Al-QinnawjiAt‑Talaq · 65:1–9

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

الطلاق

At-Talaq

The Divorce · Medinan · 12 ayahs

65:1Page 558

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١

O Prophet, when you [Muslims] divorce women, divorce them for [the commencement of] their waiting period and keep count of the waiting period,1 and fear Allāh, your Lord. Do not turn them out of their [husbands'] houses, nor should they [themselves] leave [during that period] unless they are committing a clear immorality. And those are the limits [set by] Allāh. And whoever transgresses the limits of Allāh has certainly wronged himself. You know not; perhaps Allāh will bring about after that a [different] matter.2

سورة الطلاق

(إحدى أو اثنتا أو ثلاث عشرة آية)

وهي مدنية. قال القرطبي: في قول الجميع. وعن ابن عباس قال: نزلت بالمدينة.

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بلفظ الجمع تعظيماً له، أو خطاب له ولأمته، والتقدير: يا أيها النبي وأمته، فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه، أو خطاب لأمته فقط بعد ندائه عليه الصلاة والسلام، وهو من تلوين الخطاب خاطب به أمته بعد أن خاطبه، أو أنه على إضمار قول أي يا أيها النبي قل لأمتك، أو خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب، لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت اعتباراً لتقدمه وإظهاراً لترؤسه بكلام حسن قاله الزمخشري، قال السمين: وهذا هو معنى القول الثالث الذي تقدم.

وقال المحلي: المراد أمته بقرينة ما بعده، قال الحفناوي: فكأنه قيل: يا أيها الأمة إذا طلقتم إلخ. وهذا الأسلوب سلكه الكازروني، وفي نسخة من تفسير المحلي المراد وأمته بزيادة الواو، يعني أن في الكلام اكتفاء على حد قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر)، فعلى هذا لفظ النبي لا تجوز فيه، بل هو منادى مع أمته، وهذا الوجه قرره السمين كما تقدم، والمعنى إذا أردتم تطليقهن وعزمتهم عليه على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه، وإنما احتيج لهذا التجوز ليصح قوله: (فطلقوهن لعدتهن) لأن الشيء لا يترتب على نفسه، ولا يؤمر أحد بتحصيل الحاصل، والمراد بالنساء، المدخول بهن ذوات الأقراء، أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن بالكلية، وأما ذوات الأشهر فسيأتين في قوله (واللائي يئسن) الخ.

ومعنى لعدتهن مستقبلات لعدتهن، أو في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن، أو لزمان عدتهن، وهو الطهر. وقال الجرجاني: اللام بمعنى في أي في عدتهن، وقال أبو حيان: أي لاستقبال عدتهن على حذف مضاف، واللام للتوقيت نحو لقيته لليلة بقيت من شهر كذا، والمراد أن يطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع، ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن، فإذا طلقتموهن هكذا فقد طلقتموهن لعدتهن، وسيأتي بيان هذا من السنة.

" عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في قبل عدتهن " رواه عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، وقرأ ابن لقبل عدتهن، وعن مجاهد أنه قرأ كذلك وعن ابن عباس مثله، وقال في الآية: أي طاهراً من غير جماع، وعن ابن مسعود من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله فليطلقها طاهراً في غير جماع.

" وعن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها فأنزل الله هذه الآية فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة " أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه ابن جرير عن قتادة مرسلاً.

" وعن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ، ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن) في قبل عدتهن أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

" وروي عن ابن عباس أنها نزلت في قصة طلاق عبد يزيد وقد أخرجها ابن أبي حاتم أثراً طويلاً قال الذهبي: إسناده واه والخبر خطأ فإن عبد يزيد لم يدرك الإسلام وفي الباب أحاديث.

(وأحصوا العدة) أي احفظوها واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، حتى تتم العدة، وهي ثلاثة قروء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، والخطاب للأزواج لغفلة النساء، وقيل: للزوجات، وقيل: للمسلمين على العموم، والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم، ولكن الزوجات داخلات في هذا الخطاب بالإلحاق بالأزواج، لأن الزوج يحصي ليراجع وينفق أو يقطع ويسكن أو يخرج ويلحق نسبه أو يقطع. وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة، وقيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الإقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثاً. وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى.

(واتقوا الله ربكم) في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن وفي وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للأمر، ومبالغة في إيجاب الاتقاء (لا تخرجوهن من بيوتهن) أي التي كن فيها عند الطلاق ما دمن في العدة وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة ومثله قوله: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن) وقوله: (وقرن في بيوتكن) ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضاًً فقال:

(ولا يخرجن) من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري كما سيأتي بيان ذلك، قال أبو السعود: ولو بإذن من الأزواج فإن الإذن بالخروج في حكم الإخراج، وقال الخطيب: لأن في العدة حقاً لله تعالى، فلا يسقط بتراضيهما، وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس، والأول أولى، وهذا كله عند عدم العذر، أما إذا كان لعذر كشراء من ليس لها على المفارق نفقة فيجوز لها الخروج نهاراً، قاله الخطيب، وإذا خرجت من غير عذر فإنها تعصي ولا تنتقض عدتها قاله القرطبي.

(إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) بفتح الياء وكسرها سبعيتان، وهذا الاستنثاء هو من الجملة الأولى، قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، وبه قال ابن عباس، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد إلى منزلها، وقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت، وعن ابن عباس: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها لسوء خلقها، ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبيّ إلا أن يفحشن عليكم، وقيل: الاستثناء من الجملة الثانية للمبالغة في النهي عن الخروج ببيان أن خروجها فاحشة قال الشوكاني رحمه الله: هو بعهد، قال ابن عمر: خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها هي الفاحشة المبينة، وقيل: الفاحشة النشوز.

(وتلك) أي ما ذكر من الأحكام وما في اسم الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه للإيذان بعلو درجتها وبعد منزلتها (حدود الله) يعني أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزها إلى غيرها، (ومن يتعد حدود الله) أي يتجاوزها إلى غيرها أو يخل بشيء منها.

(فقد ظلم نفسه) بإيرادها موارد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة الله على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه، وقال البيضاوي: أي بأن عرضها للعقاب، وقال أبو السعود: تفسير الظلم بتعريضها للعقاب يأباه قوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه، ولا يمكن تداركه، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي، ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد، واهتمامهم بدفعه أقوى والخطاب للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي عليه الصلاة والسلام كما توهم، فالمعنى ومن يتعد حدود الله فقد أضر نفسه، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر لعل الله يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت من التعدي أمراً يقتضي خلاف ما فعلته، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالاً إليها ويتسنى تلافيه رجعة واستئناف نكاح.

قال القرطبي: قال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، والمعنى التحريض على طلاق الواحدة أو الاثنتين، والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع. فلا يجد إلى المراجعة سبيلاً، وقال مقاتل: بعد ذلك أي بعد طلقة أو طلقتين أمراً بالمراجعة، قال الواحدي: الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال الزجاج: إذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد فلا معنى لقوله: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) قالت فاطمة بنت قيس في الآية هي الرجعة.

" عن محارب بن دثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أحل الله شيئاًً أبغض إليه من الطلاق " أخرجه أبو داود مرسلاً.

" وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق ".

" وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش ".

" وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات ".

" عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق " أهـ.

أقول أما حديث ابن عمر فقد رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب موصولاً وصححه الحاكم وغيره، ورواه أبو داود أيضاًً والبيهقي مرسلاً عن محارب بن دثار وليس فيه ابن عمر، ورجح أبو حاتم والدارقطني والبيهقي إرساله. وقال الخطابي: إنه المشهور، ورواه الدارقطني عن معاذ بلفظ: ما خلق الله شيئاًً أبغض إليه من الطلاق، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده ضعيف ومنقطع أهـ، وأما حديث علي فرواه ابن عدي في كتابه الكامل في معرفة الضعفاء عنه رضي الله عنه بإسناده ضعيف. بل قيل: موضوع ورواه الخطيب عن علي أيضاًً مرفوعاً، وفي إسناده عمر بن جميع يروي الموضوعات عن الأثبات.

وأما حديث أبي موسى فقد رواه الطبراني عنه رضي الله عنه مرفوعاً، وكذا الدارقطني في الأفراد، ورواه الطبراني في الكبير أيضاًً عن عبادة بلفظ إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات، وفي سنده راو لم يسم، وبقية رجال إسناده ثبات، وأما حديث أنس فرواه ابن عساكر في تاريخه عن أنس رضي الله عنه وسنده ضعيف جداً.

" وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس به حرام عليها رائحة الجنة " أخرجه أبو داود والترمذي.

65:2Page 558

فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢

And when they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or part with them according to acceptable terms. And bring to witness two just men from among you and establish the testimony for [the acceptance of] Allāh. That is instructed to whoever should believe in Allāh and the Last Day. And whoever fears Allāh - He will make for him a way out1

(فإذا بلغن أجلهن) أي قاربن انقضاء أجل العدة وشارفن آخرها (فأمسكوهن بمعروف) أي راجعوهن بحسن معاشرة، وإنفاق مناسب، ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن بطلاق آخر، لأجل إيجاب عدة أخرى، وغير ذلك (أو فارقوهن بمعروف) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيملكن نفوسهن مع إيفائهن بما هو لهن عليكم من الحقوق، وترك المضارة لهن بالفعل والقول، فقد ضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات.

(وأشهدوا ذويْ عدل منكم) أي صاحبي عدالة، فإن العدل ضد الجور وهو يرجع إلى معنى العدالة، وهذه شهادة على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعاً للتنازع وحسماً لمادة الخصومة، والأمر للندب لئلا يقع بينهما التجاحد، كما في قوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم) وقيل: إنه للوجوب وإليه ذهب الشافعي، قال: الإشهاد واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وفي قول الشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد، وعن ابن سيرين أن رجلاً سأل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، قال: بئسما صنع طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، فيشهد على طلاقه وعلى مراجعته ويستغفر الله.

(وأقيموا الشهادة لله) هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقرباً إلى الله. وإنما حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشهود، لأنه ربما يؤدي إلى أن يترك الشاهد مهماته ولما فيه من عسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه، وكان للشاهد عوائق، وقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة أي الشهود عند الرجعة فيكون قوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) أمراً بنفس الإشهاد، (وأقيموا الشهادة) أمر بأن تكون خالصة لله لا لمشهود عليه، أوْ لَهُ، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر.

(ذلكم) أي ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة لله، أو ما ذكر من أول السورة إلى هنا (يوعظ به) أي يلين ويرقق به (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) خص المؤمن لأنه المنتفع بذلك دون غيره.

(ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) مما وقع فيه من الشدائد والمحن، والجملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، والمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط فأشهد، يجعل الله له مخرجاً مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه ويعطيه الخلاص. قال ابن مسعود: مخرجه أن يعلم أنه من قبل الله، وأن الله هو الذي يعطيه، وهو يمنعه، وهو يبتليه، وهو يعافيه، وهو يدفع عنه.

وقال ابن عباس ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة.

" وعن جابر قال: نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عنها وأخبره خبرها فقال: كلها فنزلت: (ومن يتق الله الآية) " أخرجه [[رواه الحاكم.]] الحاكم وصححه وضعفه الذهبي.

" وعن ابن عباس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو، وجزعت أمه فما تأمرني؟ قال: آمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه فنزلت هذه الآية " أخرجه [[رواه مسلم.]] ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، وفي الباب روايات تشهد لهذا، وعن عائشة في الآية قالت: يكفيه هم الدنيا وغمها.

" وعن أبي ذر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية فجعل يرددها حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم "، وفي الباب أحاديث، وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة، وقال الحسن. مخرجاً مما نهى الله عنه، قال أبو العالية مخرجاً من كل شيء ضيق على الناس، قال الشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة أي من طلق كما أمره الله يكن له مخرجاً في الرجعة في العدة، وأنه يكون كأحد الخطاب بعد العدة.

65:3Page 558

وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣

And will provide for him from where he does not expect. And whoever relies upon Allāh - then He is sufficient for him. Indeed, Allāh will accomplish His purpose. Allāh has already set for everything a [decreed] extent.

(ويرزقه) فرجاً وخلفاً (من حيث لا يحتسب) قال ابن مسعود: أي من حيث لا يدري، يعني من وجه لا يخطر بباله، ولا يكون في حسابه وقال الحسين بن الفضل: ومن يَتّق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجاً من العقوبة، ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب، أي يبارك له فيما آتاه وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجاً من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقيل غير ذلك، وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص. ويدخل في ذلك، ما فيه السياق دخولاً أولياً، فإن قيل: نرى كثيراً من الأتقياء مضيقاً عليه في الرزق، أجيب بأنه لا يخلو عن رزق، والآية لم تدل على أن المتقي يوسع له في الرزق، بل دلت على أنه يرزق من حيث لا يحتسب، وهذا أمر مطرد في الأتقياء أفاده الكرخي.

(ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي ومن وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه، قال ابن مسعود في الآية: ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً.

(إن الله بالغ أمره) فلا بد من كونه ينفذه، سواء حصل توكل أو لا قال ابن مسعود، قاضٍ أمره على من توكل وعلى من لم يتوكل، ولكن المتوكل يكفر عن سيئاته ويعظم له أجراً قرأ الجمهور بتنوين بالغ ونصب أمره وقرىء بالإضافة وهي سبعية، وقرىء بتنوين بالغ ورفع أمره، لأنه فاعل بالغ، أو على أن أمره مبتدأ مؤخر وبالغ خبر مقدم، قال الفراء في توجيه هذه القراءة: أي أمره بالغ، وقرىء بالغاً بالنصب على الحال، ويكون خبر إن قوله: (قد جعل الله لكل) الخ، والمعنى على الأولى والثانية أن الله سبحانه بالغ ما يريده من الأمر لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب، وعلى الثالثة أن الله نافذ أمره لا يرده شيء.

(قد جعل الله لكل شيء قدراً) أي تقديراً وتوقيتاً أو مقداراً لا يتعداه وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه فقد سجل سبحانه للشدة أجلاً تنتهي إليه، وللرخاء أجلاً ينتهي إليه، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه: لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل، قال السدي: هو قدر الحيض والعدة، وقال ابن مسعود: يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه.

" وعن عمر بن الخطاب قال: قال صلى الله عليه وسلم: لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وغيرهم.

وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)

65:4Page 558

وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤

And those who no longer expect menstruation among your women - if you doubt, then their period is three months, and [also for] those who have not menstruated. And for those who are pregnant, their term is until they give birth.1 And whoever fears Allāh - He will make for him of his matter ease.

(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ) وهن الكبار اللاتي قد انقطع حيضهن وأيسن منه عن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكر في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع حيضهن، وذوات الحمل، فأنزل الله هذه الآية.

(إن ارتبتم) أي شككتم وجهلتم كيف عدتهن وما قدرها، وقيل معناه إن تيقنتم، ورجح ابن جرير أنه بمعنى الشك وهو الظاهر، قال الكرخي صفة كاشفة لأن عدتهن ذلك، سواء وجد شك أم لا، قال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن تحيض مثلها، وقال مجاهد: إن ارتبتم يعني لم تعلموا عدة الآيسة والتي لم تحض.

(فعدتهن ثلاثة أشهر) وقيل: المعنى إن ارتبتم في الدم الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا؟ بل استحاضة؟ فالعدة هذه، وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس، وقد قدروه بستين سنة أو بخمس وخمسين، فعدتهن هذه، وهذا قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وقال عمر: إنها تتربص تسعة أشهر، وقال الحسن سنة فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر فإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك.

(واللائي لم يحضن) لصغرهن وعدم بلوغهن سن المحيض، أو لأنهن لا حيض لهن أصلاً وإن كن بالغات، قاله الخطيب. أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاًً، وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه، والأولى أن يقدر مفرداً أي فكذلك أو مثلهن، ولو قيل: إنه معطوف على اللائي يئسن عطف المفردات وأخبر عن الجميع بقوله: فعدتهن لكان وجهاً حسناً وأكثر ما فيه توسط الخبر بين المبتدأ وما عطف عليه، وهذا ظاهر قول الشيخ أبي حيان.

(وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) أي انتهاء عدتهن وضع الحمل وظاهر الآية أن عدة الحوامل بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفي عنهن أزواجهن، وعمومها باق فهي مخصصة لآية يتربصن بأنفسهن، أي ما لم يكن حوامل، وإنما لم يعكس لأن المحافظة على عموم هذه الآية أولى من المحافظة على عموم تلك، لأن أزواجاً في آية البقرة عمومه بدلي، لا يصلح لجميع الأفراد في حال واحد، لأنه جمع منكر في سياق الإثبات، وأما أولات الأحمال فعمومه شمولي، لأن الموصول من صيغ العموم، وأيضاًً الحكم هنا معلل بوصف الحملية بخلاف ما هناك، وأيضاًً هذه الآية متأخرة في النزول عن آية البقرة فتقديمها على تلك تخصيص، وتقديم تلك فيما لو عمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم، فهو نسخ، والتخصيص أولى منه، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة البقرة مستوفى، وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً).

" عن أبيّ بن كعب في الآية قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أهي المطلقة ثلاثاً؟ أو المتوفى عنها؟ قال هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها ".

أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبو يعلى وغيرهما.

" وروي بوجه آخر مرفوعاً عنه، وعن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً قال: تعتد آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته إن الآية التي في سورة النساء القصري نزلت بعد سورة البقرة (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) بكذا وكذا شهراً وكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها "، وروي منه نحو هذا من طرق، وبعضها في صحيح البخاري، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما.

" من حديث أم سلمة أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها صلى الله عليه وسلم " وفي الباب أحاديث.

(ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً) أي من يتقه في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة، وقال الضحاك: من يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعة

65:5Page 558

ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥

That is the command of Allāh, which He has sent down to you; and whoever fears Allāh - He will remove for him his misdeeds and make great for him his reward.

(ذلك) أي ما ذكر من الأحكام وتفاضيل العدة (أمر الله) أي حكمه الذي حكم به بين عباده وشرعه الذي شرعه لهم ومعنى: (أنزله إليكم) أنزله في كتابه على رسوله، وبينه لكم، وفصل أحكامه وأوضح حلاله وحرامه.

(ومن يتق الله) بترك ما لا يرضاه (يكفر عنه سيئاته) التي اقترفها لأن التقوى من أسباب المغفرة للذنوب (ويعظم له أجراً) أي يعطيه من الأجر في الآخر أجراً عظيماً وهو الجنة

65:6Page 559

أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦

Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3

(اسكنوهن من حيث سكنتم) هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان ما يجب للنساء المطلقات وغيرهن من المفارقات من السكنى، ومن للتبغيض أي بعض مكان سكناكم قاله الزمخشري، وقال الكسائي والرازي: من زائدة، وقال الحوفي وأبو البقاء: إنها لابتداء الغاية.

(من وجدكم) أي من سعتكم وطاقتكم، وقال ابن عباس: من سعيكم والوجد بالحركات الثلاث، والمشهور باتفاق القراء بالضم بمعنى المقدرة، قال الفراء: يقول: على من يجد فإن كان موسعاً وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيراً فعلى قدر ذلك، قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه وقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثاً هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى أن لها سكنى ولا نفقة لها، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن لها النفقة والسكنى، وذهب أحمد وإسحق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق وقد قرره الشوكاني في شرحه للمنتقي بما لا يحتاج الناظر فيها إلى غيره، وأوضحناه في الروضة الندية شرح الدرر البهية.

(ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) نهى سبحانه عن مضارتهن بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة، وقال مجاهد: في المسكن، وبه قال ابن عباس، وقال مقاتل: في النفقة، وقال أبو الضحى: هو أن يطلقها فإذا بقى يومان من عدتها راجعها ثم طلقها (وإن كن)؟ أي المطلقات الرجعيات أو البائنات دون الحوامل المتوفى عنهن.

(أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) أي إلى غاية هي وضعهن للحمل ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة، فأما الحامل المتوفى عنها زوجها فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع، وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة المطهرة، قال ابن عباس في الآية: فهذه في المرأة يطلقها زوجها وهي حامل فأمره الله أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت حتى تفطم فإن أبان طلاقها وليس لها حمل فلها السكنى حتى تنقضي عدتها ولا نفقة لها.

(فإن أرضعن لكم) أولادكم بعد ذلك (فآتوهن أجورهن) أي أجور إرضاعهن، والمعنى أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج المطلقين لهن منهن، فلهن أجورهن على ذلك.

(وائتمروا بينكم بمعروف) هو خطاب للأزواج والزوجات، يعني تشاوروا بينكم بما هو معروف غير منكر، وليقبل بعضكم من بعض من المعروف والجميل، قال الكسائي: ائتمروا تشاوروا، وتلا قوله تعالى: (إن الملأ يأتمرون بك) وأصل معناه ليأمر بعضكم بعضاً بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم، قال مقاتل: المعنى ليتراض الأب والأم على أجر مسمى، قيل: والمعروف الجميل من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها أن لا تطلب ما يتعاسره الزوج من الأجر.

(وإن تعاسرتم) في حق الولد وأجر الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر (فسترضع له أخرى) أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم ما تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر، وقال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر، وهو خبر بمعنى الأمر، والظاهر أنه على بابه، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة، لأن المبذول من جهتها اللبن، وهو غير متمول، ولا يضن به لا سيما على الولد بخلاف ما يبذل من الأب فإنه مال يضن به عادة.

65:7Page 559

لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧

Let a man of wealth spend from his wealth, and he whose provision is restricted - let him spend from what Allāh has given him. Allāh does not charge a soul except [according to] what He has given it. Allāh will bring about, after hardship, ease [i.e., relief].

(لينفق ذو سعة من سعته) فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم (ومن قدر عليه رزقه) أي كان رزقه بمقدار القوت أو مضيق ليس بموسع (فلينفق مما آتاه الله) أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك، وفي الخطيب يقدر القاضي النفقة بحسب حال المنفق والحاجة من المنفق عليه بالإجتهاد على مجرى العادة، قال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، ولكن نفقة الزوجة مقدرة عند الشافعي محدودة، فلا اجتهاد للحاكم ولا للمفتي فيها، وتقديرها هو بحسب حال الزوج وحده من عسره ويسره، ولا اعتبار بحالها، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارث، فيلزم الزوج الموسر مدان والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد لظاهر قوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته) فجعل الاعتبار بالزوج في العسر واليسر، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها، وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعاً للخصومة انتهى.

والتقدير المذكور مسلم في نفقة الزوجة ونفقة المطلقة، إذا كانت رجعية مطلقاً أو بائناً حاملاً، بخلاف المرضعة، قاله سليمان الجمل. عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار وقال للرسول: انظر ماذا يصنع بها إذا أخذها، فما لبث أن لبس ألين الثياب وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره فقال: رحمه الله تأول هذا الآية (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله).

(لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها) أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه، وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق (سيجعل الله بعد عسر يسراً) أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى، وهذا وعد لذي العسر باليسر، وقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين عند نزول الآية، ففتح عليهم جزيرة العرب، ثم فارس والروم، حتى صاروا أغنى الناس، وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة أتم لأن إيمانهم أقوى من غيرهم ولما ذكر سبحانه ما تقدم من الأحكام حذر من مخالفتها وذكر عتو قوم خالفوا أوامره فحل بهم عذابه فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)

65:8Page 559

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨

And how many a city was insolent toward the command of its Lord and His messengers, so We took it to severe account and punished it with a terrible punishment.

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ) يعني وكم من أهل قرية عصوا أمر الله ورسله وأعرضوا عن أمرهما على تضمين عتت معنى أعرضت أو خرجت، وقد قدمنا الكلام في كأين في آل عمران وغيرهما (فحاسبناها حساباً شديداً) أي شددنا على أهلها في الحساب بما عملوا بالمناقشة والاستقصاء، قال مقاتل: حاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو معنى قوله: (وعذبناها عذاباً نكراً) أي عذبنا أهلها عذاباً عظيماً منكراً في الآخرة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي عذبنا أهلها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ، وحاسبناهم في الآخرة حساباً شديداً. قال ابن عباس: يقول لم ترحم، والنكر المنكر قرىء نكراً بسكون الكاف وضمها وهما سبعيتان.

65:9Page 559

فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩

And it tasted the bad consequence of its affair [i.e., rebellion], and the outcome of its affair was loss.

(فذاقت وبال أمرها) أي عاقبة كفرها (وكان عاقبة أمرها خسراً) أي هلاكاً في الدنيا وعذاباً في الآخرة، وجيء به على لفظ الماضي، لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة وما هو كائن فكأن قد كان

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском