Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
نوح
Nuh
Noah · Meccan · 28 ayahs
71:1Page 570
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١
Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."
سورة نوح
(هي تسع أو ثمان وعشرون آية وهي مكية عن الزبير قال نزلت بمكة) بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)
(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين أهل عصره، ولذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعاً، وقد تقدم أن نوحاً أول رسول أرسله الله بالنهي عن عبادة غير الله، لأن عبادة غيره إنما حدثث في زمن نوح، وإلا فمن المعلوم إن قبله رسلاً آدم وشيث وإدريس.
وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن اخنوخ بن قينان بن شيث بن آدم، وكان أطول الأنبياء عمراً بل أطول الناس وهو أول من شرعت له الشرائع، وأول رسول أنذر من الشرك وقد تقدم مدة لبثة في قومه وبيان جميع عمره وبيان السن التي أرسل هو فيها في سورة العنكبوت، قيل النوح معناه بالسريانية الساكن.
(أن أنذر قومك) أي بأن أنذر على أنها مصدرية أو هي المفسرة لأن في الإرسال معنى القول، وقرأ ابن مسعود أنذر بدون أن أي فقلنا له أنذر (من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) أي شديد الألم وهو عذاب النار على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة، وقال الكلبي هو ما نزل بهم من الطوفان.
71:2Page 570
قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢
He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -
(قال يا قوم) أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً على تقدير سؤال (إني لكم نذير) من عقاب الله ومخوف لكم (مبين) أي بين الإنذار، أو مبين لما فيه نجاتكم بلغة تعرفونها أو أمري بين في نفسه بحيث صار في شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي.
71:3Page 570
أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣
To worship Allāh, fear Him and obey me.
(أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) " أن " هي التفسيرية لنذير أو هي المصدرية كأختها السابقة أي بأن اعبدوا الله ولا تشركوا به غيره، واجتنبوا ما يوقعكم في عذابه، وأطيعوني فيما آمركم به فإني رسول إليكم من عند الله، وإنما أضاف الإِطاعة إلى نفسه لأن الطاعة قد تكون لغير الله بخلاف العبادة.
71:4Page 570
يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤
He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."
(يغفر لكم من ذنوبكم) هذا جواب الأوامر الثلاثة، " ومن " للتبعيض أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته، وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد، فإنها لا تغفر بالإسلام، وهذا كلام ظاهري إذ الحق أنها تغفر من حيث المؤاخذة الأخروية بمعنى أنهم لا يعاقبون عليها في الآخرة، وإن كانت من حيث المؤاخذة عليها في الدنيا لا تغفر، فيطالب الكافر إذا أسلم بالحدود كحد القذف وبالمال الذي ظلم به في الكفر تأمل.
وقيل هي لبيان الجنس، وقيل زائدة قاله السدي فإن الإسلام يغفر ما قبله، وهذا على رأي الأخفش الذي لا يشترط في زيادتها تقدم نفي ولا تنكير المجرور بها، والأولى هو الوجه الأول وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها.
(ويؤخركم إلى أجل مسمى) أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى المعلوم المعين الذي قدره الله لكم لا يزيد ولا ينقص بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم إن آمنوا، وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا، قال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم، وقال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب، فالمؤخر إنما هو العذاب فلا يخالف هذا قوله (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) لأن المنفي تأخيره فيه هو الأجل نفسه، فلا تخالف بين هذين المحلين، وقال الفراء: المعنى لا يميتكم غرقاً ولا حرقاً ولا قتلاً.
(إن أجل الله) أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب (إذا جاء) وأنتم باقون على الكفر (لا يؤخر) بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة، وقيل المعنى إن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان.
وقيل المعنى إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب، وإضافة الأجل إليه سبحانه لأنه هو الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله (إذا جاء أجلهم) لأنه مضروب لهم (لو كنتم تعلمون) شيئاًً من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ولعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر.
هذا: وقد سئل الشوكاني رحمه الله تعالى عما ورد في الآيات الكريمات الدالة على أن العمر لا يزيد ولا ينقص، والأحاديث الدالة على أن صلة الرحم تزيد في العمر، فأجاب بما لفظه:
قد طال الكلام في هذا البحث، وقد وقفت قبل الآن بنحو ثمان سنين على مؤلف بسيط لبعض الحنابلة في خصوص هذه المسألة، وقد غاب عني اسم الكتاب واسم صاحبه، والأحاديث القاضية بأن صلة الرحم تزيد في العمر أحاديث صحيحة كثيرة منها ما أخرجه البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " [[الحاكم/4/ 160.]].
وعند الترمذي " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر "، والأثر الأجل وإنساؤه تأخيره.
وأخرج أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ورمز السيوطي في الجامع لصحته من حديث عائشة مرفوعاً [صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار] [[صحيح الجامع/3661.]].
وأخرج القضاعي من حديث ابن مسعود مرفوعاً " صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفىء غضب الرب " [[صحيح الجامع/3660.]].
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عمرو بن سهيل مرفوعاً " صلة الرحم مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل " [[صحيح الجامع/3662.]].
إذا تقرر هذا فالعمر محدود ومعلوم لا يتقدم ولا يتأخر إلا إذا وصل الرجل رحمه مد الله في عمره وزاده، وهكذا حكم سائر الأمور التي وردت الأدلة بأنها تزيد في العمر أو تنقص منه لأنها خاصة، والخاص مقدم على العام، والمقام يحتمل البسط، وفي هذا كفاية والله أعلم.
71:5Page 570
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥
He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.
(قال رب) أي قال نوح مناجياً لربه وحاكياً له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه (إني دعوت قومي) إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان (ليلاً ونهاراً) أي دعاء دائماً دائباً بلا فتور في الليل والنهار من غير تقصير.
71:6Page 570
فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦
But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].
(فلم يزدهم دعائي) شيئاًً من أحوالهم التي كانوا عليها (إلا فراراً) إعراضاً عما دعوتهم إليه، وبعداً عنه، قال مقاتل يعني تباعداً من الإيمان (كأنهم حمر مستنفرة) وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه سببها كما في قوله (زادتهم إيماناً) قرأ الجمهور دعائي بفتح الياء، وقرىء بإسكانها والاستثناء مفرغ.
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)
71:7Page 570
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧
And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.
(وإني كلما) دعوتهم إلى سبب المغفرة وهو الإيمان بك والطاعة لك (لتغفر لهم) أي لأجل مغفرتك لهم، أو اللام للتعدية ويكون قد عبر عن السبب بالمسبب، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سبب في الغفران، فأطلق الغفران وأريد به التوبة (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا يسمعوا صوتي، وقال ابن عباس لئلا يسمعوا ما يقول.
(واستغشوا ثيابهم) أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني، وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الأذان، وقيل هو كناية عن العدواة، يقال لبس فلان ثياب العدواة، وقيل استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم، وقال ابن عباس: ليتنكروا فلا يعرفهم، وعنه قال: غطوا وجوههم لئلا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه، وقد أفادت هذه الآية بالتصريح أنهم عصوا نوحاً وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهراً بتعطيل الأسماع والأبصار، وباطناً بالإصرار والاستكبار كما قال تعالى (وأصروا) أي استمروا على الكفر ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه (واستكبروا) عن قبول الحق وعن امتثال ما أمرهم به (استكباراً) شديداً وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم قال ابن عباس: تركوا التوبة.
(ثم إني دعوتهم جهاراً) أي مظهراً لهم الدعوة مجاهراً لهم بها، وانتصاب (جهاراً) على المصدرية لأن الدعاء يكون جهاراً ويكون غير جهار، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم قعد القرفصاء، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف أي دعاء جهاراً، وأن يكون مصدراً في موضع الحال أي مجاهراً أو ذا جهار، أو جعل نفس المصدر مبالغة، ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من السر، والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما، قرأ الجمهور (إني) بسكون الياء وقرىء بفتحها.
71:9Page 570
ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩
Then I announced to them and [also] confided to them secretly
(ثم إني أعلنت لهم) أي دعوتهم معلناً لهم بالدعاء (وأسررت لهم) الدعوة (إسراراً) كثيراً قيل المعنى أنه يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سراً فيما بينه وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجح ذلك فيهم، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يبتدىء بالأهون ثم بالأشد فالأشد، قال مجاهد معنى أعلنت صحت، وقيل معنى أسررت أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها.
71:10Page 570
فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠
And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.
(فقلت استغفروا ربكم)، أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة أعيانها وآثارها بإخلاص النية (إنه كان غفاراً) أي كثير المغفرة للمذنبين، وقيل لمعنى توبوا عن الكفر إنه كان غفاراً للتائبين.
71:11Page 571
يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١
He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers
(يرسل السماء عليكم مدراراً) أي يرسل ماء السماء عليكم، ففيه إضمار وقيل المراد بالسماء المطر، والمدرار الدرور، وهو التحلب بالمطر، وانتصابه إما على الحال من السماء ولم يؤنث لأن مفعالا لا يؤنث بل يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول امرأة مئناث ومذكار أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي إرسالاً مدراراً، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام، وجزم يرسل لكونه جواب الأمر، وفي هذه الآية دليل " على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر، وحصول أنواع الأرزاق ومن لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً " [[قال ابن كثير: أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم الضرع، وأمدّكم
-[335]-
بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخلّلها بالأنهار الجارية بينها. ثم قال: هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً)؟.]].
ولهذا قال:
71:12Page 571
وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢
And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.
(ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات) أي بساتين الدنيا ليكون مما وعدوا به عاجلاً (ويجعل لكم أنهاراً) جارية، قال عطاء المعنى يكثر أموالكم وأولادكم وكانوا يحبونهما فحركوا بهذا على الإيمان وأعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا، وأعاد فعل الجعل ولم يقل وأنهاراً لتغايرهما فإن الأول مما لفعلهم فيه مدخل بخلاف الثاني.
وعن الحسن: أن رجلاً شكا إليه الجدب فقال استغفر الله وشكا إليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع ابن صبيح: أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألونك أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا هذه الآية ولله دره ما أفقهه، قال القشيري من وقعت له حاجة إلى الله لم يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار، وقال الشهاب وليس المراد بالاستغفار مجرد قول استغفر الله بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب.
71:13Page 571
مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣
What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur
(ما لكم لا ترجون لله وقاراً) أي أيّ عذر لكم في ترك الرجاء، والرجاء هنا الخوف أي ما لكم لا تخافون الله والوقار العظمة من التوقير، وهو التعظيم، والمعنى لا تخافون حق عظمته فتوحدونه وتطيعونه، وقيل المعنى ما لكم لا تؤملون من الله توقيراً لكم بأن تؤمنوا به فتصيروا موقرين عنده، وهذا المعنى هو ما سلكه البيضاوي أولاً، وقال أبو السعود: إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقاراً على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد انتهى.
وهذا حث على رجاء الوقار لله، والمراد الحث على الإيمان والطاعة الموجبين لرجاء ثواب الله، فهو من الكناية التلويحية لأن من أراد رجاء تعظيم الله، وتوقيره إياه آمن به وعبده وعمل صالحاً ومن عمل الصالحات رجا ثواب الله وتعظيمه إياه في دار الثواب، فإن الحث على تحصيل الرجاء مسبوق بالحث على تحصيل الإيمان. فهو من باب مقدمة الواجب.
قال الكرخي: أي أنكم إذا وقرتم نوحاً وتركتم استخفافه كان ذلك لأجل الله، فما لكم لا ترجون لله وقاراً، وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثواباً ولا تخافون منه عقاباً، وقال مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمة، قال قطرب: هذه لغة حجازية وهذيل وخزاعة ومضر يقولون لم أرج لم أبل، وقال قتادة ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان، وقال ابن كيسان ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً، وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤدون لله طاعة، وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة، وقال ابن عباس: لا تعلمون لله عظمة، وعنه قال: لا تخافون لله عظمة ولا تخشون له عقاباً، ولا ترجون له ثواباً، وعن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم: " رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر فوقف فنادى بأعلى صوته ما لكم لا ترجون لله وقاراً " أخرجه عبد الرزاق في المصنف.
(وقد خلقكم أطواراً) أي والحال أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة وأحوال منافية لما أنتم عليه بالكلية، فخلقكم تارة عناصر ثم أغذية ثم اخلاطاً ثم نطفاً ثم مضغاً ثم علقاً ثم عظاماً ولحوماً ثم أنشأكم خلقاً آخر، والطور في اللغة المرة، وقال ابن الأنباري: الطور الحال والهيئة وجمعه أطوار، وقيل أطواراً صبياناً ثم شباناً ثم شيوخاً، وقيل الأطوار اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق، والمعنى كيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة تارات وكرات، فهذا مما لا يكاد يصدر عن العاقل.
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)
ثم لما نبههم سبحانه وتعالى أولاً على النظر في أنفسهم لأنها أقرب، نبههم ثانياً على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الدالة على الصانع الحكيم فقال
71:15Page 571
أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥
Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1
(أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) الخطاب لمن يصلح له، والمراد الاستدلال بخلق السموات على كمال قدرته وبديع صنعه، وأنه الحقيق بالعبادة، والطباق المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء طبقة على الأخرى كالقباب من غير مماسة، قال الحسن خلق الله سبع سموات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء وأرض وأرض خلق وأمر.
وقد تقدم تحقيق هذا في قوله (ومن الأرض مثلهن) وانتصاب طباقاً على المصدرية تقول طابقه طباقاً ومطابقة أو حال بمعنى ذات طباق فحذف ذات وأقام طباقاً مقامه، وأجاز الفراء في غير القرآن جر طباق على النعت.
71:16Page 571
وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦
And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?
(وجعل القمر فيهن نوراً) أي منوراً لوجه الأرض وجعل القمر في السموات مع كونه في سماء الدنيا لأنه إذا كان في إحداهن فهو فيهن كذا قال ابن كيسان وأبو السعود، قال الأخفش: كما تقول أتاني بنو تميم والمراد بعضهم أو لأن كل واحدة منها شفافة لا تحجب ما وراءها فيرى الكل كأنه سماء واحدة، ومن ضرورة ذلك أن يكون ما في كل واحدة منها كأنه في الكل، وقال قطرب " فيهن " بمعنى معهن أي خلق الشمس والقمر مع خلق السموات والأرض، قال ابن عباس: وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض وعنه قال خلق فيهن حين خلقهن ضياء لأهل الأرض وليس من ضوئه في السماء شيء.
(وجعل الشمس) فيهن (سراجاً) أي كالمصباح لأهل الأرض ليتوصلوا بذلك إلى التصرف فيما يحتاجون إليه من المعاش، عن ابن عمرو: قال الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم آية من كتاب الله يعني هذه الآية، وعن ابن عمر قال في الآية تضيء لأهل السموات كما تضيء لأهل الأرض، وعن شهر بن حوشب قال: اجتمع عبد الله بن العاص وكعب الأحبار، وكان بينهما بعض العتب فتعاتبا فذهب ذلك فقال ابن عمرو لكعب سلني عما شئت فلا تسألني عن شيء إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع كما هو في الأرض؟ قال نعم ألم تر إلى قول الله، يعني هذه الآية، قال النسفي: وأجمعوا على أن الشمس في السماء الرابعة وضوءها أقوى من نور القمر، وقيل في الخامسة وقيل في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة [[قال ابن جرير الطبري: وقوله: (وجعل القمر فيهن نوراً) يقول: وجعل القمر في السموات السبع نوراً، وجعل الشمس فيهن سراجاً، وقال ابن كثير: المقصود أن الله سبحانه وتعالى: خلق سبع سموات طباقاً، وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً، أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلاً منهما أنموذجاً على حدة ليعرف الليل والنهار بمطلع الشصر ومغيبها، وقدَّر للقمر منازل وبروجاً، وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستسر ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). وقال الآلوسي: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) منوِّراً لوجه الأرض في ظلمة الليل، وجعله فيهن مع أنه في إحداهن وهي السماء الدنيا، كما يقال: زيد في بغداد وهو في بقعة منها، والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية وكونها طباقاً شفافة.]].
71:17Page 571
وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧
And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.
(والله أنبتكم من الأرض نباتاً) يعني آدم خلقه الله من أديم الأرض، والمعنى أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوين من الأرض، ونباتاً إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد ويسمى اسم مصدر، ويجوز أن يكون مصدراً لنبتم مقدراً أي أنبتكم فنبتم نباتاً فيكون منصوباً بالمطاوع المقدر. وقال الخليل والزجاج: هو مصدر محمول على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتاً، وقيل المعنى والله أنبت لكم من الأرض النبات، فنباتاً على هذا مفعول به، قال ابن بحر: أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر.
71:18Page 571
ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨
Then He will return you into it and extract you [another] extraction.
(ثم يعيدكم) في الأرض بعد الموت مقبورين (فيها ويخرجكم) منها بالبعث يوم القيامة (إخراجاً) حقاً لا محالة.
71:19Page 571
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩
And Allāh has made for you the earth an expanse
(والله جعل لكم الأرض بساطاً) أي فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم، ولم يجعلها مسنمة
71:20Page 571
لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠
That you may follow therein roads of passage.'"
(لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً) أي طرقاً واسعة، وقال ابن عباس طرقاً مختلفة، والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع، كذا قال الفراء وغيره، وقيل هو المسلك بين الجبلين، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي سورة الحج مستوفى، وفي الأنبياء تقديم الفجاج فقال فجاجاً سبلاً لتناسب الفواصل هنا.
71:21Page 571
قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١
Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.
(قال نوح) بعد يأسه من إيمانهم (رب إنهم عصوني) أي كلهم استمروا على عصياني ولم يجيبوا دعوتي، شكاهم إلى الله عز وجل وأخبره بأنهم عصوه ولم يتبعوه وهو أعلم بذلك (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً) أي أتبع الأصاغر رؤساءهم وأهل الثروة منهم الذين لم تزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالاً وطغياناً وكفراً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، واستمروا على اتباعهم لا أنهم أحدثوا الاتباع، قرىء ولده بفتح الواو واللام، وبضم الواو وسكون اللام، هما سبعيتان وبفتح الأول وسكون الثاني، وهي لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعاً وقد تقدم تحقيقه.
وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
(ومكروا) أي الرؤساء (مكراً كباراً) قرأ الجمهور بالتشديد أي كبيراً عظيماً جداً، يقال كبير وكبار وكبار مثل عجيب وعجاب وعجاب، وحميل وحمال وحمال، قال المبرد: كباراً بالتشديد للمبالغة ومثل كبار قراء لكثير القراءة، وقرىء بالضم والتخفيف وهو بناء مبالغة أيضاًً دون الأول، وقرىء بكسر الكاف وتخفيف الباء، قال أبو بكر: هو جمع كبير كأنه جعل مكراً مكان ذنوب أو أفاعيل فلذلك وصفه بالجمع، وقال عيسى بن عمر هي لغة يمانية، قيل جمع الضمير حملاً على معنى من بعد حمله على لفظها في قوله (من لم يزده ماله وولده) قاله السمين.
واختلف في مكرهم هذا ما هو فقيل هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح وأذاه وصد الناس عن الإيمان به والميل إليه، والاستماع منه، وقيل هو تغريرهم على الناس بما أوتوا من المال والولد حتى قلل الضعفة لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم، وقال الكلبي: هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد، وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم (لا تذرن آلهتكم) وقيل مكرهم كفرهم وقيل: افتروا على الله الكذب وكذبوا رسله.
71:23Page 571
وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣
And said, 'Never leave your gods and never leave Wadd or Suwāʿ or Yaghūth and Yaʿūq and Nasr.'1
(وقالوا لا تذرن آلهتكم) أي لا تتركوا عبادة آلهتكم وهي الأصنام والصور التي كانت لهم ثم عبدتها العرب من بعدهم، وبهذا قال الجمهور (ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً) أي لا تتركوا عبادة هذه الأوثان.
قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة. فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا، ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت، وسميت هذه الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم.
وقال عروة بن الزبير وغيره إن هذه كانت أسماء أولاد آدم وكان ود أكبرهم، وكانوا عباداً فمات رجل منهم فحزنوا عليه، فقال الشيطان أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا افعل فصوره في المسجد من صفر ورصاص، ثم مات آخر فصوره حتى ماتوا كلهم وصورهم، فلما تقدم الزمان تركت الناس عبادة الله فقال لهم الشيطان ما لكم لا تعبدون شيئاًً قالوا وما نعبد، قال آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون أنها في مصلاكم فعبدوها من دون الله حتى بعث الله نوحاً عليه السلام فقالوا (لا تذرن آلهتكم) الآية.
قال الماوردي: فأما ود فهو أول صنم معبود سمي وداً لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل، في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل، وفيه يقول شاعرهم:
حياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد غربا
وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر، وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ في قول قتادة، وقال المهدوي: لمراد ثم لغطفان، وأما يعوق فكان لهمدان في قول قتادة وعكرمة وعطاء، وقال الثعلبي: كان لكهلان بن سبأ ثم توارثوه حتى صار في همدان وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني.
يريش الله في الدنيا ويبري ... ولا يبري يعوق ولا يريش
وأما نسر فكان بذي الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل، قال ابن عباس هذه الأصنام كانت تعبد في زمن نوح، قال الواقدي كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة النسر الطائر.
قال البقاعي: ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعاً من معانيهم، فكان ود كاملاً في الرجولية، وكان سواع امرأة كاملة في العبادة، وكان يغوث شجاعاً وكان يعوق سابقاً قوياً وكان نسر عظيماً طويل العمر، ومثله في القرطبي.
وأخرج البخاري وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: " صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح في العرب. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت ".
وفي الصحيحين من حديث عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة " ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأيتاها بأرض الحبشة تسمى مارية فيها تصاوير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أولئك كان إذا مات الرجل الصالح منهم بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة " قرأ الجمهور وداً بفتح الواو، وقرىء بضمها، قال الليث: ود بضم الواو صنم لقريش، وبفتحها صنم كان لقوم نوح وبه سمي عمرو بن ود قال في الصحاح: والود بالفتح الوتد في لغة أهل نجد كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال، وقرأ الجمهور يغوث ويعوق بغير تنوين، فإن كانا عربيين فالمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وإن كانا أعجميين فللعجمة والعلمية، وقرىء يغوثاً ويعوقاً بالنصب مصروفين لأمرين (أحدهما) أنه صرفهما للتناسب إذ قبلهما اسمان منصرفان وبعدهما اسم منصرف كما صرف سلاسل (والثاني) أنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقاً، وهي لغة حكاها الكسائي ذكره السمين. وقال ابن عطية وذلك وهم، ووجه تخصيص هذه الأصنام بالذكر مع دخولها تحت الآلهة أنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها، ولم يذكر النفي مع يعوق ونسرا لكثرة التكرار وعدم اللبس.
71:24Page 571
وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا ٢٤
And already they have misled many. And, [my Lord], do not increase the wrongdoers except in error."
(وقد أضلوا كثيراً) أي وقال نوح قد أضل كبراؤهم ورؤساؤهم كثيراً من الناس، وقيل الضمير راجع إلى الأصنام أي ضل بسببها كثير من الناس كقول إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) وأجرى عليهم صيغة من يعقل لاعتقاد الكفار الذين يعبدونها أنها تعقل.
(ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً) معطوف على (رب إنهم عصوني) ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم، وقال أبو حيان: إنه معطوف على قد أضلوا ومعنى (إلا ضلالاً) إلا عذاباً كذا قال ابن بحر واستدل على ذلك بقوله (إن المجرمين في ضلال وسعر) وقيل إلا خسراناً، وقيل إلا فتنة بالمال والولد، وقيل الضياع وقيل ضلالاً في مكرهم، وهذا دعاء عليهم من نوح بعد أن أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.
71:25Page 571
مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا ٢٥
Because of their sins they were drowned and put into the Fire, and they found not for themselves besides Allāh [any] helpers.
(مما) ما مزيدة للتأكيد والمعنى من (خطيئاتهم) قرأ الجمهور على جمع السلامة وهي سبعية وقرىء خطاياهم على جمع التكسير وخطيئتهم على الإفراد والمعنى من أجلها وبسببها (أغرقوا) بالطوفان قرأ الجمهور من أغرق وقرىء غرقوا بالتشديد.
(فأدخلوا) عقب الإغراق (ناراً) وهي نار الآخرة، وهذا من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه نحو (أتى أمر الله) وقيل عذاب القبر، وعلى هذا هو على بابه كقوله في آل فرعون (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً) أي لم يجدوا أحداً يمنعهم من عذاب الله ويدفعه عنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences