنَّها مِن لَوازِمِهِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ فَيَظْهَرُ إيمانُ هَؤُلاءِ وكُفْرُ هَؤُلاءِ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا داخِلٌ في الصِّلَةِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ. ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ تَقْسِيمٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ وتَخْيِيرٌ بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِلدَّفْعِ عَنِ الأنْفُسِ والأمْوالِ. وقِيلَ مَعْناهُ قاتِلُوا الكَفَرَةَ أوِ ادْفَعُوهم بِتَكْثِيرِهِمْ سَوادَ المُجاهِدِينَ، فَإنَّ كَثْرَةَ السَّوادِ مِمّا يُرَوِّعُ العَدُوَّ ويَكْسِرُ مِنهُ. ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكم فِيهِ لَكِنْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِقِتالٍ بَلْ إلْقاءٍ بِالأنْفُسِ إلى التَّهْلُكَةِ، أوْ لَوْ نُحْسِنُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم فِيهِ، وإنَّما قالُوهُ دَغْلًا واسْتِهْزاءً. ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ لِانْخِذالِهِمْ وكَلامِهِمْ هَذا فَإنَّها أوَّلُ أماراتٍ ظَهَرَتْ مِنهم مُؤْذِنَةً بِكُفْرِهِمْ. وقِيلَ هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، إذْ كانَ انْخِذالُهم ومَقالُهم تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ وتَخْذِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ، لا تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم بِالإيمانِ. وإضافَةُ القَوْلِ إلى الأفْواهِ تَأْكِيدٌ وتَصْوِيرٌ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِّفاقِ. وما يَخْلُو بِهِ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ مُفَصَّلًا بِعِلْمٍ واجِبٍ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ مُجْمَلًا بِأماراتٍ.
3:168Page 72
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨
Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ رُفِعَ بَدَلًا مِن واوِ يَكْتُمُونَ، أوْ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ أوِ الوَصْفِ لِلَّذِينِ نافَقُوا، أوْ جُرَّ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِأفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ:
؎ عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا ∗∗∗ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ
﴿لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، يُرِيدُ مَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن أقارِبِهِمْ أوْ مِن جِنْسِهِمْ. ﴿وَقَعَدُوا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْ أيْ قالُوا قاعِدِينَ عَنِ القِتالِ. ﴿لَوْ أطاعُونا﴾ في القُعُودِ بِالمَدِينَةِ. ﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ. قَرَأ هِشامٌ ما قُتِّلُوا بِتَشْدِيدِ التّاءِ. ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنَّكم تَقْدِرُونَ (p-48)
عَلى دَفْعِ القَتْلِ عَمَّنْ كُتِبَ عَلَيْهِ فادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ وأسْبابَهُ، فَإنَّهُ أحْرى بِكُمْ، والمَعْنى أنَّ القُعُودَ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِ المَوْتِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ كَثِيرَةٌ كَما أنَّ القِتالَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلاكِ والقُعُودُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ قَدْ يَكُونُ الأمْرُ بِالعَكْسِ.
3:169Page 72
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩
And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ نَزَلَتْ في شُهَداءِ أُحُدٍ. وقِيلَ في شُهَداءِ بَدْرٍ والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. وقُرِئَ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ، أوْ مَن يَحْسَبُ أوْ إلى الَّذِينَ قُتِلُوا. والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ جائِزُ الحَذْفِ عِنْدَ القَرِينَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ قُتِّلُوا بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ المَقْتُولِينَ. ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءً ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذَوُو زُلْفى مِنهُ. ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِنَ الجَنَّةِ وهو تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً.
3:170–171Page 72
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠
Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١
They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو شَرَفُ الشَّهادَةِ والفَوْزُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّمَتُّعُ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ. ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ بِإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ. ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن خَلْفِهِمْ زَمانًا أوْ رُتْبَةً. ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ والمَعْنى: إنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن أمْرِ الآخِرَةِ وحالُ مَن تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو أنَّهم إذا ماتُوا أوْ قُتِلُوا كانُوا أحْياءً حَياةً لا يُكَدِّرُها خَوْفُ وُقُوعٍ مَحْذُورٍ، وحُزْنُ فَواتٍ مَحْبُوبٍ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ بَلْ هو جَوْهَرٌ مُدْرَكٌ بِذاتِهِ لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَألُّمُهُ والتِذاذُهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آلِ فِرْعَوْنَ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ وما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «أرْواحُ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ».»
وَمَن أنْكَرَ ذَلِكَ ولَمْ يَرَ الرُّوحَ إلّا رِيحًا وعَرَضًا قالَ هم أحْياءٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما وُصِفُوا بِهِ في الحالِ لِتَحَقُّقِهِ ودُنُوِّهِ أوْ أحْياءٌ بِالذِّكْرِ أوْ بِالإيمانِ. وفِيها حَثٌّ عَلى الجِهادِ وتَرْغِيبٌ في الشَّهادَةِ وبَعْثٌ عَلى ازْدِيادِ الطّاعَةِ وإحْمادٌ لِمَن يَتَمَنّى لِإخْوانِهِ مِثْلَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ، وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ ولِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ بِحالِ إخْوانِهِمْ وهَذا بِحالِ أنْفُسِهِمْ. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ثَوابًا لِأعْمالِهِمْ. ﴿وَفَضْلٍ﴾ زِيادَةٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّعْظِيمِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ المُسْتَبْشِرِ بِهِ عُطِفَ عَلى فَضْلٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ وأُجُورُهُ مَضِيعَةٌ.
3:172Page 72
ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢
Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -
﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بِجُمْلَتِهِ ومِن لِلْبَيانِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ، لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ مُتَّقُونَ.
رُوِيَ (أنَّ «أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا رَجَعُوا فَبَلَغُوا (p-49)الرَّوْحاءَ نَدِمُوا وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَدَبَ أصْحابَهُ لِلْخُرُوجِ في طَلَبِهِ وقالَ لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ جَماعَةٍ حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ. وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ. وكانَ بِأصْحابِهِ القَرْحُ فَتَحامَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى لا يَفُوتَهُمُ الأجْرُ، وألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فَذَهَبُوا فَنَزَلَتْ.»
3:173Page 72
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣
Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ يَعْنِي الرَّكْبُ الَّذِينَ اسْتَقْبَلُوهم مِن عَبْدِ قَيْسٍ أوْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ مِن جِنْسِهِمْ كَما يُقالُ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ وما لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ لِأنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المَدِينَةِ وأذاعُوا كَلامَهُ. ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ.
رُوِيَ: «أنَّهُ نادى عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ القابِلُ خَرَجَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ وبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن عَبْدِ قَيْسٍ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ فَشَرَطَ لَهم حِمْلَ بَعِيرٍ مِن زَبِيبٍ أنْ ثَبَّطُوا المُسْلِمِينَ.»
وَقِيلَ: «لَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَسَألَهُ ذَلِكَ والتَزَمَ لَهُ عَشْرًا مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم أتَوْكم في دِيارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا شَرِيدٌ أفَتَرَوْنَ أنْ تَخْرُجُوا وقَدْ جَمَعُوا لَكم فَفَتِرُوا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ فَخَرَجَ في سَبْعِينَ راكِبًا وهم يَقُولُونَ حَسْبُنا اللَّهُ.»
﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرٍ قالَ أوْ لِفاعِلِهِ أنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، والبارِزُ لِلْمَقُولِ لَهم والمَعْنى: إنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يَضْعُفُوا بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ وازْدادَ إيمانُهم وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ وأخْلَصُوا النِّيَّةَ عِنْدَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: « (قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ ويَنْقُصُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ.»
وَهَذا ظاهِرٌ إنْ جَعَلَ الطّاعَةَ مِن جُمْلَةِ الإيمانِ وكَذا إنْ لَمْ تُجْعَلْ فَإنَّ اليَقِينَ يَزْدادُ بِالإلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ. ﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ مُحْسِبُنا وكافِينا، مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المُحْسِبِ إنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالإضافَةِ تَعْرِيفًا في قَوْلِكَ هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ. ﴿وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ونِعْمَ المَوْكُولُ إلَيْهِ هو.
3:174–175Page 73
فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤
So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥
That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.
﴿فانْقَلَبُوا﴾ فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عافِيَةٍ وثَباتٍ عَلى الإيمانِ وزِيادَةٍ فِيهِ. ﴿وَفَضْلٍ﴾ ورِبْحٍ في التِّجارَةِ فَإنَّهم لَمّا أتَوْا بَدْرًا وأوْفَوْا بِها سُوقًا فاتَّجَرُوا ورَبِحُوا. ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ مِن جِراحَةٍ وكَيْدِ عَدُوٍّ.
﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو مَناطُ الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ بِجَراءَتِهِمْ وخُرُوجِهِمْ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّثْبِيتِ وزِيادَةِ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ لِلْمُبادَرَةِ إلى الجِهادِ، والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وإظْهارِ الجَراءَةِ عَلى العَدُوِّ، وبِالحِفْظِ عَنْ كُلِّ ما يَسُوءُهُمْ، وإصابَةِ النَّفْعِ مَعَ ضَمانِ الأجْرِ حَتّى انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ. وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْمُتَخَلِّفِ وتَخْطِئَةُ رَأْيِهِ حَيْثُ حَرَمَ نَفْسَهُ ما فازُوا بِهِ.
﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ يُرِيدُ بِهِ المُثَبِّطَ نُعَيْمًا أوْ أبا سُفْيانَ، والشَّيْطانُ خَبَرُ ذَلِكُمُ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِشَيْطَنَتِهِ أوْ صِفَتِهِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنَّما ذَلِكم قَوْلُ الشَّيْطانِ يَعْنِي إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ. ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ القاعِدِينَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ الرَّسُولِ، أوْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ الَّذِينَ هم (p-50)
أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ. ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ وإلى الأوْلِياءِ عَلى الثّانِي. ﴿وَخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي. إنْ ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ.
3:176–177Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧
Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا حِرْصًا عَلَيْهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوْ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ. والمَعْنى لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ ويُعِينُوا عَلَيْكَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ أيْ لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، وإنَّما يَضُرُّونَ بِها أنْفُسَهم. وشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَفْعُولَ والمَصْدَرَ وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنْكَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ ما خَلا قَوْلَهُ في الأنْبِياءِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ وضَمَّ الزّايَ فِيهِ والباقُونَ كَذَلِكَ في الكُلِّ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ نَصِيبًا مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهو يَدُلُّ عَلى تَمادِي طُغْيانِهِمْ ومَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وفي ذِكْرِ الإرادَةِ إشْعارٌ بِأنَّ كُفْرَهم بَلَغَ الغايَةَ حَتّى أرادَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم حَظٌّ مِن رَحْمَتِهِ، وإنَّ مُسارَعَتَهم في الكُفْرِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ. ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مَعَ الحِرْمانِ عَنِ الثَّوابِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ تَعْمِيمٌ لِلْكَفَرَةِ بَعْدَ تَخْصِيصِ مَن نافَقَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ.
3:178Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨
And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ لِكُلِّ مَن يَحْسَبُ. والَّذِينَ مَفْعُولٌ وأنَّما نُمْلِي لَهم بَدَلٌ مِنهُ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّ التَّعْوِيلَ عَلى البَدَلِ وهو يَنُوبُ عَنِ المَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ أوِ المَفْعُولُ الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مِثْلَ: " ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " أصْحابَ أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ ولا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وكانَ حَقُّها أنْ تُفْصَلَ في الخَطِّ ولَكِنَّها وقَعَتْ مُتَّصِلَةً في الإمامِ فاتَّبِعْ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِالياءِ عَلى إنَّ الَّذِينَ فاعِلٌ وإنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ مَفْعُولٌ وفَتَحَ سِينَهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ. والإمْلاءُ الإمْهالُ وإطالَةُ العُمُرِ. وقِيلَ تَخْلِيَتُهم وشَأْنَهُمْ، مِن أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطُّولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ. ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِما هو العِلَّةُ لِلْحُكْمِ قَبْلَها، وما كافَّةٌ واللّامُ لامُ الإرادَةِ. وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لامُ العاقِبَةِ. وقُرِئَ «أنَّما» بِالفَتْحِ هُنا وبِكَسْرِ الأُولى ولا يَحْسَبَنَّ بِالياءِ عَلى مَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ بَلْ لِلتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ، وأنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ اعْتِراضٌ. مَعْناهُ أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ لَهم إنِ انْتَبَهُوا وتَدارَكُوا فِيهِ ما فَرَطَ مِنهم.
﴿وَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الواوِ أيْ لِيَزْدادُوا إثْمًا مُعَدًّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ.
3:179Page 73
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩
Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.
﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الخِطابُ لِعامَّةِ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ في عَصْرِهِ، والمَعْنى لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ لا يُعْرَفُ مُخْلِصُكم مِن مُنافِقِكم حَتّى يُمَيِّزَ المُنافِقَ مِنَ المُخْلِصِ بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ بِأحْوالِكُمْ، أوْ بِالتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها ولا يُذْعِنُ لَها إلّا الخُلَّصُ المُخْلِصُونَ مِنكُمْ، كَبَذْلِ الأمْوالِ والأنْفُسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِيَخْتَبِرَ النَّبِيُّ بِهِ بَواطِنَكم ويَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى عَقائِدِكم.
وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ حَتّى يَمِيزَ، هُنا وفي «الأنْفالِ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الياءِ وتَشْدِيدِها والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ. ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ وما كانَ اللَّهُ لِيُؤْتِيَ أحَدَكم عِلْمَ الغَيْبِ فَيَطَّلِعُ عَلى ما في القُلُوبِ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي لِرِسالَتِهِ مَن يَشاءُ فَيُوحِي إلَيْهِ ويُخْبِرُهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، أوْ يَنْصَبُّ لَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْها. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ بِصِفَةِ الإخْلاصِ، أوْ بِأنْ تَعْلَمُوهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ وتَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبَيْنَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ ولا يَقُولُونَ إلّا ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ.
رُوِيَ « (أنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ.»
عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي وأُعْلِمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي ومَن يَكْفُرُ» . فَقالَ المُنافِقُونَ إنْ يَزْعُمْ أنَّهُ يَعْرِفُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومَن يَكْفُرُ ونَحْنُ مَعَهُ ولا يَعْرِفُنا فَنَزَلَتْ.» ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾ حَقَّ الإيمانِ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النِّفاقَ. ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
3:180Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠
And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ القِراءاتُ فِيهِ عَلى ما سَبَقَ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ قَدَّرَ مُضافًا لِيَتَطابَقَ مَفْعُولاهُ أيْ ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ هو خَيْرًا لَهُمْ، وكَذا مَن قَرَأ بِالياءِ إنْ جَعَلَ الفاعِلَ ضَمِيرَ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ مَن يَحْسَبُ وإنْ جَعَلَهُ المَوْصُولَ كانَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ أيْ ولا يَحْسَبَنَّ البُخَلاءُ بُخْلَهم هو خَيْرًا لَهم. ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ البُخْلُ. ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ لِاسْتِجْلابِ العِقابِ عَلَيْهِمْ. ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ، والمَعْنى سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ إلْزامَ الطَّوْقِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا جَعَلَهُ اللَّهُ شُجاعًا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ».»
﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَهُ ما فِيهِما مِمّا يَتَوارَثُ، فَما لِهَؤُلاءِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمالِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ، أوْ أنَّهُ يَرِثُ مِنهم ما يُمْسِكُونَهُ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ بِهَلاكِهِمْ وتَبْقى عَلَيْهِمُ الحَسْرَةُ والعُقُوبَةُ.
﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَنعِ والإعْطاءِ. ﴿خَبِيرٌ﴾ فَمُجازِيهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ وهو أبْلَغُ في الوَعِيدِ.
3:181–182Page 74
لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١
Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢
That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ قالَتْهُ اليَهُودُ لَمّا سَمِعُوا ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
وَرُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَقالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَ القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا ما بَيْنَنا مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ.»
والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ وأنَّهُ أعَدَّ لَهُمُ العِقابَ (p-52)
عَلَيْهِ. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ سَنَكْتُبُهُ في صَحائِفِ الكَتَبَةِ، أوْ سَنَحْفَظُهُ في عِلْمِنا لا نُهْمِلُهُ لِأنَّهُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ إذْ هو كُفْرٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتِهْزاءٌ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، ولِذَلِكَ نَظَّمَهُ مَعَ قَتْلِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذا القَوْلِ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ سَيُكْتَبُ بِالياءِ وضَمِّها وفَتْحِ التّاءِ وقَتْلُهم بِالرَّفْعِ ويَقُولُ بِالياءِ. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ ونَنْتَقِمُ مِنهم بِأنْ نَقُولَ لَهم ذُوقُوا العَذابَ المُحْرِقَ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ في الوَعِيدِ. والذَّوْقُ إدْراكُ الطُّعُومِ، وعَلى الِاتِّساعِ يُسْتَعْمَلُ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هاهُنا لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ البُخْلِ والتَّهالُكِ عَلى المالِ، وغالِبُ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ ومُعْظَمُ بُخْلِهِ بِهِ لِلْخَوْفِ مِن فِقْدانِهِ ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وقَوْلِهِمْ هَذا وسائِرِ مَعاصِيهِمْ. عَبَّرَ بِالأيْدِي عَنِ الأنْفُسِ لِأنَّ أكْثَرَ أعْمالِها بِهِنَّ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمَتْ وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ إنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِيَ إثابَةَ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ.
3:183Page 74
ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣
[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكٌ وحُيَيٌّ وفِنْحاصُ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا. ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا. ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ بِأنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ الخاصَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو أنْ يُقَرِّبَ بِقُرْبانٍ فَيَقُومُ النَّبِيُّ فَيَدْعُو فَتَنْزِلُ نارٌ سَماوِيَّةٌ فَتَأْكُلُهُ، أيْ تُحِيلُهُ إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ. وهَذا مِن مُفْتَرَياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ لِأنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ شَرْعٌ في ذَلِكَ. ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ تَكْذِيبٌ وإلْزامٌ بِأنَّ رُسُلًا جاءُوهم قَبْلَهُ كَزَكَرِيّا ويَحْيى بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ مُوجِبَةٍ لِلتَّصْدِيقِ وبِما اقْتَرَحُوهُ فَقَتَلُوهُمْ، فَلَوْ كانَ المُوجِبُ لِلتَّصْدِيقِ هو الإتْيانُ بِهِ وكانَ تَوَقُّفُهم وامْتِناعُهم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِهِ فَما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَن جاءَ بِهِ في مُعْجِزاتٍ أُخَرَ واجْتَرَءُوا عَلى قَتْلِهِ.
3:184Page 74
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ واليَهُودِ، والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو الكِتابُ المَقْصُورُ عَلى الحُكْمِ مِن زَبَرْتُ الشَّيْءَ إذا حَبَسْتَهُ، والكِتابُ في عُرْفِ القُرْآنِ ما يَتَضَمَّنُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ ولِذَلِكَ جاءَ الكِتابُ والحِكْمَةُ مُتَعاطِفَيْنِ في عامَّةِ القُرْآنِ. وقِيلَ الزُّبُرُ المَواعِظُ والزَّواجِرُ، مِن زَبَرْتُهُ إذا زَجَرْتَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وبِالزُّبُرِ وهِشامٌ وبِالكِتابِ بِإعادَةِ الجارِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُغايِرَةٌ لِلْبَيِّناتِ بِالذّاتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences