Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:148–172
4:148–149Page 102
۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨
Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.
إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩
If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1
لا ﴿يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ بِالدُّعاءِ عَلى الظّالِمِ والتَّظَلُّمِ مِنهُ.
وَرُوِيَ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ عَلَيْهِ. فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ مَن ظَلَمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أيْ ولَكِنَّ الظّالِمَ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ. ﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لِكَلامِ المَظْلُومِ. ﴿عَلِيمًا﴾ بِالظّالِمِ.(p-106)
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ طاعَةً وبِرًّا. ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أوْ تَفْعَلُوهُ سِرًّا. ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ لَكُمُ المُؤاخَذَةُ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَشْبِيبٌ لَهُ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أيْ يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ فَأنْتُمْ أوْلى بِذَلِكَ، وهو حَثٌّ لِلْمَظْلُومِ عَلى العَفْوِ بَعْدَ ما رُخِّصَ لَهُ في الِانْتِظارِ حَمْلًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.
4:150–151Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ.
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ. ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا وسَطًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، ولا واسِطَةَ: إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتِمُّ إلّا بِالإيمانِ بِرُسُلِهِ وتَصْدِيقِهِمْ فِيما بَلَّغُوا عَنْهُ تَفْصِيلًا أوْ إجْمالًا، فالكافِرُ بِبَعْضِ ذَلِكَ كالكافِرِ بِالكُلِّ في الضَّلالِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في الكُفْرِ لا عِبْرَةَ بِإيمانِهِمْ هَذا. ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ بِمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا أيْ يَقِينًا مُحَقَّقًا. ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
4:152Page 102
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أضْدادُهم ومُقابِلُوهُمْ، وإنَّما دَخَلَ بَيْنَ عَلى أحَدٍ وهو يَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا لِعُمُومِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ. أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمُ المَوْعُودَةَ لَهم وتَصْدِيرُهُ بِسَوْفَ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وقالُونُ عَنْ يَعْقُوبَ بِالياءِ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما فَرَطَ مِنهم. ﴿رَحِيمًا﴾ عَلَيْهِمْ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ.
4:153Page 102
يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣
The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كِتابًا مُحَرَّرًا بِخَطٍّ سَماوِيٍّ عَلى ألْواحٍ كَما كانَتِ التَّوْراةُ، أوْ كِتابًا نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ كِتابًا إلَيْنا بِأعْيانِنا بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ فَقَدْ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكْبَرَ مِنهُ، وهَذا السُّؤالُ وإنْ كانَ مِن آبائِهِمْ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا آخِذِينَ بِمَذْهَبِهِمْ تابِعِينَ لِهَدْيِهِمْ. والمَعْنى إنَّ عِرْقَهم راسِخٌ في ذَلِكَ وأنَّ ما اقْتَرَحُوهُ عَلَيْكَ لَيْسَ بِأوَّلِ جَهالاتِهِمْ وخَيالاتِهِمْ. ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ عَيانًا أيْ أرِناهُ نَرَهُ جَهْرَةً، أوْ مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ لَهُ. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ نارٌ جاءَتْ مِن قِبَلِ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهم. ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهُمْ، ما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وذَلِكَ لا يَقْتَضِي امْتِناعَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ هَذِهِ الجِنايَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي اقْتَرَفَها أيْضًا أوائِلُهُمْ، والبَيِّناتُ، (p-107)المُعْجِزاتُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى التَّوْراةِ إذْ لَمْ تَأْتِهِمْ بَعْدُ. ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ تَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلَيْهِمْ حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ.
4:154Page 102
وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤
And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ لِيَقْبَلُوهُ. ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ عَلى لِسانِ مُوسى والطُّورُ مُطِلٌّ عَلَيْهِمْ. ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ عَلى لِسانِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ عَلى لِسانِ مُوسى حِينَ طَلَلَ الجَبَلَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ شَرَعَ السَّبْتَ ولَكِنْ كانَ الِاعْتِداءُ فِيهِ والمَسْخُ بِهِ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ لا تَعْدُوا عَلى أنَّ أصْلَهُ لا تَتَعَدُّوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وقَرَأ قالُونُ بِإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ والنَّصِّ عَنْهُ بِالإسْكانِ. ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَلى ذَلِكَ وهو قَوْلُهم سَمِعْنا وأطَعْنا.
4:155Page 103
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥
And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ فَخالَفُوا ونَقَضُوا فَفَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِنَقْضِهِمْ، وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ النَّقْضِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ إلى قَوْلِهِ فَبِظُلْمٍ لا بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها﴾ مِثْلَ لا يُؤْمِنُونَ لِأنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ فَيَكُونُ مِن صِلَةِ وقَوْلِهِمُ المَعْطُوفِ عَلى المَجْرُورِ فَلا يَعْمَلُ في جارِّهِ. ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِما جاءَ في كِتابِهِمْ. ﴿وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ، أوْ في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ فَجَعَلَها مَحْجُوبَةً عَنِ العِلْمِ، أوْ خَذَلَها ومَنَعَها التَّوْفِيقَ لِلتَّدَبُّرِ في الآياتِ والتَّذَكُّرِ في المَواعِظِ. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أوْ إيمانًا قَلِيلًا إذْ لا عِبْرَةَ بِهِ لِنُقْصانِهِ.
4:156Page 103
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى بِكُفْرِهِمْ لِأنَّهُ مِن أسْبابِ الطَّبْعِ، أوْ عَلى قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ مَجْمُوعُ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ ويَكُونُ تَكْرِيرُ ذِكْرِ الكُفْرِ إيذانًا بِتَكَرُّرِ كُفْرِهِمْ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي نِسْبَتَها إلى الزِّنا.
4:157–158Page 103
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ بِزَعْمِهِ ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ونَظِيرُهُ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمَدْحِهِ، أوْ وضْعًا لِلذِّكْرِ الحَسَنِ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ. ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾
رُوِيَ (أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبَوْهُ وأُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إلى السَّماءِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يَرْضى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ ويُصْلَبَ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَقامَ رَجُلٌ مِنهم فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-108)شَبَهَهُ فَقُتِلَ وصُلِبَ. وقِيلَ (كانَ رَجُلًا يُنافِقُهُ فَخَرَجَ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَأُخِذَ وصُلِبَ وقُتِلَ )، وقِيلَ: (دَخَلَ طَيْطانُوسُ اليَهُودِيُّ بَيْتًا كانَ هو فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَلَمّا خَرَجَ ظُنَّ أنَّهُ عِيسى فَأُخِذَ وصُلِبَ. وأمْثالُ ذَلِكَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي لا تُسْتَبْعَدُ في زَمانِ النُّبُوَّةِ، وإنَّما ذَمَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَصْدِهِمْ قَتْلَ نَبِيِّهِ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، وتَبَجُّحِهِمْ بِهِ لا بِقَوْلِهِمْ هَذا عَلى حَسَبِ حُسْبانِهِمْ، وشُبِّهَ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ عِيسى والمَقْتُولِ أوْ في الأمْرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ ولَكِنْ أُرْجِفَ بِقَتْلِهِ فَشاعَ بَيْنَ النّاسِ، أوْ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ لِدَلالَةِ إنّا قَتَلْنا عَلى أنَّ ثَمَّ قَتِيلًا. ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ بَعْضُ اليَهُودِ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا، وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ. وقالَ قَوْمٌ: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ. لَفي شَكٍّ مِنهُ لَفي تَرَدُّدٍ، والشَّكُّ كَما يُطْلَقُ عَلى ما لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ طَرَفَيْهِ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ، وعَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرُهُ فَيَتَّصِلُ الِاسْتِثْناءُ. ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قَتْلًا يَقِينًا كَما زَعَمُوهُ بِقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ، أوْ مُتَيَقِّنِينَ. وقِيلَ مَعْناهُ ما عَلِمُوهُ يَقِينًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكُمُ يَقِينًا
مِن قَوْلِهِمْ قَتَلْتُ الشَّيْءَ عِلْمًا ونَحَرْتُهُ عِلْمًا إذا تُبالِغُ في عِلْمِكَ.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يَغْلِبُ عَلى ما يُرِيدُهُ.
﴿حَكِيمًا﴾ فِيما دَبَّرَهُ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
4:159Page 103
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.
﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ وما مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، فَقَوْلُهُ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِأحَدٍ ويَعُودُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الثّانِي، والأوَّلُ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمَعْنى ما مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ ولَوْ حِينَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ ولا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ. «إلّا لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ» بِضَمِّ النُّونِ لِأنَّ أحَدًا في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذا كالوَعِيدِ لَهم والتَّحْرِيضِ عَلى مُعاجَلَةِ الإيمانِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَضْطَرُّوا إلَيْهِ ولَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم. وقِيلَ الضَّمِيرانِ لِعِيسى عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، والمَعْنى: أنَّهُ إذا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ آمَنَ بِهِ أهْلُ المِلَلِ جَمِيعًا.
رُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ حِينَ يَخْرُجُ الدَّجّالُ فَيُهْلِكُهُ ولا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ، حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ، وتَقَعُ الأمَنَةُ حَتّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإبِلِ، والنُّمُورُ مَعَ البَقَرِ، والذِّئابُ مَعَ الغَنَمِ، وتَلْعَبُ الصِّبْيانُ بِالحَيّاتِ. ويَلْبَثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ويَدْفِنُونَهُ، ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فَيَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِالتَّكْذِيبِ وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ.
4:160–161Page 103
فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠
For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],
وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١
And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ فَبِأيِّ ظُلْمٍ مِنهم. ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يَعْنِي ما ذَكَرَهُ في (p-109)قَوْلِهِ ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ناسًا كَثِيرًا أوْ صَدًّا كَثِيرًا.
﴿وَأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ كانَ الرِّبا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى دَلالَةِ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ. ﴿وَأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرَّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ. ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ دُونَ مَن تابَ وآمَنَ.
4:162Page 103
لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢
But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِنهم أوْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ إنْ جُعِلَ يُؤْمِنُونَ الخَبَرَ لِأُولَئِكَ، أوْ عَطْفٌ عَلى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ والمُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ والأنْبِياءِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الرّاسِخُونَ أوْ عَلى الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ. ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ رَفْعُهُ لِأحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ. ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ وما يُصَدِّقُهُ مِنِ اتِّباعِ الشَّرائِعِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالآيَةِ. ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الإيمانِ الصَّحِيحِ والعَمَلِ الصّالِحِ وقَرَأ حَمْزَةُ سَيُؤْتِيهِمْ بِالياءِ.
4:163Page 104
۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنِ اقْتِراحِهِمْ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أمْرَهُ في الوَحْيِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ اشْتِمالِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، فَإنَّ إبْراهِيمَ أوَّلُ أُولِي العَزْمِ مِنهم وعِيسى آخِرُهُمْ، والباقِينَ أشْرَفُ الأنْبِياءِ ومَشاهِيرُهم. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ زُبُورًا بِالضَّمِّ وهو جَمْعُ زُبُرٍ. بِمَعْنى مَزْبُورٍ.
4:164–165Page 104
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.
رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥
[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
﴿وَرُسُلا﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ أوْحَيْنا إلَيْكَ كَأرْسَلْنا أوْ فَسَّرَهُ: ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أوِ اليَوْمَ. ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ وهو مُنْتَهى مَراتِبِ الوَحْيِ خُصَّ بِهِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ، وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أعْطاهُ مِثْلَ ما أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم.
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ بِإضْمارِ أرْسَلْنا، أوْ عَلى الحالِ ويَكُونُ رُسُلًا مُوَطِّئًا لِما بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا. ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فَيَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَيُنَبِّهُنا ويُعَلِّمُنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ بِعْثَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى النّاسِ ضَرُورَةٌ لِقُصُورِ الكُلِّ عَنْ إدْراكِ جُزَيْئاتِ المَصالِحِ والأكْثَرِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا أوْ بِقَوْلِهِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وحُجَّةٌ اسْمُ كانَ وخَبَرُهُ لِلنّاسِ أوْ عَلى اللَّهِ والآخَرُ حالٌ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِحُجَّةٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وبَعْدَ ظَرْفٌ لَها أوْ صِفَةٌ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُ. ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما دَبَّرَ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ وخَصَّ كُلَّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ الوَحْيِ والإعْجازِ.(p-110)
4:166Page 104
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦
But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ اسْتِدْراكٌ عَنْ مَفْهُومِ ما قَبْلَهُ فَكَأنَّهُ لَمّا تَعَنَّتُوا عَلَيْهِ بِسُؤالِ كِتابٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ، أوْ أنَّهم أنْكَرُوهُ ولَكِنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُهُ ويُقَرِّرُهُ. ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى نُبُوَّتِكَ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا ما نَشْهَدُ لَكَ فَنَزَلَتْ.
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ بِهِ، وهو العِلْمُ بِتَأْلِيفِهِ عَلى نَظْمٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ، أوْ بِحالِ مَن يَسْتَعِدُّ لِلنُّبُوَّةِ ويَسْتَأْهِلُ نُزُولَ الكِتابِ عَلَيْهِ، أوْ بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلَيْنِ حالٌ مِنَ الفاعِلِ وعَلى الثّالِثِ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيْضًا بِنُبُوَّتِكَ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَعْلَمُوا صِحَّةَ دَعْوى النُّبُوَّةِ عَلى وجْهٍ يَسْتَغْنِي عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، وهَذا النَّوْعُ مِن خَواصِّ المَلِكِ ولا سَبِيلَ لِلْإنْسانِ إلى العِلْمِ بِأمْثالِ ذَلِكَ سِوى الفِكْرِ والنَّظَرِ، فَلَوْ أتى هَؤُلاءِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ لَعَرَفُوا نُبُوَّتَكَ وشَهِدُوا بِها كَما عَرَفَتِ المَلائِكَةُ وشَهِدُوا. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ وكَفى بِما أقامَ مِنَ الحُجَجِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ عَنِ الِاسْتِشْهادِ بِغَيْرِهِ.
4:167–169Page 104
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧
Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨
Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩
Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ ولِأنَّ المُضِلَّ يَكُونُ أغْرَقَ في الضَّلالِ وأبْعَدَ مِنِ الِانْقِلاعِ عَنْهُ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ، أوِ النّاسُ بِصَدِّهِمْ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم وخَلاصُهم أوْ بِأعَمِّ مِن ذَلِكَ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ إذِ المُرادُ بِهِمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والظُّلْمِ. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾
﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَجَرى حُكْمُهُ السّابِقُ ووَعْدُهُ المَحْتُومُ عَلى أنَّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَهو خالِدٌ في النّارِ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ. ﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ ولا يَسْتَعْظِمُهُ.
4:170Page 104
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠
O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.
﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ لِما قَرَّرَ أمْرَ النُّبُوَّةِ وبَيْنَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى العِلْمِ بِها ووَعِيدِ مَن أنْكَرَها، خاطَبَ النّاسَ عامَّةً بِالدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ والوَعْدِ بِالإجابَةِ والوَعِيدِ عَلى الرَّدِّ. ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أيْ إيمانًا خَيْرًا لَكم أوِ ائْتُوا أمْرًا خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ تَقْدِيرُهُ يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكم ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ لِأنَّ كانَ لا يُحْذَفُ مَعَ اسْمِهِ إلّا فِيما لا بُدَّ مِنهُ ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى حَذْفِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي وإنْ تَكْفُرُوا فَهو غَنِيٌّ عَنْكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم كَما لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، ونَبَّهَ عَلى غِناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهو يَعُمُّ ما اشْتَمَلَتا عَلَيْهِ وما تَرَكَّبَتا مِنهُ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِهِمْ. ﴿حَكِيمًا﴾ فِيما دَبَّرَ لَهم.
4:171Page 105
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ، غَلَتِ اليَهُودُ في حَطِّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى رَمَوْهُ بِأنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى في رَفْعِهِ حَتّى اتَّخَذُوهُ إلَهًا. وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّصارى خاصَّةً فَإنَّهُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ يَعْنِي تَنْزِيهَهُ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أوْصَلَها إلَيْها وحَصَّلَها فِيها. ﴿وَرُوحٌ مِنهُ﴾ وذُو رُوحٍ صَدَرَ مِنهُ لا بِتَوَسُّطِ ما يَجْرِي مَجْرى الأصْلِ والمادَّةِ لَهُ، وقِيلَ سُمِّيَ رُوحًا لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي الأمْواتَ أوِ القُلُوبَ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أيِ الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ اللَّهُ والمَسِيحُ ومَرْيَمُ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أوِ اللَّهُ ثَلاثَةٌ إنْ صَحَّ أنَّهم يَقُولُونَ اللَّهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ الأبُ والِابْنُ ورُوحُ القُدُسِ، ويُرِيدُونَ بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ العِلْمَ، وبِرُوحِ القُدُسِ الحَياةَ. ﴿انْتَهُوا﴾ عَنِ التَّثْلِيثِ. ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ نَصْبُهُ كَما سَبَقَ. ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ واحِدٌ بِالذّاتِ لا تَعَدُّدَ فِيهِ بِوَجْهٍ ما. ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِمَن يُعادِلُهُ مِثْلٌ، ويَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَناءٌ. ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَيَتَّخِذُهُ ولَدًا. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى غِناهُ عَنِ الوَلَدِ فَإنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ لِيَكُونَ وكِيلًا لِأبِيهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قائِمٌ بِحِفْظِ الأشْياءِ كافٍ في ذَلِكَ مُسْتَغْنٍ عَمَّنْ يَخْلُقُهُ أوْ يُعِينُهُ.
4:172Page 105
لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢
Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ لَنْ يَأْنَفَ، مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ كَيْلا يُرى أثَرُهُ عَلَيْكَ. ﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لَهُ فَإنَّ عُبُودِيَّتَهُ شَرَفٌ يَتَباهى بِهِ، وإنَّما المَذَلَّةُ والِاسْتِنْكافُ في عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ.
رُوِيَ « (أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ومَن صاحِبُكُمْ؟ قالُوا: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ. قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، قالُوا: بَلى)، فَنَزَلَتْ.»
﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ أيْ ولا يَسْتَنْكِفُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ مَساقُهُ لِرَدِّ قَوْلِ النَّصارى في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَقامِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ أعْلى دَرَجَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَدَمُ اسْتِنْكافِهِمْ كالدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ، وجَوابُهُ أنَّ الآيَةَ لِلرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ فَلا يَتَّجِهُ ذَلِكَ وإنْ سَلِمَ اخْتِصاصُها بِالنَّصارى فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالعَطْفِ المُبالَغَةَ بِاعْتِبارِ التَّكْثِيرِ دُونَ التَّكْبِيرِ كَقَوْلِكَ: أصْبَحَ الأمِيرُ لا يُخالِفُهُ رَئِيسٌ ولا مَرْؤُوسٌ، وإنْ أرادَ بِهِ التَّكْبِيرَ فَغايَتُهُ تَفْضِيلُ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ، أوْ مَن أعْلى مِنهم رُتْبَةً مِنَ المَلائِكَةِ أعْلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًا والنِّزاعُ فِيهِ. ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ﴾ ومَن يَرْتَفِعُ عَنْها، والِاسْتِكْبارُ دُونَ الِاسْتِنْكافِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ مِن حَيْثُ لا اسْتِحْقاقَ بِخِلافِ التَّكَبُّرِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِحْقاقِ. ﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ فَيُجازِيهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences