Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الروم
(هي ستون أو تسع وخمسون آية) قال القرطبي: كلها مكيّة بلا خلاف، قال ابن عباس: نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله، وقال البيضاوي، إلا قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)، والأول أولى.
وأخرج عبد الرزاق، وأحمد -قال السيوطي بسند حسن- عن رجل من الصحابة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الصبح فقرأ فيها سورة الروم، وأخرج البزار عن أغر المزني مثله، وعن عبد الملك بن عمير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد بن قانع من طريق ابن عمير مثل حديث الرجل الذي من الصحابة، وزاد فتردد فيها فلما انصرف قال: " إنما يلبس علينا في صلاتنا قوم يحضرون الصلاة بغير طهور، من شهد الصلاة فليحسن الطهور ".
بسم الله الرحمن الرحيم
الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)
(الم) قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة، والله أعلم بمراده بذلك.
(غلبت الروم) قرئ مبنياً للمفعول وللفاعل. قال النحاس: قراءة الناس بضم الغين وكسر اللام، قال أهل التفسير: غلبت فارس الروم ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، فقالوا: نحن أيضاً نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، أي: نصارى، فهم أقرب إلى الإسلام، والفرس مجوس فهم أقرب إلى كفار قريش وفارس اسم أعجمي علم على تلك القبيلة، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، بل والعجمة، وعن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت الم غلبت الروم، وقرأها على البناء للفاعل، ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس، وعن أبي الدرداء قال: سيجيء أقوام يقرأون الم غَلبت يعني بالفتح وإنما هي غُلبت يعني بالضم، والروم اسم قبيلة سميت باسم جدها، وهو روم [[لا أصل لكلام ابن جزي من علم التاريخ ولا من علم الأجناس ولا من علوم الدين، والروم يعدون سلالة إبراهيم وغير الروم على الإطلاق برابرة حتى بعد دخولهم المسيحية؟ المطيعي.]] بن عيصو بن إسحاق ابن إبراهيم قاله ابن جزي في تفسيره، وسمي عيصو لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه: فقال عيصو ليعقوب: إن لم أخرج قبلك وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، كذا قيل والله أعلم، قيل: وكانت هذه الحروب بين أذرعات وبصرى، والملك بفارس يومئذ كسرى أبرويز.
30:3Page 404
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
(في أدنى الأرض) متعلق بغلبت أي أقرب أرض من أرض العرب، أو في أقرب أرض العرب منهم. قيل: هي أرض الجزيرة، وقيل: أذرعات وقيل: كسكر، وقيل الأردن، وقيل فلسطين [[الحقيقة التي أجمع المؤرخون لهذه الحرب عليها أن الفرس انتصروا على الروم ودخلوا بيت المقدس وانتزعوا منه الصليب المقدس الذي يزعم الرومان أنه الذي صلب عليه المسيح. فتأهب الروم للكر على الفرس فانتصروا عليهم بقيادة ملكهم هرقل واستردوا الصليب وفي أثناء تجول هرقل في بلاد الشام سمع بالبعثة المحمدية فبعث من يطلب أحداً من مكة يعلم بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يومئذ بغزة كما في حديث البخاري واستاق له رجاله أبا سفيان بن حرب وجرى بينهما الحوار المعروف الذي استنتج منه الإمبراطور أن صاحب هذه الدعوة سيملك موضع قدميه فالمعركة محددة المعالم معروفة الأماكن؟. المطيعي.]] وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من غيرها، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهودة في ألسنتهم إذا أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب، وقيل: إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه، والتقدير في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، ويكون المعنى في أقرب أرض الروم من العرب إلى فارس، والمراد بالجزيرة ما بين دجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب وحدها على ما روي عن الأصمعي: أنها من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضاً.
وسبب تسميتها جزيرة، إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها، كبحر الحبشة وبحر فارس، ودجلة والفرات. وقال ابن جزي في تفسيره: الجزيرة بين الشام والعراق. وهي أول الروم إلى فارس. قال ابن عطية: إن كانت الوقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم.
وعن ابن عباس قال: كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم لأنهم كانوا أصحاب أوثان؛ وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما إنهم سيغلبون " فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا؛ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلاً خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا جعلته أراه قال دون العشرة، فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله: الم غلبت الروم، فغلبت ثم غلبت بعد. قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر.
وعن البراء بن عازب نحوه، وزاد أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارس ساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جعله أبو بكر من المدة وكرهه، وقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: تصديقاً دته ولرسوله، فقال: تعرض لهم وأعظم الخطة، واجعله إلى بضع سنين، فأتاهم أبو بكر فقال: هل لكم في العود، فإن العود أحمد، قالوا: نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن، وبنوا رومية فقمر [[قمر أبو بكر أي كسب الرهان وهو من القمار الذي حرم بعد ذلك. المطيعي.]] أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا السحت تصدق به. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد: إن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة والقصة حجة عليهما، لا لهما لأنها كانت قبل تحريم القمار، وفيه: هذه السحت تصدق به.
(وهم من بعد غلبهم) أي: والروم من بعد غلب فارس إياهم (سيغلبون) أهل فارس، والغلب والغلبة لغتان
30:4Page 404
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
(في بضع سنين) قد تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف، والمراد هنا: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسع، وقيل: إلى السبع، وقيل: ما دون العشرة، وإنما أبهم البضع ولم يبينه، وإن كان معلوماً لنبيه صلى الله عليه وسلم لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت، كما يؤخذ ذلك من تفسير الفخر الرازي.
أخرج الترمذي وصححه، والدارقطني في الأفراد، والطبراني، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الشعب، عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: الم غلبت الروم الآية، كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك يقول الله: ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله الخ وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: الم غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين فقال ناس من قريش لأبي بكر: ذلك بيننا وبينكم، يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ فقال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ فسم بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين فمضت الست قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين، لأن الله قال في بضع سنين، فأسلم عند ذلك ناس كثير.
وأخرج الترمذي وحسنه، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر: " ألا احتطت يا أبا بكر؟ فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع ". وأخرج البخاري عنه في تاريخه نحوه، وفي الباب روايات. وما ذكرنا يغني عما سواه.
(لله الأمر) أي هو المتفرد بالقدرة وإنفاذ الأحكام (من قبل ومن بعد) أي من وقت المغلوبية ووقت الغالبية. فهو لف ونشر مرتب على الآية وقال أبو السعود: أي في أول الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا، وحين يغلبون والمعنى أن كُلاًّ من كونهم مغلوبين أولاً وغالبين آخراً، ليس إلا بأمر الله تعالى وقضائه، وتلك الأيام نداولها بين الناس انتهى. قرئ بضم الظرفين لكونهما مقطوعين عن الإضافة أي من قبل الغلب، ومن بعده، أو من قبل كل أمر وبعده. قال الزجاج: معنى الآية من متقدم ومن متأخر، وحكى الكسائي. من قبل ومن بعد، بكسر الأول منوناً وضم الثاني بلا تنوين. وحكى الفراء بكسرهما من غير تنوين، وغلطه النحاس، وقال: إنما يجوز مكسوراً منوناً، تلت وقد قرئ بذلك، ووجهه أنه لم ينو إضافتهما فأعربهما وقال شهاب الدين: وقد قرئ بكسرهما منونين.
(ويومئذ) أي ويوم أن تغلب الروم على فارس، ويحل ما وعد الله من غلبتهم (يفرح المؤمنون
30:5Page 404
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
بنصر الله) للروم على فارس لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين. أهل كتاب بخلاف فارس فإنهم لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم، وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، والأول أولى، قال: الزجاج هذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله، لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
(ينصر من يشاء) أن ينصره (وهو العزيز) الغالب القاهر (الرحيم) الكثير الرحمة لعباده المؤمنين، وقيل المراد بالرحمة هنا الدنيوية وهي شاملة للمسلم والكافر
30:6Page 405
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
(وعد الله لا يخلف الله وعده) أي وعد الله وعداً لا يخلفه وهو ظهور الروم على فارس (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) بجهلهم وعدم تفكرهم إن الله لا يخلف وعده؛ وهم الكفار. وقيل: كفار مكة على الخصوص نفى عنهم العلم النافع للآخرة، وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا فقال: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)
30:7Page 405
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
(يعلمون) بدل من لا يعلمون، وهذا أحسن من قول الحوفي: إنها مستأنفة من حيث المعنى، إلا أن الصناعة لا تساعد عليه، لأن بدل فعل مثبت من فعل منفي لا يصح، والضمير للأكثر وكذا يقال فيما بعده، وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا.
(ظاهراً من الحياة الدنيا) أي ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها، وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية. وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع. وقيل: الظاهر الباطل، وقيل: يعني معايشهم كيف يكسبون، ويتجرون، ومتى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون.
قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه لا يخطئ وهو لا يحسن يصلي. وقيل: يعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها، وقيل: لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها، وهو ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهو مضارها ومتاعبها. وأفادت الآية الكريمة أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة، وبالأعمال الصالحة، وتنكير الظاهر، يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها.
(وهم عن الآخرة) التي هي النعمة الدائمة واللذة الخالصة (هم غافلون) لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما تحتاج إليه؛ أو غافلون عن الإيمان بها، والتصديق بمجيئها، وفيه أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها، وإعادة لفظ (هم) الثانية للتأكيد.
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
(أولم يتفكروا)؟ الهمزة للإنكار عليهم، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره (في أنفسهم) ظرف للتفكر وليس معفولاً للتفكر، والمعنى أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي لعلموا وحدانيته تعالى وصدق أنبيائه، وقيل إنها مفعول التفكر.
والمعنى أولم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئاًً. والأول أولى، لأن المعنى أولم يتفكروا في قلوبهم الفارغة من الفكر التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها الله ظاهراً وباطناً من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت يجازى فيه على الإحسان إحساناً وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها، جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت.
(ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما) متعلق بالقول المحذوف، معناه: أولم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل: معناه فيعلموا لأن في الكلام دليلاً عليه، (وما) في (ما خلق) نافية أي لم يخلقها (إلا بالحق) الثابت الذي يحق ثبوته أو هي اسم في محل نصب على إسقاط الخافض، أي: بما خلق الله ويضعف أن تكون استفهامية، بمعنى النفي، والباء للسببية، أو هي ومجرورها في محل النصب على الحال، أي متلبسة بالحق. قال الفراء: معناه إلا للحق، أي للثواب والعقاب، وقيل: بالحق بالعدل، وقيل: بالحكمة، وقيل: إنه هو الحق، وللحق خلقها.
(وأجل مسمى) للسموات والأرض وما بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وفي هذا تنبيه على الفناء وأن لكل مخلوق أجلاً لا يجاوزه، وقيل: معناه أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ذلك الشيء (وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم) أي بالبعث بعد الموت (لكافرون) واللام هي المؤكدة والمراد بهؤلاء الكفار على الإطلاق أو كفار مكة.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12)
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
(أولم يسيروا في الأرض فينظروا) الاستفهام للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع الاعتبار، والمعنى أنهم قد ساروا وشاهدوا (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) من طوائف الكفار والأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحق، وتكذيبهم للرسل.
(كانوا أشد منهم قوة) كعاد وثمود، والجملة مبينة للكيفية التي كانوا عليها وأنهم أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية؛ وقال ابن عمر: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل، أخرجه ابن مردويه (وأثاروا الأرض) أي حرثوها وقلبوها للزراعة، وزاولوا أسباب ذلك، ولم يكن أهل مكة أهل حرث.
(وعمروها) عمارة (أكثر مما عمروها) لأن أولئك كانوا أطول منهم أعماراً وأقوى أجساماً، وأكثر تحصيلاً لأسباب المعاش، فعمروا الأرض بالأبنية والزراعة والغرس (وجاءتهم رسلهم بالبينات) أي: المعجزات والحجج الظاهرات وقيل: بالأحكام الشرعية (فما كان الله ليظلمهم) بتعذيبهم على غير ذنب، وإهلاكهم بغير جرم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بالكفر والتكذيب للرسل.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
(ثم كان عاقبة الذين أساءوا) أي: عملوا السيئات من الشرك والمعاصي (السُّوأَى) هي فعلى من السوء تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات. وقيل: هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، أو مصدر كاليسرى، والذكرى، وصفت به العقوبة مبالغة، وقرئ عاقبة بالرفع على أنها اسم كان، والخبر السوأى، أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوأى، ومن القائلين بأن السوأى جهنم، الفراء والزجاج وابن قتيبة، وأكثر المفسرين. وسميت سوأى لأنها تسوء صاحبها.
(أن كذبوا) أي: لأن كذبوا (بآيات الله) التي أنزلها على رسوله، أو بأن كذبوا، قال الزجاج: المعنى ثم كان عاقبة الذين أشركوا تكذيبهم بآيات الله واستهزاؤهم بها (وكانوا بها يستهزئون) عطف على كذبوا، داخل معه في حكم العلية أو في حكم الاسمية لكان أو الخبرية لهما.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
(الله يبدأ الخلق ثم يعيده) أي يخلقهم أولاً ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا (ثم إليه ترجعون) أي إلى موقف الحساب؛ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وأفرد الضمير في (يعيده) باعتبار لفظ الخلق وجمعه في (ترجعون) باعتبار معناه وقرئ يرجعون بالتحتية والفوقية على الخطاب والالتفات المؤذن بالمبالغة.
30:12Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
(ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) قرئ يبلس على البناء للفاعل يقال: أبلس الرجل إذا سكت، وانقطعت حجته؛ فهو قاصر لا يتعدى، قال الفراء والزجاج: المبلس الساكت المنقطع في حجته، الذي أيس أن يهتدي إليها، وقرئ مبنياً للمفعول، وفيه بعد، لأن أبلس لا يتعدى وقال الكلبي: أي يأس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقدمنا تفسير الإبلاس عند قوله: فإذا هم مبلسون، وقال ابن عباس: يبلس يبتئس، وعنه يكتئب وعنه الإبلاس الفضيحة.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)
30:13Page 405
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
(ولم يكن لهم) أي لا يكون للمشركين يوم تقوم الساعة (من شركائهم) الذين عبدوهم من دون الله، وأشركوهم، وهم الأصنام ليشفعوا لهم (شفعاء) يجيرونهم من عذاب الله (وكانوا) في ذلك الوقت (بشركائهم) أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله (كافرين) أي جاحدين لكونهم آلهة لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرون، وقيل: إن معنى الآية كانوا كافرين في الدنيا بسبب عبادتهم، والأول أولى.
30:14Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
(ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) أي يتفرق جميع الخلق المدلول عليهم بقوله؛ الله يبدأ الخلق والمراد بالتفرق أن كل طائفة تنفرد، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، وليس المراد تفرق كل فرد منهم عن الآخر، ومثله قوله فريق في الجنة وفريق في السعير، وذلك بعد تمام الحساب، فلا يجتمعون أبداً، ثم بينَّ الله سبحانه كيفية تفرقهم فقال:
30:15Page 405
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال النحاس: سمعت الزجاج يقول معنى (أما) دع ما كنا فيه وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه إن معناها مهما يكن من شيء فخذ في غير ما كنا فيه.
(فهم في روضة) الروضة كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة؛ وقيل: البستان الذي هو في غاية النضارة قال المفسرون: والمراد بها هنا الجنة، والتنكير لإبهام أمرها وتفخيم شأنها قال أبو عبيد: الروضة ما كان في سفل، فإذا كان مرتفعاً فهو ترعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في مكان مرتفع.
(يحبرون) الحبور والحبرة السرور، أي فهم في رياض الجنة ينعمون وقال ابن عباس: يحبرون يكرمون. وقال النحاس: حكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته، وقيل: يحلون، والأولى تفسير يحبرون بالسرور، كما هو المعنى العربي، ونفس دخول الجنة يستلزم الإكرام، والنعيم، وفي السرور زيادة على ذلك، وقيل: التحبير التحسين فمعنى يحبرون يحسن إليهم، وقيل: هو السماع الذي يسمعون في الجنة، وقيل: غير ذلك والوجه ما ذكرناه.
وأخرج الديلمي عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان يوم القيامة قال الله: أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم، فيميزون في كثب المسك والعنبر، ثم يقول للملائكة اسمعوهم من تسبيحي، وتحميدي، وتهليلي، قال فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط ".
وعن مجاهد قال: ينادي مناد يوم القيامة فذكر نحوه. وعن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح: في الجنة شجر على ساق، قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم، فيحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم، ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا، وعن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر.
30:16Page 406
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
(وأما الذين كفروا) بالله (وكذبوا بآياتنا) أي القرآن (ولقاء الآخرة) أي البعث، والجنة والنار (فأولئك) المتصفون بهذه الصفات (في العذاب محضرون) أي مقيمون فيه لا يغيبون عنه، ولا يخفف عنهم، كقوله (وما هم بخارجين منها) وقيل: مجموعون. وقيل نازلون. وقيل: معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد دوام عذابهم، ثم لمّا بين عاقبة طائفة المؤمنين، وطائفة الكافرين، أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر، والخير العام؛ فقال:
30:17Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
(فسبحان الله) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فإذا عملتم ذلك فسبحوا الله، أي نزهوه عما لا يليق به، وصفوه بصفات الكمال، وهذا أولى، وقيل: صلوا كما سيأتي (حين تمسون وحين تصبحون) أي في وقت الصباح والمساء، وفي العشي، وفي وقت الظهيرة، وعلى أن المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس، فقوله " حين تمسون " صلاة المغرب والعشاء، وقوله حين تصبحون صلاة الفجر.
30:18Page 406
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
(وله الحمد في السماوات والأرض) معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح، كما في قوله سبحانه: فسبح بحمد ربك وقوله: ونحن نسبح بحمدك، وقيل: معنى وله الحمد الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد والأول أولى.
(وعشياً) عطف على حين، وفيه صلاة العصر، والعشي من صلاة المغرب إلى العتمة، قاله الجوهري، وقال قوم: هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، أي الحمد له يكون في السماوات والأرض (وحين تظهرون) أي تصفون صلاة الظهر، كذا قال الضحاك، وسعيد بن جبير، وغيرهما قال الواحدي: قال المفسرون: إن معنى فسبحان الله فصلو الله، قال النحاس: أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات الخمس، قال: وسمعت محمد بن يزيد يقول: حقيقته عندي فسبحوا الله في الصلوات، لأن التسبيح يكون في الصلاة وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة، وعنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة، فسبحان الله حين تمسون المغرب والعشاء، وحين تصبحون الفجر وعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر.
وقد وردت أحاديث صحاح في فضل التسبيح، وثواب المسبح، وأخرج أحمد، وابن السني والطبراني، وغيرهم، عن معاذ بن أنس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون، وحين تصبحون، وله الحمد الآية " وفي إسناده ابن لهيعة.
وأخرج أبو داود، والطبراني، وابن السني وغيرهم عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قال حين يصبح: سبحان الله إلى قوله وكذلك تخرجون، أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " وإسناده ضعيف.
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
(يخرج الحي من الميت) كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر (ويخرج الميت من الحي) كالنطفة والبيضة من الإنسان والطير، والكافر من المؤمن، وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران قيل: ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود، وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة، إلى النوم.
(ويحي الأرض) بالنبات (بعد موتها) باليباس، وهو شبيه بإخراج الحي من الميت (وكذلك) الإخراج (تخرجون) من قبوركم قرئ على البناء للمفعول والفاعل فأسند الخروج إليهم كقوله: يخرجون من الأجداث، والمعنى أن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي وعكسه.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
(ومن آياته) الباهرة الدالة على البعث، وذكر لفظ من آياته ست مرات، تنتهي عند قوله: إذا أنتم تخرجون. ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية، إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآية بقيام السماوات والأرض لكونه من العوارض اللازمة، لأن كُلاًّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين: خلقكم وخلق لكم من أنفسكم، وذكر من الآفاق السماء والأرض وذكر من لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف اللون، وذكر من عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر ومن لوازمهما قيام السماء وقيام الأرض كذا في النهر، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء: اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق: اثنان أصول، واثنان لوازم واثنان عوارض.
(أن خلقكم) أي خلق أباكم آدم (من تراب) وخلقكم في ضمن خلقه، لأن الفرع مستمد من الأصل، ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير هذا في الأنعام.
(ثم إذا أنتم بشر) الترتيب والمهلة هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشراً بعد أطوار كثيرة و (إذا) هي الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه الله في مواضع من كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً مكسواً لحماً فاجأ البشرية والانتشار (تنتشرون) أي تنصرفون فيما هو قوام معايشكم، وتنبسطون في الأرض.
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم) أي من جنسكم في البشرية والإنسانية (أزواجاً) وقيل: المراد حواء فإنه خلقها من ضلع آدم، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال ونطف النساء (لتسكنوا) أي: تألفوا وتميلوا (إليها) أي إلى الأزواج فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه.
(وجعل بينكم مودة ورحمة) أي: وداداً وترحماً بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم من قبل ذلك معرفة فضلاً عن مودة ورحمة، وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن وابن عباس، وقال السدي: المودة المحبة، والرحمة: الشفقة وقيل: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها من أن يصيبها بسوء وقيل: المودة للشابة، والرحمة: للعجوز وقيل: المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان، أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة.
(إن في ذلك) المذكور سابقاً (لآيات) عظيمة الشأن بديعة البيان واضحة البرهان على قدرته سبحانه على البعث والنشور (لقوم يتفكرون) أن قوام الدنيا بوجود التناسل، لأنهم الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادة له، يتحصل عنه، أو لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التأنس والتجانس بين الأشياء كالزوجين وأما الغافلون عن التفكر فما هم إلا كالأنعام.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences