Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الملك
Al-Mulk
The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs
67:1Page 562
تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -
سورة الملك
وتسمى سورة تبارك والواقية والمنجية، وتدعى في التوراة [[كيف ورد ذكرها في التوراة لا ندري؟؟ سامح الله المؤلف.]]، المانعة، وهي ثلاثون آية، وهي مكية قال القرطبي: في قول الجميع، وعن ابن عباس قال: نزلت بمكة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك " [[رواه أحمد؛ المسند وأصحاب السنن الأربعة بسند حسن.]]، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب والترمذي وقال: هذا حديث حسن.
وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " سورة في القرآن خاصمت عن صحابها حتى أدخلته الجنة: تبارك " الآية أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة.
وعن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر " أخرجه الحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل والترمذي وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تبارك هي المانعة من عذاب القبر " [[ذكره السيوطي في الدر 6/ 246 من رواية ابن مردويه عن ابن مسعود موقوفاً عليه وهو ضعيف.]] أخرجه ابن مردويه والنسائي وصححه الحاكم.
وعن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة وهي المانعة في القبور " أخرجه ابن مردويه.
وعن ابن عباس أنه قال لرجل ألا أتحفك بحديث تفرح به، قال بلى قال اقرأ تبارك الذي بيده الملك وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة تجادل يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له أن ينجيه الله من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي " أخرجه عبد بن حميد في مسنده والطبراني والحاكم وابن مردويه.
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)
(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) تبارك تفاعل من البركة، والبركة النماء والزيادة وقيل: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين، وقيل: دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه، وقال الحسن: تبارك تقدس، وصيغة تفاعل للمبالغة، " واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء عند المتكلمة، وصفة من صفاته عند المحدثين وهو الأولى " [[كلام ممتاز جداً جزاه الله خيراً.]].
والملك هو ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء ويرفع من يشاء ويضع من يشاء، وقيل: المراد بالملك ملك النبوة، وقيل: الملك الأمر والنهي والسلطان أي التمكن من سائر الموجودات يتصرف فيها كيفما أراد، قال الرازي: الملك تمام القدرة واستحكامها، والأول أولى لأن الحمل على العموم أكثر مدحاً، وأبلغ ثناء ولا وجه للتخصيص.
(وهو على كل شيء قدير) أي بليغ القدرة لا يعجزه شيء من الأشياء يتصرف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام ورفع ووضع وإعطاء ومنع، قال أبو السعود: الجملة معطوفة على الصلة مقررة لمضونها مفيدة لجريان أحكام ملكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها، وفي الكرخي لما اقترن الشيء بقوله قدير علم أن المراد من المعدوم الذي يدخل تحت القدرة دون غيره.
67:2Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢
[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -
(الذي خلق الموت والحياة) الموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصاله به، وقيل: ما يوجب كون الشيء حياً، وقيل: الموت صفة وجودية مضادة للحياة، وقيل: المراد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة وفيه بعد، وقدم الموت على الحياة لأن أصل الأشياء عدم الحياة والحياة عارضة لها، وقيل: لأن الموت أقرب إلى القهر، وقال مقاتل: خلق الموت يعني النطفة والمضغة والعلقة، والحياة يعني خلقه إنساناً وخلق فيه الروح، وقيل: خلق الموت على صورة كبش لا يمر على شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا يمر بشيء إلا حيى قاله مقاتل والكلبي وقد ورد في التنزيل (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) وقوله (إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) وقوله (توفته رسلنا) وقوله (الله يتوفى الأنفس حين موتها) وغير ذلك من الآيات.
وقال النسفي: الحياة ما يصح بوجوده الإحساس، والموت ضده، ومعنى خلقهما إيجاد ذلك المصحح وإعدامه أي خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون.
(ليبلوكم) أي ليعاملكم معاملة من يختبركم وإلا فعلمه محيط بكل شيء، قال الشهاب: الاختبار يقتضي عدم علم المختبر بالكسر بحال المختبر بالفتح فلهذا جعلوه استعارة تمثيلية أو تبعية على تشبيه حالهم في تكليفه تعالى لهم بتكاليفه، وخلق الموت والحياة لهم وإثابته لهم وعقوبته بحال المختبر مع من اختبره وجربه لينظر طاعته وعصيانه فيكرمه أو يهينه.
(أيكم أحسن عملاً) فيجازيكم على ذلك، وقيل: المعنى ليبلوكم ربكم أيكم أكثر ذكراً للموت وأحسن استعداداً وأشد منه خوفاً، وقيل: أيكم أحسن عقلاً وأسرع إلى طاعة الله وأورع عن محارم الله؛ وقيل: أخلص عملاً وأصوبه والخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة، وقيل: أزهد في الدنيا وأترك لها؛ والعموم أولى.
قال الزجاج: اللام متعلقة بخلق الحياة لا بخلق الموت وقال الفراء: إن قوله (ليبلوكم) لم يقع على أي لأن فيما بين البلوى وأي إضمار فعل كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع ومثله وقوله (سلهم أيهم بذلك زعيم) أي سلهم ثم أنظر أيهم؛ فأيكم في الآية مبتدأ وخبره أحسن، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإيراد صيغة التفضيل مع أن الإبتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الإبتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين.
(وهو العزيز) أي الغالب الذي لا يغالب ولا يعجزه من أساء العمل (الغفور) لمن تاب وأناب، والستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل.
67:3Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣
[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?
(الذي) نعت لما قبله أو بيان له أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على المدح (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) قيل: الأولى من كذا والثانية من كذا إلى السابعة ولم أقف على دليله من الكتاب العزيز والسنة المطهرة.
(طباقاً) أي مطبقاً بعضها فوق بعض كل سماء مقببة على الأخرى وسماء الدنيا كالقبة على الأرض وهو جمع طبق نحو جبل وجبال، أو جمع طبقة نحو رحبة ورحاب أو مصدر طابق يقال طابق مطابقة وطباقاً، وعلى هذا الوصف بالمصدر للمبالغة أو على حذف مضاف أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً، قال البقاعي: طباق بحيث يكون كل جزء منها مطابقا للجزء من الأخرى ولا يكون جزء منها خارجاً عن ذلك.
(ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) صفة ثانية لسبع سموات أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له و " من " مزيدة لتأكيد النفي وإضافة خلق الرحمن من إضافة المصدر إلى فاعله والمفعول محذوف تقديره لهن أو لغيرهن.
قرأ الجمهور من تفاوت وقرىء تفوت مشدداً بدون ألف، وهما لغتان كالتعاهد والتعهد والتحامل والتحمل، والمعنى من تناقض ولا تباين ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستقيمة دالة على خالقها وإن اختلفت صورها وصفاتها فقد اتفقت من هذه الحيثية، وقال ابن عباس: من تشقق وقيل من اضطراب وقيل من عيب، وحقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضاً.
(فارجع البصر) أي اردد طرفك حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة، أخبر أولاً بأنه لا تفاوت في خلقه ثم أمر ثانياً بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة.
(هل ترى من فطور) قال مجاهد: والضحاك الفطور الصدوع والشقوق، جمع فطر وهو الشق، وقال قتادة: هل ترى من خلل، وقال السدي: من خروق، وأصله من التفطر والانفطار هو التشقق والانشقاق، وعن ابن عباس قال: الفطور الوهي، وعنه قال: من تشقق وخلل.
67:4Page 562
ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤
Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.
(ثم ارجع البصر كرتين) أي رجعتين مرة بعد مرة وانتصابه على المصدر والمراد بالتثنية التكثير كما في لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك لا يريدون بهذه التثنية شفع الواحد إنما يريدون التكثير أي رجعة بعد رجعة وإن كثرت، وإجابة لك بعد أخرى، وإلا تناقض الغرض، ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية ولهذا قال أولاً (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ثم قال ثانياً (ثم ارجع البصر كرتين) فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة وأقطع للمعذرة، وقيل: الأولى ليرى حسنها واستواءها والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها.
(ينقلب إليك البصر خاسئاً) أي يرجع إليك البصر خاشعاً متباعداً عن أن يرى شيئاًً من ذلك، وقيل: معنى خاسئاً مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب، يقال: خسأت الكلب أي أبعدته وطردته، وقال ابن عباس: خاسئاً صاغراً ذليلاً، قرأ الجمهور ينقلب بالجزم جواباً للأمر، وقرىء بالرفع على الاستئناف.
(وهو حسير) أي كليل لا يرى شيئاًً قاله ابن عباس: أي منقطع وعنه قال عيي مرتجع، قال الزجاج: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور وهو الإعياء، يقال: حسر بصره يحسر حسوراً أي كل وانقطع [[ومنه قول الشاعر:
نظرت إليها بالمحصب من منى ... فعاد إليّ الطرف وهو حسير]] وبلغ الغاية في الإعياء.
ولما فرغ سبحانه من تفاصيل بعض أحكام الملك وآثار القدرة وبيان ابتنائها على قوانين الحكم والمصالح، شرع في ذكر دلائل أخرى على تمام قدرته بعد تلك الدلائل فقال
67:5Page 562
وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥
And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.
(ولقد زينا السماء الدنيا) [[قال المقيلي في حاشية الكشاف إن قوله (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) يكذب المنجمين والزاعمين علم الفلك في قولهم إن بعض النجوم في السموات كقولهم أن زحل في السابعة والمشتري في السادسة والمريخ في الخامسة والشمس في الرابعة والزهرة في الثالثة والعطارد في الثانية والقمر في الدنيا وهذا من واضحات علمهم بزعمهم فغيره أكذب منه وكان البيضاوي يتعاطى هذه الحرفة البائرة لأنه قال هنا لا ينافي ذلك كون بعض النجوم مركوزاً في سموات فوق هذه وتقدم له في البقرة أنه إذا ضم العرش إلى السبع السموات وافق كلام الأوائل أن الأفلاك ثمانية وتمام البحث حققناه في هداية السائل إلى أدلة المسائل أهـ منه.]] أي القربى إلى الأرض من بقية السموات وهي التي يراها الناس.
(بمصابيح) أي بنجوم فصارت بهذه الزينة في أحسن خلق، وأكمل صورة وأبهج شكل، والمجيء بالقسم لإبراز كمال العناية، والمصابيح جمع مصباح وسميت الكواكب مصابيح لأنها تضيء كإضاءة السراج، ففي الكلام استعارة تصريحية لأن حقيقة المصباح كما في المختار السراج، وبعض الكواكب وإن كان في غير سماء الدنيا من السموات التي فوقها تتراءى كأنها كلها في السماء الدنيا لأن أجرام السموات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراماً صقيلة شفافة.
(وجعلناها رجوماً للشياطين) هذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى وهي كونها زينة للسماء الدنيا. والمعنى أنها ترجم الشياطين الذين يسترقون السمع، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به كما في قولهم الدرهم ضرب الأمير أي مضرابه والمعنى ذات رجم وجمع المصدر باعتبار أنواعه وقيل إن الضمير في جعلناها إلى المصابيح على حذف مضاف أي جعلنا شهبها وهي نارها المقتبسة منها لا هي نفسها لقوله:
(إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) ووجه هذا أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا تزول عن مكانها ولا يرجم بها بل ينفصل شهاب عن الكوكب فيقتل الجني أو يخبله. كذا قال أبو علي الفارسي: جواباً لمن سأله كيف تكون المصابيح زينة وهي رجوم، قال القشيري: وأمثل من قوله هذا أن نقول هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين.
قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك فقد تكلم فيما لا يعلم وتعدى وظلم، وقيل: معنى الآية وجعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون قال أبو السعود: ولا يساعده المقام.
(وأعتدنا لهم) أي للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب (عذاب السعير) هو النار الموقدة وأشد الحريق، يقال: سعرت النار فهي مسعورة.
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)
67:6Page 562
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦
And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.
(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) من كفار أو بني آدم من الفريقين (عذاب جهنم وبئس المصير) أي ما يصيرون إليه وهو جهنم
67:7Page 562
إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧
When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.
(إذا ألقوا) أي طرحوا (فيها) كما يطرح الحطب في النار.
(سمعوا لها شهيقاً) أي صوتاً منكراً كصوت الحمير عند أول نهيقها وهو أقبح الأصوات، وتشهق إليهم شهقة البغل للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف وقوله (لها) في محل نصب على الحال أي كائناً لها لأنه في الأصل صفة فلما قدمت صارت حالاً وقال عطاء الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في النار. (وهي تفور) أي والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل بما فيه.
67:8Page 562
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨
It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"
(تكاد تميز) أي تتميز يعني تتقطع (من الغيظ) على الكفار فجعلت كالمغتاظة استعارة لشدة غليانهم بهم، قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظاً على الكفار، وقال ابن عباس: تميز أي تتفرق ويفارق بعضها بعضاً، قرأ الجمهور تميز بتاء واحدة مخففة وقرىء بتاءين على الأصل وبتشديدها بإدغام إحداهما في الأخرى، وقرىء تمايز والأصل تتمايز وتميز من ماز يميز.
(كلما ألقي فيها فوج) مستأنفة لبيان حال أهلها، والفوج الجماعة من الناس أي كلما ألقي في جهنم جماعة من الكفار (سألهم) أي الفوج والجمع باعتبار معناه (خزنتها) من الملائكة سؤال توبيخ وتقريع (ألم يأتكم) في الدنيا (نذير) ينذركم هذا اليوم ويحذركم منه.
67:9Page 562
قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩
They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"
(قالوا بلى) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالوا بعد هذا السؤال فقال: قالوا بلى (قد جاءنا) أي جاء كلاً منا (نذير) فأنذرنا وخوفنا وأخبرنا بهذا اليوم، أو هذا من كلام الفوج وكل فوج له نذير، فلا يحتاج إلى التأويل، وهذا اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وجمعوا بين حرف الجواب ونفس الجملة المفادة به تأكيداً إذ لو اقتصروا على " بلى " لفهم المعنى ولكنهم صرحوا بالمفاد ببلى تحسراً وزيادة ندم في تفريطهم وليعطفوا عليه قولهم.
(فكذبنا) ذلك النذير في كونه نذيراً من جهته تعالى (وقلنا) في حق ما تلاه علينا من الآيات إفراطاً في التكذيب (ما نزل الله) على أحد (مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء فضلاً عن تنزيل الآيات على ألسنتكم من الوعد والوعيد وغيرهما.
(إن أنتم إلا في ضلال كبير) أي في ذهاب عن الحق وبعد عن الصواب، وخطأ عظيم لا يقادر قدره. وهذا يحتمل أن يكون من كلام الكفار للنذر، وأن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول، ومرادهم بالضلال الهلاك أو سموا جزاء الضلال باسمه كما يسمى جزاء السيئة والاعتداء سيئة، وهذا يسمى المشاكلة في علم البيان، وأن يكون من كلام الرسل للكفرة وقد حكوه للخزنة، والاحتمال الأول هو الذي استظهره جمهور المفسرين.
ثم حكى الله عنهم مقالة أخرى قالوها بعد تلك المقالة فقال
67:10Page 562
وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠
And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."
(وقالوا لو كنا نسمع) ما خاطبنا به الرسل (أو نعقل) شيئاًً من ذلك (ما كنا في أصحاب السعير) أي في عداد أهل النار، ومن جملة من يعذب بالسعير وهم الشياطين كما سلف، قال الزجاج: لو كنا نسمع سماع من يعي، أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملتزمتان.
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)
فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال الله سبحانه
67:11Page 562
فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١
And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.
(فاعترفوا بذنبهم) الذي استحقوا به عذاب النار وهو الكفر وتكذيب الأنبياء (فسحقاً لأصحاب السعير) أي فبعداً لهم من الله ورحمته، قال ابن عباس: سحقاً بعداً وقال سعيد بن جبير وأبو صالح: هو واد في جهنم يقال له السحق، قرأ الجمهور سحقاً بإسكان الحاء وقرىء بضمها وهما لغتان مثل السحت والرعب، وسحقاً منصوب على المفعول به أي ألزمهم الله سحقاً، وقال الزجاج وأبو علي الفارسي: منصوب على المصدر أن أسحقهم الله سحقاً، وقال أبو علي الفارسي: كان القياس إسحاقاً فجاء المصدر على الحذف، واللام في (لأصحاب) السعير للبيان كما في (هيت لك).
ولما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل النار شرع في ذكر أحوال أهل الجنة فقال
67:12Page 562
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢
Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.
(إن الذين يخشون ربهم بالغيب) حال من الفاعل أو من المفعول أي غائبين عنه أو غائباً عنهم والمعنى أنهم يخشون عذابه ولم يروه فيؤمنون به خوفاً من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس، وذلك في خلواتهم فيطيعونه سراً فيكون علانية أولى، أو المراد بالغيب كون العذاب غائباً عنهم لأنهم في الدنيا وهو إنما يكون يوم القيامة، والباء على هذا سببية.
قال ابن عباس في الآية: هم أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح، أخرجه ابن مردويه (لهم مغفرة) عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم (وأجر كبير) لا يقادر قدره وهو الجنة، ومثل هذه الآية قوله (من خشى الرحمن بالغيب) وظاهر الآية العموم.
ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال:
67:13Page 563
وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣
And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.
(وأسروا قولكم أو اجهروا به) مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الأسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه. والمعنى إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه منه خافية، وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر، والمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع المعلومات كان علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونها في الحقيقة على السوية.
فإن علمه تعالى بمعلومات ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، أو لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب يتعلق به الإسرار غالباً فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية.
وقوله (إنه عليم بذات الصدور) تعليل للاستواء المذكور وتقرير له، وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق ووصف الضمائر بصاحبيتها من الجزالة ما لا غاية وراءه، كأنه قيل: إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكمنة في صدورهم بحث لا تكاد تفارقها أصلاً، فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به، ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التي في الصدور، والمعنى إنه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها.
67:14Page 563
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤
Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?
(ألا يعلم) الاستفهام للإنكار والمقصود نفي عدم إحاطة علمه تعالى بالمضمر والمظهر والمعنى ألا يعلم السر ومضمرات القلوب (من خلق) ذلك وأوجده، فالموصول عبارة عن الخالق، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وفي (يعلم) ضمير يعود إلى الله المخلوق الذي هو من جملة خلقه فإن الأسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد، وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب: " من " مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى، فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال (وهو اللطيف الخبير) أي الذي لطف علمه بما في القلوب الخبير بما تسره وتضمره من الأمور لا تخفى عليه من ذلك خافية.
ثم امتن سبحانه على عباده فقال
67:15Page 563
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥
It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.
(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً) أي سهلة لينة مذللة تستقرون عليها منقادة لما تريدون منها من مشي عليها، وزرع وحبوب وغرس وغير ذلك، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون والمشي عليها، والذلول في الأصل هو المنقاد الذي يذل لك ولا يستصعب عليك، والمصدر الذل، وتقديم " لكم " على مفعولي الجعل مع أن حقه التأخر عنهما للإهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر، فإن ما حقه التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون المؤخر من منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن.
(فامشوا في مناكبها) استدلالاً واسترزاقاً، والفاء لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور والأمر للإباحة قال مجاهد والكلبي ومقاتل مناكبها طرقها وأطرافها ونواحيها وجوانبها، وقال قتادة وشهر بن حوشب: مناكبها جبالها وقيل: فجاجها وبه قال ابن عباس، وقال أيضاًً: أطرافها، وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب.
(وكلوا من رزقه) أي مما رزقكم وخلقه لكم والتمسوا من نعم الله تعالى.
" عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب العبد المؤمن المحترف " [[حديث ضعيف انظر ضعيف الجامع - 1704.]] أخرجه الطبراني وابن عدي والبيهقي في الشعب والحكيم الترمذي (وإليه) لا إلى غيره (النشور) من قبوركم للجزاء فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم، فبالغوا في شكر نعمه وآلائه، وفي هذا وعيد شديد.
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)
ثم خوف سبحانه الكفار فقال:
67:16Page 563
ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦
Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2
(أأمنتم من في السماء) قال الواحدي قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء، وقيل: من في السماء عرشه وقدرته وسلطانه أي محل سلطانه ومحل قدرته، وهو العالم العلوي، وخص بالذكر وإن كان كل موجود محلاً للتصرف فيه ومقدوراً له تعالى لأن العالم العلوي أعجب وأغرب، فالتخويف به أشد من التخويف بغيره.
وقيل: الملائكة وقيل: المراد جبريل وقيل: هو الله سبحانه وهو الحق، لأن ظاهر النظم القرآني يقتضي أن الباري تعالى فوق السماء " وفي " بمعنى على والمعنى من ثبت واستقر في السماء أي على العالي وهو العرش، قرأ الجمهور أأمنتم بهمزتين وقرىء بالتخفيف وبقلب الأولى واواً.
وقوله (أن يخسف بكم الأرض) بدل اشتمال من الموصول أي أأمنتم خسفة أو على حذف (من) أي من أن يخسف، والمعنى يقلبها متلبسة بكم كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها.
(فإذا هي تمور) أي تضطرب وتتحرك بكم على خلاف ما كانت عليه من السكون والاطمئنان، وقيل: تهوي بهم، وقيل: تجيء وتذهب، والأول أولى، قال الرازي: إن الله يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تتحرك فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فتنقلب فوقهم وتخسفهم إلى أسفل سافلين.
ثم كرر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر فقال
67:17Page 563
أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧
Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.
(أم أمنتم) إضراب عن التهديد بما ذكر، وانتقال إلى التهديد بوجه آخر أي بل أأمنتم (من في السماء) وهو الله سبحانه وتعالى وفيه دليل على علوه ومباينته عن خلقه باستوائه على عرشه.
(أن يرسل عليكم حاصباً) أي حجارة من السماء كما أرسلها على قرية قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل: سحاب فيها حجارة وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها، والكلام فيه كالكلام في أن يخسف بكم الأرض فهو إما بدل اشتمال أو بتقدير من.
(فستعلمون) عند معاينة العذاب [[قال الحفناوي ظاهر السياق أن المراد العذاب الموعود به وهو خسف الأرض وكذا في قوله الآتي (فكيف كان نكير) فيقتضي أن كفار مكة قد خسف بهم ورموا بالأحجار مع أنهم لم يقع لهم ذلك، فإن قيل: المراد بقوله فستعلمون الخ التخويف بعذاب الآخرة قلنا يصير في الكلام نوع تفكيك خصوصاً وقد قال أبو السعود أي بإنذاري عند مشاهدتكم للمنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ انتهى وهذا يقتضي أن الكلام في العذاب المخوف به وقد علمت ما فيه ولم نر من الشراح من نبه على هذا والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.]] (كيف نذير) أي إنذاري بالعذاب أي أنه حق، قاله المحلي، وقيل: النذير هنا محمد صلى الله عليه وسلم قاله عطاء والضحاك والمعنى: ستعلمون رسولي وصدقه، والأول أولى.
67:18Page 563
وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨
And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.
(ولقد كذب الذين من قبلهم) أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وقوم ولوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس وقوم فرعون والالتفات إلى الغيبة لإبراز الإعراض عنهم.
(فكيف كان نكير) أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط، وفيه من المبالغة في تسلية رسول الله عليه وسلم وتشديد التهديد لقومه ما لا يخفى.
67:19Page 563
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩
Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.
(أو لم يروا) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدّر أي أغفلوا ولم ينظروا ولم يروا وأجمع القراء على قراءته بياء الغيبة لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل ففيه الغيبة والخطاب (إلى الطير) جمع طائر ويقع على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من تذكيرها ولا يقال للواحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة (فوقهم) في الهواء (صافات) حال أي صافة لأجنحتها في الهواء والجو وتبسطها عند طيرانها.
(ويقبضن) أي يضممن أجنحتهن إلى جنوبهن إذا ضربنها بها حيناً فحيناً للاستظهار والاستعانة على التحرك والطيران قال النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحه صاف، وإذا ضمها قابض، كأنه يقبضها وهذا معنى الطيران وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط، وإنما قال ويقبضن ولم يقل قابضات كما قال صافات لأن القبض يتجدد تارة فتارة وأما البسط فهو الأصل كذا قيل، وقيل: المعنى قبضهن لأجنحتهن عند الوقوف من الطيران لا قبضها في حال الطيران.
(ما يمسكهن إلا الرحمن) حالية أو مستأنفة لبيان كمال قدرة الله سبحانه، والثاني أظهر، والمعنى أنه ما يمسكهن في الهواء عن الوقوع عند الطيران إلا الرحمن القادر على كل شيء وإلا فالثقيل يتسفل طبعاً ولا يعلو وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك (إنه بكل شيء بصير) لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان، يعلم كيف يخلق الغرائب وكيف يدبر العجائب، فبصير بمعنى العالم بالأشياء الدقيقة الغريبة.
67:20Page 563
أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠
Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.
(أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والالتفات عن الغيبة إلى الخطاب للتشديد في ذلك التبكيت، والمعنى أنه لا جند لكم يمنعكم من عذاب الله، والجند الحزب والمنعة، قرأ الجمهور " أمن " بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من، وأم بمعنى بل ولا سبيل إلى تقدير الهمزة بعدها كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة لأن ما بعدها ههنا من الاستفهامية فأغنت عن ذلك التقدير، ومن الاستفهامية مبتدأ واسم الإشارة خبره، والموصول مع صلته صفة اسم الإشارة وينصركم صفة لجند ومن دون الرحمن في محل نصب على الحال من فاعل ينصركم، والمعنى بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم متجاوزاً نصر الرحمن.
(إن الكافرون إلا في غرور) معترضة مقررة لما قبلها ناعية عليهم ما هم فيه من غاية الضلال، والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به، والمعنى ما الكافرون إلا في غرور عظيم من جهة الشيطان يغرهم به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences