Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
المائدة
Al-Ma'idah
The Table Spread · Medinan · 120 ayahs
5:1Page 106
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ ١
O you who have believed, fulfill [all] contracts.1 Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur’ān] - hunting not being permitted while you are in the state of iḥrām.2 Indeed, Allāh ordains what He intends.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المائدة
هي مائة وثلاث وعشرون آية، قال القرطبي: هي مدنية بالإجماع، وبه قال قتادة، وعن محمد ابن كعب قال إنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة، وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " المائدة في آخر القرآن تنزيلاً. فأحلوا حلالها وحرموا حرامها، ورد هذا الحديث من قول عائشة وليس هو بحديث عن رسول الله وقد ساقه ابن كثير ج 2 ص 2.
وعن عمر بن شرحبيل قال: لم يسنخ من المائدة شيء، وقال الشعبي إلا هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ)، وزاد ابن عباس: (فَإِن جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) قال ميسرة: إن الله أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكماً لم ينزلها في غيرها من سور القرآن وهي قوله: (وَالمُنْخَنِقَةُ) إلى قوله: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْت).
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
(يا أيها الذين آمنوا) هذه الآية التي افتتح الله تعالى بها هذه السورة إلى قوله (إن الله يحكم ما يريد) فيها من البلاغة ما يتقاصر عنده القوى البشرية مع شمولها لأحكام عدة منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل، ومنها تحريم الصيد على المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا.
(أوفوا) يقال أوفى ووفى لغتان، والوفاء القيام بموجب العقد، وكذا الإيفاء (بالعقود) العهود وأصلها الرُّبوط واحدها عند، يقال عقدت الحبل والعهد فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام قوي التوثيق.
قيل المراد بالعقود هي التي عندها الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام، وقيل هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات والأمانات ونحوها، والأولى شمول الآية للأمرين جميعاً، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض، قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى.
والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل، قال ابن عباس: أوفوا بالعقود أي ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، لا تغدروا ولا تنكثوا.
وعن قتادة قال: هي عقود الجاهلية الحلف، وعنه قال ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام [[صحيح الجامع/2550.]]، وقال ابن جريج الخطاب لأهل الكتاب: أي العقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به، وما أبعده.
وقيل هو خطاب للمؤمنين وهذا هو الظاهر، والعقود خمس: عقد اليمين وعند النكاح وعند العهد وعقد البيع وعقد الشركة، وزاد بعضهم وعقد الحلف، قال الطبري: وأولى الأقوال ما قاله ابن عباس، وقد تقدم لأن الله تعالى أتبعه بالبيان عما أحل لعباده وحرم عليهم فقال:
(أحلت لكم بهيمة الأنعام) الخطاب للذين آمنوا خاصة، والبهيمة اسم لكل ذي أربع من الحيوان لكن خص في التعارف بما عدا السباع والضواري من الوحوش، وإنما سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهيمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى وحلقة مبهمة لا يدري أين طرفاها، قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة.
والأنعام اسم للإبل والبقر والغنم سميت بذلك لما في مشيها من اللين، وقيل بهيمة الأنعام وحشيّها كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية وغير ذلك قاله الكلبي، وحكاه ابن جرير والطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدي والربيع وقتادة والضحاك.
قال ابن عطية وهذا قول حسن: وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام مجموعة معها، وكأن المفترس كالأسد كل ذي ناب خارج عن حد الأنعام، ولا يدخل فيها ذوات الحوافر في قول جميع أهل اللغة، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع.
وقيل بهيمة الأنعام ما لم يكن صيداً لأن الصيد يسمى وحشياً لا بهيمة، وقيل بهيمة الأنعام الأجِنَّة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام فهي تؤكل من دون ذكاة قاله ابن عباس [[في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " رواه أبو داود: 3/ 136، والترمذي 1/ 178، وابن ماجه: 2/ 1067 من حديث جابر وهو حديث صحيح. وفي " المغني " 11/ 51: إذا خرج الجنين ميتاً من بطن أمه بعد ذبحها أو وجد ميّتاً في بطنها، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال. روي هذا عن عمر وعلي وبه قال سعيد ابن المسيب، والنخعي، والشافعي، وإسحاق وابن المنذر.]].
وعلى القول الأول أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم تكون الإضافة بيانية من إضافة الجنس إلى أخص منه، أو هي بمعنى (من) لأن البهيمة أعم فأضيف إلى أخص كثوب خز، قاله الكرخي، والأول أولى.
ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة) الآية، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير، فإنه يدلّ بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة.
(إلا ما يتلى عليكم) في القرآن تحريمه استثناء من قوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال، والمتلوّ هو ما نص الله على تحريمه نحو قوله تعالى (حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) وذلك عشرة أشياء أولها الميتة وآخرها ما ذبح على النصب [[وفي " القرطبي " 3/ 35: قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) أي: يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وقوله عليه الصلاة والسلام: " وكل ذي ناب من السباع حرام ".]].
قال ابن عباس: هذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ويحتمل الأمرين جميعاً.
(غير محلّي الصيد) ذهب البصريون إلى أن قوله الأول استثناء من بهيمة الأنعام وقوله: (غير محلّي الصيد) استثناء آخر منه أيضاً، فالإستثناآن جميعاً من بهيمة الأنعام، والتقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون.
وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام، والثاني هو من الاستثناء الأول، ورد بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحاً، وقيل التقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام غير مُحلّي الصيد أي الاصطياد في البر، وأكل صيده.
ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملاً واعتقاداً وهو شائع في الكتاب والسنة، ونصب غير على الحال من ضمير لكم، وعليه كلام الجمهور، وذهب إليه الزمخشري وتعقب وأجيب.
ومعنى هذا التقييد أي (وأنتم حرم) ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحل أكلها، كأنه قال: أحل لكم صيد البر إلا في حال الإحرام، وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام لكونكم محتاجين إلى ذلك، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم عليهم في تلك الحال.
والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما، وسمي محرماً لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرم حرماً، والإحرام إحراماً (إن الله يحكم ما يريد) من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا اعتراض عليه، لا ما يقوله المعتزلة من مراعاتة المصالح، قاله أبو حيان [[البيت للمضرب بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى، وهو في " مجاز القرآن " 1/ 145 و " السمط ": 2/ 791، و " الاقتضاب ": 475، و " شرح أدب الكاتب " للجواليقي: 411 و " القرطبي ": 6/ 36. قال البطليوسي: سمي المضرب، لأنه شبب بامرأة، فغار أخوها لذلك، فضربه بالسيف ضربات عديدة، ويروى لشبل بن الصامت المري وبعده.
قصدت بعيني شادنٍ وتبسمت ... بعجفاء عن غرٍ لهن غروب
وأراد بالغر: أسنانها، والغروب: جمع غرب، وهو حد الأسنان. وصف أنَّ محبوبته لقيها وهو محرم ملب، فتورع عن الكلام معها ومعنى " ميئي ": ارجعي. و " الحرام ": المحرم. و " لبيب " ها هنا بمعنى: ملب وهو نادر، لأن فعيلاً لا يستعمل بمعنى " مفعل " و " بعد " بمعنى: " مع " وقوله: " ميئي إليك " أمر بعد أمر على معنى التأكيد في إبعادها عن نفسه.]].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
5:2Page 106
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢
O you who have believed, do not violate the rites of Allāh or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of iḥrām, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
(يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة، قال ابن فارس: ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدي، والمشاعر المعالم واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات، قيل المراد بها هنا جميع مناسك الحج وقيل الصفا والمروة والهدي والبدن.
والمعنى على هذين القولين: لا تُحلّوا هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشيء منها أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها.
ذكر سبحانه النهي عن أن يُحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم.
وإشعار الهدي أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل دمه فيكون ذلك علامة هدي، وهو سنة في الإبل والبقر دون الغنم، ويدل عليه أحاديث صحيحة في كتب السنة المطهرة، وقيل المراد بالشعائر هنا فرائض الله ومنه (ومن يعظّم شعائر الله) وقيل هي حرمات الله، وقال ابن عباس: هي أن تصيد وأنت محرم، وقيل شرائع الله ومعالم دينه، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق.
(ولا الشهر الحرام) المراد به الجنس فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. لا تحلوها بالقتال فيها.
وقيل المراد به هنا شهر الحج فقط وقيل ذو القعدة وقيل رجب، ذكرهما ابن جرير، والأول أولى.
(ولا الهدي) هو ما يهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة هدية، نهاهم سبحانه عن أن يحلّوا حرمة الهدي بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدى إليه، وعطف الهدي على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته والتشديد في شأنه.
(ولا القلائد) جمع قلادة وهي ما تُقلَّد به الهدي من نعل أو نحوه، وما تشد في عنق البعير وغيره، وإحلالها بأن تؤخذ غصباً، وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد النهي عن إحلال الهدي، وقيل المراد بالقلائد المقلّدات بها ويكون عطفه على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، والأول أولى.
وقيل المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، فهو على حذف مضاف أي ولا أصحاب القلائد، وقيل أراد بالقلائد نفس القلائد فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلباً للأمر، قاله مجاهد وعطاء وغيرهما.
(ولا آمّين البيت الحرام) أي قاصديه، من قولهم أممت كذا أي قصدته، والمعنى لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج أو عمرة أو ليسكن فيه، وقيل لا تحلوا قتال قوم أو أذى قوم آمّين.
وقال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنزلت هذه الآية إلى آخرها، فيكون ذلك منسوخاً بقوله (أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقوله (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحجّن بعد العام مشرك [[صحيح الجامع/7508.]] وبه قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأكثر المفسرين.
وقال قوم الآية محكمة وهي في المسلمين، قال الواحدي: وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة، وأن هذه محكمة وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم.
والظاهر ما عليه جمهور العلماء من نسخ هذه الآية لإجماع العلماء على أن الله تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها، وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين والله أعلم.
(يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً) قال جمهور المفسرين: معناه يبغون الفضل والرزق والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوان الله تعالى، وقيل كان منهم من يطلب التجارة ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين، وقيل المراد بالفضل هنا الثواب لا الأرباح في التجارة.
(وإذا حللتم فاصطادوا) هذا تصريح بما أفاده مفهوم (وأنتم حرم) أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرم لأجله وهو الإحرام، ومثله قوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) والأمر للإباحة لأن الله حرم الصيد على المحرم حالة الإحرام بقوله (غير محلي الصيد وأنتم حرم) وأباحه له إذا حل من إحرامه بقوله (وإذا حللتم فاصطادوا) وإنما قلنا أمر إباحة لأنه ليس بواجب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد، وقرئ أحللتم وهي لغة في حل، يقال أحل من إحرامه كما يقال حل.
(ولا يجرمنّكم) تأمّل هذا النهي، فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة كانوا كفاراً حربيين، فكيف ينهى عن التعرض لهم وعن مقاتلتهم، فلا يظهر إلا أن هذا النهي منسوخ، ولم أر من نبّه عليه، أو يقال أن النهي عن التعرض لهم من حيث عقد الصلح الذي وقع في الحديبية فبسببه صاروا مؤمنين، وحينئذ فلا يجوز التعرض لهم، ولم أر من نبّه على هذا أيضاً.
قال ابن فارس: جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا محالة وأصلها من جرم أي كسب، وقيل المعنى لا يحملنكم قاله الكسائي وثعلب وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه، وقال أبو عبيدة والفراء: المعنى لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الجور، والجريمة والجارم بمعنى الكاسب.
والمعنى في الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم أو لا يكسبنكم بغضهم اعتداءكم الحق إلى الباطل، ويقال جرم يجرم جرماً إذا قطع، قال علي بن عيسى الرماني: وهو الأصل فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لإنقطاعه إلى الكسب، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه، قال الخليل: معنى لا جرم أن لهم النار لقد حق أن لهم النار.
وقال الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي اكتسب، وقرأ ابن مسعود لا يجرمنكم بضم الياء، والمعنى لا يكسبنكم، ولا يعرف البصريون أجرم، وإنما يقولون جرم لا غير.
(شنآن قوم) مصدر مضاف لمفعوله لا إلى فاعله كما قيل، والشنآن البغض يقال شنئت الرجل اشنؤه شنأً وشنآناً، كل ذلك إذا أبغضته، وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة شنآناً بسكون النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة، وخالفهما غيرهما فقال ليس هذا مصدراً، ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان، وقيل سماعي مخالف للقياس من وجهين، تعدى فعله وكسر عينه لأنه لا يقاس إلا في مفتوحها اللازم.
(أن صدوكم) بفتح الهمزة مفعول لأجله أي لأن صدوكم وهي قراءة واضحة، والمعنى على قراءة الشرطية بكسر الهمزة لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصد لكم.
(عن المسجد الحرام أن تعتدوا) أي على الإعتداء عليهم بالقتل وأخذ المال، وقال النحاس: وأما إن صدوكم بكسر (إن) فالعلماء الجلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء، منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست، فالصد كان قبل الآية.
ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بالتعاون على البر والتقوى فقال (وتعاونوا على البر والتقوى) أي ليعن بعضكم بعضاً على ذلك، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى كائناً ما كان، قيل إن البر والتقوى لفظان لمعنى واحد وكرر للتأكيد، وقال ابن عطية: إن البر يتناول الواجب والمندوب، والتقوى يختص بالواجب، وقال الماوردي: إن في البر رضا الناس، وفي التقوى رضا الله، فمن جمع بينهما فقد تمت سعادته، قال ابن عباس: البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه.
(ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) أي لا يعن بعضكم بعضاً على ذلك والإثم كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو قائده، والعدوان التعدي على الناس بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم، ولا نوع من أنواع الظلم للناس إلا وهو داخل تحت هذا النهي لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما، وقيل الإثم هو الكفر والعدوان هو الظلم، وقيل الإثم المعاصي والعدوان البدعة، والأول أولى.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له: البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك [[صحيح الجامع 2978.]].
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي عن النواس بن سمعان قال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس [[مسلم 2553.]].
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أُمامة أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإثم فقال: ما حاك في نفسك فدعه، قال فما الإيمان، قال من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن [[مسند أحمد 5/ 382.]].
(واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب) أمر سبحانه عباده بالتقوى وتوعد من خالف ما أمر به فتركه أو خالف ما نهى عنه ففعله، ففيه تهديد عظيم ووعيد شديد.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences