Al-QinnawjiAr‑Rahman · 55:1–27

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

الرحمن

Ar-Rahman

The Beneficent · Medinan · 78 ayahs

55:1Page 531

ٱلرَّحۡمَٰنُ ١

The Most Merciful

سورة الرحمن

هي ست أو ثمان وسبعون آية وهي مكية

قال القرطبي: كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر، قال ابن عباس: إلا آية منها، وهي قوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية وصوابه إلا آيتين كما صرح به الكازروني، والآيتان هما: (يَسْأَلُهُ) إلى قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، هذه واحدة، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) هذه أخرى، وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية كلها، والأول أصح، قال ابن الزبير: أنزلت بمكة، وعن عائشة نزلت بمكة وعن ابن عباس مثله، " وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وهو يصلي نحو الركن، قبل أن يصدع بما يؤمر، والمشركون يسمعون: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [[رواه أحمد.]]، أخرجه أحمد وابن مردويه، قال السيوطي: بسند حسن، وعن ابن عباس: نزلت سورة الرحمن بالمدينة، ويمكن الجمع بين القولين بأنه نزل بعضها بمكة، وبعضها بالمدينة.

" وعن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: مالي أراكم سكوتاً؟ لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كلما أتيت على قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد "، رواه الترمذي وابن المنذر والحاكم، وصححه البيهقي، قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وحكي عن الإمام أحمد أنه كان يستنكر روايته عن زهير، وقال البزار: لا نعرفه يروي إلا من هذا الوجه، أخرجه البزار وابن جرير والدراقطني في الإفراد وغيرهم من حديث ابن عمر، وصحح السيوطي إسناده، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.

وعن علي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن ".

بسم الله الرحمن الرحيم

الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)

(الرَّحْمَنُ) مبتدأ وما بعده من الأفعال خبر له، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الله الرحمن، أو مبتدأ: خبره محذوف، أي: الرحمن ربنا: وهذان الوجهان عند من يرى أن الرحمن آية مع هذا المضمر وعلى الوجه الأول ليس بآية:

55:2Page 531

عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢

Taught the Qur’ān,

(علم القرآن) أي: يسره للذكر، ليحفظ ويتلى، قاله الزجاج قال الكلبي: علم القرآن محمد صلى الله عليه وسلم، وعلمه محمد صلى الله عليه وسلم أمته، وقيل: علم جبريل القرآن، وقيل: علم الإنسان، وهذا أولى لعمومه، ولأن قوله: خلق الإنسان دال عليه، وقيل: جعله علامة لما يعبد الناس به، وآية يعتبر بها، قيل: نزلت هذه الآية جواباً لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر. وقيل: جواباً لقولهم، وما الرحمن؟ ولما كانت هذه السورة لتعديد نعمه التي أنعم بها على عباده، قدم النعمة التي هي أجلها قدراً، وأكثرها نفعاً، وأعلاها رتبة، وأتمها فائدة وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن العزيز، فإنها مدار سعادة الدارين، وقطب رحى الخيرين، وعماد الأمرين، وسنام الكتب السماوية. المنزل على أفضل البرية.

ثم امتن بعد هذه النعمة، بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء فقال:

55:3Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣

Created man,

(خلق الإنسان) أي آدم قاله قتادة والحسن، وقال ابن كيسان: المراد هنا محمد صلى الله عليه وسلم، والأولى حمل الإنسان على الجنس، وقدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه، وهو متأخر عنه في الوجود، لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. أفاده السمين، ثم امتن ثالثاً بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم، ويدور عليه التخاطب، وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد، لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر، ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به، فقال:

55:4Page 531

عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤

[And] taught him eloquence.

(علمه البيان) قال قتادة والحسن: المراد بالبيان أسماء كل شيء، وقيل المراد به اللغات كلها، فكان آدم يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية، وقيل: الإنسان اسم جنس، وأراد به جميع الناس، أي: علمه النطق الذي يتميز به عن سائر الحيوان، وقيل: أراد بالإنسان محمداً صلى الله عليه وسلم، علمه بيان ما يكون وما كان لأنه صلى الله عليه وسلم ينبىء عن خير الأولين والآخرين، وعن يوم الدين، وقال ابن كيسان: المراد به بيان الحلال من الحرام والهدى من الضلال وهو بعيد، وقال الضحاك: البيان الخير والشر والحدود والأحكام، وقال الربيع ابن أنس: هو ما ينفعه مما يضره، وقيل: البيان الكتابة بالقلم، والأولى حمل البيان على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به:

55:5Page 531

ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٥

The sun and the moon [move] by precise calculation,

(الشمس والقمر بحسبان) أي يجزيان بحساب معلوم، مقدر في بروج ومنازل، لا يعدوانها ولا يحيدان عنها، ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين ويتسق بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات، وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب لأن الدهر يكون كله ليلاً أو نهاراً، قال الضحاك: معنى بحسبان بقدر، وقال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى يعني قطبهما الذي يدوران عليه قال الأخفش: ألحسبان جماعة الحساب، مثل شهب وشهبان، أو مصدر مفرد بمعنى الحساب كالغفران والكفران، وأما الحسبان بالضم في سورة الكهف فهو العذاب كما مضى، وقال ابن عباس: بحساب ومنازل يرسلان:

55:6Page 531

وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٦

And the stars and trees prostrate.1

(والنجم والشجر يسجدان) النجم ما لا ساق له من النبات، والشجر ما له ساق، والمراد بسجودهما انقيادهما لأمر الله تعالى إنقياد الساجدين من المكلفين طوعاً، وقال الفراء: سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء، وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما كما في قوله: يتفيأ ظلاله، وقال الحسن ومجاهد: المراد بالنجم نجم السماء، وسجوده طلوعه، ورجح هذا ابن جرير وقيل: سجوده أفوله وسجود الشجر تمكينه من الاجتناء لثماره، قال النحاس: أصل السجود الاستسلام والانقياد لله، وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران للرحمن وترك الرابط فيهما لظهوره، كأنه قيل: والشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له.

55:7Page 531

وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧

And the heaven He raised and imposed the balance

(والسماء رفعها) أي جعلها مرفوعة مسموكة فوق الأرض (ووضع الميزان) المراد به العدل. أي وضع وأثبت في الأرض العدل الذي شرعه وأمر به، كذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، قال الزجاج: المعنى أنه أمرنا بالعدل، ويدل عليه قوله:

55:8Page 531

أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨

That you not transgress within the balance.

(ألا تطغوا في الميزان) أي لا تجاوزوا العدل وقال الحسن والضحاك: المراد به آلة الوزن ليتوصل بها إلى الإنصاف والإنتصاف: أي لا تجوروا فيما يوزن به، وقيل: الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، وبه قال الحسين ابن الفضل والأول أولى، ومعنى (أن لا تطغوا) لئلا تطغوا فلا نافية، وتطغوا منصوب بأن وقبلها لام العلة مقدرة، وهذا أولى.

وقيل: أن هي مفسرة، لأن في الوضع معنى القول، ولا للنهي والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان العدل قال: طغيانه الجور، ومن قال الميزان الآلة التي يوزن بها قال: طغيانه البخس، وقيل: الميزان كل ما توزن به الأشياء، وتعرف مقاديرها؛ من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أي خلقه موضوعاً على الأرض، حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل، في أخذهم وإعطائهم، وقيل: المعنى أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال.

ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم فقال:

55:9Page 531

وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩

And establish weight in justice and do not make deficient the balance.

(وأقيموا الوزن بالقسط) أي قوموا وزنكم بالعدل، وقيل: المعنى أقيموا لسان الميزان بالعدل، وقيل: الإقامة باليد: والقسط بالقلب، وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية، قلت: ومنه القسطاس بمعنى الميزان. وقيل: معناه لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل.

(ولا تخسروا الميزان) أي لا تنقصوه. ولا تبخسوا الكيل والوزن وهذا كقوله: ولا تنقصوا المكيال والميزان، وقيل: معناه لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة، فيكون ذلك حسرة عليكم، والأول أولى، وقال قتادة في هذه الآية: أعدل ابن آدم كما تحب أن يعدل لك، وأوف كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس، أمر سبحانه أولاً بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس، وكرر لفظ الميزان تشديداً للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله، والحث عليه، قرأ الجمهور: تخسروا من أخسر وقرىء بفتح التاء والسين من خسر، وهما لغتان، ويقال: أخسرت الميزان وخسرته. ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض فقال:

55:10Page 531

وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠

And the earth He laid [out] for the creatures.

(والأرض وضعها للأنام) أي: خفضها مدحوة، وبسطها على الماء لجميع الخلق، مما له روح وحياة، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن، قال ابن عباس: للأنام للناس، أي لأجل انتفاعهم بها، وعنه قال: كل شيء فيه روح.

55:11Page 531

فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١

Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]

(فيها فاكهة) أي: كل ما يتفكه به الإنسان من أنواع الثمار والجملة حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال، وفاكهة رفعت بالفاعلية، ونكرت، لأن الإنتفاع بها دون الإنتفاع بما ذكر بعدها، فهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ثم أفرد النخل بالذكر لشرفه، ومزيد فائدته على سائر الفواكه، فقال:

(والنخل) المعهود (ذات الأكمام) جمع كم بالكسر، وهو وعاء الثمر قال الجوهري: والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع، وغطاء النور والجمع كمام، وأكمة وأكمام وأكاميم، والكم ما ستر شيئاًً، ومنه كم القميص بالضم والجمع كمام وكمة والكمة القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس، قال الحسن: ذات الأكمام أي: ذات الليف، فإن النخلة تكم بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها وسعفها وكفرها، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من تمره وجماره وجذوعه، وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق، وقال عكرمة: ذات الأحمال، وقال ابن عباس: أوعية الطلع.

55:12Page 531

وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢

And grain having husks and scented plants.

(والحب ذو العصف والريحان) الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب، كالحنطة والشعير والذرة والأرز والعصف. قال السدي والفراء: هو بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه. قال ابن كيسان: يبدو أولاً ورقاً، وهو العصف، ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكماماً، ثم يحدث في الأكمام الحب، قال الفراء: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع، إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا قال في الصحاح، وقال الحسن: العصف التبن، وقال مجاهد: هو ورق الشجر والزرع. وقيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس، ومنه قوله: كعصف مأكول، وقيل: هو الزرع الكثير، يقال: قد أعصف الزرع، ومكان معصف، أي كثير الزرع. قال ابن عباس: العصف التبن، والريحان خضرة الزرع، وقال: العصف ورق الزرع إذا يبس والريحان ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم، وعنه قال: ألعصف الزرع أول ما يخرج بقلاً، والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل والريحان الرزق في قول الأكثر وفي لغة حمير.

وقال الحسن وقتادة والضحاك وابن زيد: إنه الريحان الذي يشم وقال سعيد بن جبير، هو ما قام على ساق، وقال الكلبي: إن العصف هو الورق الذي لا يؤكل، والريحان هو الحب المأكول. وقال الفراء أيضاًً: العصف المأكول من الزرع، والريحان ما لا يؤكل، وقيل: الريحان كل بقلة طيبة الريح، قال ابن الأعرابي: يقال شيء ريحاني وروحاني أي له روح وقال في الصحاح الريحان نبت معروف، والريحان الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله، وقيل: العصف رزق البهائم، والريحان رزق الناس. قال ابن عباس: كل ريحان في القرآن فهو رزق، قرأ الجمهور: والحب ذو العصف والريحان برفع الثلاثة عطفاً على فاكهة، وقرىء بالنصب عطفاً على الأرض، أو على إضمار فعل، أي وخلق الحب ذا العصف وقرىء الريحان بالجر عطفاً على العصف.

55:13Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

So which of the favors of your Lord would you deny?1

(فَبِأَيِّ آلَاءِ) أي فباي فرد من أفراد نعم (رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ أبتلك النعم المذكورة هنا؟ أم بغيرها؟ والمراد بالتكذيب الإنكار والخطاب للجن والإنس، لأن لفظ الأنام يعمهما وغيرهما، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل، وبهذا قال الجمهور من المفسرين، ويدل عليه قوله فيما سيأتي: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ)، ويدل على هذا ما قدمناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على الجن والإنس، وقيل: الخطاب للإنس، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية، كما قدمنا في قوله: ألقيا في جهنم، والآلاء النعم. قال القرطبي: وهو قول جميع المفسرين، واحدها إلى وألى مثل معى وعصا وإلى " وألى " أربع لغات حكاها النحاس، وزاد في القاموس ألو، وقال ابن زيد: إنها القدرة، أي: فبأي قدرة، وبه قال الكلبي، وقال ابن عباس: فبأي نعمة الله وقال: يعني الجن والإنس.

وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعاً تقريراً للنعمة وتأكيداً للتذكير بها، على عادة العرب في الإتساع ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها لأن من جملة الآلاء رفع البلاء، وتأخير العقاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما بعدد أبواب الجنة وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأولين، أخذاً من قوله: ومن دونهما جنتان، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها إستحق هاتين الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة، أفاده شيخ الإسلام في متشابه القرآن.

قال القتيبي: إن الله عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، لينبههم على النعم، ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن عرياناً فكسوتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا ومنه قول الشاعر:

لا تقتلي رجلاً إن كنت مسلمة ... إياك من دمه إياك إياك

ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب، وذلك لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليمه البيان وخلق الشمس والقمر، والسماء والأرض، إلى غير ذلك مما أنعم به على خلقه، وخاطب الجن والإنس بالأشياء المذكورة، لأنها كلها منعم بها عليهم، قال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة، وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أن التكرير لإختلاف النعم، فلذلك كرر التوقيف مع كل واحدة.

وقال الرازي: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الإلتفات والمراد به التقرير والزجر، وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة. وكررت هذه اللفظة في هذه السورة إما للتأكيد، ولا يعقل لخصوص العدد معنى، قال الجلال المحلي: والإستفهام فيها للتقرير، لما روي الحاكم. عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد " [[رواه الحاكم.]]، قلت: ويؤخذ من هذا أنه يسن لسامع القارىء لهذه السورة أن يجيبه بالجواب المذكور؛ كلما قرأ الآية المذكورة، كما فعلت الجن وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولام على الصحابة في سكوتهم، وصرح بالسنية الكازروني في تفسيره، وصنيع أبي السعود يقتضي أن الإستفهام للتوبيخ والإنكار، ولفظه الفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فضل من فنون النعم، وصنوف الآلاء الموجبة للشكر والإيمان حتماً والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية، والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير، وتشديد التوبيخ، وقرىء آلاء على أصله بالمد والتوسط والقصر في جميع هذه السورة.

ولما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما، ذكر خلق العالم الصغير وقال:

55:14Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤

He created man from clay like [that of] pottery.

(خلق الإنسان) وهذا تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بواجب شكر النعم، المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين، والمراد بالإنسان هنا آدم. قال القرطبي بالاتفاق من أهل التأويل، ولا يبعد أن يراد به الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم (من صلصال) أي: من طين يابس يسمع له صلصلة أي: صوت إذا نقر أي ليختبر هل فيه عيب أو لا؟ وقيل هو طين خلط برمل وقيل: هو الطين المنتن يقال: صل اللحم وأصل، إذا أنتن، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر.

(كالفخار) أي الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه من يبسه الخزف، فإن قلت: قد اختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان الذي هو آدم، فقال تعالى في آل عمران: (من تراب) وقال في الحجر: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وقال في الصافات: (من طين لازب)، وزاد الخازن: (من ماء مهين)، وقال: هنا (من صلصال كالفخار)، قلت: ليس فيها اختلاف بل المعنى متفق، وذلك أن الله تعالى خلقه أولاً من تراب ثم جعله طيناً لازباً لما اختلط بالماء، ثم حمأً مسنوناً، وهو الطين الأسود المنتن، فلما يبس صار صلصالاً كالفخار، قال الخطيب: المذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدأه، وتارة إثناؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجان بالهواء الحامل للحر، الذي هو من فيح جهنم فمن التراب جسده ونفسه ومن الماء روحه وعقله، ومن النار مطلب غوايته وحدته ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه.

والغالب في جبلته التراب فلذا نسب إليه وإن كان خلقه من العناصر الأربع كما أن الجان في العناصر الأربع، لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها كما قال تعالى:

55:15Page 531

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

(وخلق الجان من مارج) يعني خلق أبا الجن وقيل: هو إبليس أو جنس الجن، ومن لإبتداء الغاية والمارج اللهب الصافي من النار وقيل: الخالص منها وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وقال الليث: المارج الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد قال المبرد: المارج النار المرسلة التي لا تمنع، وقال أبو عبادة: المارج خلط النار من مرج إذا اختلط واضطرب، قال الجوهري: مارج من نار، نار لا دخان لها، خلق منها الجان، وقال ابن عباس: من لهب النار وخالصها، وقيل: هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت.

(من نار) هو بيان للمارج، أو من للتبعيض، أو أراد من نار مخصوصة كقوله: (فأنذرتكم ناراً تلظى)، أو من صاف من نار، أو مختلط من النار كما تقدم

55:16Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول؟ فصدقتم بالآخرة، لعلكم تنجون من عذاب الله تعالى.

55:17Page 532

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

(رب المشرقين ورب المغربين) قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)

محذوف، أي: هو ربهما، وقيل: مبتدأ، وخبره مرج البحرين، بينهما اعتراض، والأول أولى، والمراد بالمشرقين مشرق الشتاء والصيف، وبالمغربين مغرباهما، قال ابن عباس: للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء، ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء، وعنه قال مشرق الفجر ومشرق الشفق، ومغرب الشمس ومغرب الشفق

55:18Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى، كاعتدال الهواء واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه، أو بغير ذلك، ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده.

55:19Page 532

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

(مرج البحرين يلتقيان) المرج التخلية والإرسال، يقال: مرجت الدابة إذا أرسلتها، وأصله الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى، قال الحسن وقتادة: هما بحرا فارس والروم، وقال ابن جريج: هما البحر المالح والأنهار العذبة، وقيل: بحر المشرق والمغرب، وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان، وقيل بحر السماء وبحر الأرض، وقيل: بحر الروم وبحر الهند، وأنتم الحاجر بينهما والمعنى خلى وأهمل وأنه أرسل كل واحد منهما يتجاوران ويتماسان على وجه الأرض، لا فصل بينهما في مرأى العين، قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام وقيل يلتقي طرفاهما ومع ذلك فلم يختلطا فلهذا قال:

55:20Page 532

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

(بينهما برزخ) أي حاجز يحجز بينهما وقيل البرزخ الجزائر.

(لا يبغيان) أي لا يبغي أحدهما على الآخر، بأن يدخل فيه ويختلط به، وقيل: لا يتغيران، وقيل: لا يطغيان على الناس بالغرق قال ابن عباس: أرسل البحرين بينهما حاجز لا يختلطان بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه، وفي الخطيب لا يتجاوز كل واحد منهما ما حده له خالقه، لا في الظاهر ولا في الباطن حتى إن العذب الداخل في الملح باق على حاله، لم يمتزج بالملح فمتى حفرت في جنب الملح في بعض الأماكن وجدت الماء العذب، قال البقاعي: بل كلما قربت الحفرة من الملح كان الماء الخارج منها أحلى، فخلطهما الله تعالى في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة، هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها العقلاء؟

55:21Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها بحال.

55:22Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

(يخرج) قرأ الجمهور على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول، وهما سبعيتان (منهما اللؤلؤ) أي: الدر (والمرجان) الخرز الأحمر المعروف، وقال الفراء: اللؤلؤ العظام والمرجان ما صغر، قال الواحدي: وهو قول جميع أهل اللغة، وقال مقاتل والسدي ومجاهد: اللؤلؤ صغار الدر والمرجان كباره، وقال ابن عباس: إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ، وعن علي قال: المرجان عظام اللؤلؤ، وقال ابن عباس: اللؤلؤ ما عظم منه، والمرجان: اللؤلؤ الصغار قال ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر.

وقال: منهما وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما، كذا قال الزجاج وغيره وقال أبو علي الفارسي: هو من باب حذف المضاف أي من أحدهما كقوله: على رجل من القريتين عظيم، وتقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محله، وقال الأخفش: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ، من العذب وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان، وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب، وقيل: هما بحر السماء وبحر الأرض، فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤ فصار خارجاً عنهما، وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، فمن الجائز أن يسوقهما من البحر العذب إلى الملح، واتفق أنهم لم يخرجوهما إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المترددين القاطعين المفاوز فكيف بما في قعر البحر؟.

وأجاب عنه ابن عادل بأن الله لا يخاطب الناس ولا يمتن عليهم إلا بما يألفون ويشاهدون، ولا يخلو هذا الجواب عن التعسف

55:23Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن في ذلك الخروج من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه ولا يقدر على إنكاره.

55:24Page 532

وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤

And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.

(وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) المراد بالجوار السفن الجارية في البحر، وسميت السفينة جارية لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية، كما قال تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)، وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك، فقال تعالى لنوح، (واصنع الفلك بأعيننا)، ثم بعد ما عملها سماها سفينة فقال تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة)، قال الرازي: الفلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية، والمرأة المملوكة تسمى أيضاًً جارية، لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزوجة، فهي من الصفات الغالبة.

والعامة على كسر الراء من الجوار، لأنه منقوص على فواعل، والياء محذوفة لفظاً، وقرىء برفع الراء تناسباً للمحذوف، وقرىء بإثبات الياء في الوقف، ولا تثبت في الرسم، لأنها من ياآت الزوائد، والمنشئآت المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض، وركب حتى ارتفعت وطالت حتى صارت في البحر كالأعلام، وهي الجبال، والعلم الجبل الطويل، شبه السفن في البحر بالجبل في البر، وقال قتادة: المنشئآت المخلوقات للجري، وقال الأخفش: المنشئآت المجريات، وقيل: المحدثات المسخرات، وقيل: الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن، وقد مضى الكلام على هذا في سورة الشورى، وإفراد البحر وجمع الأعلام إشارة إلى عظمة البحر، قرأ الجمهور المنشئآت بفتح الشين، وقرىء بكسرها.

55:25Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن تكذيبه ولا إنكاره.

55:26Page 532

كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦

Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,

(كل من عليها فان) أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك، وعلى هذا لا يحتاج لتخصيص الآية بغير الجنة والنار، والحور والولدان، والحجب والعرش والأرواح، وغلب العقلاء على غيرهم فعبر عن الجميع بلفظ (من) وقيل: أراد من عليها من الجن والإنس، ولا يقال: إن هذه الآية إلى قوله: (يطوفون بينها وبين حميم آن)، ليست نعماً فكيف قال عقب كل منهما (فَبِأَيِّ آلَاءِ)، الآية؟ والجواب أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي. وترغيب في الطاعات، وهذا من أعظم المنن، وقيل: وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب، قال يحيى بن معاذ: حبذا الموت، فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب، وقيل: جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب، وقال مقاتل: وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام.

55:27Page 532

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

(ويبقى وجه ربك) الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده، وقد تقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا، وقيل: المعنى وتبقى حجته التي يتقرب بها إليه والأول أولى، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، وخاطب الاثنين في قوله:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском