Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:172–202
7:172–174Page 173
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢
And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."
أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣
Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤
And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1
﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ أخْرَجَ مِن أصْلابِهِمْ نَسَلَهم عَلى ما يَتَوالَدُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ومِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ بَدَلَ البَعْضِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ « ذُرِّيّاتِهِمْ» . ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ أيْ ونَصَبَ لَهم دَلائِلَ رُبُوبِيَّتِهِ ورَكَّبَ في عُقُولِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الإقْرارِ بِها حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن قِيلَ لَهم:﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَنَزَلَ تَمْكِينُهم مِنَ العِلْمِ بِها وتَمَكُّنُهم مِنهُ بِمَنزِلَةِ الإشْهادِ والِاعْتِرافِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا. ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ.
﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنْ تَقُولُوا﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو كِلَيْهِما بِالياءِ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ عَلى الغَيْبَةِ. ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ لِأنَّ التَّقْلِيدَ عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ والتَّمَكُّنِ مِنَ العِلْمِ بِهِ لا يَصْلُحُ عُذْرًا. ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ يَعْنِي آباءَهُمُ المُبْطِلِينَ بِتَأْسِيسِ الشِّرْكِ. وقِيلَ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ ذَرِّيَّةً كالذَّرِّ وأحْياهم وجَعَلَ لَهُمُ العَقْلَ والنُّطْقَ وألْهَمَهم ذَلِكَ لِحَدِيثٍ رَواهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ حَقَّقْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِي لِكِتابِ « المَصابِيحِ»، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذا الكَلامِ ها هُنا إلْزامُ (p-42)اليَهُودِ بِمُقْتَضى المِيثاقِ العامِّ بَعْدَ ما ألْزَمَهم بِالمِيثاقِ المَخْصُوصِ بِهِمْ، والِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِالحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ومَنعَهم عَنِ التَّقْلِيدِ وحَمْلَهم عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كَما قالَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنِ التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الباطِلِ.
7:175Page 173
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥
And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى اليَهُودِ. ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ هو أحَدُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ فَإنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، أوْ بُلْعُمُ بْنُ باعُوراءَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ أُوتِيَ عِلْمَ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ، ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ مِنَ الآياتِ بِأنْ كَفَرَ بِها وأعْرَضَ عَنْها. ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ حَتّى لَحِقَهُ وقِيلَ اسْتَتْبَعَهُ. ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَصارَ مِنَ الضّالِّينَ.
رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ سَألُوهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى ومَن مَعَهُ فَقالَ: كَيْفَ أدْعُو عَلى مَن مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَألَحُّوا حَتّى دَعا عَلَيْهِمْ فَبَقُوا في التِّيهِ.
7:176–177Page 173
وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦
And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.
سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧
How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.
﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ﴾ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ مِنَ العُلَماءِ. ﴿بِها﴾ بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ ومُلازَمَتِها. ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مالَ إلى الدُّنْيا أوْ إلى السَّفالَةِ. ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في إيثارِ الدُّنْيا واسْتِرْضاءِ قَوْمِهِ وأعْرَضَ عَنْ مُقْتَضى الآياتِ، وإنَّما عَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَنْهُ بِفِعْلِ العَبْدِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَشِيئَةَ سَبَبٌ لِفِعْلِهِ المُوجِبِ لِرَفْعِهِ وأنَّ عَدَمَهُ دَلِيلُ عَدَمِها دَلالَةَ انْتِفاءِ المُسَبَّبِ عَلى انْتِفاءِ سَبَبِهِ، وأنَّ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ هو المَشِيئَةُ وأنَّ ما نُشاهِدُهُ مِنَ الأسْبابِ وسائِطُ مُعْتَبَرَةٌ في حُصُولِ المُسَبَّبِ مِن حَيْثُ أنَّ المَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ ولَكِنَّهُ أعْرَضَ عَنْها فَأوْقَعَ مَوْقِعَهُ ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾، مُبالَغَةً وتَنْبِيهًا عَلى ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ وأنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ فَصِفَتُهُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الخِسَّةِ. ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ كَصِفَتِهِ في أخَسِّ أحْوالِهِ وهو ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أيْ يَلْهَثُ دائِمًا سَواءً حُمِلَ عَلَيْهِ بِالزَّجْرِ والطَّرْدِ أوْ تُرِكَ ولَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ لِضَعْفِ فُؤادِهِ. واللَّهْثُ إدْلاعُ اللِّسانِ مِنَ التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ والشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ والمَعْنى: لاهِثًا في الحالَتَيْنِ، والتَّمْثِيلُ واقِعٌ مَوْقِعَ لازِمِ التَّرْكِيبِ الَّذِي هو نَفْيُ الرَّفْعِ ووَضْعُ المُنْزِلَةِ لِلْمُبالَغَةِ والبَيانِ. وقِيلَ لَمّا دَعا عَلى مُوسى ﷺ خَرَجَ لِسانُهُ فَوَقَعَ عَلى صَدْرِهِ وجَعَلَ يَلْهَثُ كالكَلْبِ. ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ القِصَّةَ المَذْكُورَةَ عَلى اليَهُودِ فَإنَّها نَحْوُ قِصَصِهِمْ. ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ تَفَكُّرًا يُؤَدِّي بِهِمْ إلى الِاتِّعاظِ.
﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ أيْ مَثَلُ القَوْمِ، وقُرِئَ (ساءَ مَثَلُ القَوْمِ) عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وعِلْمِهِمْ بِها. ﴿وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا في الصِّلَةِ مَعْطُوفًا عَلى كَذَّبُوا بِمَعْنى: الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ تَكْذِيبِ الآياتِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُنْقَطِعًا عَنْها بِمَعْنى: وما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم فَإنَّ وبالَهُ لا يَتَخَطّاها، ولِذَلِكَ قَدَّمَ المَفْعُولَ.
7:178–179Page 173
مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨
Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.
وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩
And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.
(p-43)﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَخْتَصُّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وأنَّها مُسْتَلْزَمَةٌ لِلِاهْتِداءِ والإفْرادُ في الأوَّلِ والجَمْعُ في الثّانِي بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، والمَعْنى تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُهْتَدِينَ كَواحِدٍ لِاتِّحادِ طَرِيقِهِمْ بِخِلافِ الضّالِّينَ، والِاقْتِصارُ في الإخْبارِ عَمَّنْ هَداهُ اللَّهُ بِالمُهْتَدِي تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الِاهْتِداءِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ لَكَفاهُ وأنَّهُ المُسْتَلْزَمُ لِلْفَوْزِ بِالنِّعَمِ الآجِلَةِ والعُنْوانِ لَها.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ خَلَقْنا. ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنِي المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ في عِلْمِهِ تَعالى.
﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ إذْ لا يُلْقُونَها إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والنَّظَرِ في دَلائِلِهِ. ﴿وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيْ لا يَنْظُرُونَ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ نَظَرَ اعْتِبارٍ. ﴿وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَأمُّلٍ وتَذَكُّرٍ.
﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ في عَدَمِ الفِقْهِ والإبْصارِ لِلِاعْتِبارِ والِاسْتِماعِ لِلتَّدَبُّرِ، أوْ في أنَّ مَشاعِرَهم وقُواهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها. ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فَإنَّها تُدْرِكُ ما يُمْكِنُ لَها أنْ تُدْرِكَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، وتَجْتَهِدُ في جَلْبِها ودَفْعِها غايَةَ جُهْدِها، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ بَلْ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ فَيُقْدِمُ عَلى النّارِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ.
7:180–181Page 174
وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠
And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.
وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١
And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.
﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى مَعانٍ هي أحْسَنُ المَعانِي، والمُرادُ بِها الألْفاظُ وقِيلَ الصِّفاتُ.
﴿فادْعُوهُ بِها﴾ فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ واتْرُكُوا تَسْمِيَةَ الزّائِغِينَ فِيها الَّذِينَ يُسَمُّونَهُ بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، إذْ رُبَّما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا كَقَوْلِهِمْ يا أبا المَكارِمِ يا أبْيَضَ الوَجْهِ، أوْ لا تُبالُوا بِإنْكارِهِمْ ما سَمّى بِهِ نَفْسَهُ كَقَوْلِهِمْ: ما نَعْرِفُ إلّا رَحْمانَ اليَمامَةِ، أوْ وذَرُوهم وإلْحادَهم فِيها بِإطْلاقِها عَلى الأصْنامِ واشْتِقاقِ أسْمائِها مِنها كاللّاتِ مِنَ « اللَّهِ»، والعُزّى مِنَ « العَزِيزِ» ولا تُوافِقُوهم عَلَيْهِ أوْ أعْرِضُوا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ مُجازِيهِمْ كَما قالَ: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بِالفَتْحِ يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ لِلنّارِ طائِفَةً ضالِّينَ مُلْحِدِينَ عَنِ الحَقِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ خَلَقَ أيْضًا لِلْجَنَّةِ أُمَّةً هادِينَ بِالحَقِّ عادِلِينَ في الأمْرِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ في كُلِّ قَرْنٍ طائِفَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي طائِفَةٌ عَلى الحَقِّ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ»، إذْ لَوِ اخْتُصَّ بِعَهْدِ الرَّسُولِ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فائِدَةٌ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ.
7:182–184Page 174
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢
But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤
Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سَنَسْتَدْنِيهِمْ إلى الهَلاكِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُ الِاسْتِدْراجِ الِاسْتِصْعادُ أوِ الِاسْتِنْزالُ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ. ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما نُرِيدُ بِهِمْ وذَلِكَ أنْ تَتَواتَرَ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ فَيَظُنُّوا أنَّها لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، فَيَزْدادُوا بَطَرًا وانْهِماكًا في الغَيِّ حَتّى يَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ.
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمْهِلْهم عُطِفَ عَلى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ . ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إنَّ أخْذِي شَدِيدٌ، وإنَّما سَمّاهُ كَيْدًا لِأنَّ ظاهِرَهُ إحْسانٌ وباطِنَهُ خِذْلانٌ.
﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ . ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ مِن جُنُونٍ.
رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ صَعِدَ عَلى (p-44)الصَّفا فَدَعاهم فَخِذًا فَخِذًا يُحَذِّرُهم بِأْسَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحَبَكم لَمَجْنُونٌ باتَ يُهَوِّتُ إلى الصَّباحِ، فَنَزَلَتْ.» ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُوَضَّحٌ إنْذارُهُ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى ناظِرٍ.
7:185–186Page 174
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ. ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ مِنَ الأجْناسِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حَصْرُها لِيَدُلَّهم عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، ووَحْدَةِ مُبْدِعِها وعِظَمِ شَأْنِ مالِكِها، ومُتَوَلِّي أمْرِها لِيُظْهِرَ لَهم صِحَّةَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. ﴿وَأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى مَلَكُوتِ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وكَذا اسْمُ يَكُونُ والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ، قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ونُزُولِ العَذابِ. ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيْ بَعْدِ القُرْآنِ. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو النِّهايَةُ في البَيانِ كَأنَّهُ إخْبارٌ عَنْهم بِالطَّبْعِ والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ. وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: عَسى أنْ يَكُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالَهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ، وماذا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ كالتَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ لَهُ. ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ لِقَوْلِهِ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَهْدِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ . ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِن هم.
7:187Page 174
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ عَنِ القِيامَةِ، وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ وإطْلاقُها عَلَيْها إمّا لِوُقُوعِها بَغْتَةً أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِها، أوْ لِأنَّها عَلى طُولِها عِنْدَ اللَّهِ كَساعَةٍ. ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ مَتى إرْساؤُها أيْ إثْباتُها واسْتِقْرارُها ورُسُوُّ الشَّيْءِ ثَباتُهُ واسْتِقْرارُهُ، ومِنهُ رَسا الجَبَلُ وأرْسى السَّفِينَةَ، واشْتِقاقُ ﴿أيّانَ﴾ مِن أيٍّ لِأنَّ مَعْناهُ أيُّ وقْتٍ، وهو مِن أوَيْتُ إلَيْهِ لِأنَّ البَعْضَ أوى إلى الكُلِّ. ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ اسْتَأْثَرَ بِهِ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا ولا نَبِيًّا مُرْسَلًا. ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها﴾ لا يُظْهِرُ أمْرَها في وقْتِها. ﴿إلا هُوَ﴾ والمَعْنى أنَّ الخَفاءَ بِها مُسْتَمِرٌّ عَلى غَيْرِهِ إلى وقْتِ وُقُوعِها، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ كاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَظُمَتْ عَلى أهْلِها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ لِهَوْلِها، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى الحِكْمَةِ في إخْفائِها. ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ السّاعَةَ تَهِيجُ بِالنّاسِ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ والرَّجُلُ يُقَوِّمُ سِلْعَتَهُ في سُوقِهِ والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ» .
﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ عالِمٌ بِها، فَعِيلٌ مِن حَفى عَنِ الشَّيْءِ إذا سَألَ عَنْهُ، فَإنَّ مَن بالَغَ في السُّؤالِ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثِ عَنْهُ اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ فِيهِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَنْ. وقِيلَ هي صِلَةُ ﴿يَسْألُونَكَ﴾ . وقِيلَ هو مِنَ الحَفاوَةِ بِمَعْنى الشَّفَقَةِ فَإنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً فَقُلْ لَنا مَتى السّاعَةُ، والمَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ تَتَحَفّى بِهِمْ فَتَخُصُّهم لِأجْلِ قَرابَتِهِمْ بِتَعْلِيمِ وقْتِها. وقِيلَ مَعْناهُ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِالسُّؤالِ عَنْها تُحِبُّهُ، مِن حَفى بِالشَّيْءِ إذا فَرِحَ أيْ تُكْثِرُهِ لِأنَّهُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ كَرَّرَهُ لِتَكْرِيرِ يَسْألُونَكَ لِما نِيطَ بِهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ ولِلْمُبالَغَةِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.(p-45)
7:188Page 175
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨
Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."
﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ جَلْبَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضُرٍّ، وهو إظْهارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ والتَّبَرِّي مِنَ ادِّعاءِ العِلْمِ بِالغُيُوبِ. ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مِن ذَلِكَ فَيُلْهِمُنِي إيّاهُ ويُوَفِّقُنِي لَهُ، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُهُ لَخالَفْتُ حالِي ما هي عَلَيْهِ مِنَ اسْتِكْثارِ المَنافِعِ واجْتِنابِ المَضارِّ حَتّى لا يَمَسَّنِيَ سُوءٌ. ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ما أنا إلّا عَبْدٌ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والبِشارَةِ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالـ ﴿بَشِيرٍ﴾ ومُتَعَلِّقُ الـ ﴿نَذِيرٌ﴾ مَحْذُوفٌ.
7:189Page 175
۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩
It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ. ﴿وَجَعَلَ مِنها﴾ مِن جَسَدِها مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِها، أوْ مِن جِنْسِها كَقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ . ﴿زَوْجَها﴾ حَوّاءَ. ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها اطْمِئْنانَ الشَّيْءِ إلى جُزْئِهِ أوْ جِنْسِهِ، وإنَّما ذُكِرَ الضَّمِيرُ ذَهابًا إلى المَعْنى لِيُناسِبَ. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ جامَعَها.
﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ خَفَّ عَلَيْها ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما تَلْقى مِنهُ الحَوامِلُ غالِبًا مِنَ الأذى، أوْ مَحْمُولًا خَفِيفًا وهو النُّطْفَةُ. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ أيْ قامَتْ وقَعَدَتْ، وقُرِئَ « فَمَرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ و « فاسْتَمَرَّتْ بِهِ» و « فَمارَتْ» مِنَ المَوْرِ وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، أوْ مِنَ المِرْيَةِ أيْ فَظَنَّتِ الحِمْلَ وارْتابَتْ مِنهُ. ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ بِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ أثْقَلَها حَمْلُها. ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ ولَدًا سَوِيًّا قَدْ صَلَحَ بَدَنُهُ. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ المُجَدَّدَةِ.
7:190–191Page 175
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠
But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.
أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١
Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?
﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ أيْ جَعَلَ أوْلادُهُما لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتى أوْلادَهُما فَسَمَّوْهُ عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ مَنافٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ. وقِيلَ: لَمّا حَمَلَتْ حَوّاءُ أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ فَقالَ لَها: ما يُدْرِيكِ ما في بَطْنِكِ لَعَلَّهُ بَهِيمَةٌ أوْ كَلْبٌ وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، فَخافَتْ مِن ذَلِكَ وذَكَرَتْهُ لِآدَمَ فَهْمًا مِنهُ ثُمَّ عادَ إلَيْها وقالَ: إنِّي مِنَ اللَّهِ بِمَنزِلَةٍ فَإنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ خَلْقًا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ عَلَيْكِ خُرُوجَهُ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحَرْثِ، وكانَ اسْمُهُ حارِثًا بَيْنَ المَلائِكَةِ فَتَقَبَّلَتْ، فَلَمّا ولَدَتْ سَمَّياهُ عَبْدَ الحَرْثِ.
وَأمْثالُ ذَلِكَ لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لِآلِ قُصِيٍّ مِن قُرَيْشٍ، فَإنَّهم خُلِقُوا مِن نَفْسِ قُصِيٍ وكانَ لَهُ زَوْجٌ مِن جِنْسِهِ عَرَبِيَّةٌ قُرَشِيَّةٌ وطَلَبا مِنَ اللَّهِ الوَلَدَ فَأعْطاهُما أرْبَعَةَ بَنِينَ فَسَمَّياهم: عَبْدُ مَنافٍ، وعَبْدُ شَمْسٍ، وعَبْدُ قُصِيٍّ، وعَبْدُ الدّارِ. ويَكُونُ الضَّمِيرُ في ﴿يُشْرِكُونَ﴾ لَهُما ولِأعْقابِهِما المُقْتَدِينَ بِهِما. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ « شِرْكًا» أيْ شَرِكَةً بِأنْ أشْرَكا فِيهِ غَيْرَهُ أوْ ذَوِي شِرْكٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ، وهم ضَمِيرُ الأصْنامِ جِيءَ بِهِ عَلى تَسْمِيَتِهِمْ إيّاها آلِهَةً.
7:192–193Page 175
وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢
And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣
And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.
(p-46)﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ أيْ لِعَبَدَتِهِمْ. ﴿وَلا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْها ما يَعْتَرِيها.
﴿وَإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ. ﴿إلى الهُدى﴾ إلى الإسْلامِ. ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الباءِ، وقِيلَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ وهم ضَمِيرُ الأصْنامِ أيْ: إنْ تَدْعُوهم إلى أنْ يَهْدُوكم لا يَتَّبِعُوكم إلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم كَما يُجِيبُكُمُ اللَّهُ. ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ أمْ صَمَتُّمْ لِلْمُبالَغَةِ في عَدَمِ إفادَةِ الدُّعاءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُسَوّى بِالثَّباتِ عَلى الصِّماتِ، أوْ لِأنَّهم ما كانُوا يَدْعُونَها لِحَوائِجِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ عَلَيْكم إحْداثُكم دُعاءَهم واسْتِمْرارَكم عَلى الصِّماتِ عَنْ دُعائِهِمْ.
7:194–195Page 175
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤
Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥
Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.
﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً. ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ مِن حَيْثُ إنَّها مَمْلُوكَةٌ مُسَخَّرَةٌ. ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهم آلِهَةٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا نَحَتُوها بِصُوَرِ الأناسِيِّ قالَ لَهم: إنْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ أمْثالَكم فَلا يَسْتَحِقُّونَ عِبادَتَكم كَما لا يَسْتَحِقُّ بَعْضُكم عِبادَةَ بَعْضٍ، ثُمَّ عادَ عَلَيْهِ بِالنَّقْضِ فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ وقُرِئَ « إنِ الَّذِينَ» بِتَخْفِيفِ « إنْ» ونَصْبِ « عِبادَ» عَلى أنَّها نافِيَةٌ عَمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ ولَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهُ، و « يُبْطِشُونَ» بِالضَّمِّ ها هُنا وفي « القَصَصِ» و « الدُّخانِ» . ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ واسْتَعِينُوا بِهِمْ في عَداوَتِي. ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ فَبالِغُوا فِيما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مَن مَكْرٍ، وهي أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ فَلا تُمْهِلُونَ فَإنِّي لا أُبالِي بِكم لِوُثُوقِي عَلى وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى وحِفْظِهِ.
7:196–198Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ. ﴿وَهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ أيْ ومِن عادَتِهِ تَعالى أنْ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ فَضْلًا عَنْ أنْبِيائِهِ.
﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ.
﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ إلَيْكَ لِأنَّهم صُوِّرُوا بِصُورَةِ مَن يَنْظُرُ إلى مَن يُواجِهُهُ.
7:199–200Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أفْعالِ النّاسِ وتَسْهُلُ ولا تَطْلُبْ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، مِنَ العَفْوِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَهْدِ أوْ خُذِ العَفْوَ عَنِ المُذْنِبِينَ أوِ الفَضْلَ وما يَسْهُلُ مِن صَدَقاتِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ.
﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ المَعْرُوفُ المُسْتَحْسَنُ مِنَ الأفْعالِ. ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فَلا تُمارِهِمْ ولا تُكافِئْهم بِمِثْلِ (p-47)أفْعالِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ آمِرَةٌ لِلرَّسُولِ بِاسْتِجْماعِها.
﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ يَنْخَسَنَّكَ مِنهُ نَخْسٌ أيْ وسْوَسَةٌ تَحْمِلُكَ عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ كاعْتِراءِ غَضَبٍ وفِكْرٍ، والنَّزْغُ والنَّسْغُ والنَّخْسُ الغَرْزُ شَبَّهَ وسْوَسَتَهُ لِلنّاسِ إغْراءً لَهم عَلى المَعاصِي وإزْعاجًا بِغَرْزِ السّائِقِ ما يَسُوقُهُ. ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ اسْتِعاذَتَكَ. ﴿عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْها مُغْنِيًا إيّاكَ عَنِ الِانْتِقامِ ومُشايَعَةِ الشَّيْطانِ.
7:201–202Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ لُمَّةٌ مِنهُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مَن طافَ يَطُوفُ كَأنَّها طافَتْ بِهِمْ ودارَتْ حَوْلَهم فَلَمْ تَقْدِرْ أنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ، أوْ مِن طافَ بِهِ الخَيالُ يُطِيفُ طَيْفًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ « طَيْفٌ» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ تَخْفِيفُ طَيِّفٍ كَلَيِّنٍ وهَيِّنٍ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الجِنْسُ ولِذَلِكَ جَمَعَ ضَمِيرَهُ. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ. ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ بِسَبَبِ التَّذَكُّرِ مَواقِعَ الخَطَإ ومَكايِدَ الشَّيْطانِ فَيَتَحَرَّزُونَ عَنْها ولا يَتْبَعُونَهُ فِيها، والآيَةُ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها وكَذا قَوْلُهُ:
﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهُمْ﴾ أيْ وإخْوانُ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا بِمَدِّهِمُ الشَّياطِينَ. ﴿فِي الغَيِّ﴾ بِالتَّزْيِينِ والحَمْلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ « يَمْدُونَهم» مِن أمَدَ و « يُمادُونَهم» كَأنَّهم يُعِينُونَهم بِالتَّسْهِيلِ والإغْراءِ وهَؤُلاءِ يُعِينُونَهم بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ. ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ ثُمَّ لا يُمْسِكُونَ عَنِ إغْوائِهِمْ حَتّى يُرْدُوهم، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإخْوانِ أيْ لا يَكُفُّونَ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ كالمُتَّقِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالـ« الإخْوانِ» الشَّياطِينُ ويَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى الجاهِلِينَ فَيَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى ما هو لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences