Al-QinnawjiAn‑Nisa · 4:1–5

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

النساء

An-Nisa

The Women · Medinan · 176 ayahs

4:1Page 77

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allāh, through whom1 you ask one another,2 and the wombs.3 Indeed Allāh is ever,4 over you, an Observer.5

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة النساء

مدنية كلها وهي مائة وخمس وسبعون آية قال القرطبي: إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) قال النقاش: وقيل نزلت عند هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة. وقال علقمة وغيرة: صدرها مكية. وقال النحاس هذة الآية مكية.

قال القرطبي: والصحيح الأول فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني قد بنى بها ولا خلاف بين العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بنى بعائشة بالمدينة. ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وقد ورد في فضل هذه السورة أخبار آثار كثيرة ذكرت في محلها.

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

(يا أيها الناس) المراد بهم الموجودون عند الخطاب من بني آدم وهم أهل مكة، ويدخل فيه من سيوجد بدليل خارجي وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون.

وعند الحنابلة خطاب المشافهة يتناول القاصرين عن درجة التكليف فينتظم في سلكهم من الحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة أو هو بطريق تغليب الموجودين على من لم يوجد كما غلب المذكور على الإناث في قوله (اتقوا ربكم) لاختصاص ذلك وبجمع المذكر وعدم تناوله حقيقة للإناث عند غير الحنابلة، وقد تقدم في البقرة معنى التقوى والرب.

(الذي خلقكم) فإن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته، وذلك لأنه ينبىء عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم، وعن نعمة كاملة لا يقادر قدرها.

(من نفس واحدة) آدم عليه السلام (خلق منها زوجها) حواء هذا أيضاً من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة، و (مِن) لابتداء الغاية في الموضعين وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها. قال كعب ووهب وابن اسحق: خلقت قبل دخول الجنة، وقال ابن مسعود وابن عباس: إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها.

(وبثّ) فرق ونشر (منهما) الضمير راجع إلى آدم وحواء المعبّر عنهما بالنفس والزوج (رجالاً كثيراً) وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل هو نعت لمصدر محذوف أي بثاً كثيراً (ونساء) كثيرة، وترك التصريح به استغناء واكتفاء بالوصف الأول.

(واتقوا الله الذي تساءلون به) أي تعاطون به، قاله ابن عباس، وقال الربيع تعاقدون وتعاهدون، وقيل تتحالفون به، وقيل تعظمونه، والمعاني متقاربة، وقال البيضاوي: أي يسأل بعضكم بعضاً بالله.

(والأرحام) بالنصب عطفاً على محل الجار والمجرور، كقولك مررت بزيد وعمرا، وينصره قراءة (وبالأرحام) فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال والمناشدة فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم أو عطفاً على الاسم الجليل أي اتقوا الله والأرحام فلا تقطعوها فإنها مما أمر الله به أن يوصل، وهي الأولى.

وقرىء والأرحام بالجر وأنكره البصريون والكوفيون وسيبويه والزجاج، وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال: لو صليت خلف إمام يقرأ (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بالجر لأخذت نعلي ومضيت.

وقد رد الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراءة الجر فقال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراآت التي قرأ بها أئمة القرآن ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تواتراً، ولا يخفى أن دعوى التواتر باطلة، يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكن ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك في أشعار العرب، ومنه قوله تعالى (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين).

وقيل التقدير: واتقوا قطع مودّة الأرحام فإنّ قطع الرحم من أكبر الكبائر، وصلة الأرحام باب لكل خير فتزيد في العمر وتبارك في الرزق، وقطعها سبب لكل شر، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى الله.

وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس فتارة يكون عادته مع رحمه الصلة بالإحسان، وتارة بالخدمة وقضاء الحاجة، وتارة بالمكاتبة، وتارة بحسن العبارة وغير ذلك.

وقرىء بالرفع على الإبتداء والخبر مقدر أي والأرحام صلوها أو والأرحام أهل أن توصل، أو والأرحام كذلك أي مما يتقى أو يتساءل به، وقيل إن الرفع على الإغراء عند من يرفع به، وجوّز الواحدى نصبه على الإغراء.

والأرحام اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع واللغة، وقد خصص الإمام أبو حنيفة الرحم بالحرم في منع الرجوع في الهبة مع موافقته على أن معناها أعم، ولا وجه لهذا التخصيص.

قال القرطبي: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرّمة انتهى، وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة، روى الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله " [[صحيح مسلم 2555 - البخاري 2045.]] وإنما استعير اسم الرحم للقرابة لأن الأقارب يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض.

(إن الله كان عليكم رقيباً) حافظاً يعلم السر وأخفى، والرقيب المراقب، وهي صيغة مبالغة من رقب يرقب رقباً ورقوباً ورقباناً إذا أحدّ النظر لأمر يريد تحقيقه.

وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)

4:2Page 77

وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

(وآتوا) أعطوا (اليتامى أموالهم) شروع في موارد الاتقاء ومظانّه، وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم وملابستهم للأرحام، والخطاب للأولياء والأوصياء، واليتيم من لا أب له، وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم، وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفى.

وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتيم بالبلوغ مجازاً باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي. وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة لا دفعها جميعها، هذه الآية مقيدة بالأخرى وهي قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فلا يكون مجرد ارتفاع اليتيم بالبلوغ مسوغاً لدفع أموالهم إليهم حتى يؤنس عنهم الرشد.

(ولا تتبدّلوا الخبيث) هو مال اليتيم وإن كان جيداً لكونه حراماً (بالطيّب) وهو مال الولي لكونه حلالاً وإن كان رديئاً فالباء داخلة على المتروك نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويعوّضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأساً.

وقيل المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب من أموالكم، وقيل المراد لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، والأول أولى فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذ مكانه، وكذلك استبداله ومنه قوله تعالى (ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السبيل) وقوله (اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله (وبدلناهم بجنتيهم جنتين) وأخرى بالعكس كما في قولك بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، نص عليه الأزهري.

وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية يعني (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) هو الخلط فيكون الفعل مضمناً معنى الضم أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وهذا نهي عن منكر آخر كانوا يفعلونه بأموال اليتامى، وخص النهي بالمضموم وإن كان أكل مال اليتيم حراماً وإن لم يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم فالقيد للتشنيع.

وإذا كان التقييد لهذا الغرض لم يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، قاله الكرخي، ثم نسخ هذا بقوله تعالى (وإن تخالطوهم فإخوانكم) وقيل إن إلى بمعنى مع كقوله تعالى (من أنصاري إلى الله) والأول أولى.

(إنه) أي أكل مال اليتيم من غير حق أو التبديل المفهوم من (لا تتبدلوا) أو المراد كلاهما ذهاباً بها مذهب اسم الإشارة نحو (عوان بين ذلك) والأول أولى لأنه أقرب مذكور (كان حوباً) قرىء بضم الحاء وبفتحها، وحابا بالألف لغات في المصدر، والفتح لغة تميم، وهو الإثم، يقال حاب الرجل يحوب حوباً إذا أثم واكتسب الإثم، وأصله الزجر للإبل فسمي الإثم حوباً لأنه يزجر عنه، والحوبة الحاجة والحوب أيضاً الوحشة والتحوب التحزن.

عن سعيد بن جبير قال إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية يقول: لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم. وعن مجاهد قال: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعاً إنه كان إثماً (كبيراً) وعن ابن زيد قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار، يأخذه الكبير، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث.

4:3Page 77

وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hands possess [i.e., slaves]. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

(وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا) وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ولياً لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

فهذا سبب نزول الآية فهو نهي يخص هذه الصورة، قال جماعة من السلف إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما يشاء فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في اليتامى فكذلك يخافون أن لا يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد فإن المخوف قد يكون معلوماً، وقد يكون مظنوناً.

ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية فقال أبو عبيد: خفتم بمعنى أيقنتم، وقال الآخرون بمعنى ظننتم، قال ابن عطيه وهو الذي اختاره الحداق: وإنه على بابه من الظن لا من اليقين.

والمعنى من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح غيرها.

والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل وقسط بمعنى جار لأن الهمزة تأتي للسلب فيقال أقسط إذا أزال القسط أي الجور والظلم، ولذلك جاء (وأما القاسطون) الآية، (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) وجاء قسط قسطاً من باب ضرب، وقسوطاً جار وعدل فهو من الأضداد، قاله ابن القطاع، والإسم القسط.

و" ما " في قوله (ما طاب لكم) موصولة وجاء بما مكان " من " لأنهما قد يتعاقبان فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله (والسماء وما بناها) (ومنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على أربع).

قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول، وقال البصريون: إن (ما) يقع للنعوت كما يقع لما لا يعقل، يقال ما عندك فيقال ظريف وكريم، وقيل هي لنوع من يعقل، فالمعنى فانكحوا النوع الطيب من النساء أي الحلال وما حرمه الله فليس بطيب، وقيل إن (ما) هنا مديَّة أي ما دمتم مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية.

قال الفراء: إن (ما) ههنا مصدرية، قال النحاس: وهذا بعيد جداً، وقيل إنها نكرة موصوفة أي انكحوا جنساً طيباً وعدداً طيباً، والأول أولى، وقرىء فانكحوا من طاب لكم.

وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة.

و" من " في قوله (من النساء) إما بيانية أو تبعيضية لأن المراد غير اليتائم بشهادة قرينة المقام أي فانكحوا من استطابتها نفوسكم من الأجنبيات، وفي إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات مزيد لطف في استنزالهم، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه.

على أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن، والترغيب فيهن، وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى وهو السر في توجيه النهي الضمني إلى النكاح المترقب.

(مثنى وثلاث ورباع) أي اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، وهذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع، فالأول قول الكوفيين وأبي إسحق وغيره، والثاني قول البصريين.

والمسموع من ذلك أحد عشر لفظاً أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ومخمس، وعشار ومعشر، ولم يسمع خماس ولا غيره من بقية العقد. وجمهور النحاة على منع صرفها وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى.

وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع. وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد كما يقال للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.

وهذا مسلّم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عينّ مكانه، أما لو كان مطلقاً كما يقال اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا، والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول، على أن من قال لقوم يقتسمون مالاً معيناً كبيراً اقتسموه مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي.

ومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين، وهكذا جاءني القوم ثلاث ورباع.

والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله تعالى (اقتلوا المشركين، أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة) ونحوها.

فمعنى قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، هذا ما يقتضيه لغة العرب. فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه.

ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فإنه وإن كان خطاب للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنّة لا بالقرآن.

وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، وكأنه قال انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعاً، كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا.

وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون (أو) لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمراد من النظم القرآني.

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اختر منهن وفي لفظ أمسك منهن أربعاً وفارق سائرهن [[الدارقطني 2/ 1492.]]، وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق.

وعن نوفل بن معاوية الديلي قال أسلمت وعندي خمس نسوة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمسك أربعاً وفارق الأخرى، أخرجه الشافعي في مسنده.

وأخرج ابن ماجه والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث الأسدي قال أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال اختر منهن أربعاً وخلّ سائرهن ففعلت، وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقي.

وعن الحكم قال أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين، وفي بعض التفاسير هنا خلط وخبط تركناه لأنه تطويل بلا طائل، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

(فإن خفتم ألا تعدلوا) بين الزوجات في القسم والنفقة ونحوهما (فواحدة) أي فانكحوا واحدة وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك.

(أو) انكحوا واقتصروا على (ما ملكت أيمانكم) من السراري وإن كثر عددهن كما يفيده الموصول، إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات، والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم كما يدل على ذلك جعله قسيماً للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب.

(ذلك) أي نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري (أدنى) أقرب إلى (ألا تعولوا) تجوروا من عال الرجل يعول إذا مال وجار ومنه قولهم عال السهم عن الهدف أي مال عنه، وعال الميزان إذا مال.

والمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، وهو قول أكثر المفسرين.

وقال الكسائي يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة، ومنه قوله تعالى (وإن خفتم عيلة) وقيل المعنى أن لا تضلوا، وقال الشافعي أن لا تكثر عيالكم، قال الثعلبي وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل إذا كثر عياله.

وذكر ابن العربي أن عال يأتي لسبعة معان (الأول) مال (الثاني) زاد (الثالث) جار (الرابع) افتقر (الخامس) أثقل (السادس) قام بمعونة العيال ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - وابدأ بمن تعول [[البخاري كتاب الزكاة الباب 18.]] (السابع) غلب ومنه عيل صبري، قال ويقال أعال الرجل كثر عياله، وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح.

ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن العربي بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية، وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه.

وقد حكاه القرطبي عن الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابى، وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ولعله لغة، وقال الدوري هي لغة حِمْير.

قال ابن عطية: قول الشافعي نفسه حجة لأنه عربي فصيح، وقال الأزهري: والذي اعترض عليه وخطّأه عَجِل ولم يتثبت فيما قال، ولا ينبغي للحضرمي أن يعجل إلى إنكاره ما لا يحفظه من لغات العرب أهـ.

وبسط الرازي في هذا المقام من تفسيره. ورد على أبي بكر الرازي ثم قال: الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.

وقرأ طلحة بن مصرف: أن لا تعيلوا بضم التاء، وهو حجة الشافعي.

وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا تكثر، وهذا القدح غير صحيح لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة.

وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا، وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي منها عال اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض إذا ضرب فيها حكاه الهروي، وعال إذا أعجز حكاه الأحمر، فهذه ثلاثة معان غير السبعة، والرابع عال كثر عياله، فحمله معاني عال أحد عشر معنى.

وعن قتادة في الآية قال: يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاثاً وإلا فاثنتين وإلا فواحدة فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك، وعن الربيع مثله، وعن الضحاك قال ألا تعدلوا في المجامعة والحب وفيه نظر، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " [[أبو داود كتاب النكاح الباب 38 - الترمذي كتاب النكاح الباب 41.]] يعني في حبه لعائشة، والله تعالى يقول (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) وعن السدي " أو ملكت أيمانكم " قال: السراري.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[ذلك أدنى أن لا تعدلوا] قال أن لا تجوروا قال ابن أبي حاتم هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف، وعن ابن عباس موقوف [[ابن كثير 2/ 451.]].

وعن ابن عباس قال أن لا تميلوا، وعن مجاهد وأبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله، وعن زيد بن أسلم أن لا يكثر من تعولوا، وعن سفيان بن عيينة أن لا تفتقروا.

4:4Page 77

وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2

وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)

(وآتوا) الخطاب للأزواج وقيل للأولياء (النساء صدقاتهنّ) بضم الدال جمع صدقة كسمرة قال الأخفش وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت.

(نحلة) بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها العطاء نحلت فلاناً أعطيته، وعلى هذا فهي منصوبة على المصدرية لأن الإيتاء بمعنى الإعطاء وقيل النحلة التدين فمعنى نحلة تديناً قاله الزجاج وعلى هذا فهي منصوبة على المفعول له، وقال قتادة الفريضة، وعلى هذا فهي منصوبة على الحال وقيل طيبة النفس، قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا عن طيبة نفس، وقال ابن عباس: المهر، قالت عائشة: واجبة، وقال ابن جريج: فريضة مسماة وعن قتادة مثله.

ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج أعطوا النساء اللاتي نكحتموهن مهورهن التي لهن عليكم عطية أو ديانة منكم أو فريضة عليكم أو طيّبة من أنفسكم.

ومعناها على كون الخطاب للأولياء أعطوا النساء من قراباتكم التي قبضتم مهورهن من أزواجهن تلك المهور، وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في الجاهلية ولا يعطيها شيئاً. حكى ذلك عن أبي صالح والكلبي. والأول أولى وهو الأشبه بظاهر الآية وعليه الأكثر لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله كما تقدم، فهذا أيضاً خطاب لهم.

وفي الآية دليل على أن الصّداق واجب على الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه كما قال القرطبي، قال: وأجمع العلماء على أنه لا حد لكثيره واختلفوا في قليله.

(فإن طبن لكم) يعني النساء المتزوجات للأزواج (عن شيء منه) قال ابن عباس: إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى والضمير في (منه) راجع إلى الصداق الذي هو واحد الصدقات، أو إلى المذكور وهو الصدقات، أو هو بمنزلة اسم الإشارة كأنه قال من ذلك.

والمعنى فإن طبن النساء لكم أيها الأزواج أو الأولياء عن شيء كائن من المهر، و (من) فيها وجهان أحدهما أنها للتبعيض ولذلك لا يجوز لها أن تهبه كل الصداق، وإليه ذهب الليث (والثاني) أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تهبه المهر كله، وفي الكرخي وتذكير الضمير يعود على الصداق المراد به الجنس، قل أو كثر فيكون حملاً على المعنى.

(نفساً) نصب على التمييز لأن نفساً في معنى الجنس، وجيء بالتمييز مفرداً وإن كان قبله جمعاً لعدم اللبس، إذ من المعلوم أن الكل لسن مشتركات في نفس واحدة أي فإن طابت نفوسهن عن شيء من الصداق.

وفي طبن دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة النفس نفسها لم يحل للزوج ولا للولي وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما.

وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن وضعف إدراكهن وسرعة انخداعهن وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب.

(فكلوه) أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه بأنواع التصرفات وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال وإن كان سائر الإنتفاعات به جائز كالأكل (هنيئاً مريئاً) يقال هناه الطعام والشراب يهنيه ومراه وأمراه من الهنا والمرا، والفعل هنا ومرأ أي أتى من غير مشقة ولا غيظ، وقيل هو الطيب الذي لا تنغيص فيه وقيل المحمود العاقبة الطيب الهضم؛ وقيل ما لا إثم فيه؛ والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب.

4:5Page 77

وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥

And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا (5)

(ولا تؤتوا) أيها الأولياء (السفهاء) المبذرين من الرجال والنساء والصبيان (أموالكم) هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وقد تقدم الأمر بدفع أموالهم إليهم في قوله (وآتوا اليتامى أموالهم) فبينّ سبحانه ههنا أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه؛ وقد تقدم في البقرة معنى السفيه لغة.

واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم، قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية، وقال مالك: هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء. وقال مجاهد: هم النساء قال النحاس وغيره هذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفايه أو سفيهات.

واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل أضافها إليهم لأدنى ملابسة فإنها بأيديهم وهم الناظرون فيها كقوله (فسلّموا على أنفسكم) وقوله (فاقتلوا أنفسكم) أي ليسلّم بعضكم على بعض وليقتل بعضكم بعضاً، وقيل أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم؛ فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل.

وقيل المراد أموال المخاطبين حقيقة؛ وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة؛ والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء والصبيان ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تحصل المال ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به.

(التي جعل الله) أي صيّرها أو خلقها وأوجدها (لكم) حال كونها (قياماً) يعني قوام معايشكم، قاله ابن عباس، والقيام والقوام ما يقيمك، يقال فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه أي يصلحه، وهو منصوب على المصدر أي فيقومون بها قياماً.

وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم، فذهب إلى أنها نفع، وقال البصريون: قيماً جمع قيمة كديمة وديم أي جعلها الله قيمة للأشياء، وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول وقال هي مصدر كقيام وقوام.

والمعنى أنها صلاح للحال وثبات له.

فأما على قول من قال إن المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة فالمعنى واضح، وأما على قول من قال إنها أموال اليتامى فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم ويصلح به حالكم من الأموال، قال الفراء الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي والأموال التي وكذا غير الأموال ذكره النحاس.

(وارزقوهم فيها) أي أطعموهم منها، قال ابن عباس: أنفقوا عليهم أي اجعلوا لهم فيها رزقاً أو افرضوا لهم، وآثر التعبير بفي على من مع أن المعنى عليها إشارة إلى أنه ينبغي للولي أن يتجر لموليه في ماله ويربحه له حتى تكون نفقته عليه من الربح لا من أصل المال، فالمعنى واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتربحوها لها.

(واكسوهم) هذا فيمن تلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم، وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من الأرباح، أو جعلوا لهم من أموالهم رزقاً ينفقونه على أنفسهم ويكتسون به.

وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً، واستدل بها أيضاً على وجوب نفقة القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه.

(وقولوا لهم قولاً معروفاً) أي كلاماً ليّناً تطيب به نفوسهم، وقال مجاهد: أمروا أن يقولوا لهم قولاً جميلاً في البر والصلة قيل معناه ادعوا لهم بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل معناه: عدوهم وعداً حسناً قاله ابن جريج أي بإعطائهم أموالهم كأن يقول الولي لليتيم مالك عندي وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك، ويقول الأب لابنه مالي سيصير إليك، وأنت إن شاء الله تعالى صاحبه ونحو ذلك، وذلك لأجل تطييب خواطرهم، ولأجل أن يجدّوا في أسباب الرشد.

والظاهر من الآية ما يصدق عليه مسمى القول الجميل ففيه إرشاد إلى حسن الخلق مع الأهل والأولاد أو مع الأيتام المكفولين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح عنه " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " [[صحيح الجامع الصغير 3309.]] وعن ابن عباس في الآية لا تعمد إلى مالك وما خوّلك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم، وعنه لا تسلّط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه، وعنه قال: هم بنوك والنساء.

وعن أبي أمامة مرفوعاً عند ابن أبي حاتم أن السفهاء النساء التي أطاعت قيمها. وعن أبي هريرة قال: هم الخدم وهم شياطين الإنس، وقال ابن مسعود: هم النساء والصبيان؛ وعن حضرمي أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) الآية.

وعن ابن جبير قال: هم اليتامى والنساء وعن عكرمة قال هو مال اليتيم يكون عندك يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском