Al-QinnawjiAn‑Nazi'at · 79:1–29

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

النازعات

An-Nazi'at

Those who drag forth · Meccan · 46 ayahs

79:1Page 583

وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١

By those [angels] who extract with violence1

سورة النازعات

وتسمى سورة الساهرة خمس أو ست وأربعون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)

(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، يعني الملائكة [[ذكر ابن كثير أن الصحيح في قوله: (والنازعات غرقاً): الملائكة، قال: يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرقه في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: (والناشطات نشطاً).]]، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، وإنما جاءت هذه الأقسام بلفظ التأنيث والكل وصف للملائكة مع أنهم ليسوا إناثاً لأن المقسم به طوائف من الملائكة، والطوائف جمع طائفة وهي مؤنثة، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وقال السدي: النازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور، وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفس، وقال قتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، من قولهم نزع إليه إذا ذهب، أو من قولهم نزعت بالحبل أي أنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر، وبه قال أبو عبيدة والأخفش وابن كيسان.

وقال عطاء وعكرمة: النازعات القسي تنزع بالسهام، وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ينتهي به إلا النصل، وقيل أراد بالنازعات الغزاة الرماة، وانتصاب غرقاً على أنه مصدر محذوف الزوائد أي إغراقاً، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى أي إغراقاً في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، أو على الحال أي ذوات إغراق يقال أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل فيه وبلغ غايته، وعن علي قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفار، وعن ابن عباس قال: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار وقال ابن مسعود الملائكة الذين يلون أنفس الكفار.

79:2Page 583

وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢

And [by] those who remove with ease1

(و) معنى (الناشطات نشطاً) أنها تنشط النفوس أن تخرجها من الأجساد كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه حلاً رفيقاً، ونشط الرجل الدلو في البئر إذا أخرجها، والنشاط الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها.

قال أبو زيد نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته، وأنشطته أي حللته وأنشطت الحبل أي مددته، قال الفراء أنشط العقال أي حل ونشط أي ربط الحبل في يديه، قال الأصمعي بئراً نشاط أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيراً، وقال مجاهد هو الموت ينشط نفس الإنسان، وبه قال ابن عباس، وقال السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين، وقال عكرمة وعطاء: هي الأوهاق التي تنشط السهام، وقال قتادة والحسن والأخفش هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب.

قال في الصحاح والناشطات نشطاً يعني النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد والهموم تنشط بصاحبها، وقال أبو عبيدة وقتادة هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد، وقيل الناشطات لأرواح المؤمنين والنازعات لأرواح الكافرين لأنها تجذب روح المؤمن برفق، وتجذب روح الكافر بعنف.

وقوله نشطاً مصدر وكذا سبحاً وسبقاً، قال علي: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها، وعن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار، قال الله والناشطات نشطاً أتدري ما هو؟ قلت يا نبي الله ما هو؟ قال: كلاب في النار تنشط اللحم والعظم " أخرجه ابن مردويه.

79:3Page 583

وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣

And [by] those who glide [as if] swimming1

(والسابحات سبحاً) هي الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الأرواح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه، يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلاً رفيقاً ثم يدعونها حتى تستريح ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة.

وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه، وقال مجاهد: أيضاًً السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم، وقيل هي الخيل السابحة في الغزو، وقال قتادة والحسن هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله: (وكل في فلك يسبحون) وقال عطاء هي السفن تسبح في الماء. وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى الله، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض.

79:4Page 583

فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤

And those who race each other in a race1

(فالسابقات سبقاً) هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف، قال مسروق ومجاهد: تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وروي نحوه عن مجاهد، وقال مقاتل هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال الربيع هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى الله، وقال علي كرم الله وجهه: هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله تعالى، وقال مجاهد: أيضاًً هو الموت يسبق الإنسان، وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضاً.

وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد، وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار.

قال الجرجاني عطف السابقات بالفاء لأنها مسببة عن التي قبلها أي واللاتي يسبحن فيسبقن. تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سبباً للذهاب، ولو قلت قام وذهب بالواو، لم يكن القيام سبباً للذهاب، قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله الآتي:

79:5Page 583

فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥

And those who arrange [each] matter,1

(فالمدبرات أمراً) لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير.

قال الرازي ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، كقوله قام زيد فذهب فضرب عمراً.

ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض إليهم التدبير.

ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سبباً للتدبير كسببية السبح للسبق، والقيام للذهاب ومجرد الإتصال لا يوجب السببية والمسببية.

والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته.

(فالمدبرات أمراً) قال علي هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وعنه يدبرون ذكر الرحمن وأمره، وقال ابن عباس ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته، قال القشيري أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة.

وقال الماوردي فيه قولان: (أحدهما) الملائكة وهو قول الجمهور، والثاني إنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، وفي تدبيرها الأمر وجهان (أحدهما) تدبر طلوعها وأفولها (الثاني) تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال.

ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله عز وجل لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به، وقيل إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات.

قال عبد الرحمن بن ساباط تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، أما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم.

وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف أي والنازعات وكذا وكذا لتبعثن. قال الفراء وحذف لمعرفة السامعين به ويدل عليه قوله (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) وقيل إن جواب القسم لقوله (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) أي أن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى، قال ابن الأنباري وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما.

وقيل جواب القسم (هل أتاك حديث موسى) لأن المعنى قد أتاك وهذا ضعيف جداً.

وقيل الجواب

79:6Page 583

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦

On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],

(يوم ترجف الراجفة) على تقدير ليوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة.

قال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير كأنه قال فإذا هم بالساهرة والنازعات، قال ابن الأنباري وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام والأول أولى.

وقال الكرخي الفاء فيهما للدلالة على ترتبهما بغير مهلة، وهو من عطف المقسم به والمعطوف بالواو من عطف الصفات بعضها على بعض، والعطف مع اتحاد الكل بتنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه.

(يوم ترجف الراجفة) انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم أو بإضمار اذكر، والراجفة المضطربة، يقال رجف يرجف إذا اضطرب، والمراد هنا الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، قاله ابن عباس.

79:7Page 583

تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧

There will follow it the subsequent [one].

(تتبعها الرادفة) هي النفخة الثانية التي تكون عند البعث، قاله ابن عباس وبينهما أربعون سنة، فاليوم واسع للنفختين وغيرهما فصح ظرفيته للبعث الواقع عقب الثانية، وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى، كذا قال جمهور المفسرين وقال ابن زيد: الراجفة الأرض، والرادفة الساعة، وقال مجاهد الراجفة الزلزلة تتبعها المرادفة الصيحة، وقيل الراجفة اضطراب الأرض والرادفة الزلزلة.

وأصل الرجفة الحركة، وليس المراد التحرك هنا فقط بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً إذا ظهر صوته، ومنه سميت الأراجيف لإضطراب الأصوات بها وظهور الأصوات فيها، ومحل تتبعها الرادفة النصب على الحال من الراجفة.

والمعنى لتبعثن يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها، وعن أبيّ بن كعب قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ترجف الأرض رجفاً وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) يقول مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائها. أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي.

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)

79:8Page 583

قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨

Hearts,1 that Day, will tremble,

(قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) قلوب مبتدأ ويومئذ منصوب بواجفة. وواجفة صفة لقلوب وهو المسوغ للإبتداء بالنكرة أي قلوب مضطربة خائفة قلقة خافقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة، قال جمهور المفسرين. أي خائفة وجلة، وقال ابن عباس: وجلة متحركة، وقال السدي زائلة عن أماكنها نظيره (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) وقال المؤرج: قلقة مستوفزة، وقال المبرد: مضطربة يقال وجف القلب يجف وجيفاً إذا خفق كما يقال وجب يجب وجيباً، والإيجاف السير السريع فأصل الوجيف إضطراب القلب، وقال ابن عباس: خائفة.

79:9Page 583

أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩

Their eyes1 humbled.

(أبصارها) مبتدأ ثان وخبره (خاشعة) والجملة خبر الأول، في الكلام حذف مضاف تقديره أبصار أصحاب القلوب ذليلة، والضمير راجع إلى أصحاب القلوب فهو من الإستخدام والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخشوع عند معاينة أهوال يوم القيامة، كقوله (خاشعين من الذل) قال عطاء يريد أبصار من مات على غير الإسلام ويدل على هذا أن السياق في منكري البعث.

79:10Page 583

يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠

They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?

(يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) هذا حكاية لما يقوله المنكرون للنعت في الدنيا إستهزاء وإنكاراً للبعث إذا قيل لهم أنكم تبعثون، أي أنرد إلى أول حالنا وإبتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا، يقال رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء والحافرة عند العرب إسم لأول الشيء وإبتداء الأمر، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته أي على الطريق الذي جاء منه، يقال النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة أي عند أول ما التقوا، وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى محفورة، وقيل الحافرة العاجلة.

والمعنى إنا لمردودون إلى الدنيا وقيل الحافرة جمع حافر بمعنى القدم أي أنمشي أحياء على أقدامنا ونطأ بها الأرض، وقيل فاعلة بمعنى مفعولة، وقيل على النسب أي ذات حفر، والمراد الأرض، وقيل الحافرة الأرض التي يحفر فيها قبورهم، والمعنى إنا لمردودون في قبورنا أحياء، كذا قال الخليل والفراء وبه قال مجاهد، وقال ابن زيد: الحافرة النار، واستدل بقوله (تلك إذاً كرة خاسرة) قال ابن عباس في الحافرة أي الحياة وعنه قال خلقاً جديداً، قرأ الجمهور في الحافرة، وقرأ أبو حيوة في الحفرة.

ثم زادوا في الاستبعاد بقولهم

79:11Page 583

أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١

Even if we should be decayed bones?"1

(أئذا كنا عظاماً نخرة) أي بالية متفتتة يقال نخر العظم بالكسر إذا بلي، وهذا تأكيد لإنكار البعث أي كيف نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاماً نخرة، والعامل في " إذا " مضمر يدل عليه مردودون أي أئذا كنا عظاماً بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة.

قرأ الجمهور نخرة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ناخرة، واختار الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، والثانية الفراء وابن جرير وأبو معاذ النحوي.

قال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم تنخر بعد أي لم تبل ولا بد أن تنخر، وقيل هما بمعنى، تقول العرب نخر الشيء فهو ناخر ونخر، وطمع فهو طامع وطمع ونحو ذلك، قال الأخفش هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن.

وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها، والنخرة التي فسدت كلها، وقال مجاهد نخرة أي مرفوتة كما في قوله (رفاتاً) وقيل الناخرة المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر أي تصوت، وقد قرىء إذا كنا وأإذا كنا بالإستفهام وبعدمه.

ثم ذكر سبحانه عنهم قولاً آخر قالوه فقال

79:12Page 583

قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢

They say, "That, then, would be a losing return."1

(قالوا تلك إذاً كرة خاسرة) أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران، والمعنى أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد، وهذا إستهزاء منهم، وقيل معنى خاسرة كاذبة أي ليست بكائنة كذا قال الحسن وغيره، وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها، وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار، والكرة الرجعة والجمع كرات.

وقوله

79:13Page 583

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Indeed, it will be but one shout,

(فإنما هي زجرة واحدة) تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام النخرة وإحياء الأموات، والمعنى لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة وكان ذلك الإحياء والبعث، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها، وقيل أن الضمير في (إنما هي) راجع إلى المرادفة المتقدم ذكرها التي يعقبها البعث وسميت هذه النفخة زجرة لأنه يفهم منها النهي عن التخلف والمنع منه، وعبارة الخطيب وعبر بالزجرة لأنها أشد من النهي لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلاً.

79:14Page 583

فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.

(فإذا هم بالساهرة) أي فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء على وجه الأرض، قال الواحدي المراد بالساهرة وجه الأرض وظاهرها في قول الجميع، قال الفراء سميمت بهذا الإسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفاً منها فسميت بذلك، قال في الصحاح الساهرة وجه الأرض، ومنه قوله (فإذا هم بالساهرة) وقال الساهرة أرض بيضاء، وقيل أرض من فضة لم يعص الله فيها، وقيل الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق.

وقال سفيان الثوري: الساهرة أرض الشام أو أرض مكة أو أرض القيامة، وقال قتادة هي جهنم، أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم، وقال ابن عباس هي وجه الأرض وفي لفظ الأرض كلها ساهرة.

وجملة

79:15Page 583

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥

Has there reached you the story of Moses? -

(هل أتاك حديث موسى) مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تكذيب قومه، وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم، ومعنى (هل أتاك) قد جاءك وبلغك، وهذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه في شأنهما فيكون المعنى على الإستفهام إذ لا وجه لحملة على الإقرار حينئذ أي هل أتاك حديثه؟ أنا أخبرك به.

79:16Page 584

إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦

When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,

(إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى) الظرف متعلق بحديث لا بأتاك لاختلاف وقتيهما، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية.

والواد المقدس المبارك المطهر غاية الطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة فيه المفيضة للبركات، قال الفراء (طوى) واد بين المدينة ومصر سمي طوى لأنه طوى فيه الشر عن بني إسرائيل أو لأن موسى طواه بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي، وقيل واد بالشام عند الصور بين أيلة ومصر، وهو معدول من طاو كما عدل عمر من عامر، قاله الفراء، قال: والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيراً له.

وقيل طوى معناه بالعبرانية يا رجل فكأنه قيل يا رجل، وقيل المعنى أن الوادي المقدس بورك فيه مرتين والأول أولى، وقد مضى تحقيق القول فيه، قرىء طوى بالتنوين وتركه وهما سبعيتان، قال الجوهري طوى اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله إسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة.

79:17Page 584

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧

"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.

(إذهب إلى فرعون) قيل هو على تقدير القول، وقيل هو تفسير للنداء أي ناداه نداء هو قوله إذهب، وقيل هو على حذف (أن) المفسرة ويؤيده قراءة ابن مسعود (أن اذهب) لأن في النداء معنى القول.

وجملة (إنه طغى) تعليل للأمر أو لوجوب الإمتثال أي جاوز الحد في العصيان والفساد والتكبر والكفر بالله، قال الرازي ولم يبين أنه طغى في أي شيء فقيل تكبر على الله وكفر به، وقيل تكبر على الخلق واستعبدهم.

79:18Page 584

فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨

And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself

(فقل هل لك أن تزكى) أي قل له بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى التزكي وهو التطهر من الشرك، وأصله تتزكى، قرأ الجمهور بالتخفيف، وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي.

قال أبو عمرو ابن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكياً مؤمناً، ومعنى قراءة التشديد الصدقة، وفي الكلام مبتدأ مقدر تتعلق به إلى، والتقدير هل لك رغبة أو توجه أو سبيل إلى التزكي، ومثل هذا قولهم هل لك في الخير يريدون هل لك رغبة في الخير، وقال ابن عباس: هل لك أن تقول لا إله إلا الله، وقيل معناه هل لك أن تسلم وتصلح العمل، أمر عليه السلام أن يخاطبه بالإستفهام الذي معناه العرض ليستدعيه بالتلطف ويستنزله بالمداراة من عتوه، وهذا نوع تفصيل لقوله (فقولا له قولاً ليِّناً لعله يتذكر أو يخشى).

79:19Page 584

وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩

And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"

(وأهديك إلى ربك فتخشى) أي أرشدك إلى عبادته وتوحيده فتخشى عقابه، والفاء لترتيب الخشية على الهداية لأن الخشية لا تكون إلا من مهتد راشد، قال ابن عطاء الخشية أتم من الخوف، لأنها صفة العلماء في قوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماءُ) أي العلماء به رواه السلمي.

وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية ثم الإجلال ثم الهيبة ثم التعظيم ثم الفناء [[الفناء اصطلاح صوفي لا يعرفه الإسلام.]] وعن بعضهم من تحقق بالخوف ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه، ذكره الكرخي.

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)

79:20Page 584

فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠

And he showed him the greatest sign,1

(فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى) هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير موضع، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال: إن كنت جئت بآية فأت بها فعند ذلك أراه الآية الكبرى.

واختلف فيها ما هي فقيل العصا، وقيل يده وقيل فلق البحر، وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع، والأول أولى ثم اليد، والأكثرون على أنه أراهما له، وأطلق عليهما الآية الكبرى لاتحادهما معنى أو أراد بالكبرى العصا وحدها لأنها كانت مقدمة على الأخرى.

ولا ينافي هذا قوله في الآية الأخرى (ولقد أريناه آياتنا كلها) وكل آياته كبرى لأن الإخبار هنا عما أراه له أول ملاقاته إياه وهو العصا واليد، ثم أردف ذلك برؤية الكل.

ولا مساغ لحمل الآية على مجموع معجزاته فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسع إنما ظهر على يده عليه السلام بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما في سورة الأعراف، ولا ريب في أن هذا مطلع القضية وأمر السحرة مترقب بعده.

79:21Page 584

فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١

But he [i.e., Pharaoh] denied and disobeyed.

(فكذب وعصى) أي فلما أراه الآية الكبرى كذب فرعون بموسى وبما جاء به وعصى الله عز وجل بعد ظهور الآية وتحقق الأمر فلم يطعه.

79:22Page 584

ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢

Then he turned his back, striving [i.e., plotting].1

(ثم أدبر) أي تولى وأعرض عن الإيمان، وأتى بثم لأن إبطال الأمر ونقضه يقتضي زماناً طويلاً (يسعى) أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى، وقيل أدبر هارباً من الحية يسعى خوفاً منها، وقال الرازي معنى أدبر يسعى أقبل يسعى كما يقال أقبل يفعل كذا أي أنشأ يفعل كذا فوضع أدبر موضع أقبل، لئلا يوصف بالإقبال، ويسعى حال من الضمير في أدبر.

79:23Page 584

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣

And he gathered [his people] and called out

(فحشر) أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة أو جمع السحرة للمعارضة أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع أو جمعهم ليمنعوه من الحية (فنادى

79:24Page 584

فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤

And said, "I am your most exalted lord."

فقال أنا ربكم الأعلى) أي قال لهم بصوت عال أو أمر من ينادي بهذا القول بعد ما قال له موسى ربي أرسلني إليك، والمعنى أنه لا رب فوقي، قال عطاء كان صنع لهم أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها، وقال أنا رب أصنامكم، وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم والأول أولى لقوله في آية أخرى (ما علمت لكم من إله غيري).

79:25Page 584

فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥

So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.

(فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) النكال نعت مصدر محذوف أي أخذه أخذ نكال أو هو مصدر لفعل محذوف أي أخذه الله فنكله نكال الآخرة والأولى، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول له أي أخذه الله لأجل نكال، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي بنكال، ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد، قال لأن معنى أخذه الله نكل الله به فأخرج من معناه لا من لفظه.

وقال الفراء أي أخذه الله أخذاً نكالاً أي للنكال، والنكال اسم لما جعل نكالاً للغير أي عقوبة له، يقال نكل فلان بفلان إذا عاقبه وأصل الكلمة من الإمتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق، وقال مجاهد عذاب أول عمره وآخره، وقال قتادة: الآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى تكذيبه لموسى، وقيل الآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى قوله (ما علمت لكم من إله غيري) قاله ابن عباس وكان بين الكلمتين أربعون سنة، قاله ابن عمرو [[قال ابن كثير: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) أي: انتقم الله منه انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا (ويوم القيامة بئس الوفد المرفود) كما قال تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) قال: وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: (نكال الآخرة والأولى) أي الدنيا والآخرة.]].

79:26Page 584

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦

Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].

(إن في ذلك) أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به (لعبرة) عظيمة (لمن) شأنه أن (يخشى) الله ويتقيه ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه.

79:27Page 584

ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧

Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.

(أأنتم أشد خلقاً أم السماء) أي أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد عندكم وفي تقديركم أم خلق السماء، والخطاب لكفار مكة والمقصود به التوبيخ لهم والتبكيت لأن من قدر على خلق السماء التي لها هذا الجرم العظيم، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بيّن للناظرين، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة، ومثل هذا قوله سبحانه (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) وقوله (أليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم).

ثم بيّن سبحانه كيفية خلق السماء فقال (بناها) أي جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض

79:28Page 584

رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨

He raised its ceiling and proportioned it.

(رفع سمكها) أي أعلاه في الهواء، وهذا بيان للبناء، أو جعل مقدار ذهابها وارتفاعها في سمت العلو رفيعاً مسيرة خمسمائة عام، يقال سمكت الشيء أي رفعته في الهواء وسمك الشيء سموكاً ارتفع قال الفراء كل شيء حمل شيئاًً من البناء أو غيره فهو سمك، وبناء مسموك وسنام سامك أي عال والسموكات السموات.

وقال ابن جزي: السمك غلظ السماء وهو الإرتفاع الذي بين السطح السفلي الأسفل الذي يلينا، وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، قال البغوي: رفع سمكها أي سقفها ولينظر ما المراد بسقفها، ويمكن أن يقال سقف كل سماء هو السماء التي فوقها كما أن السماء الدنيا سقف للأرض تأمل.

قال الكسائي والفراء والزجاج: تمّ الكلام عند قوله بناها لأنه من صلة السماء والتقدير أم السماء التي بناها فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز.

ومعنى (فسواها) جعلها مستوية الخلق معتدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ولا فطور، ولا فروج ولا شقوق

79:29Page 584

وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩

And He darkened its night and extracted its brightness.1

(وأغطش ليلها) الغطش الظلمة بلغة أنمار أي جعله مظلماً يقال أغطش الليل وأغطشه الله كما يقال أظلم الليل وأظلمه الله، ورجل أغطش وامرأة غطشى لا يهتديان.

قال الراغب وأصله من الأغطش وهو الذي في عينه عمش، ومنه فلاة غطشى لا يهتدى فيها والتغاطش التعامي، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضافة إلى السماء.

(وأخرج ضحاها) أي أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس وعبر عن النهار بالضحى لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وأضافه إلى السماء لأنه يظهر بظهور الشمس، وهي منسوبة إلى السماء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском