Al-QinnawjiAs‑Sajdah · 32:1–15

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

السجدة

As-Sajdah

The Prostration · Meccan · 30 ayahs

32:1Page 415

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة السجدة

(آياتها تسع وعشرون آية وقيل ثلاثون آية)

بناء على الاختلاف في أن آخر الآية: (لفي خلق جديد). أو هو (كافرون) فعلى الاول: تكون ثلاثين. وعلى الثاني: تكون تسعا وعشرين. وهي مكية. قاله: ابن عباس وابن الزبير.

وأخرج البخاري عنه: هي مكية سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة (أفمن كان مؤمنا) إلى تمام الآيات الثلاث. وكذا قال الكلبي ومقاتل، وقيل إلا خمس آيات من قوله: (تتجافى جنوبهم) إلى قوله: (الذي كنتم به تكذبون). وقد ثبت عند مسلم؛ وأهل السنن من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بألم تنزيل السجدة. وهل أتى على الإنسان.

وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم: عن جابر قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل السجدة. وتبارك الذي بيده الملك ". وقد وردت في فضائل هذه السورة أحاديث.

بسم الله الرحمن الرحيم

(ألم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)

(ألم) قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة في البقرة وفي مواضع كثيرة من فواتح السور والله أعلم بمراده به.

32:2Page 415

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢

[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.

(تنزيل الكتاب) فيه أوجه خمسة ذكرها السمين (لا ريب فيها) أي لا شك في أنه (من رب العالمين) وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأولين

32:3Page 415

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣

Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.

(أم يقولون؟) أم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أيقولون؛ فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ.

(افتراه) أي افتعله واختلقه من تلقاء نفسه ثم أضرب عن معتقدهم هذا إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب فقال:

(بل) إضراب إبطال لنفس افتراه وحده، وعلى هذا كل ما في القرآن إضراب فهو انتقال إلا هذا، فإنه يجوز أن يكون إبطالاً لإنه إبطال لقولهم أي. ليس هو كما قالوا، بل (هو الحق من ربك) فكذبهم سبحانه في دعوى الافتراء، ثم بين العلة التي كان التنزيل لأجلها فقال:

(لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك) وهم العرب؛ وكانوا أمة أمية لم يأتهم رسول، وقيل قريش خاصة، والتقدير لتنذر قوماً العقاب، وجوز أبو حيان أن تكون (ما) موصولة أي العقاب الذي أتاهم وهو ضعيف جداً، فإن المراد تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله، لا تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به. وقيل: المراد بالقوم أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - (لعلهم يهتدون) أي كي يهتدوا أو رجاء أن يهتدوا والترجي معتبر من جهته عليه السلام.

32:4Page 415

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤

It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?

(الله الذي خلق) أي أوجد وأبدع (السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) على التوزيع كما يأتي في سورة فصلت، وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأعراف وغيرها، والمراد من ذكرها هنا تعريفهم كمال قدرته، وعظيم صنعه ليسمعوا القرآن ويتأملوه. قال الحسن الأيام هنا هي من أيام الدنيا، وقيل: مقدار اليوم ألف سنة من سني الدنيا، قاله الضحاك، فعلى هذا المراد بالأيام هنا هي من أيام الآخرة لا من أيام الدنيا، وليست ثم للترتيب في قوله:

(ثم استوى على العرش) بل بمعنى الواو، والعرش في اللغة سرير الملك والمراد به هنا الجسم النوراني المحيط بالعالم كله، وهذا الاستواء في سبع مواضع من القرآن الكريم والأصل الراجح أن نعتقد ما ورد به القرآن ولا نؤوله ولا نصرفه عن وجهه وهو نص وظاهر في أن الله تعالى فوق العرش بائن من خلقه بالمعنى الذي يليق بجنابه الأقدس الأعلى وتأويله إخراج النص أو الظاهر عن معناه وهذا لا يجوز قطعاً إلا عند وجود ما يساويه أو يتقدم عليه ويعارضه ودونه خرط القتاد.

وقد اختلف الناس في هذا على أربعة عشر قولاً: أولاها بالصواب مذهب سلف الأمة وأئمتها، أنه استوى عليه بلا كيف، مع تنزيهه عما لا يجوز عليه، والآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة جداً، وهي تغني عن غيرها. وردَّت الجهمية هذه الصفة الثابتة له سبحانه، وتبعها المعتزلة، ورد عليهم الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين بثمانية عشر وجهاً، يطول ذكرها، وقد جمع أهل العلم فيها سيما أهل القرآن وأصحاب الحديث مباحث، بل رسائل، بل كتباً، طولوها بذكر الأدلة النقلية، بل العقلية، والمسألة أوضح من أن تلتبس على عارف، وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل، ولكن لما وقعت فيها تلك القلاقل والزلازل بين بعض الطوائف الإسلامية الحق الصراح فيها، وأطال سيما الحنابلة وأهل الحديث، فلهم في ذلك الفتن الكبرى، والملاحم العظمى، وما زالوا هكذا في عصر بعد عصر إلى يومنا هذا، والحق ما عرفناك من مذهب السلف الصالح، فالاستواء على العرش، وكونه تعالى فوق الخلق عالياً عليهم، قد نطق به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها، ويطول نشرها، وكذلك صرح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غير حديث، بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد الناس في نفسه، ويحسه في فطرته، وتجذبه إليه طبيعته، كما تراه في كل من استغاث بالله سبحانه، والتجأ إليه، ووجه دعاءه إلى جنابه الرفيع، وعزه المنيع، فإنه يشير عند ذلك بكفه، أو يرمي بطرفه، يستوى في ذلك عند عروض أسباب الأدعية، وحدوث بواعث الاستغاثة، ووجود مقتضيات الانزعاج، وظهور دواعي الالتجاء، عالم الناس وجاهلهم، وباديهم وحاضرهم، والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل من الخلف.

فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر والإذعان بأن الاستواء والاستقرار [[يذهب أنصار مذهب الخلف إلى التأويل واستهجان مذهب السلف مع التسليم بأنه أسلم فيقولون مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم وناهيك بهذا من شطط، ويقابلهم في الطرف الآخر بعض دعاة مذهب السلف؛ فتند بهم أحياناً قوة الاندفاع في الدفاع عن مذهب السلف فينحرفون إلى التفسير الذي يقابل التأويل عند خصومهم. ومن هذا تعبير المؤلف بكلمة الاستقرار كعطف تفسير لكلمة الاستواء وهي كلمة لعمر الحق ليس لها أصل في الروايات القرآنية أو الحديثية في الاستواء، ومذهب السلف أبلغ ما ورد فيه قول مالك بن أنس: الاستواء معلوم. والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة أهو الاستقرار في كلام المؤلف يوهم بالكيف والتجسيم حاشاه. المطيعي.]] والكون في الفوق ثابتة على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل والمؤول غير مقتد بالسلف، ولا واقف في طريق النجاة ولا معصوم عن الخطأ، ولا سألك في جادة السلامة والاستقامة. قال في حجة الله البالغة: واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث وسموهم مجسمة مشبهة، وقالوا هم المستترون بالكيفية، وقد وضح عليّ وضوحاً بيناً أن استطالتهم هذه ليست بشيء وأنهم مخطئون في مقالتهم، رواية ودراية، وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى انتهى.

(ما لكم من دونه) أي ليس لكم من دون الله أو من دون عذابه (من ولي) يواليكم، ويرد عنكم عذابه (ولا شفيع) يشفع لكم عنده (أفلا تتذكرون) تذكر تدبر وتفكر، وتسمعون هذه المواعظ سماع من يفهم ويعقل، حتى تنتفعوا بها وتؤمنوا، ولما بين سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما؛ بين تدبيره لأمرها فقال:

32:5Page 415

يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥

He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.

(يدبّر) أي يحكم (الأمر) بقضائه وقدره (من السماء إلى الأرض) إلى أن تقوم الساعة، والمعنى: ينزل أمره من أعلى السموات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال سبحانه: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن). ومسافة. ما بين سماء الدنيا والأرض التي تحتها نزولاً وطلوعاً ألف سنة من أيام الدنيا.

وقيل: المراد بالأمر المأمور به من الأعمال، أي ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض، وقيل: يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل، وقيل العرش موضع التدبير، كما أن ما دون العرش موضع التفصيل كما في قوله: ثم استوى على العرش يدبر الأمر يفصل الآيات، وما دون السموات موضع التصرف قال تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا). وقال ابن عباس: يدبر الأمر هذا في الدنيا أي شأنها وحالها، والأمور التي تقع فيها، والمراد بتدبير أمرها القضاء السابق؛ الذي هو الإرادة الازلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، ثم لما ذكر سبحانه تدبير الأمر قال:

(ثم يعرج) قرأ الجمهور على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول والأصل يعرج به أي يرجع ذلك الأمر، ويعود ذلك التدبير والتصرف في المخلوقات بالحشر، والحساب، ووزن الأعمال، والتعذيب، والتنعيم، وغير ذلك مما يقع في ذلك اليوم (إليه) سبحانه (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب، وقرىء بالتحتية على الغيبة أي تعدونه من أيام الدنيا، وذلك باعتبار مسافة النزول من السماء، والطلوع من الأرض كما قدمنا. وقيل: إن المراد يعرج إليه في يوم القيامة الذي مقداره كذا من أيام الدنيا، وذلك حين ينقطع أمر الدنيا، ويموت من فيها وقيل هي أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع من يرسله إليها من الملائكة، والمعنى: أنه يثبت ذلك عنده، ويكتب في صحف ملائكته ما عمله أهل الأرض في كل وقت من الأوقات إلى أن تبلغ مدة الدنيا آخرها. وقيل: المعنى يثبت في عمله موجوداً بالفعل في برهة من الزمان، هي مقدار ألف سنة والمراد طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان.

وقيل: يدبر أمر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فينزل بها الملائكة. ثم يعرج إليه في زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا. وقيل يقضي قضاء ألف سنة فينزل به الملائكة، ثم يعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل: المراد أن الأعمال التي هي طاعات يدبرها الله سبحانه، وينزل بها ملائكته، ثم لا يعرج منها إليه إلا الخالص بعد مدة متطاولة لقلة المخلصين من عباده.

وقيل الضمير في يعرج يعود إلى الملك، وإن لم يجر له ذكر لأنه مفهوم من السياق وقد جاء صريحاً في قوله: (تعرج الملائكة والروح إليه) والضمير في (إليه) راجع إلى السماء على لغة من يذكرها، أو إلى مكان الملك الذي يرجع إليه، وهو الذي أقرَّه الله فيه.

وقيل المعنى يدبر أمر الشمس في الطلوع والغروب، ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة وقيل المعنى أن الملك يعرج إلى الله في يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة فإن ما بين السماء والأرض مسافة خمسمائة [[ورد في هذا حديث موضوع كتاب " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " صفحة 450 برقم 22 ونصه: " بين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام " فلا يعتد به.]] عام، فمسافة النزول من السماء إلى الأرض والرجوع من الأرض إلى السماء ألف عام، وقد رجح هذا جماعة من المفسرين منهم ابن جرير.

وقيل: مسافة النزول ألف سنة، ومسافة الطلوع ألف سنة - روي ذلك عن الضحاك. وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة، وليس المراد به مسمى اليوم الذي هو مدة النهار بين ليلتين والعرب قد تعبر عن المدة باليوم كما قال الشاعر:

يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الاعداء تأديب

فإن الشاعر لم يرد يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين؛ فعبَّر عن كل واحد من الشطرين بيوم. وعن ابن عباس في الآية قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وعنه قال: لا يتنصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم، حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ ولو كان إلى غيره لم يفرغ في خمسين ألف سنة، وعنه قال: في يوم من أيامكم هذه ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.

وقد استشكل جماعة الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فقيل في الجواب: إن يوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا؛ ولكنه باعتبار صعوبته وشدة أهواله على الكفار كخمسين ألف سنة؛ والعرب تصف كثيراً يوم الكريهة بالطول، كما تصف يوم السرور بالقصر.

وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام؛ فمنها ما مقداره ألف سنة، ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل: هي أوقات مختلفة يعذب الكافر بنوع من أنواع العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى نوع آخر فيعذب خمسين ألف سنة.

وقيل مواقف القيامة خمسون موقفاً كل موقف ألف سنة، فيكون معنى يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات أو موقف من تلك المواقف وعن مجاهد، وقتادة والضحاك أنه أراد سبحانه في قوله: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى، التي هي مقام جبريل.

والمراد أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، وأراد بقوله في يوم كان مقداره ألف سنة المسافة التي بين الأرض وبين السماء الدنيا هبوطاً وصعوداً فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا.

وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع، لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، فقوله في يوم كان مقداره ألف سنة يعني: يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون الشهر منه، وكم تكون السنة منه، وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة.

وقيل: غير ذلك، وقد وقف حبر الامة ابن عباس لما سئل عن الآيتين، وقال هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. وقال ابن المسيب للسائل هذا ابن عباس قد أبى أن يقول فيهما وهو أعلم مني، والإشارة بقوله: (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (9))

32:6Page 415

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦

That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,

(ذلك) إشارة إلى الله باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف أي: ذلك الخالق المدبر (عالم الغيب والشهادة) أي العالم بما غاب عن الخلق وما حضرهم، وفي هذا معنى التهديد لأنه سبحانه إذا علم بما يغيب وما يحضر، فهو مجاز لكل عامل بعمله، أو فهو يدبر الأمر بما تقتضيه حكمته (العزيز) القاهر الغالب (الرحيم) بعباده

32:7Page 415

ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧

Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.

(الذي أحسن كل شيء خلقه) قرىء بفتح اللام وبإسكانها فعلى الأولى خلقه فعل ماض نعتاً لشيء، وعلى الثانية ففي نصبه أوجه:

الأول: أن يكون بدلاً من (كل شيء) بدل اشتمال، والضمير عائد إلى: كل شيء، وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة.

الثاني: أنه بدل كل من كل، والضمير راجع إلى الله سبحانه، ومعنى (أحسن) حسن؛ لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة فكل المخلوقات حسنة.

الثالث: أن يكون (كل شيء) هو المفعول الأول، وخَلْقَهُ هو المفعول الثاني، على تضمين أحسن معنى أعطى، والمعنى: أعطى كل شيء خلقه الذي خصه به، وقيل: على تضمينه معنى ألهم. قال الفراء: ألهم خلقه كل شيء يحتاجون إليه.

الرابع: أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي خلقه خلقاً كقوله: صُنْعَ اللهِ، وهذا قول سيبويه، والضمير يعود إلى الله سبحانه.

والخامس: أنه منصوب بنزع الخافض، والمعنى: أحسن كل شيء في خلقه، ومعنى الآية أنه أتقن وأحكم خلق مخلوقاته، فبعض المخلوقات -وإن لم تكن حسنة في نفسها- فهي متقنة محكمة، فيكون هذه الآية معناها معنى أعطى كل شيء خلقه أي: لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان. وقيل هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى، أي أحسن خلق كل شيء حسن. وقال ابن عباس: أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها. وعنه في الآية قال: أما آنست القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها، وقال: خلقه: صورته. وقال أحسن كل شيء القبيح والحسن، والعقارب، والحيات، وكل شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئاًً من ذلك.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بناحية ثوبه، فقال يا رسول الله إني أحمش الساقين؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا عمرو ابن زرارة إن الله عز وجل قد أحسن كل شيء يا عمرو إن الله لا يحب المسبلين ". وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال: " أبصر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً قد أسبل إزاره فقال ارفع إزارك، فقال: يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال: ارفع إزارك كل خلق الله حسن ".

(وبدأ خلق الإنسان) يعني آدم خلقه (من طين) فصار على صورة بديعة، وشكل بديع حسن

32:8Page 415

ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨

Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.

(ثم جعل نسله) أي ذريته (من سلالة) أي نطفة؛ سميت الذرية سلالة لأنها تنسل من الأصل، وتنفصل عنه، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين، والمذكور هنا صفة آدم، ثم صفة ذرية آدم (من ماء مهين) أي ممتهن لا خطر له عند الناس، وهو المني. وقال الزجاج من ماء ضعيف.

32:9Page 415

ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩

Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

(ثم سواه) أي الإنسان الذي بدأ خلقه من طين وهو آدم، أو جميع النوع، والمراد أنه عدل خلقه وسوى شكله، وقومه وناسب بين أعضائه على ما ينبغي كقوله في أحسن تقويم.

(ونفخ فيه من روحه) أي جعله حياً حساساً بعد أن كان جماداً، وبالإضافة للتشريف والتكريم، وهذه الإضافة تقوي أن الكلام في آدم لا في ذريته، وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع، وقيل للتخصيص، أي نفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه، والأول أولى ثم خاطب جميع النوع فقال:

(وجعل لكم) وفيه التفات عن الغيبة إلا الخطاب، ولم يخاطبهم قبل ذلك لأن الخطاب إنما يكون مع الحي فلما قال ونفخ فيه من روحه خاطبه بعد ذلك وقال: وجعل لكم:

(السمع) أي الأسماع (والأبصار، والأفئدة) أي القلوب تكميلاً لنعمته عليكم، وتتميماً لتسويته لخلقكم، حتى تجتمع لكم هذه النعم، فتسمعون كل مسموع، وتبصرون كل مبصر، وتعقلون كل متعقل، وتفهمون كل ما يفهم، وأفرد السمع لكونه مصدراً يشمل القليل والكثير، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد، فذكرهما بالاسم، ولهذا جمعا لأن السمع قوة واحدة. ولها محل واحد، وهو الأذن، ولا اختيار لها فيه، فإن الصوت يصل إليها ولا يقدر على رده، ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض؛ بخلاف الأبصار فمحلها العين، وله فيه اختيار، فإنها تتحرك إلا جانب المرئي دون غيره، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء، وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه فيتعقل هذا دون هذا، ويفهم هذا دون هذا.

(قليلاً ما) أي شكراً قليلاً، أو زماناً قليلاً (تشكرون) وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله، وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12))

32:10Page 415

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠

And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.

(وقالوا) كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم، بطريق الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة، إيذاناً بأن ما ذكر من عدم شكرهم لتلك النعم موجب للإعراض عنهم، وتعديد جناياتهم: (أئذا ضللنا في الأرض) الضلال الغيبوبة يقال ضل الميت في التراب إذا غاب وبطل، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره، حتى خفي أثره: قد ضل. قال قطرب: المعنى غبنا في الأرض، قرىء ضللنا بفتح ضاد معجمة، ولام مفتوحة، بمعنى: ذهبنا، وضعنا، وصرنا تراباً، وغبنا عن الأعين بالدفن فيها. وقرىء: ضللنا بكسر اللام، وهي لغة العالية من نجد. قال الجوهري: وأهل العالية يقولون: ضللت بالكسر، قال وأضله أي أضاعه، وأهلكه، يقال ضل الميت إذا دفن.

وقرىء صللنا بصاد مهملة، ولام مفتوحة أي أنتنا، وبها قرأ عليّ، والحسن، والأعمش، وأبان بن سعيد. قال النحاس: ولا يعرف في اللغة صللنا، ولكن يقال: صل اللحم إذا أنتن. قال الجوهري: صل اللحم، يصل بالكسر صلولاً إذا أنتن، مطبوخاً، كان أو نيئاً، والعامل في إذا محذوف تقديره: نبعث، أو نخرج لدلالة قوله:

(أئنا لفي خلق جديد) عليه أي نبعث ونصير أحياء، والهمزة للاستنكار، وهذا قول منكري البعث من الكفار، فأضرب الله سبحانه من بيان كفرهم بإنكار البعث إلى بيان ما هو أبلغ منه، وهو كفرهم بلقاء الله فقال:

(بل هم بلقاء ربهم كافرون) أي: جاحدون له مكابرة وعناداً، فإن اعترافهم بأنه المبدىء للخلق، يستلزم اعترافهم بأنه قادر على الإعادة، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لهم الحق، ويرد عليهم ما زعموه من الباطل فقال:

32:11Page 415

۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١

Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."

(قل يتوفاكم ملك الموت) يقال: توفاه الله واستوفى روحه، إذا قبضه إليه، وملك الموت هو عزرائيل [[لم يثبت أن ملك الموت اسمه هكذا، وملك الموت اسم جنس للملائكة التي تتولى قبض الأرواح بدليل قوله تعالى " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " وفي الحديث " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش " ولم يقل وعزرائيل، ولم يرد اسم عزرائيل في خبر معتبر والله أعلم.

المطيعي.]] وقال ذلك هنا، وقال في الأنعام: توفته رسلنا، وفي الزمر: الله يتوفى الأنفس حين موتها، ولا منافاة لأن الله تعالى هو المتوفي حقيقة بخلق الموت، وأمر الوسائط بنزع الروح، وهم غير ملك الموت أعوان له ينزعونها من الأظافر إلى الحلقوم فصحت الإِضافات كلها، والتفعيل والاستفعال يلتقيان في مواضع مثل: تقضيته، واستقضيته، وتعجلته، واستعجلته.

(الذي وكل بكم) أي: بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم، قيل: إن ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها والله تعالى هو الآمر بذلك، وهذا وجه الجمع بين الآيات كما تقدم (ثم إلى ربكم ترجعون) أي: تصيرون إليه تعالى أحياء بالبعث والنشور، لا إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

32:12Page 416

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢

If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."

(ولو ترى) لو امتناعية وجوابه محذوف، أي لرأيت أمراً فظيعاً، وهولاً هائلاً، لا يقدر قدره، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال الزجاج والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبة لأمته؛ فالمعنى: ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب، أو الخطاب لكل أحد ممن يصلح له كائناً من كان، إذ المراد بيان كمال سوء حالهم، وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستعظامها براء دون راء، ممن أعتاد مشاهدة الأمور البديعة، والدواهي الفظيعة، بل كل من تتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها، ويجوز أن يكون (لو) للتمني، والمضي فيها وفي (إذ) لأن الثابت في علم الله بمنزلة الواقع.

(إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم) المراد بهم هم القائلون: أئذا ضللنا في الأرض، ويجوز أن يراد بالمجرمين كل مجرم، ويدخل فيه أولئك القائلون دخولاً أولياً، والمعنى: مطأطئوها وخافضوها حياء وندماً على ما فرط منهم في الدنيا من الشرك بالله، والعصيان له.

(عند ربهم) أي عند محاسبته لهم (ربنا) أي: يقولون ربنا (أبصرنا) الآن ما كنا نكذب به (وسمعنا) ما كنا ننكره، وقيل أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك؛ فهؤلاء أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع.

(فارجعنا) إلى الدنيا (نعمل) عملاً (صالحاً) كما أمرتنا، وحسبما تقضيه تلك الآيات (إنا موقنون) أي مصدقون، وقيل مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعاً فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا وأنى لهم ذلك؟ فقد حقت عليهم كلمة الله فإنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. وقيل: هذا ادعاء منهم لصحة الأفئدة، والاقتدار على فهم معاني الآيات، والعمل بموجبها، كما أن قبله ادعاء لصحة صفتي البصر والسمع، كأنهم قالوا أيقنا وكنا من قبل لا نعقل شيئاًً أصلاً، وإنما عدلوا إلى الجملة الاسمية المؤكدة إظهاراً لثباتهم على الإِيقان، وكمال رغبتهم فيه، وكل ذلك للجد في الاستدعاء طمعاً في الإجابة إلى ما سألوه من الرجعة، وقيل معنى إنا موقنون، أنها قد زالت عنهم الشكوك التي كانت تخالطهم في الدنيا، لما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا. قيَل والمعنى صرنا نسمع ونبصر، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول، ثم رد الله عليهم لما طلبوا الرجعة بقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15))

32:13Page 416

وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣

And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.

(ولو شئنا لآتينا) أعطينا (كل نفس هداها) أي رشدها، وتوفيقها إلى الإيمان يعني ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا جميعاً، فلم يكفر منهم أحد؛ ولكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر، وإيثاره، وهو حجة على المعتزلة فإنهم أولوا الآية بمشيئة الجبر، وهو تأويل فاسد. قال النحاس: في معنى هذا قولان أحدهما أنه في الدنيا، والآخر أنه في الآخرة، أي: لو شئنا لرددنا إلى الدنيا.

(ولكن حق القول مني) أي نفذ قضائي، ووجب قدري، وسبقت كلمتي، وثبت وعيدي.

(لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) هذا هو القول الذي وجب من الله، وحق على عباده، ونفذ فيه قضاؤه، فكان مقتضى هذا القول أنه لا يعطى كل نفس هداها، وإنما قضى عليهم بهذا لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة، وأنهم ممن يختار الضلالة على الهدى، وقدم الجن لأن المقام مقام تحقير، ولأن الجهنميين منهم أكثر فيما قيل، ولا يلزم من قوله: أجمعين دخول جميع الإنس والجن فيها، لأنها تفيد عموم الأنواع لا الأفراد، قاله بعض المحققين، ورد بأنه لو قصد ما ذكر كان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقول: كليهما، فالظاهر أنها لعموم الأفراد، والتعريف فيهما للعهد، والمراد عصاتهما، ويؤيده قوله في آية أخرى خطاباً لإِبليس: (لأملأن جهنم منك، وممن تبعك منهم أجمعين)، قاله الشهاب.

وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم.

32:14Page 416

فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤

So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."

(فذوقوا) أي: العذاب، والفاء لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله، أي فإذا دخلوا النار، قالت لهم الخزنة: ذوقوا؛ قاله مقاتل واستعار الذوق للإِحساس، وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوماً لإِحساسها به كإحساس الذائقة بذوق المطعوم.

(بما نسيتم لقاء يومكم) الباء للسببية، وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم، بل بذاك واختلف في النسيان المذكور ههنا، فقيل: هو النسيان الحقيقي، وهو الذي يزول عنده الذكر.

وقيل هو الترك، قاله الضحاك، ويحيى بن سلام. والمعنى على الأول أنهم لم يعملوا لذلك اليوم فكانوا كالناسين له، وعلى الثاني لا بد من تقدير مضاف قبل اللقاء أي: فذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به كذاب لقاء يومكم هذا، ورجح الثاني المبرد، قال الرازي في تفسيره: إن اسم الإشارة في قوله (هذا) يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى اللقاء، وأن يكون إلى اليوم، وأن يكون إلى العذاب.

(إنا نسيناكم) أي تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعل الناس قطعاً لرجائكم قال يحيى: المعنى نسيناكم بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم، تركناكم من الخير، وكذا قال السدي، وقال مجاهد: تركناكم في العذاب.

(وذوقوا) تكرير هذا للتأكيد والتشديد، ولتبيين المفعول المطوي للذوق وللإِشعار بأن سببه ليس مجرد النسيان، بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي، التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا (عذاب الخلد) أي الدائم الذي لا انقطاع له (بما كنتم تعملون) في الدنيا من الكفر والمعاصي، والتكذيب.

32:15Page 416

إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥

Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.

(إنما يؤمن بآياتنا) مستأنفة لبيان من يستحق الهداية إلى الإِيمان ومن لا يستحقها، والمعنى: إنما يصدّق بآياتنا وينتفع بها (الذين إذا ذكروا بها) لا غيرهم ممن يذكر بها أي: يوعظ بها، ولا يتذكر، ولا يؤمن بها.

(خروا سجداً) أي: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيماً لآيات الله، وخوفاً من سطوته وعذابه وتواضعاً، وخشوعاً، وشكراً على ما رزقهم من الإسلام.

(وسبحوا بحمد ربهم) أي نزَّهوه عن كل ما لا يليق به متلبسين بحمده على نعمه، التي أجلُّها وأكملها الهداية إلى الإيمان بالآيات، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس، ومعنى الآية قالوا في سجودهم، سبحان الله وبحمده، أو سبحان ربي الأعلى وبحمده.

وقال سفيان: المعنى صلوا حمداً لربهم (وهم لا يستكبرون) عن الإيمان به، والسجود له كما استكبر أهل مكة عن السجود، أي حال كونهم خاضعين لله متذللين له، غير مستكبرين عليه.

وقال ابن عباس: لا يستكبرون عن إتيان الصلاة في الجماعات، قيل: هذه من عزائم سجود القرآن للقارىء والمستمع.

قال سليمان الجمل والمراد بالآيات في هذه الآية إن كان مطلق القرآن - وإن لم تكن فيه آية سجدة- أشكل قوله خروا سجداً فإن السجود لا يشرع لتلاوة القرآن إلا إذا كان فيه آية سجدة من آيات السجود المعروفة، وإن كان المراد بها خصوص آيات السجدات أشكل قوله إذا ذكروا بها، مع تفسير التذكير بالوعظ كما ذكروه ووجه الاشكال أن أكثر آيات السجدات بل كلها ليس فيها وعظ أي تخويف وتذكير بالعواقب، إذ هذا حقيقة الوعظ بل غالبها لمدح الساجدين تصريحاً وذم غيرهم تلويحاً كهذه الآية، وقد يكون بعكس ذلك أي ذم غير الساجدين تصريحاً، ومدح الساجدين تلويحاً، كآية الانشقاق، فليتأمل فلم نر من المفسرين من بيَّن هذا، ولا من تعرض له انتهى.

(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17))

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском