Al-QinnawjiAl‑Mumtahanah · 60:1–10

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

الممتحنة

Al-Mumtahanah

She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs

60:1Page 549

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

سورة الممتحنة

(هي ثلاث عشرة آية وهي مدنية)

قال القرطبي: في قول الجميع، قال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله، والممتحنة بكسر الحاء اسم فاعل أي المختبرة أضيف الفعل إليها مجازاً كما سميت سورة براءة المبعثرة والفاضحة، لكشفها عن عيوب المنافقين وعلى هذا فالإضافة بيانية أي السورة الممتحنة، وقيل: بفتح الحاء اسم مفعول إضافة إلى المرأة التي فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، لقوله سبحانه: (فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)، وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف والدة إبراهيم بن عبد الرحمن، وعلى هذا فليست الإضافة بيانية، والمعنى سورة المرأة المهاجرة التي نزلت فيها آية الامتحان.

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) قال المفسرون: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي (صلى الله عليه وسلم) إليهم، وسيأتي ذكر القصة، وأضاف سبحانه العدو إلى نفسه تعظيماً لجرمهم وتغليظاً فيه، والعدو وصف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بوجه من الوجوه، وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان.

(تلقون إليهم بالمودة) أي توصلون إليهم المودة على أن الباء زائدة أو هي سببية، والمعنى تلقون إليهم أخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبب المودة التي بينكم وبينهم، وقال الزجاج: تلقون إليهم أخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة لقصد الإخبار بما تضمنته، أو لتفسير موالاتهم إياهم، أو في محل نصب صفة لأولياء وجملة: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق) في محل نصب على الحال من فاعل تلقون، أو من فاعل لا تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان حال الكفار.

قرأ الجمهور بما جاءكم بالموحدة، وقرىء لما جاءكم باللام أي لأجل ما جاءكم من الحق على حذف المكفور به، أي كفروا بالله والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، أي دين الإسلام، والقرآن، أو على جعل ما هو سبب للإيمان سبباً للكفر توبيخاً لهم (يخرجون الرسول وإياكم) مستأنفة لبيان كفرهم أو حالية وقدم الرسول عليهم تشريفاً له، وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز أن يقال: يخرجونكم والرسول.

(أن تؤمنوا بالله ربكم) تعليل للإخراج، أي يخرجونكم لأجل إيمانكم أو كراهة أن تؤمنوا (إن كنتم خرجتم) من مكة (جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي) جواب الشرط محذوف، أي إن كنتم كذلك فلا تلقوا إليهم بالمودة، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وانتصاب جهاداً وابتغاء على العلة أي إن كنتم خرجتم للجهاد في سبيلي، ولأجل ابتغاء مرضاتي، أو حال كونكم مجاهدين ومبتغين.

(تسرون إليهم بالمودة) مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي تسرون إليهم الأخبار بسبب المودة، وقيل: هي بدل من قوله: (تلقون)، ثم أخبر سبحانه بأنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء فقال: (وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) أي بما أضمرتم في صدوركم، وما أظهرتم وأعلنتم بألسنتكم، والجملة في محل نصب على الحال؛ والباء في بما زائدة يقال: علمت كذا وعلمت بكذا هذا على أن أعلم مضارع، وقيل: هو أفعل تفضيل، أي أعلم من كل واحد بما تخفون وما تعلنون.

(ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) أي من يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء، ويلقي إليهم بالمودة فقد أخطأ طريق الحق والصواب وضل عن قصد السبيل.

60:2Page 549

إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢

If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.

(إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء) أي إن يلقوكم ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ومنه المثاقفة وهي طلب مصادفة العزة في المسابقة، يقال: ثقفت الشيء ثقفاً من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته، وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة، والفاعل ثقيف، وقيل: المعنى إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، والمعنيان متقاربان (ويبسطوا إليكم أيديهم) بالضوب ونحوه (وألسنتهم بالسوء) أي بالسب والشتم (وودوا لو تكفرون) معطوف على جواب الشرط، أو على جملة الشرط والجزاء، ورجحه أبو حيان على غيره من الاحتمالات، والمعنى أنهم تمنوا ارتدادكم وودوا رجوعكم إلى الكفر.

60:3Page 549

لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣

Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.

(لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم) أي لا ينفعكم القرابات على عمومها ولا الأولاد، وخصهم بالذكر مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم والحنو عليهم، والمعنى أن هؤلاء لا ينفعونكم شيئاًً يوم القيامة حتى توالوا الكفار لأجلهم كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل الذي ينفعكم ما أمركم الله به من معاداة الكفار، وترك موالاتهم، وجملة: (يوم القيامة يفصل بينكم) مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم، والمعنى يفرق بينكم فيدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته النار، وقيل: المراد بالفصل بينهم أنه يفر كل واحد منهم من الآخر من شدة الهول كما في قوله: (يوم يفر المرء من أخيه) الآية.

ويجوز أن يتعلق يوم القيامة، أي لن ينفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة، ويبتدأ بقوله: يفصل بينكم، والأولى أن يتعلق يوم القيامة بما بعده، كما ذكرنا قرأ الجمهور يفصل بالتخفيف وبضم الياء وفتح الصاد مبنياً للمفعول واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرىء بفتح الياء وكسر الصاد مبنياً للفاعل. وقرىء بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة من التفصيل، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد مخففة، وقرىء بالنون وكلها سبعية.

(والله بما تعلمون بصير) لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك، وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما.

" عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنا والزبير والمقداد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، فقلنا، لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فقال عمر: دعني أضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدراً وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "، ونزلت هذه الآية [[رواه مسلم.]].

وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة، متضمنة لبيان هذه القصة، وأن هذه الآيات إلى قوله، (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم)، نازلة في ذلك ولما فرغ سبحانه من النهي عن موالاة المشركين، والذم لمن وقع منه ذلك ضرب لهم إبراهيم مثلاً حين تبرأ من قومه فقال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)

60:4Page 549

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي خصلة حميدة تقتدون بها، يقال: لي به أسوة في هذا الأمر. أي اقتداء، فأرشدهم سبحانه إلى الاقتداء بإبراهيم في ذلك إلا في استغفاره لأبيه، قرأ الجمهور أسوة بكسر الهمزة، وقرأ بضمها وهما لغتان، وقراءاتان سبعيتان، وأصل الأسوة بالضم والكسر القدوة، ويقال: هو أسوتك أي مثلك وأنت مثله (في إبراهيم) أي في أفعاله وأقواله، وفي متعلقة بأسوة، ومنعه أبو البقاء، أو بحسنة أو نعت ثان لأسوة أو حال من الضمير المستتر في حسنة أو خبر لكان، ولكم تبيين (والذين معه) هم أصحابه المؤمنون، وقال ابن زيد: هم الأنبياء قال الفراء: يقول: أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم؟ فتتبرأ من أهلك كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه؟

(إذا قالوا لقومهم) خبر كان أو متعلق بخبرها قالهما أبو البقاء، ومن جوز في كان أن تعمل في الظرف علقه بها، هذا ما في السمين، وقال الحفناوي: الظرف بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه وهذا أحسن الأعاريب المذكورة هنا، والمعنى وقت قولهم لقومهم الكفار وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى ولهم فيهم أرحام وقرابات، ومع ذلك لم يبالوا بهم، بل قالوا: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ) أي من دينكم جمع بريء مثل شركاء جمع شريك، وظرفاء جمع ظريف، قرأ الجمهور بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين ككرماء في كريم وقرىء بكسر الباء وفتح الراء ككرام في كريم وبضم الباء وهمزة بعد ألف.

(ومما تعبدون من دون الله) وهي الأصنام (كفرنا بكم) أي بما آمنتم به من الأوثان أو بدينكم أو بأفعالكم أي لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم (وبدا بيننا وبينكم العداوة) بالأفعال (والبغضاء) بالقلوب (أبداً) أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم (حتى تؤمنوا بالله وحده) وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة والبغضاء محبة (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) هو الاستثناء متصل من قوله في إبراهيم بتقدير مضاف محذوف ليصح الاستثناء أي قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم كلها، إلا قوله لأبيه إلخ أو من أسوة حسنة، وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة، كأنه قيل: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله، إلا قوله لأبيه، وهذا عندي واضح غير محوج إلى تقدير مضاف، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال الذي هو أصله، إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره، أو من التبري والقطيعة التي ذكرت أي لم يواصله إلا قوله، ذكر هذا ابن عطية أو هو منقطع أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن فلا تتأسوا به فتستغفرون للمشركين فإنه كان عن موعدة وعدها إياه أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ظن أنه قد أسلم، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة براءة. قال ابن عباس في الآية: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه وهو مشرك.

(وما أملك لك من الله من شيء) هذا من تمام القول المستثنى يعني ما أغني عنك وما أدفع عنك من عذاب الله وثوابه شيئاًً والجملة في محل نصب على الحال من فاعل لأستغفرن، فالاستثناء متوجه إلى الاستغفار لا إلى هذا القيد، فإنه إظهار للعجز، وتفويض للأمر إلى الله، وذلك من خصال الخير (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) هذا من دعاء إبراهيم وأصحابه، ومما فيه أسوة حسنة يقتدي به فيها، وقيل: هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول والتوكل هو تفويض الأمور إلى الله والإنابة الرجوع، والمصير المرجع. وتقديم الجار والمجرور لقصر التوكل والإنابة والمصير على الله.

60:5Page 549

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

(ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) الظاهر أنه دعاء متعدد لا ارتباط لِكُلٍّ بسابقة كالجمل المعدودة، وليس هو وما بعده بدلاً مما قبله كما قيل، لعدم اتحاد المعنيين لا كُلاًّ ولا جزءاً، ولا ملابسة بينهما سوى الدعاء قال الزجاج: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك، وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم ذلك، وبه قال ابن عباس: وقال أيضاًً: لا تسلطهم علينا فيفتنونا (واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز) أي الغالب الذي لا يغالب (الحكيم) ذو الحكمة البالغة في ملكه وصنعه.

60:6Page 550

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

(لقد كان لكم فيهم) أي في إبراهيم والذين معه في التبري من الكفار (أسوة) أي قدوة (حسنة) كرر هذا للمبالغة في التحريض على الحكم والتأكيد على الائتساء بإبراهيم وقومه، ولهذا جاء به مصدّراً بالقسم لأنه الغاية في التأكيد. وقيل: إن هذا نزل بعد الأولى بمدة، قال ابن عباس: أي في صنيع إبراهيم كله إلا في الاستغفار لأبيه وهو مشرك.

(لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أي إن هذه الأسوة إنما تكون لمن يخاف الله ويخاف عقاب الآخرة، أو يطمع في الخير من الله في الدنيا والآخرة بدل اشتمال من كم بإعادة الجار، قال المحلي: تبعاً للكواشي وقال أبو حيان وغيره: بدل بعض من كل (ومن يتول) أي يعرض عن التأسي بإبراهيم وأمته (فإن الله هو الغني) عن خلقه (الحميد) إلى أوليائه لم يترك نوعاً من التأكيد إلا جاء به ولما نزلت هذه الآية وتشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين أطمعهم في تحول الحال إلى خلافة فقال:

60:7Page 550

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

(عسى الله) وعسى وعد من الله على عادات الملوك، حيث يقولون في بعض الحوائج: عسى أو لعل، فلا تبقى شبهة المحتاج في تمام ذلك أو أريد به إطماع المؤمنين (أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) وذلك بأن يسلموا فيصيروا من أهل دينكم، وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وحسن إسلامهم، ووقعت بينهم وبين من تقدمهم في الإسلام مودة، وجاهدوا وفعلوا الأفعال المقربة إلى الله، وقيل: المراد بالمودة هنا تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان، فصار معاوية خال المؤمنين، قاله ابن عباس، ولا وجه لهذا التخصيص، وإن كان من جملة ما صار سبباً إلى المودة فإن أبا سفيان بعد ذلك ترك ما كان عليه من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لم تحصل المودة إلا بإسلامه يوم الفتح وما بعده.

وعن أبي هريرة قال: أول من قاتل أهل الردة على إقامة دين الله أبو سفيان ابن حرب، وفيه نزلت هذه الآية، وعن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين، قال: وهو فيمن قال الله فيه (عسى الله أن يجعل) الآية.

وفي صحيح مسلم.

" عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال: نعم قال: تؤَمِّرُني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك قال نعم، قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها " الحديث [[رواه مسلم.]] قال محمد بن إبراهيم الوزير في التنقيح ما لفظه: قال ابن حزم هذا موضوع لا شك في وضعه، والآفة فيه عن عكرمة بن عمار، قلت: قد رد الحفاظ على ابن حزم ما ذكره وجمع ابن كثير الحافظ جزءاً مفرداً في بيان ضعف كلامه، وفي الحديث غلط ووهم في اسم المخطوب لها النبي صلى الله عليه وسلم: وهي عزة أخت أم حبيبة خطب أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبته لها أختها أم حبيبة كما ثبت في الصحيحين فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم الجمع بين الأختين، وقد ذكر له تأويلات كثيرة هذا أقربها والموجب للتأويل ما علم من تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة قبل إسلام أبي سفيان.

(والله قدير) أي بليغ القدرة كثيرها على تقليب القلوب، وتحويل الأحوال وتسهيل أسباب المودة (والله غفور رحيم) أي بليغهما كثيرهما لمن أسلم من المشركين، ثم لما ذكر سبحانه ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكافرين وترك موادتهم فصل القول فيمن يجوز بره منهم، ومن لا يجوز فقال: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)

60:8Page 550

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي لا ينهاكم عن هؤلاء (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) وتكرموهم وتحسنوا إليهم قولاً وفعلاً، وهذا بدل من الموصول بدل اشتمال.

" عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فأنزل الله هذه الآية فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها "، أخرجه [[رواه أحمد.]] أحمد والبزار وأبو يعلى وغيرهم وزاد ابن أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي البخاري ومسلم وغيرهما.

" عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فأنزل الله: (لا ينهاكم) الآية فقال: نعم صلي أمك ".

(وتقسطوا إليهم) أي تفضوا إليهم بالقسط وتعدلوا فيهم بالإحسان إليهم، والبر. يقال: أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل، قال الزجاج: المعنى وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد ولا تظلموهم، وإذا نهى من الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم؟

(إن الله يحب المقسطين) أي العادلين، ومعنى الآية أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل، قال ابن زيد كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ، قال قتادة: نسخ بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، وقيل: هذا الحكم كان ثابتاً في الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم، وقيل: هي خاصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ من بينه وبينه عهد، قاله الحسن وقال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف، وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا، وقيل: هي خاصة بالنساء والصبيان، وحكى القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة، وهو الأولى لحديث أسماء المتقدم المتفق عليه.

ثم بيّن سبحانه من لا يحل بره ولا العدل في معاملته، فقال:

60:9Page 550

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) وهم صناديد الكفار من قريش وعتاة أهل مكة (وظاهروا على إخراجكم) أي عاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم (أنْ تولوهم) بدل اشتمال من الموصول كما سلف.

(ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) أي الكاملون في الظلم، لأنهم تولوا من يستحق العداوة لكونه عدواً لله ولرسوله ولكتابه، وجعلوهم أولياء لهم، وفيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها، ولما ذكر سبحانه حكم فريقي الكافرين في جواز البر والإقساط للفريق الأول دون الثاني، ذكر حكم من يظهر الإيمان فقال:

60:10Page 550

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠

O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.

(يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات) سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان (مهاجرات) من بين الكفار، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين، فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن فقال: (فامتحنوهن) أي فاختبروهن بالحلف أي هل هن مسلمات حقيقة أو لا.

وقد أخرج البخاري.

عن " المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مسلمات فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا) حتى بلغ (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) فطلق عُمَر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك " وأخرجه أيضاًً من حديثهما بأطول من هذا وعنه: وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجعها إليهم حتى أنزل بالله في المؤمنات ما أنزل وقد اختلف فيما كان يمتحنهن به فقيل: كان يستحلفن بالله ما خرجن من بغض زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لالتماس دنيا بل حباً لله ولرسوله ورغبة في دينه فإذا حلفت كذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها إليه.

" قال ابن عباس: كان إذا جاءت المرأة النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر بن الخطاب بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت لالتماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله " أخرجه الطبراني وغيره بسند حسن، وقيل: الامتحان هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا علموا أن ذلك حق منهن لم يرجعن إلى الكفار، وأعطى بعلها في الكفار الذين عند لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقها الذي أصدقها وأحلهن للمؤمنين إذا آتوهن أجورهن، قاله ابن عباس، وقيل: ما كان الامتحان إلا بأن يتلو عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وهي: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات) إلى آخرها.

واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا على قولين، فعلى القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد، وبه قال الأكثر، وعلى القول بعدمه لا نسخ ولا تخصيص.

(الله أعلم بإيمانهن) معترضة لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها إلا الله سبحانه، ولم يتعبدكم بذلك، وإنما تعبدكم بامتحانهن، حتى يظهر لكم ما يدل على صدق دعوتهن في الرغب في الإسلام (فإن علمتموهن مؤمنات) أي علمتم ذلك بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمرتم به، وهو الظن الغالب بظهور الأمارات، وتسمية الظن علماً يؤذن بأن الظن الغالب، وما يفضي إليه القياس، جار مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: (لا تقف ما ليس لك به علم)، وقال الكرخي: المراد بالعلم الظن، وسمي علماً إيذاناً بأنه كالعلم في وجوب العمل به، ففي الكلام استعارة تبعية.

(فلا ترجعوهن إلى الكفار) أي إلى أزواجهن الكافرين هذا ناسخ لشرط الرد بالنسبة للنساء، على مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن، وقال بعضهم: ليس من قبيل النسخ، وإنما هو من قبيل التخصيص، أو تقييد المطلق، لأن العقد أطلق في رد من أسلم فكان ظاهراً في عموم الرجال مع النساء، فبين الله خروجهن عن عمومه، ويفرق بين الرجال والنساء بأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها، وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت لضعف قلبها، وقلة هدايتها إلى الخروج منه بإظهار كلمة الكفر، مع التورية، وإضمار كلمة الإيمان طمأنينة القلب عليه، ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته، كذا في الخطيب.

(لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) تعليل للنهي عن إرجاعهن، والتكرير لتأكيد الحرمة، والجملة الأولى لنفي الحل حالاً، والثانية لنفيه فيما يستقبل من الزمان، وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها (وآتوهم) خطاب لولاة الأمور، والأمر للوجوب، فيكون منسوخاً، أو للندب كما هو مذهب الشافعي فليس منسوخاً، أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن:

(ما أنفقوا) أي مثل ما أنفقوا عليهن من المهور، قال الشافعي: وإذا طلبها غير الزوج من قراباتها منع بلا عوض، عن ابن عباس قال: نزلت سورة الممتحنة بعد ذلك الصلح، فكان من أسلم من نسائهم تسأل: ما أخرجك؟ فإن كانت خرجت فراراً من زوجها، ورغبة عنه، ردت وإن كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت، ورد على زوجها مثل ما أنفق، ووجوب الإيتاء أو ندبه إنما هو في نساء أهل الذمة، كما هو مورد الآية، فإنها وردت في شأن أهل مكة الذين هادنهم صلى الله عليه وسلم، وأما نساء الحربيين الذين لم يعقد لهم عهد فلا يجب ولا يسن رد مهورهن اتفاقاً، وبه قال قتادة، والأمر كما قال، ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات فقال:

(ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) بشرطه، وهو انقضاء العدة فيما إذا كانت المسلمة مدخولاً بها، والولي والشاهدان وبقية شروط الصحة في المدخول بها وغيرها، لأنهن قد صرن من أهل دينكم، وإن كان أزواجهن الكفار لم يطلقوهن لانفساخ العقد بالإسلام (إذا آتيتموهن أجورهن) أي مهورهن، لأن المهر أجر البضع، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل عليه أدلة وجوب العدة، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا عدة على المهاجرة، واستدل بهذه الآية، والأول أولى، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأحمد، والآية رد لما يتوهم من أن رد المهر إلى أزواجهن الكفار مغن عن تجديد مهر لهن إذا تزوجهن المسلمون، فالمهر المدفوع للكفار لا يقوم مقام المهر الذي يجب على المسلم إذا تزوجهن، والمراد بإيتاء المهر التزامه، وإن لم يدفع بالفعل.

(ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قرأ الجمهور بالتخفيف من الإمساك، واختارها أبو عبيد لقوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) وقرىء بالتشديد من التمسك وهما سبعيتان، والعصم جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب، والمراد هنا عصمة عقد النكاح، والكوافر جمع كافرة وهي التي بقيت في دار الحرب، أو لحقت بدار الحرب مرتدة، أي لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية، والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين، قال النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان الكفار يزوجون المسلمات، والمسلمون يزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه الآية، وهذه خاصة بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب، وقيل: عامة في جميع الكوافر مخصصة بإخراج الكتابيات منها.

وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثني أو كتابي لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء العدّة، وقال بعض أهل العلم: يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج، وهذا إنما هو إذا كانت المرأة مدخولاً بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام، إذ لا عدة عليها، عن ابن عباس قال: أسلم عمر بن الخطاب وتأخرت امرأته في المشركين، فأنزل الله: ولا تمسكوا بعصم الكوافر.

(واسألوا ما أنفقتم) أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار ممن تزوجها وليسألوا (ما أنفقوا) من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا، قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين: إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت: ردوا مهرها على زوجها الكافر، قال الخطيب: وكان ذلك نصفاً وعدلاً بين الحالين وأطال سلمان الجمل في بيان ذلك.

(ذلكم) المذكور من إرجاع المهور من الجهتين (حكم الله) وقوله: (يحكم بينكم) مستأنفة أو حالية (والله عليم حكيم) أي بليغ العلم، لا تخفى عليه خافية، بليغ الحكمة في أقواله وأفعاله، قال القرطبي: وكان هذا مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع المسلمين، ولما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون: رضينا بحكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزل قوله

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском