Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
سورة الكهف
مائة وإحدى عشرة آية
قال القرطبي: وهي مكية في قول جميع المفسرين، وبه قال ابن عباس وابن الزبير وروي عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله جرزا والأول أصح وقد ورد في فضلها أحاديث منها ما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " [[مسلم 809 - الإمام أحمد 6/ 449 - أبو داود 4323.]].
وأخرج مسلم والبخاري وغيرهما عن البراء قال: قرأ رجل سورة الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: " اقرأ فلان فإن السكينة نزلت للقرآن " [[مسلم 795 - البخاري 1698.]] وهذا الذي كان يقرأ هو أسيد بن حضير كما بينه الطبراني، وفي قراءة العشر الآيات من أولها أو من آخرها أحاديث.
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره " [[المستدرك كتاب فضائل القرآن 1/ 565.]].
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين ".
وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين السماء والأرض ولكاتبها من الأجر مثل ذلك ومن قرأها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله من أي الليل شاء قالوا: بلى يا رسول الله قال: سورة أصحاب الكهف " أخرجه ابن مردويه [[ضعيف الجامع 2159 - الأحاديث الضعيفة 2482.]].
وأخرج أيضاً عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البيت الذي تقرأ فيه سورة الكهف لا يدخله شيطان تلك الليلة " وفي الباب أحاديث وآثار وفيما أوردناه كفاية مغنية.
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)
(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) هل المراد الإعلام بذلك للإيمان به وتكون الجملة خبرية لفظاً ومعنى أو الثناء به، أي إنشاء الثناء بثبوت الحمد لله وتكون الجملة إنشائية لفظاً ومعنى، بمعنى أنها نقلت في العرف للإنشاء أو الإعلام والثناء كلاهما، والجملة مستعملة في الخبر والإنشاء على طريق الجمع بين الحقيقة والمجاز، احتمالات أفيدها الثالث.
وقال الشوكاني رحمه الله: علم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم، ووصفه بالموصول يشعر بعلية ما هو في حيز الصلة لما قبله، ووجه كون إنزال الكتاب وهو القرآن نعمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد وأحوال الملائكة والأنبياء وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله وتعبد أمته بها؛ وكذلك العباد كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم لمثل ما ذكرناه في النبي صلى الله عليه وسلم.
(ولم يجعل له) أي فيه (عوجاً) أي شيئاً من العوج بنوع من أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى، والعوج بالكسر في المعاني، أي فيما لا يدرك بالبصر بل بالبصيرة، وبالفتح في الأعيان أي فيما يدرك به، كذا قيل، ويرد عليه قوله سبحانه (لا ترى فيها عوجاً ولا أَمْتاًْ) يعني الجبال وهي من الأعيان. قال الزجاج: المعنى لم يجعل فيه اختلافاً كما قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه؛ وقيل لم يجعله مخلوقاً، والجملة معطوفة على الصلة قبلها أو اعتراضية أو حالية.
18:2Page 293
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
(قيماً) القيم المستقيم الذي لا ميل ولا إفراط فيه ولا تفريط، أو القيم بمصالح العباد الدينية والدنيوية، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمناً عليها يشهد بصحتها، وعلى الأول يكون تأكيداً لما دل عليه نفي العوج، فرُب مستقيم في الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة، أي جعله قيماً عدلاً، قيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.
ثم فصل سبحانه ما أجمل في قوله [قَيِّماً] فقال (لينذر) وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم، والمعنى لينذر الكافرين (بأساً) أي عذاباً (شديداً من لدنه) أي صادراً من عنده نازلاً من لدنه (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات) قرئ يبشر مشدداً ومخففاً وأجري الموصول على موصوفه المذكور لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان.
(أن لهم أجراً حسناً) هو الجنة قاله السدي حال كونهم
(ماكثين فيه) أي في ذلك الأجر (أبداً) أي مكثاً دائماً لا انقطاع له، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار.
ثم كرر الإنذار وذكر المنذر بخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره فقال
18:4Page 293
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
(وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً) وهم اليهود والنصارى. قال السدي وبعض كفار قريش القائلين بأن الملائكة بنات الله، فذكر سبحانه أولاً قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيهاً على كونها أعظم جزئياتها، فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر.
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)
18:5Page 294
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
(ما لهم به) أي بالولد واتخاذ الله إياه (من علم) ومن مزيدة لتأكيد النفي والجملة مستأنفة، والمعنى ما لهم بذلك علم أصلاً، وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل إليه أو لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به (ولا لآبائهم) أي ولا لأحد من أسلافهم علم بذلك، بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعاً، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلة.
(كبرت كلمة) قال الفراء: كبرت تلك الكلمة كلمة. وقال الزجاج: كبرت مقالتهم كلمة، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ الله ولداً، ومعنى الكلام على التعجب أي ما أكبرها كلمة، ثم وصف الكلمة بقوله (تخرج من أفواههم) وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها، وكثيراً ما يوسوس الشيطان في قلوب الناس من المنكرات ما لا يتمالكون أن يتفوهوا به، بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر.
والخارج من الفم وإن كان مجرد الهواء لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل أو المعنى هذا الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد.
ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال (إن) أي ما (يقولون إلا) قولاً (كذباً) لا مجال للصدق فيه بحال. ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله
18:6Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
(فلعلك باخع نفسك) قال الأخفش والفراء: البَخْع الجهد، وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا أنهكها وقال أبو عبيدة: معناه مهلك نفسك أو مضعفها أو مهلكها، والمقصود من هذا الترجي النهي، أي لا تبخع نفسك من أجل غمك على عدم إيمانهم، أي لا تغتم لئلا تهلك نفسك.
وفي السمين ولعل قيل للإشفاق على بابها وقيل للاستفهام وهو رأي الكوفيين، وقيل للنهي (على آثارهم) أي على فراقهم من بعد توليهم عنك وإعراضهم أو هلاكهم (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) أي القرآن (أسفاً) أي غيظًا وحزناً. قاله قتادة. وقال مجاهد: جزعاً ونصبه على المفعول له وجواب إن محذوف دل عليه الترجي تقديره فلا تحزن، وهذا عند الجمهور وعند غيرهم هو جواب متقدم.
عن ابن عباس قال: اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البختري في نفر من قريش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء من النصيحة فأحزنه حزناً شديداً فأنزل الله سبحانه (فلعلك باخع نفسك). الآية.
18:7Page 294
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) هذه الجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي والقصد منه تسلية له صلى الله عليه وسلم وتسكين أسفه وغيظه على عدم إيمانهم لأنه مختبر لأعمال العباد مجازيهم، فكأنه يقول له صلى الله عليه وسلم لا تحزن فإني منتقم منهم لك، وقيل استئناف.
والمعنى إنا جعلنا ما عليها مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من الحيوانات والنبات والشجر والأنهار والجماد وغير ذلك من النعم كالذهب والفضة والمعادن كقوله سبحانه (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) قال ابن عباس: يعني الرجال والعلماء زينة الأرض، وعن سعيد بن جبير مثله، وقال الحسن: هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة.
(لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) اللام للغرض أو العاقبة، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان، قال الزجاج: أيهم رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحنن أهذا أحسن عملاً أم ذلك، قال الحسن: أيهم أزهد وأشد للدنيا تركاً، ومثله عن الثوري وقال مقاتل: أيهم أصلح فيما أوتي من المال، وقال قتادة: أيهم أتم عقلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله قال: " ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله "
ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال
18:8Page 294
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
(وإنا لجاعلون) أي مصيرون (ما عليها) من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا (صعيداً) تراباً قال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه بعد أن كانت خضراء معشبة أي أرضاً ملساء، وقيل فُتَاتاً وهو الذي يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب، ونظيره (كل من عليها فان) وقوله (فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً).
والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت أيضاً على أن الأرض لا تبقى وهو قوله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال قتادة: الصعيد الجبال التي ليس فيها زرع.
(جرزاً) يابسًا قال الفراء: الجرز الأرض التي لا نبات فيها من قولهم امرأة جَرُوز إذا كانت أكولاً، وسيف جُراز إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض إذا أكلت ما عليها، ويقال سنة جُرُز وسنونُ أَجْرَاز لا مطر فيها وأرض جُرُز وأرضون أَجْرَاز لا نبات بها، وجرزاً نعت " لصعيداً " فكأنه مجاز علاقته المجاورة.
وعن الحسن الجرز الخراب، أي نعيدها بعد عمارتها خراباً بإماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك. ومعنى النظم القرآني لا تحزن يا محمد بما وقع من هؤلاء من التكذيب فإنا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازونهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
18:9Page 294
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
(أم حسبت) أي بل أحسبت أو بل حسبت ومعناها الانتقال من حديث إلى حديث آخر لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معني بل في الأصل (إن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) المعنى أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل الامتحان.
قال سبحانه بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط لا تحسب ذلك فإن آياتنا كلها عجب؛ فإن من كان قادراً على جعل ما على الأرض زينة لها للابتلاء ثم جعل ما عليها صعيداً جرزاً كأن لم تغن بالأمس لا تستبعد قدرته ولا حفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة وإن كانت قصتهم خارقة للعادة فإن آيات الله سبحانه كذلك وفوق ذلك.
ومعنى عجباً ذات عجب، والكهف هو الغار الواسع في الجبل، فإن كان صغيراً سمي غاراً والجمع كُهُوف في الكثرة وأَكْهُف في القلة؛ والرقيم قال كعب والسدي: إنه اسم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: إنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف ففيه فلان بن فلان من مدينة كذا خرج في وقت كذا من سنة كذا.
قال الفراء: ويروى أنه إنما سمي رقيماً لأن أسماءهم كانت مرقومة والرقم الكتابة. وعن قتادة أن الرقيم دراهمهم التي كانت معهم.
وقال ابن عباس: الرقيم كتاب مرقوم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام، وقيل أن الرقيم اسم كلبهم قاله أنس، وقيل: هو اسم الوادي الذي كانوا فيه، وقيل اسم الجبل الذي فيه الغار.
قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله لأن خلق السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم، وقال ابن عباس: يقول الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.
18:10Page 294
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
(إذ أوى الفتية إلى الكهف) أي صاروا إليه ونزلوه وسكنوه والتجأوا إليه وجعلوه مأواهم. يقال أوى إلى منزله من باب ضَرَب [[أي مفتوح العين في الماضي مكسورها في المضارع فيقال أوى يأوي مثل ما يقال ضَرَب يضرِب.]] إذا نزله بنفسه وسكنه والمأوى لكل حيوان مسكنه. والفتية هم أصحاب الكهف جمع فتى وهو الطرئ من الشباب، إظهار في مقام الإضمار للتنصيص على وصفهم وسنهم فكانوا في سن الشباب مُرْداً وكانوا سبعة خرجوا من مدينتهم خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار حيث أمروهم بعبادة غير الله وكذلك ملك المدينة أمرهم بما ذكر، واسمه دقيانوس ومدينتهم اسمها أفسوس عند أهل الروم لأنها من مدائنهم واسمها عند العرب طرسوس.
فلما أمروهم بعبادة غير الله ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه وأخذ منه زاداً ونفقة وخرجوا فارين هاربين حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة فاختفوا فيه وصاروا يعبدون الله ويأكلون ويشربون ويبعثون أحداً منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم فيقتلوهم لعدم دخولهم في دينهم، فجلسوا يوماً بعد الغروب يتحدثون فألقى الله عليهم النوم وذلك قوله تعالى
18:11Page 294
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
(فضربنا على آذانهم) الخ كما سيأتي تفصيله.
(فقالوا ربنا آتنا من لدنك) أي من عندك (رحمة) التنوين إما للتعظيم أو للتنويع وتقديم من لدنك للاختصاص أي رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وهي المغفرة في الآخرة والأمن من الأعداء والرزق في الدنيا (وهيئ لنا من أمرنا رشداً) أي أصلح لنا من قولك هيأت الأمر فتهيأ والمراد بِأَمْرِهِم الأمرُ الذي هم عليه وهو مفارقتهم للكفار، والرشد نقيض الضلال، ومن للابتداء ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك رأيت منك أسداً وتقديم المجرورَيْن للاهتمام بهما أي اجعل أمرنا رشداً أو يسر لنا طريق رضاك.
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)
(فضربنا على آذانهم) قال المفسرون: أنَمناهم والمعنى سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن سماع الأصوات أي ضربنا على آذانهم الحجاب تشبيها للإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها ففي الكلام تجوز بطريق الاستعارة التبعية، وهذا النوم من جملة الرحمة التي طلبوها فكأنه قال فاستجبنا دعاءهم ومن جملة استجابته أن أنمناهم وقلبناهم في نومهم ذات اليمين وذات الشمال.
(في الكهف سنين عدداً) أي ذوات عدد على أنه مصدراً وبمعنى معدودة على أنه بمعنى المفعول. ويستفاد من وصف السنين بالعدد الكثرة، قال الزجاج: أن الشيء إذا قل مقدار عدده لم يحتج إلى العدد وإن كثر احتاج إلى أن يعدّ وقيل يستفاد منه التقليل لأن الكثير قليل عند الله وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون.
18:12Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
(ثم بعثناهم) أي أيقظناهم من تلك النومة (لنعلم) أي ليظهر معلومنا واللام للعاقبة، وقيل للتعليل وقرئ بالتحتية والفاعل هو الله تعالى ففيه التفات عن التكلم إلى الغيبة، قيل والمراد بالعلم الذي جعل علة للبعث هو الاختبار مجازاً فيكون المعنى بعثناهم لنعامل معاملة من يختبرهم. والَأوْلَى ما ذكرناه من أن المراد به ظهور معلوم الله سبحانه لعباده.
(أيّ الحزبين) من قوم الفتية أهل الهدى وأهل الضلالة فالمراد بالحزبين الفريقان من المؤمنين والكافرين المختلفين في مدة لبثهم، وقيل المراد نفس أصحاب الكهف لا أهل المدينة اختلفوا بعد انتباههم كم لبثوا، وقيل المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك وأصحاب الكهف، وقيل أن أصحاب الكهف حزب وأصحابهم حزب، وقال الفراء: أن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم.
(أحصى) أي أضبط (لما لبثوا أمداً) وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف فبعثهم الله ليتبين لهم ذلك ويظهر من ضبط الحساب ممن لم يضبطه، قال ابن جريج: إنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة وما مصدرية أي أحصى لِلبُثْهِم أو بمعنى الذي واللام زائدة، وقيل على بابها من العلة أي لأجل قاله أَبُو الْبَقَاء، وما بمعنى الذي والأمد الغاية.
وقيل إن أحصى أفعل تفضيل واختاره الزجاج والتبريزي ورد بأنه خلاف ما تقرر في علم الإعراب وما ورد من الشاذ لا يقاس عليه كقولهم أفلس من ابن اْلمُذَلَّق [[ويروى بالدال وهو رجل من بني عبد شمس لم يكن يجد بيتة ليلة وعرف أبوه وأجداده بالإفلاس قال الشاعر في أبيه: إنك إذ ترجو تميماً ونفعها .. كراجي الندى والعرف عند المذلّق]] وأعدى من الْجَرَب، وقال أبو علي والزمخشري وابن عطية: أن أحصى فعل ماض.
18:13Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
(نحن نقص عليك نبأهم) هذا شروع في تفضيل ما أجمل في قوله إذ أوى الفتية، والنبأ الخبر الذي له شأن وخطر أي نحن نخبرك بخبرهم (بالحق) أي نقص قصصاً متلبساً بالحق أو نقصه متلبسين به أو نقص نبأهم متلبساً به أو نبأهم المتلبس به (إنهم فتية) أي أحداث وشبان وكان أحدهم وزير الملك دقيانوس وكانوا من أشراف تلك المدينة ومن عظماء أهلها والجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال اقتضاه ما قبلها فكأنه قيل وما نبؤهم؟ والفتية جمع قلة.
(آمنوا بربهم) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة إذ لو جاء على نسق الكلام لقيل آمنوا بنا (وزدناهم هدى) بالتثبيت والتوفيق وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم، قال الربيع بن أنس: هدى إخلاصاً، وقيل إيماناً وبصيرة، وقيل يقيناً.
18:14Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
(وربطنا على قلوبهم) أي قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان وفراق الخلان والأخدان؛ والفرار إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام حيث قالوا للملك ربنا رب السماوات إلخ ولم يحصل لهم منه رعب في الله، قال قتادة: ربطنا قلوبهم بالإيمان وشددنا عليها بالصبر والتثبيت وفيه استعارة تصريحية تبعية لأن الربط هو الشد بالحبل.
(إذ قاموا) اختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال فقيل إنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي شيئاً أن ربي رب السماوات والأرض فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا فقاموا جميعاً.
(فقالوا ربنا رب السماوات والأرض) قاله مجاهد: وقال أكثر المفسرين إنه كان لهم ملك جبار يقال له (دقيانوس) وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه، وقد أمرهم بالسجود للأصنام فقالوا ربنا رب السماوات والأرض، أي قالوا جملاً ستاً، ثلاثة بين يدي ملكهم آخرها قوله شططاً، وثلاثة بعد انصرافهم عن مجلسه ذماً لقومهم آخرها قوله كذباً، وقال عطاء ومقاتل: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
(لن ندعو من دونه إلهاً) أي لن نعبد معبوداً آخر غير الله لا اشتراكاً ولا استقلالاً (لقد قلنا إذاً شططاً) أي قولاً ذا شطط، أي إفراط في الكفران دعونا إلهاً غير الله فرضاً أو قولاً هو نفس الشطط لقصد المبالغة، والشطط الغلو ومجاوزة الحد المقدر في كل شيء، يقال شَطَّت الدار بعدت، وشَطَّ فلان في حكمه شطوطاً وشططاً جار وظلم، وَشَطَّ في القول أغلظ، وشط في السوم أفرط، والجميع من بابي ضرب وقتل، وقال قتادة: شططاً كذباً. وقال السدي جوراً.
هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
(هؤلاء) أي أهل بلدهم (قومنا) عطف بيان أو بدل (اتخذوا من دونه) أي من دون الله (آلهة) أصناماً يعبدونها. وفي هذا الإخبار معنى الإنكار وفي الإشارة إليهم تحقير لهم.
(لولا يأتون عليهم بسلطان بين) أي هَلَّا يأتون على عبادتهم لها بحجة نيرة ظاهرة تصلح للتمسك بها، وفيه تبكيت لأن الإتيان بحجة على عبادة الأصنام محال، وهذه جملة طلبية وليست صفة لآلهة لفساده معنى وصناعة.
قال الزمخشري: وفي الآية دليل على فساد التقليد وإنه لا بدّ في الدين من الحجة حتى يتضح ويثبت.
(فمن) أي لا أحد (أظلم ممن افترى على الله كذباً) بنسبة الشريك إليه فزعم أن له شريكاً في العبادة، ثم قال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
(وإذ اعتزلتموهم) أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزال الجسماني وَتخَّيْتُمْ عنهم جانباً أي عن العابدين للأصنام.
(وما يعبدون إلا الله) عطف على الضمير المنصوب وما موصولة أو مصدرية أي إذا اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله أو وعبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين فالاستثناء استثناء منقطع على تقدير أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام أو متصل على تقدير أنهم شركوهم في العبادة مع الله سبحانه.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله سبحانه عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فيكون ما على هذا نافية (فأووا) أي ألجئوا وصيروا (إلى الكهف) واجعلوه مأواكم. قال الفراء: هو جواب إذ ومعناه اذهبوا إليه واجعلوه مأواكم، وقيل هو دليل على جوابه، أي إذا اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانياً أو إذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف.
(ينشر) أي يبسط ويوسع (لكم ربكم) مالك أمركم (من رحمته) في الدارين (ويهيئ) أي يسهل وييسر (لكم من أمركم) الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين (مرفقاً) بكسر الميم وفتحها لغتان قرئ بهما مأخوذ من الارتفاق وهو الانتفاع وقيل فتح الميم أقيس وكسرها أغلب، وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب الميم فيهما فَهُما لغتان.
وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر والمرفق من الإنسان .. وقال الكسائي: الكسر في مرفق اليد، وقيل المرفق بالكسر ما ارتفقت به والمرفق بفتح الميم الأمر الرافق، والمراد هنا ما يرتفقون به وينتفعون بحصوله والتقديم [[أي تقديم الجار والمجرور في ينشر لكم، ويهيئ لكم.]] في الموضعين يفيد الاختصاص، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه أو أخبرهم به نبي عصرهم.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
(وترى الشمس إذا طلعت) شرع سبحانه في بيان حالهم بعد أن أووا إلى الكهف (تزاور) مأخوذ من الزور بفتح الواو وهو الميل، ومنه زاره إذا مال إليه، وقيل تَزْوَر بمعنى تنقبض من ازْوَرّ أي انقبض والأول أولى. ومعنى الآية أن الشمس إذا طلعت تميل وتعدل وتتنحى (عن كهفهم ذات اليمين) أي ناحية اليمين وهي الجهة المسماة باليمين.
(وإذا غربت تقرضهم) القرض القطع، قال الكسائي والأخفش والزجاج وأبو عبيدة: تعدل عنهم وتتركهم، قَرَضْتُ المكانَ عَدَلْت عنه، تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا؟ فيقول إنما قَرَضْتُه إذا مر به وتجاوز عنه.
وقال الفارسي: معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم يزول بسرعة كالقرض يسترد، وقد ضعِّف بأنه كان ينبغي أن يقرأ تقرضهم بضم التاء لأنه من أقرض؛ والمعنى أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين، أي يمين الداخل للكهف وإذا غربت تمر.
(ذات الشمال) أي جهة شمال الكهف لا تصيبه لا في ابتداء النهار ولا في آخر الليل، بل تعدل عن سمته إلى الجهتين (وهم في فجوة منه) الفجوة المكان المتسع، ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:
أَلْبَسْتَ قومَكَ مَخزاةً ومنقصةً ... حتى أُبيحُوا وَخَلَّوا فجوَةَ الدار
وقال سعيد بن جبير: الفجوة الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة الناحية منها وللمفسرين في تفسير هذه الجملة قولان:
الأول: أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً في ظل جميع نهارهم لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها لأن الله سبحانه حجبها عنهم كرامة.
والثاني: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال مستقبلاً لبنات النعش في أرض الروم، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف وإذا غربت كانت عن يساره ولا تقع عليهم عند الطلوع ولا عند الغروب ولا عند الاستواء فتؤذيهم بِحَرِّها وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم، ولكن اختار الله لهم مضجعاً في متسع ينالهم فيه برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمه.
ويؤيد القول الأول قوله (ذلك من آيات الله) فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضاً إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا؛ وعلى الثاني يكون المعنى أن شأنهم وحديثهم من آيات الله والأول أولى. وقد قيل إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته.
وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله تعالى من دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار، وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر.
والمقصود بيان حفظهم من تطرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم والتأذي بحرّ أو برد.
ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: (من يهد الله) إلى الحق مثل أصحاب الكهف (فهو المهتد) الذي ظفر بالهدى وأصاب الرشد والفلاح (ومن يضلل) أي يضلله الله ولم يرشده كدقيانوس وأصحابه (فلن تجد له ولياً مرشداً) أي ناصراً يهديه إلى الحق.
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)
ثم حكى سبحانه طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences