Al-QinnawjiAl‑Ahzab · 33:1–10

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

الأحزاب

Al-Ahzab

The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs

33:1Page 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الأحزاب

(هي ثلاث وسبعون آية)

قال ابن عباس: نزلت بالمدينة وعن ابن الزبير مثله وعن زر قال: قال لي أبيّ بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية فقال: قط؟ لقد رأيتها وأنها لتعادل سورة البقرة: أو أكثر من سورة البقرة: ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم. فرفع فيما رفع. قال ابن كثير: وإسناده حسن.

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد يا أيها الناس: إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ". وقد روي عنه نحو هذا من طرق.

وعن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن.

قال النسفي: وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض.

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)

(يا أيها النبي) أي: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا، وإنما لم يقل: يا محمد كما قال: يا آدم، يا موسى، تشريفاً له، وتنويهاً بفضله، وتصريحه باسمه في قوله: محمد رسول الله ونحوه، لتعليم الناس بأنه رسول الله ليلقبوه بذلك، ويدعوه به.

(اتق الله) أي: دم على ذلك وازدد منه، فهو باب واسع، وعرض عريض، لا يدرك مداه، ولا ينال منتهاه.

(ولا تطع الكافرين) من أهل مكة، ومن هو على مثل كفرهم (والمنافقين) الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. قال الواحدي: إنه أراد سبحانه بالكافرين: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور السلمي، وذلك أنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أرفض ذكر آلهتنا، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها، قال: والمنافقين عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.

(إن الله كان عليماً حكيماً) في أي: كثير العلم والحكمة بليغهما، قال النحاس: " ودل بقوله هذا على أنه كان يميل إليهم يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - استدعاء لهم إلى الإسلام، والمعنى أن الله عز وجل لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنهم، لأنه حكيم " ولا يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر بالتقوى، والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، والمعنى: أنه لا يأمرك أو ينهاك إلا بما علم فيه صلاحاً أو فساداً لكثرة علمه، وسعة حكمته.

33:2Page 418

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

(واتبع) في جميع أمورك (ما يوحى إليك من ربك) من القرآن ولا تتبع شيئاًً مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين، ولا من الرأي البحت، فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك.

(إن الله كان بما تعلمون خبيراً) تعليل لأمره باتباع ما أوحي إليه، وتأكيد لموجبه، والأمر له - صلى الله عليه وسلم - أمر لأمته، فهم مأمورون باتباع القرآن، كما هو مأمور باتباعه، ولهذا جاء بخطابه وخطابهم في قوله: بما تعلمون على قراءة الجمهور بالفوقية على الخطاب، وقرىء بالتحتية، والواو ضمير الكفرة والمنافقين، أي: إنه خبير بمكايدهم؛ فيدفعها عنك.

33:3Page 418

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

(وتوكل على الله) أي اعتمد عليه وفوض أمورك إليه (وكفى بالله وكيلاً أي حافظاً يحفظ من توكل عليه، وقيل: كفيلاً برزقك، وقال الزجاج: لفظه وإن كان لفظ الخبر فالمعنى اكتف بالله وكيلاً، ثم ذكر سبحانه مثلاً توطئة وتمهيداً لما يتعقبه من الأحكام القرآنية التي هي من الوحي الذي أمره الله باتباعه فقال:

33:4Page 418

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.

(ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وقيل: هي مثل ضربه الله للمظاهر، أي: كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان وكذلك لا يكون الدعي ابن الرجل، وقيل كان الواحد من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا، وقلب بكذا فنزلت الآية برد النفاق وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام؛ كما لا يجتمع قلبان، والقلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله وجعلها محلاً للعلم و (من) زائدة وقال: في جوفه لأنه معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني ومنبع القوى بأسرها؛ فيمتنع تعدده لأنه يؤدي إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلاً لكل القوى وغير أصل لها.

عن ابن عباس قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه: إلا ترى أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم، فنزل (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).

وعنه بلفظ: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة، فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فقالوا: إن له قلبين، فنزلت. وعنه أيضاًً قال: كان رجل من قريش يسمى من دهائه: ذا القلبين فأنزل الله هذا في شأنه.

(وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) قرىء اللائي بياء ساكنة بعد همزة وبياء ساكنة بعد ألف محضة قال أبو عمرو بن العلاء: إنها لغة قريش التي أمر الناس أن يقرأوا بها وتظاهرون مضارع ظاهر، وقرىء مضارع تظاهر والأصل تتظاهرون وقرىء تظهرون والأصل تنظهرون، وأخذ ذلك من لفظ الظهر كأخذ لبى من التلبية، وإنما عُدّي بمن لأنه ضُمّن معنى التباعد، كأنه قيل: متباعدين من نسائكم بسبب الظهار، كما تقدم في تعدية الإيلاء بمن في البقرة.

والظهار أصله أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، والمعنى ما جعل الله نساءكم اللاتي تقولون لهن هذا القول كأمهاتكم في التحريم، ولكنه منكر من القول وزور، وإنما تجب به الكفارة بشرطه، وهو العود كما ذكر في سورة المجادلة بقوله: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا أي نفسه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها زمناً يمكنه أن يفارقها فيه أو لا يفارقها، لأنه مقصود المظاهر وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه قاله الكرخي.

(وما جعل أدعياءكم) أي: وكذلك ما جعل الأدعياء الذين تدعون أنهم أبناؤكم (أبناءكم) والأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعى ابناً لغير أبيه فهو فعيل بمعنى مفعول ولكن جمعه على أدعياء غير مقيس لأن أفعلاء إنما يكون جمعاً لفعيل، المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل؛ نحو تقي وأتقياء، وغني وأغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام لأن أصله دعيو فأدغم إلا أنه بمعنى مفعول فكان القياس جمعه على فَعلى كقتيل وقتلى وجريح وجرحى، ومريض ومرضى، ونظير هذا في الشذوذ قولهم: أسير وأسارى، والقياس أسرى، وقد سمع فيه الأصل قاله السمين.

(ذلكم) أي ما تقدم من ذكر الظهار والادعاء (قولكم بأفواهكم) أي ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه، ولا تأثير له في الخارج، فلا تصير المرأة به أمه، ولا ابن الغير به إبناً، ولا يترتب على ذلك شيء من أحكام الأمومة والبنوة.

وقيل: الإشارة راجعة إلى الادعاء أي: ادعاؤكم أن أبناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له بل هو مجرد قول بالفم؛ إذ الابن لا يكون إلا بالولادة وفيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل، فيجعله كالابن المولود يدعوه إليه الناس، ويرث ميراثه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق زيد بن حارثة الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة، فلما تزوج زينب -وكانت تحت زيد- قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ بها التبني.

قال النحاس: وهذا من نسخ السنة بالقرآن. قال القرطبي: أجمع أهل التفسير على أن هذا القول أنزل في زيد بن حارثة.

(والله يقول الحق) الذي يحق اتباعه لكونه حقاً في نفسه، لا باطلاً، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم (وهو يهدي السبيل) أي يدل على الطريق الموصلة إلى الحق، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق، وتراث قول الباطل والزور، ثم صرح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء للآباء فقال: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (6))

33:5Page 418

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

(ادعوهم لآبائهم) للصلب وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم؛ أخرج البخاري، ومسلم وغيرهما، عن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: أدعوهم لآبائهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.

(هو أقسط عند الله) تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى مصدر: ادعوهم ومعنى أقسط: أعدل، أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم، كقوله: (الله أكبر، أو أعدل من قولكم: هو ابن فلان، ولم يكن ابنه لصلبه، وأقسط أفعل تفضيل، قصد به الزيادة مطلقاً، من القسط بمعنى العدل، وانظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث وصل الجمل الطلبية. ثم فصل الخبرية عنها، ووصل بينها؛ ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها، ثم فصل بالطلبية ثم تمم الإرشاد للعباد فقال:

(فإن لم تعلموا آباءهم) تنسبونهم إليهم (فإخوانكم) أي فهم إخوانكم (في الدين ومواليكم) فقولوا: أخي ومولاي، ولا تقولوا: ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة، قال الزجاج: مواليكم، أي أولياؤكم في الدين.

وقيل المعنى: فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحراراً فقولوا: موالي فلان (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) أي إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه (ولكن) الإثم.

(ما تعمدت قلوبكم) وهو ما قلتموه على طريقة العمد، من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك، قال قتادة: لو دعوت رجلاً بغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس بخلاف الحال في زيد فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمداً عصى بقوله هذا، عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " أخرجه البخاري ومسلم.

(وكان الله غفوراً رحيماً) يغفر للمخطىء ويرحمه، ويتجاوز عنه. أو غفور للذنوب، رحيماً بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلاً لغير أبيه خطأً، أو قبل النهي عن ذلك، أو على سبق اللسان؛ ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة، وخصوصية جليلة؛ لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال:

33:6Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي هو أحق بهم، وأرأف، وأشفق في كل ما دعاهم إليه من أمور الدين والدنيا، فإن نفوسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، وهو يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم، وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم. وبالجملة فإذا دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم.

وقيل: المراد بأنفسهم في الآية بعضهم فيكون المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وقيل هي خاصة بالقضاء أي هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى بينهم، وقيل أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس دونه. وقيل: أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم كقوله بالمؤمنين رؤوف رحيم.

وفي قراءة ابن مسعود: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبوهم في الدين، والأول أولى.

وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئم: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه ".

وقد ثبت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ".

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرت علياً فنقصته فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تغير وقال، يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من كنت مولاه فعليّ مولاه. "

(وأزواجه) - صلى الله عليه وسلم - سواء دخل بهن أو لا وسواء مات عنهن أو طلقهن (أمهاتهم) أي مثل أمهاتهم في الحكم بالتحريم ومنزَّلات منزلتهن في استحقاق التعظيم، فلا يحل لأحد أن يتزوج بواحدة منهن، كما لا يحل له أن يتزوج بأمه، فهذه الأمومة مختصة بتحريم النكاح لهن تحريماً مؤبداً، وبالتعظيم لجنابهن لا في النظر إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن، كما في حق سائر الأجانب، وتخصيص المؤمنين يدل على أنهن لسن أمهات نساء [[إن أبسط مبادىء اللغة تقتضي شمول الذكران والإناث للتغليب، وهي قضية من البداهة حيث

-[48]-

لا تحتاج إلى هذه الفنقيلات اللجوج فإذا قال الله " يا أيها الذين آمنوا " تناول نداؤه اللائي آمن، وإذا قال: " إنما المؤمنون إخوة " دل على إخوة المؤمنات فأزواجه - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنات كما هن أمهات ذكران المؤمنين. المطيعي.]] المؤمنين، ولا بناتهن أخوات المؤمنين ولا إخوتهن أخوال المؤمنين.

وقال القرطبي: الذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء تعظيماً لحقهن على الرجال والنساء كما يدل عليه قوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة، قال: ثم إن في مصحف أبيّ بن كعب وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم، وقرأ ابن عباس بعد لفظ أنفسهم، وهو أب وأزواجه أمهاتهم.

عن عائشة أن امرأة قالت لها يا أمه، فقالت: " أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم ". وعن أم سلمة قالت أنا: " أم الرجال منكم والنساء ".

وعن بجالة قال: مر عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، فقال: يا غلام حكّها، فقال: هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله، فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق في الأسواق وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات، ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن ثم بين سبحانه أن القرابة أولى ببعضهم البعض فقال:

(وأولو الأرحام) جمع رحم وهو القرابة (بعضهم أولى) أي أحق (ببعض) في الميراث، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنفال وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة. قال قتادة: لما نزل قوله سبحانه في سورة الأنفال (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) فتوارث المسلمون بالهجرة ثم نسخ ذلك بهذه الآية، وكذا قال غيره.

ويحتمل أن يكون النسخ بآية الأنفال وهو قوله: (وأولو لأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) قال الشهاب: وهذا الاحتمال أولى، لأن سورة الأنفال متقدمة نزولاً على هذه السورة فنسبة النسخ إليها أولى، وتكون هذه الآية مؤكدة لتلك، وقيل إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين؛ وقيل معنى الآية لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر.

(في كتاب الله) أي هذه الأولوية وهذا الاستحقاق كائن وثابت فيه والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ أو القرآن، أو آية المواريث (من المؤمنين والمهاجرين) المعنى إن ذوي القرابات من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أو أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب.

وقيل إن معنى الآية: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) إلا ما يجوز لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من كونهن كالأمهات في تحريم النكاح، وفي هذا من الضعف ما لا يخفى (إلا) هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام، والتقدير أولى ببعض في كل شيء من الإرث وغيره إلا.

(أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً) من صدقة أو وصية فإن ذلك جائز، قاله قتادة، والحسن، وعطاء، ومحمد بن الحنفية قال ابن الحنفية نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني، فالكافر وليّ في النسب لا في الدين فتجوز الوصية له، قال في الخازن: إن الله لما نسخ التوارث بالحلف، والإخاء، والهجرة، أباح أن يوصي الرجل لمن تولاه بما أحب من ثلث ماله، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، والمعنى لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به وضمن (تفعلوا) معنى توصلوا أو تسدوا، فعُدّي بإلى. وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة (كان ذلك) أي نسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والعاقدة ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات (في الكتاب) أي في اللوح المحفوظ، أو في التوراة أو في القرآن (مسطوراً) مكتوباً.

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9))

33:7Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله واذكر أن الله أخذ ميثاق الأنبياء أو التقدير كان هذا الحكم مكتوباً في الكتاب ووقت أخذنا، قاله السمين، قال قتادة أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصاً على أن يصدق بعضهم بعضاً ويتبع بعضهم بعضاً، وأن ينصحوا لقومهم وأن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته، وإلى الدين القيم، وأن يبلغوا رسالات ربهم، وذلك حين أخرجوا من صلب آدم كالذر -وهو جمع ذرة- وهي أصغر النمل وهي صغيرة جداً، بحيث إن نحو الأربعين منها أصغر من جناح بعوضة- والميثاق هو اليمين، وقيل هو الإقرار بالله والوصية والأمر، والأول أولى، وقد سبق تحقيقه، ثم خصص سبحانه بعض النبيين بالذكر بعد التعميم الشامل لهم ولغيرهم فقال:

(ومنك) خصوصاً (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم أصحاب الشرائع المشهورة، والكتب المذكورة، ومن أولي العزم من الرسل وتقديم ذكر نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما لا يخفى، وتقديم نوح في آية: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، لأنها سيقت لوصف ما بعث به نوح من العهد القديم، وما بعث به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من العهد الحديث وما بعث به من توسطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح فيها أشد مناسبة للمقصود من بيان أصالة الدين وقدمه، قاله الكرخي. ثم أكد ما أخذه على النبيين من الميثاق بتكرير ذكره ووصفه بالغلظ فقال:

(وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً) أي عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا أو ما أخذه الله عليهم من عبادته والدعاء إليها، ويجوز أن يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق مرتين: فأخذه عليهم في المرة الأولى مجرد الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد، ثم أخذه عليهم ثانية مغلظاً شديداً، ومثل هذه الآية قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه).

أخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني أن أعرابياً قال: يا رسول الله أي شيء كان أول نبوتك قال: أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا هذه الآية إلى قوله: (ميثاقاً غليظاً، ودعوة إبراهيم قال: وابعث فيهم رسولاً منهم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام.

وعن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟ قال وآدم بين الروح والجسد، وعنه قال: قيل يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد، أخرجه البزار والطبراني، وفي الباب أحاديث قد صحح بعضها.

وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الآية: كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، فبدأ بي قبلهم. أخرجه ابن عساكر، وابن مردويه، وأبو نعيم.

وعن ابن عباس قال ميثاقهم عهدهم، وعنه قال إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.

33:8Page 419

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

(ليسأل) أي لكي يسأل (الصادقين عن صدقهم) في تبليغ الرسالة إلى قومهم تبكيتاً للكافرين بهم، وفي هذا وعيد لغيرهم لأنهم إذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم؟ وقيل ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم كما في قوله (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين). وقوله (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم). وقيل فعل ذلك ليسأل. وقيل: عن صدقهم عن عملهم لله عز وجل. وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم والكافرين عن تكذيبهم، فاستغنى عن الثاني بذكر مسببه وهو قوله:

(وأعد للكافرين) وقيل التقدير أثاب الصادقين، وأعد للكافرين وقيل: المعنى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ليثيب المؤمنين، وأعد للكافرين (عذاباً أليماً) قاله السمين، وقيل: الكلام قد تم عند قوله عن صدقهم وجملة (وأعد) مستأنفة لبيان ما أعده للكفار.

33:9Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

(يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله) الكائنة (عليكم) هذا تحقيق لما سبق من الأمر بالتقوى بحيث لا يبقى معه خوف من أحد (إذ) أي حين.

(جاءتكم جنود) والمراد بها جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغزوه إلى المدينة وهي الغزوة المسماة غزوة الخندق وكانت بعد حرب أحد بسنة [[الصحيح أنها وقعت بعد أحد بسنتين أي في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال على التحديد أما غزوة أحد فكانت في السنة الثالثة من الهجرة وبين الغزوتين حدثت أحداث تتخم هذين العامين كيوم الرجيع ورهط عضل والقارة واستشهاد زيد بن الدثنة وخبيب وأصحابهما بماء هذيل ثم بئر معونة ثم إجلاء بني النضير في السنة الرابعة وغزوة ذات الرقاع وغزوة بدر الآخرة ثم غزوة دومة الجندل ثم الخندق. المطيعي.]] وهم أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف، وعيينة ابن حصن الفزاري ومن معه من قومه غطفان، وبنو قريظة والنضير فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف الله سبحانه في هذه الآيات، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من الهجرة قاله ابن اسحق. وقال ابن وهب، وابن القاسم، عن مالك كانت في سنة أربع. وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها.

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا. وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه.

فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله ويقولون: إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون. ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً رجلاً حتى مر عليّ وما عليّ جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: حذيفة؟ فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله -كراهية أن أقوم- قال قم، فقال: إنه كان في القوم خبر فأتني بخبر القوم؟ قال: وأنا من أشد القوم فزعاً وأشدهم قراً فخرجت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم احفظه من بين يديه. ومن خلفه، وعن يمينه. وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته. قال: فوالله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوفي فما أجد منه شيئاًً، فلما وليت قال يا حذيفة، لا تحدثن في القوم شيئاًً حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل، الرحيل، ثم دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل، الرحيل، لا مقام لكم وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبراً فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم، ثم خرجت نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارساً معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون، وأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود الآية).

وعن ابن عباس في قوله: إذ جاءتكم جنود، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب (فأرسلنا عليهم ريحاً) قال مجاهد هي ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم، ونزعت فساطيطهم، وهي ريح تهب من الشرق، وكانت باردة شديدة جداً، ومع هذا لم تتجاوزهم. ويدل على هذا ما ثبت عنه (- صلى الله عليه وسلم -) من قوله: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس.

وعنه قال لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب فقالت انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب إن الحرة لا تسري بالليل فغضب الله عليها وجعلها عقيماً، فأرسل الله عليهم الصبا فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله فأرسلنا عليهم ريحاً الآية، وقيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه، وللشعراء تفنن بها كثير يعرفه كل من له إلمام بدواوينهم.

(وجنوداً لم تروها) وهي الملائكة، وكانوا ألفاً، ولم يقاتلوا، وإنما ألقوا الرعب في قلوب الأحزاب. قال المفسرون: بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبيرهم في جوانب العسكر، حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه يا بني فلان هلم إليّ فإذا اجتمعوا قال لهم النجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال (وكان الله بما تعملون) أيها المسلمون من ترتيب الحرب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه (بصيراً) وقرىء يعملون بالتحتية أي بما يعمله الكفار من العناد لله ولرسوله والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة.

(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12))

33:10Page 419

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

(إذ جاءوكم من فوقكم) أي اذكر إذ جاءوكم من أعلى الوادي، وهو من جهة المشرق والذين جاءوا من هذه الجهة هم غطفان وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن وسيدهم عوف ابن مالك، وأهل نجد وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضم إليهم عوف بن مالك، وبنو النضير. وعن عائشة في الآية قالت كان ذلك يوم الخندق (ومن أسفل منكم) أي من أسفل الوادي من جهة المغرب من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش وسيدهم أبو سفيان بن حرب وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق ومعهم عامر بن الطفيل.

(وإذ) معطوف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير (زاغت الأبصار) أي مالت وعدلت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلاً من كل جانب، وقيل شخصت دهشاً من فرط الهول والحيرة (وبلغت القلوب الحناجر) جمع حنجرة، وهي جوف الحلقوم، وقيل رأس الغلصمة، والغلصمة رأس الحلقوم، وقيل هي منتهى الحلقوم، والحلقوم مجرى الطعام والشراب وقيل مجرى النفس؛ والمريء مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم وقال الراغب رأس الغلصمة من خارج، والمعنى ارتفعت القلوب عن مكانها ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها وهو الذي نهايته الحنجرة لخرجت، كذا قال قتادة، وقيل هو على طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك المكان ولا خرجت عن موضعها، ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها، قال الفراء والمعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد الخوف أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره.

(وتظنون بالله الظنونا) المختلفة، فبعضهم ظن النصر ورجا الظفر، وبعضهم ظن خلاف ذلك. وقال الحسن ظن المنافقون أنه يستأصل محمد وأصحابه وظن المؤمنون أنه ينصر. وقيل: الآية خطاب للمنافقين، والأولى ما قاله الحسن، فيكون الخطاب لمن أظهر الإسلام على الاطلاق، أعم من أن يكون مؤمناً في الواقع أو منافقاً.

واختلف القراء في الألف في الظنونا، فأثبتها وصلاً ووقفاً جماعة وتمسكوا بخط المصحف العثماني، وجميع المصاحف في البلدان، فإن الألف فيها كلها ثابتٌ وتمسكوا أيضاًً بما في أشعار العرب من مثل هذا. وأيضاًً أن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وقفاً، للحاجة إليها، وقد تثبت وصلاً إجراء للوصل مجرى الوقف، وقرىء بحذفها في الوصل والوقف معاً لأنها لا أصل لها، وقالوا هي من زيادات الخط فكتبت كذلك ولا ينبغي النطق بها، وأما الشعر فهو يجوز فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره، وقولهم: أجريت الفواصل مجرى القوافي غير معتد به، لأن القوافي يلزم الوقف عليها غالباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تشبه بها، وقرىء بإثباتها وقفاً، وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مجرى القوافي في ثبوت ألف الإِطلاق ولأنها كهاء السكت، وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قاله السمين وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها معروف في علم النحو، وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله: الرسولا والسبيلا، كما يأتي في آخر هذه السورة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском