Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الجن
Al-Jinn
The Jinn · Meccan · 28 ayahs
72:1Page 572
قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed to me that a group of the jinn listened and said, 'Indeed, we have heard an amazing Qur’ān [i.e., recitation].
سورة الجن
ثمان وعشرون آية وهي مكية قال القرطبي في قول الجميع، عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله وتسمى سورة قل أوحي.
بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)
(قل) يا محمد للناس (أوحي إليّ) ليعرفوا بذلك وأنك مبعوث إلى الجن كالإنس، ولتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا قرأ الجمهور أوحي رباعياً وقرىء وحي ثلاثياً وهما لغتان، والمعنى أخبرت بالوحي من الله.
(أنه استمع نفر من الجن) واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يرهم، فظاهر القرآن أنه لم يرهم لأن المعنى قل يا محمد لأمتك أوحي إليّ على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن).
ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح قال " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم "، وروى ابن مسعود أنه رآهم، ورجحه العلماء والحق صحتهما وإن الأول وقع أولا ثم نزلت السورة، ثم أمر بالخروج إليهم، قال عكرمة والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي (اقرأ باسم ربك الذين خلق) وقد تقدم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا.
والنفر اسم للجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، قال البغوي كانوا تسعة وقيل سبعة وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت وجود الجن فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف به جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف.
وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد اعترفوا بوجودهم، لكن اختلفوا في ماهيتهم وقد نطق الكتاب العزيز والسنة المطهرة بوجودهم فلا اعتداد بمنكريهم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، قال الضحاك: والجن ولد الجان وليسوا بشياطين، وقال الحسن: إنهم ولد إبليس وقيل هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية، وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها.
وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما تدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار والأول أولى لقوله في سورة الرحمن.
(لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلاً منهم بل الرسل جميعاً من الإنس، وإن أشعر قوله (قد أرسلنا إليكم رسلاً منكم) بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة، قال ابن مسعود في الآية: كانوا من جن نصيبين.
وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس " قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم، فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا (إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً) فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن) وإنما أوحي إليه قول الحق.
(فقالوا) لقومهم لما رجعوا إليهم (إنا سمعنا قرآناً) أي كلاما مقروءاً (عجباً) في فصاحته وبلاغته وغزارة معانيه وغير ذلك، وقيل عجباً في مواعظه، وقيل في بركته، وعجباً مصدر وصف به للمبالغة أو على حذف المضاف أي ذا عجب أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي معجباً.
72:2Page 572
يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢
It guides to the right course, and we have believed in it. And we will never associate with our Lord anyone.
(يهدي إلى الرشد) أي إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب والإيمان، وقيل إلى معرفة الله والتوحيد، والجملة صفة أخرى للقرآن (فآمنا به) أي صدقنا بأنه من عند الله (ولن نشرك) بعد اليوم (بربنا أحداً) من خلقه ولا نتخذ معه إلهاً آخر لأنه المتفرد بالربوبية، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهوداً وقيل كانوا نصارى وقيل مجوساً ومشركين.
وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع القرآن مرة واحدة وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مراراً متعددة، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة، مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم، لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون.
وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)
72:3Page 572
وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣
And [it teaches] that exalted is the nobleness of our Lord; He has not taken a wife or a son
(وأنه تعالى جد ربنا) قرىء بفتح أن وكذا فيما بعدها وذلك أحد عشر موضعاً إلى قوله (وأنه لما قام عبد الله) وقرىء بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على محل الجار والمجرور في (فآمنا به) كأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ.
وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على (إنا سمعنا) أي (فقالوا إنا سمعنا قرآنا) وقالوا (إنه تعالى جد ربنا) الخ: واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن. ومما هو محكي عنهم بقوله (فقالوا إنا سمعنا).
وقرىء بالفتح في ثلاثة مواضع وهي (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)،
72:4Page 572
وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤
And that our foolish one [i.e., Iblees]1 has been saying about Allāh an excessive transgression.
(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا)، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ) لأنه من الوحي وكسر ما بقي لأنه من كلام الجن، وقرأ الجمهور (وأنه لما قام عبد الله) بالفتح لأنه معطوف على قوله أنه استمع. وقرىء بالكسر في هذا الموضع عطفاً على (فآمنا به) بذلك التقدير السابق.
واتفقوا على الفتح في (أنه استمع) كما اتفقوا على الفتح في (أن المساجد) وفي (وأن لو استقاموا) واتفقوا على الكسر في (فقالوا إنا سمعنا) وقال إنما أدعو ربي وقل إن أدري وقل إني لا أملك لكم.
والجد عن أهل اللغة العظمة والجلال، يقال جد في عيني أي أعظم، فالمعنى ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة ومجاهد وقال الحسن: المراد تعالى غناؤه ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود أي محظوظ، وفي الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " قال أبو عبيد والخليل أنه لا ينفع ذا الغنى منك الغنى، أي وإنما ينفعه الطاعة، وقال القرطبي والضحاك: جده آلاؤه وعظمته وأمره وقدرته، وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه وقال السدي: أمره وقال سعيد بن جبير.
(وأنه تعالى جد ربنا) أي تعالى ربنا وقيل جده قدرته، وقال محمد بن علي بن الحسن وابنه جعفر الصادق والربيع بن أنس: ليس لله جد، وإنما قالته الجن للجهالة، والجد أيضاًً أبو الأب قرأ الجمهور جد بفتح الجيم وقرىء بكسرها وهو ضد الهزل. وقرىء جدي ربنا أي جدواه ومنفعته وقرىء بتنوين جد ورفع ربنا على أنه بدل من جد.
(ما اتخذ صاحبة ولا ولداً) هذا بيان لتعالى جده سبحانه قال الزجاج: تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به، والله تعالى منزه عن كل نقص، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزهوا الله سبحانه عنهما.
(وأنه كان يقول سفيهنا) أي جاهلنا (على الله شططاً) أي غلواً في الكذب بوصفه بالصاحبة والولد، والضمير في " أنه " للحديث أو الأمر وسفيهنا يجوز أن يكون اسم كان ويقول الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر كان واسمها ضمير يرجع إلى الحديث أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم.
وقال مجاهد وابن جريج وقتادة: أرادوا به إبليس، عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً " قال إبليس "، أخرجه ابن مردويه والديلمي قال السيوطي بسند واه، والشطط الغلو في الغمر، وقال أبو مالك الجور وقال الكلبي الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد.
72:5Page 572
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥
And we had thought that mankind and the jinn would never speak about Allāh a lie.
(وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً) أي إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكاً وصاحبة وولداً، فلذلك صدقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن فعلمنا بطلان قولهم، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وانتصاب كذباً على أنه مصدر مؤكد ليقول، لأن الكذب نوع من القول أو صفة لمصدر محذوف أي قولاً كذباً، وقرىء أن لن تقول من التقول فعلى هذا كذباً مفعول به.
72:6Page 572
وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦
And there were men from mankind who sought refuge in men from the jinn, so they [only] increased them in burden [i.e., sin].
(وأنه كان رجال) في الجاهلية (من الإنس يعوذون) أي يستعيذون (برجال من الجن) حين ينزلون في سفرهم بمخوف، قال الحسن وابن زيد وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية، قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم.
وعن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري " قال خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى مناد يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة (وأنه كان رجال) الآية وذكر ابن الجوزي في تفسيره بغير سند. [[ذكر هذا الحديث ابن كثير في التفسير من رواية ابن أبي حاتم، وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 7/ 129 وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " في ترجمة " كردم بن أبي السائب " بعد ما ساق حديثه هذا من رواية العقيلي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب: وأخرجه ابن مردويه في " التفسير " من هذا الوجه، وأخرج له شاهداً من حديث معاوية بن قرة عن أبيه. وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 271 وزاد نسبته لابن المنذر، وأبي الشيخ في " العظمة " وبأن عساكر عن كدرم بن أبي السائب الأنصاري رضي الله عنه. قال ابن كثير: وروي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي نحوه، ثم قال: وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة، كان جنياً حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردَّه عليه لما استجار به ليضله ويخرجه عن دينه، والله أعلم. اهـ.]] (فزادوهم) أي زاد رجال الجن من يعوذ بهم من رجال الإنس، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجن (رهقاً) لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون سدنا الجن والإنس، وبالأول قال مجاهد وقتادة وبالثاني قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد.
والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله (ترهقهم ذلة) أي تغشاهم وقيل الرهق الخوف أي أن الجن زادت الإنس بهذا التعوذ بهم خوفاً منهم، وقيل كان الرجل من الإنس يقول أعوذ بفلان من سادات العرب من جن هذا الوادي.
ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجن فيكون قوله برجال وصفاً لمن يستعيذون به من رجال الإنس أي يعوذون بهم من شر الجن، وهذا فيه بعد، وإطلاق لفظ رجال على الجن على تسليم عدم صحته لغة لا مانع من إطلاقه عليهم هنا من باب المشاكلة، قال ابن عباس: كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فلا يكون شيء أشد ولعاً منهم بهم، فذلك قوله: (فزادهم رهقاً).
72:7Page 572
وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧
And they had thought, as you thought, that Allāh would never send anyone [as a messenger].
(وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً) أي وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الناس أنه لا بعث بعد الموت، فتكون هذه الآية وما قبلها من جملة الكلام الموحى به، وقيل المعنى: وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن. على أنه كلام بعض الجن لبعض، والمعنى أنهم لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون به. وهذان القولان من كلام الله تعالى معترضان في خلال كلام الجن المحكي عنهم عند بعض المفسرين. وعند بعضهم هما من جملة كلام الجن، وعليه فلا اعتراضم، في الكلام، تأمل.
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)
72:8Page 572
وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨
And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.
(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) هذا من قول الجن أيضاًً أي طلبنا خبرها كما جرت به عادتنا، واللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف (فوجدناها ملئت حرساً شديداً) أي جمعاً أقوياء من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع، والحرس جمع حارس وهو الرقيب، والمصدر الحراسة، وقيل إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام، ولذا وصف بشديد، ولو نظر إلى معناه لقيل شداداً، وشهباً جمع شهاب وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب. كما تقدم بيانه في تفسير قوله: (وجعلناها رجوماً للشياطين).
72:9Page 572
وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩
And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.
(وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) أي وإنا كنا معشر الجن قبل هذا نقعد من السماء مواضع نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء؛ وللسمع متعلق بنقعد أي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة للسمع، والمقاعد جمع مقعد إسم مكان وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهب المحرقة.
عن ابن عباس قال: " كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً فأما الكلمة فتكون حقاً. وأما ما زادوا فيكون باطلاً فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه فقال هذا الحدث الذي حدث في الأرض " أخرجه أحمد والترمذي وصححه النسائي وغيرهم.
(فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً) أي أرصد له ليرمي به أو لأجله لمنعه من الاستماع، وقوله (الآن) هو ظرف للحال واستعير هنا للاستقبال لأنهم لا يريدون به وقت قولهم فقط، وانتصاب رصداً على أنه صفة لشهاباً أو مفعول له وهو مفرد، ويجوز أن يكون اسم جمع كالحرس.
وقد اختلف أهل العلم هل كانت الشياطين ترمى بالشهب وتقذف قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم لم يكن ذلك وحكى الواحدي عن معمر قال قلت للزهري؟ أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال نعم قلت أفرأيت قوله (وأنا كنا نقعد منها) الآية؟ قال غلظ وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقوق السمع في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلاً.
وقال عبد الملك بن سابور: ولم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام: فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو إلى السماء، وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله رميت بالشهب، قال الزمخشري: والصحيح أنه كان قبل البعث، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع الاستراق أصلاً؛ وقد تقدم البحث عن هذا.
72:10Page 572
وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠
And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.
(وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) بسبب هذه الحراسة للسماء. وارتفاع الشر على الاشتغال أو على الابتداء وخبره ما بعده. والأول أولى لتقدم طالب الفعل على الاشتغال أو على الابتداء وخبره ما بعده. والأول (أم أراد بهم ربهم رشداً) أي خيراً: قال ابن زيد قال إبليس لا ندري أأراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذاباً أو يرسل إليهم رسولاً؟ والجملة سادة مسد مفعولي ندري، والأولى أن هذا من قول الجن فيما بينهم، وليس من قول إبليس كما قال ابن زيد.
72:11Page 572
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١
And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1
(وأنا منا الصالحون) أي قال بعض لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون بالصلاح (ومنا دون ذلك) أي قوم دون الموصوفين بالصلاح، وقيل أراد بأهل الصلاح المؤمنين وبمن هم دون ذلك الكافرين، والأول أولى، وقال ابن عباس يقول منا المسلم ومنا المشرك.
(كنا طرائق قدداً) أي جماعات متفرقة وفرقاً شتى، وأصنافاً مختلفة وذوي مذاهب متفاوتة، والقدة القطعة من الشيء وصار القوم قدداً إذا تفرقت أحوالهم، واستعمال القدد في الفرق مجاز، والمعنى كنا ذوي طرائق قدداً أو كانت طرائقنا طرقاً قدداً أو كنا مثل طرائق قدداً أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة: وقال السدي والضحاك: أدياناً مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة، وقال ابن عباس: أهواء شتى. وقال سعيد بن المسيب: كانوا مسلمين ويهوداً ونصارى ومجوساً، وكذا قال مجاهد: قال الحسن: الجن أمثالكم قدرية ومرجئة وخوارج ورافضة وشيعة وسنية وكذا قال السدي.
72:12Page 572
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢
And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.
(وأنا ظننا) الظن هنا بمعنى العلم واليقين أي وأنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله (أن لن نعجز الله في الأرض) أينما كنا فيها ولن نفوته بهرب ولا غيره إن أراد بنا أمراً (ولن نعجزه هرباً) مصدر في موضع الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وهذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم.
72:13Page 572
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣
And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1
(وأنا لما سمعنا الهدى) يعنون القرآن (آمنا به) وصدقنا أنه من عند الله ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً) أي لا يخاف نقصاً في عمله وثوابه ولا ظلماً ومكروهاً يغشاه، والبخس النقصان، والرهق العدوان والطغيان، والمعنى لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته، وقد تقدم تحقيق الرهق قريباً، قرأ الجمهور بخساً بسكون الخاء، وقرىء بفتحها وقرىء فلا يخف جزماً على جواب الشرط، ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء والتقدير فهو لا يخاف، والأمر ظاهر، وفي الآية دليل على أن العمل ليس من الإيمان، قاله النسفي.
72:14Page 573
وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤
And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.
(وأنا منا المسلمون) وهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم (ومنا القاسطون) أي الجائرون الكافرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق. ومالوا إلى طريق الباطل، يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل [[ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في " صحيحه " عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور ".]] قال ابن عباس القاسطون العادلون عن الحق. وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله ما تقول فيَّ قال قاسط عادل فقال القوم ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج يا جهلة إنه سماني ظالماً مشركاً، وتلا لهم قوله تعالى
72:15Page 573
وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥
But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) وقوله (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ذكره الخطيب.
(فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً) أي قصدوا طريق الحق وتوخوه باجتهاد، ومنه التحري في الشيء، قال الراغب: حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحراه كذلك. وقال الفراء: أموا الهدى قال النسفي: تحرى طلب الأحرى. أي الأولى وفيه دليل على أن الجن يثاب بالجنة.
وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22)
(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا) في علم الله (لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أي وقوداً للنار يوقد بهم كما يوقد بكفرة الإنس، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار، وأنهم وإن خلقوا منها لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فصاروا لحماً ودماً هكذا قيل، وأيضاًً النار قويها قد يأكل ضعيفها فيكون الضعيف حطباً للقوي.
72:16Page 573
وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦
And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]
(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) قرأ الجمهور بكسر الواو من " لو " لالتقاء الساكنين وقرىء بضمها تشبيهاً بواو الضمير، وهذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على أنه استمع نفر من الجن، والمعنى وأوحي إلى أن الشأن لو استقام الجن والإنس، أو كلاهما على الطريقة وهي طريقة الإسلام.
وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح " أن " ههنا. قال ابن الأنباري والفتح ههنا على إضمار يمين تأويلها، والله أن لو استقاموا على الطريقة كما يقال في الكلام: ولله لو قمت قمت، قال أو على (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ) (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا) وعلى (آمَنَّا بِهِ) أي آمنا به وبأن لو استقاموا، وعلى هذا يكون جميع ما تقدم معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، قال ابن عباس: لو أقاموا على ما أمروا به.
(لأسقيناهم ماء غدقاً) وليس المراد خصوص السقيا بل المراد لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق، وقال ابن عباس: معيناً، وقال مقاتل: ماء كثيراً من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين، وقال ابن قتيبة: المعنى لو آمنوا جميعاً لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلاً لأن الخير والرزق كله بالمطر، وهذا كقوله:
(ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا) الآية وقوله (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقوله (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) الآية.
وقيل المعنى وأن لو استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم يكفر. وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا الزجاج، والماء الغدق هو الكثير في لغة العرب، قرأ العامة غدقاً بفتحتين وقرىء بفتح الغين وكسر الدال، وهما لغتان في الماء الغزير، ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو، والكثير النطق ويقال غدقت عينه تغدق أي هطل دمعها، وفي المصباح غدقت العين غدقاً من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وأغدقت إغداقاً كذلك.
72:17Page 573
لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧
So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.
(لنفتنهم فيه) أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم علم ظهور للخلائق وإلا فهو تعالى لا يخفى عليه شيء، وقال الكلبي المعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفاراً لأوسعنا أرزاقهم مكراً بهم واستدراجاً حتى يفتنوا بها فنعذبهم في الدنيا والآخرة، وبه قال الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والثمالي ويمان بن ريان وابن كيسان وأبو مجلز، واستدلوا بقوله:
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) وقوله (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ) الآية والأول أولى، وقال عمر: في الآية حيثما كان الماء كان المال وحيثما كان المال كانت الفتنة، وقال ابن عباس: لنبتليهم به.
(ومن يعرض عن ذكر ربه) أي ومن يعرض عن القرآن أو عن العبادة أو عن الموعظة أو عن التوحيد أو عن جميع ذلك (يسلكه) أي يدخله (عذاباً صعداً) أي شاقاً، قرأ الجمهور نسلكه بالنون مفتوحة من سلكه، وقرىء بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله (عن ذكر ربه) ولم يقل عن ذكرنا، وقرىء بضم النون وكسر اللام من أسلكه، والصعد في اللغة المشقة تقول تصعد بي الأمر إذا شق عليك، وهو مصدر صعد يقال صعد صعداً وصعوداً فوصف به العذاب مبالغة لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغمره ويغلبه فلا يطيقه.
قال أبو عبيدة: الصعد مصدر أي عذاباً ذا صعد، وقال عكرمة: الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله (سأرهقه صعوداً) والصعود العقبة الكؤود، وقال ابن عباس: عذاباً صعداً شقة من العذاب يصعد فيها، وعنه قال جبلاً في جهنم، وعنه قال لا راحة فيه.
72:18Page 573
وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨
And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.
(وأن المساجد لله) أي وأوحي إليَّ أن المساجد مختصة بالله، وقال الخليل التقدير ولأن المساجد، والمساجد المواضع التي بنيت للصلاة فيها، جمع مسجد بكسر الجيم وهو موضع السجود، قال سعيد بن جبير: قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون فنزلت، وقال الحسن أراد بها كل البقاع لأن الأرض جعلت كلها مسجداً للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد [[ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة (وأشار بيده إلى أنفه)، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ".]]، وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة والأنف، وهو على هذا جمع مسجد بالفتح يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء وقيل المساجد هي الصلاة لأن السجود من جملة أركانها قاله الحسن، قال ابن عباس: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا ببيت المقدس، وقيل المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة، والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء الله تعالى وهو مروي عن ابن ابن عباس، وإضافة المساجد إلى الله إضافة تشريف وتكريم وقد تنسب إلى غيره تعريفاً، قال صلى الله عليه وسلم " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " [[صحيح الجامع/2733.]] ذكره القرطبي.
(فلا تدعوا) أي فلا تعبدوا (مع الله أحداً) من خلقه كائناً من كان، هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام، قال مجاهد كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها، يقول فلا تشركوا فيها صنماً أو غيره مما يعبد، وقيل المعنى أفردوا المساجد بذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها نصيباً، وفي الصحيح " من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences