Al-QinnawjiLuqman · 31:1–18

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

لقمان

Luqman

Luqman · Meccan · 34 ayahs

31:1Page 411

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

سورة لقمان

(آياتها ثلاث أو أربع وثلاثون آية)

وهي مكية إلا ثلاث آيات، وهي قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام)، إلى تمام الآيات الثلاث، قاله ابن عباس، وعنه أنها مكيّة، ولم يستثن، وعن قتادة أنها مكيّة إلا آيتين فمدنيتان، وأخرج النسائي، وابن ماجة عن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات.

بسم الله الرحمن الرحيم

الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)

(الم) الله أعلم بمراده به، وقد تقدم الكلام على مثل فاتحة هذه السورة فلا نعيده

31:2Page 411

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

These are verses of the wise1 Book,

(تلك آيات الكتاب الحكيم) وقد تقدم أيضاً بيان مرجع الإشارة مراراً في نظائرها، والحكيم إما أن يكون بمعنى مفعل، أو بمعنى فاعل أو بمعنى ذي الحكمة، أو الحكيم قائله، والإضافة بمعنى من.

31:3Page 411

هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ ٣

As guidance and mercy for the doers of good

(هدى ورحمة) قال الزجاج: المعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة؛ وقرئ بالرفع، أي هو هدى ورحمة (للمحسنين) المحسن العامل للحسنات، أو من يعبد الله كأنه يراه؛ كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح، لما سأله جبريل عن الإحسان فقال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " [[تقدم ذكره.]] ثم وصفهم بقوله:

31:4Page 411

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤

Who establish prayer and give zakāh, and they, of the Hereafter, are certain [in faith].

(الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) وخص هذه العبادات الثلاث لأنها عمدتها

31:5Page 411

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥

Those are on [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

(أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) قد تقدم تفسير هذا في أوائل سورة البقرة، والمعنى هنا: أن أولئك المتصفين بالإحسان، وفعل تلك الطاعات، التي هي أمهات العبادات، هم على طريقة الهدى، هم الفائزون بمطالبهم، الظافرون بخيري الدارين.

31:6Page 411

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٦

And of the people is he who buys the amusement of speech1 to mislead [others] from the way of Allāh without knowledge and who takes it [i.e., His way] in ridicule. Those will have a humiliating punishment.

(ومن الناس من يشتري) (من) إما موصولة أو موصوفة، ومفرد لفظاً، جمع معنى، وروعي لفظها أولاً في ثلاثة ضمائر، يشتري، ويضل، ويتخذ. وروعي معناها ثانياً في موضعين، وهما: أولئك لهم، ثم رجع إلى مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر، وهي وإذا تتلى عليه إلخ.

(لهو الحديث) وهو كل باطل يلهي، ويشغل عن الخير، من الغناء والملاهي، والأحاديث المكذوبة، والأضاحيك، والسمر بالأساطير التي لا أصل لها، والخرافات، والقصص المختلفة، والمعازف والمزامير، وكل ما هو منكر والإضافة بيانية، أي: اللهو من الحديث، لأن اللهو يكون حديثاً وغيره؛ فهو كثوب خز، وهذا أبلغ من حذف المضاف. وقيل: المراد شراء القينات المغنيات، والمغنين. فيكون التقدير من يشتري أهل لهو الحديث، قال الحسن: لهو الحديث: المعازف والغناء. وروي عنه أنه قال: هو الكفر والشرك. وفيه بعد، والمراد بالحديث: الحديث المنكر، والمعنى: يختارون حديث الباطل على حديث الحق.

" قال القرطبي: إن أولى ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو الحديث بالغناء قال: وهو قول الصحابة والتابعين. قال ابن عباس: لهو الحديث باطله، وهو في النضر بن الحرث بن علقمة: اشترى أحاديث الأعاجم، وأخبار الأكاسرة، وصنيعهم في دهرهم، وكان يكتب الكتب من الحيرة إلى الشام، ويحدث بها قريشاً، ويكذب القرآن. وعنه قال: هو الغناء وأشباهه. أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وعنه قال: الجواري الضاربات، وعن ابن مسعود قال: هو والله الغناء، وفي لفظ قال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات، وعن ابن عباس والحسن وعكرمة، وسعيد بن جبير: قالوا لهو الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه. وقيل: هو كل لهو ولعب؛ والمعنى: يستبدل ويختار الغناء، والمزامير؛ والمعازف على القرآن.

وأخرج أحمد والترمذي، وابن ماجة، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم عن أبي أمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا خير في تجارة فيهن؛ وثمنهن حرام ". في مثل هذا أنزلت هذه الآية. وفي إسناده عبيد [[عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، والأعمش وكأنه مات شاباً، وروى عنه الكبار: يحيى ابن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أيوب المصري قال محمد بن يزيد المستعلي: سألت أبا مسهر عنه فقال: صاحب كل معضلة، وإن ذلك على حديثه لبين. وروى عثمان بن سعيد عن يحيى قال: حديثه عندي ضعيف. وروى عباس عن يحيى: ليس بشيء. وقال ابن المديني. منكر الحديث، وقال الدارقطني. ليس بالقوي، وشيخه علي متروك. وقال ابن حبان يروي الموضوعات عن الإثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد يأتي بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن - لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم أهـ.

قلت: وهذا الخبر اجتمع فيه الثلاثة، وإن كان قد روي عن أبي زرعة الرازي أنه صدوق. المطيعي.]] بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن، وفيهم ضعف.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله حرم القينة وبيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها ثم قرأ: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ".

وأخرج البيهقي في السنن، وابن أبي الدنيا، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الغناء ينبت النفاق، كما ينبت الماء البقل ". وروياه عنه موقوفاً. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن مردويه، عن أبي أمامة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه، يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك ".

وأخرج الترمذي عنه مرفوعاً نحو؛ وفي الباب أحاديث في كل حديث منها منال.

وقال ابن مسعود: لهو الحديث، الرجل يشتري جارية تغنيه ليلاً ونهاراً وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في لهو الحديث: " إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل "، أخرجه ابن مردويه.

وعن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر في طريق فسمع زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟ قلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه. وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع. وعن ابن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة، لهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان ".

(ليضل عن سبيل الله) اللام للتعليل، قرئ بضم الباء، أي: ليضل غيره عن طريق الهدى، ومنهج الحق. وقرئ بفتح الياء، أي: ليضل هو في نفسه ويدوم، ويستمر، ويثبت على الضلال، وهما سبعيتان. قال الزجاج: من قرأ بضم الياء فمعناه ليضل غيره، فإذا أضل غيره فقد ضل هو، ومن قرأ بالفتح فمعناه ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يكن يشتري الضلالة، فإن أمره إلى ذلك، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيد هذا سبب النزول، قال ابن عباس: سبيل الله: قراءة القرآن، وذكر الله، نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. قال الطبري: قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء، والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم ابن سعد، وعبد الله العنبري. قال القاضي أبو بكر بن العربي: يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته، إذ ليس شيء منها عليه حراماً لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟

وقال في نيل الأوطار بعد ذكر الاختلاف فيه مع الأدلة: لا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام، لم يخرج عن دائرة الاشتباه والمؤمنون وقافون عند الشبهات، كما صرح به الحديث الصحيح، ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود، والخدود، والجمال، والدلال، والهجر، والوصال ومعاقرة العقار، وخلع العذار، والوقار، فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية، وإن من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، نسأل الله السداد والثبات.

قلت: وقد جمع الشوكاني رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء، وما استدل المحللون له والمحرمون له، وحقق هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها، وتدبر معانيها، إلى النظر في غيرها، وسماها إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع. ولنا أيضاًً بحمد الله عز وجل جواب بسيط في جواز الغناء، وعدم جوازه بالفارسية، ذكرناه في كتابنا هداية السائل، فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إلى ذلك.

(بغير علم) أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر، فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض، أو يفعله عن جهل، أو جهلاً منه بما عليه من الوزر، ونحوه قوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) أي: لصواب التجارة.

(ويتخذها) قرأ حمزة والكسائي والأعمش بالنصب، عطفاً على يضل، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل، فيكون المعنى على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم؛ والمعنى: أنه يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله، واتخاذ السبيل (هزوا) أي: مهزواً به. والسبيل يذكر ويؤنث. وقرأ الجمهور بالرفع عطفاً على يشتري، فهو من جملة الصلة؛ وقيل: الرفع على الاستئناف، والضمير المنصوب يعود إلى الآيات المتقدم ذكرها، والأول أولى (أولئك) إشارة إلى (من) والجمع باعتبار معناها، كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها كما تقدم (لهم عذاب مهين) هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهيناً.

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)

31:7Page 411

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٧

And when Our verses are recited to him, he turns away arrogantly as if he had not heard them, as if there was in his ears deafness. So give him tidings of a painful punishment.

(وإذا تتلى عليه) أي: على هذا المستهزئ (آياتنا ولى مستكبر) أي: أعرض عنها حال كونه مبالغاً في التكبر، رافعاً نفسه عن الإصغاء إلى القرآن (كأن لم يسمعها) أي: كأن ذلك المعرض المستكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع (كأن في أذنيه وقراً) ولا وقر فيهما والوقر: الثقل وهو حال من لم يسمعها، وقد تقدم بيانه، وفيه مبالغة في إعراض ذلك المعرض (فبشره بعذاب أليم) أي: أخبره بأن له العذاب البليغ في الألم، وذكر البشارة تهكم به، ثم لما بين سبحانه حال من يعرض عن الآيات، بين حال من يقبل عليها فقال:

31:8Page 411

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ٨

Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them are the Gardens of Pleasure,

(إن الذين آمنوا) بالله وبآياته، ولم يعرضوا عنها، بل قبلوها (وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم) أي: نعيم الجنات، فعكسه للمبالغة، جعل لهم جنات النعيم، كما جعل للفريق الأول العذاب المهين

31:9Page 411

خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩

Wherein they abide eternally; [it is] the promise of Allāh [which is] truth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

(خالدين فيها) حال من الضمير في لهم أي مقدار خلودهم فيها فإذا دخلوها.

(وعد الله حقاً) هما مصدران الأول مؤكد لنفسه أي: وعد الله وعداً، والثاني مؤكد لغيره، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره حق ذلك حقاً، والمعنى: أن وعده بأن لهم جنات النعيم كائن لا محالة ولا خلف فيه (وهو العزيز) الذي لا يغلبه غالب (الحكيم) في كل أفعاله وأقواله ثم بين سبحانه عزته وحكمته بقوله:

31:10Page 411

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ١٠

He created the heavens without pillars that you see and has cast into the earth firmly set mountains, lest it should shift with you, and dispersed therein from every creature. And We sent down rain from the sky and made grow therein [plants] of every noble kind.

(خلق السماوات بغير عمد) جمع عماد كأهب جمع إهاب، وهو ما يعمد به، أي: يسند؛ يقال: عمدت الحائط إذا دعمته، والدعامة بالكسر ما يسند به الحائط إذا مال، يمنعه السقوط، ودعمت الحائط دعماً من باب نفع. وقد تقدم الكلام فيه في سورة الرعد، قيل: إن السماء خلقت مبسوطة كصفحة مستوية، وهو قول المفسرين؛ وهي في الفضاء، والفضاء لا نهاية له وكون السماء في بعضه دون بعض ليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار، وإليه الإشارة بقوله بغير عمد.

(ترونها) أي ليس لها شيء يمنعها الزوال من موضعها، وهي ثابتة لا تزول، وليس ذلك إلا بقدرة الله تعالى، وفيه وجهان: أحدهما أنه راجع إلى السماوات، أي ليست هي بعمد، وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، الوجه الثاني: أنه راجع إلى العمد، ومعناه بغير عمد مرئية، فيمكن أن تكون ثم عمد ولكن لا ترى، وقيل: ولا عمد البتة، قال علي بن سليمان: الأولى أن يكون مستأنفاً، أي: ولا عمد، ثم:

(وألقى في الأرض رواسي) أي: جبالاً مرتفعة ثوابت شوامخ من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلاً منها قاف، وأبو قبيس [[أين هذه الجبال القميئة من جبال هملايا القريبة من بلاد المصنف أو من جبال الألب في أوربا أو جبال البرانس في شمال أفريقيا؟ وأين هو جبل قاف الذي يحكيه الوضاعون والقصاصون والمهرجون بأساطير ألف ليلة وليلة؟ بصر الله أهل العلم بمناهج العلم. المطيعي.]] والجودي ولبنان، وطور سينين، وطور سيناء، أخرجه ابن جرير، ولكن لا وجه للتخصيص، والأولى العموم، والجبال على الأرض أكثر من ذلك، والكل يصلح للرسو، يقال: رسا الشيء ثبت، وبابه عدا وسما والرواسي: الرواسخ واحدتها راسية (أن تميد بكم) أي: كراهة أن تميد بكم، وقيل: لئلا تميده والمعنى أنه خلقها وجعلها مستقرة ثابتة، لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها.

(وبث) أي نشر وفرق (فيها) أي: في الأرض (من كل دابة) أي: كل نوع من أنواع الدواب، ومن زائدة (وأنزلنا) فيه التفات عن الغيبة (من السماء ماء) مطهراً وهو من إنعام الله على عباده وفضله (فأنبتنا فيها) أي: في الأرض بسبب إنزال الماء.

(من كل زوج كريم) أي من كل صنف حسن، ووصفه بكونه كريماً لحسن لونه، وكثرة منافعه، وقيل: إن المراد بذلك الناس، فالكريم منهم من يصير إلى الجنة، واللئيم من يصير إلى النار، قاله الشعبي، وغيره؛ والأول أولى.

31:11Page 411

هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ١١

This is the creation of Allāh. So show Me what those other than Him have created. Rather, the wrongdoers are in clear error.

(هذا) أي: ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما تعلق بهما من الأمور المعدودة (خلق الله) أي: مخلوقه تعالى (فأروني ماذا خلق الذين من دونه)؟ أي: من آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى: فأروني أي شيء خلقوا مما يحاكي خلق الله، أو يقاربه حتى استوجبوا عندكم العبادة، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت، ثم أضرب عن تبكيتهم بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر، والإعلام ببطلان ما هم عليه فقال: (بل الظالمون في ضلال مبين) فقرر ظلمهم أولاً وضلالهم ثانياً؛ ووصفه بالوضوح والظهور، ومن كان هكذا فلا يعقل الحجة. ولا يهتدي إلى الحق.

وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)

31:12Page 412

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢

And We had certainly given Luqmān wisdom [and said], "Be grateful to Allāh." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy.

(ولقد آتينا لقمان الحكمة) كلام مستأنف لبيان بطلان الشرك، واختلف في لقمان، هل هو عربي؟ أم أعجمي؟ مشتق من اللقم، فمن قال: إنه أعجمي منعه للتعريف والعجمة. ومن قال: إنه عربي منعه للتعريف ولزيادة الألف والنون. قال الحفناوي: والأول أظهر، واختلفوا أيضاًً هل هو نبي؟ أم رجل صالح؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ليس بنبي. وحكى الواحدي عن عكرمة والسدي، والشعبي، أنه كان نبياً، والأول أرجح لما سيأتي، وقيل: لم يقل بنبوته إلا عكرمة فقط، مع أن الراوي لذلك عنه [[جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أحد علماء الشيعة وليس فيه ضعف شديد كما قال المصنف فقد قال سفيان كان جابر الجعفي ورعاً في الحديث ما رأيت أورع منه وقال شعبة: صدوق وقال يحيى ابن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال: أخبرنا وحدثنا، وسمعت فهو من أوثق الناس.

وقال وكيع: ما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابراً الجعفي ثقة وقال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول، قال سفيان الثوري لشعبة لئن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك. المطيعي.]] جابر الجعفي، وهو ضعيف جداً وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وهو لقمان، بن باعورا، ابن ناحور، بن تارخ وهو آزر أبو إبراهيم.

وقيل: هو لقمان بن عنقا، بن مرون، وكان نوبياً من أهل أيلة ذكره السهيلي.

قال وهب: هو ابن أخت أيوب وقال مقاتل: هو ابن خالته، عاش ألف سنة وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطع الفتوى فقيل له، فقال: ألا أكتفي إذ كفيت. وقيل: كان خياطاً، وقيل نجاراً، وقيل: راعياً؛ وقال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أتدرون ما كان لقمان "؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: كان حبشياً " أخرجه ابن مردويه.

وعن ابن عباس قال: كان عبداً حبشياً نجاراً.

وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة، لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن " أخرجه الطبراني، وابن حيان في الضعفاء، قال الطبراني أراد الحبشة، والحكمة التي آتاه الله هي الفقه، والعقل، والإصابة في القول وفسر الحكمة من قال بنبوته بالنبوة، قال ابن عباس: يعني العقل والفهم، والفطنة في غير نبوة.

وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاًً حفظه " وقد ذكر جماعة من أهل الحديث روايات عن جماعة من الصحابة والتابعين تتضمن كلمات من مواعظ لقمان وحكمه.

ولم يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك شيء، ولا يثبت إسناد صحيح إلى لقمان بشيء منها حتى نقبله، وقد حكى الله سبحانه من مواعظه لابنه ما حكاه في هذا الموضع، وفيه كفاية وما عدا ذلك مما لم يصح فليس في ذكره إلا شغلة للحيز؛ وقطيعة للوقت، ولم يكن نبياً، حتى يكون ما نقل عنه من شرع من قبلنا، ولا صح إسناد ما روي عنه من الكلمات، حتى يكون ذكر ذلك من تدوين كلام الحكمة التي هي ضالة المؤمن.

(أن أشكر لله) أن هي المفسرة، لأن في الإيتاء معنى القول، لأنه تعليم أو وحي، وقيل: التقدير: قلنا له هذا القول، وقال الزجاج: التقدير لأن أشكر، وقيل: بأن أشكر فشكر، فكان حكيماً بشكره، والشكر لله الثناء عليه في مقابلة النعمة، وطاعته فيما أمر به وقيل: الشكر أن لا تعصي الله بنعمه وقيل: إن لا ترى معه شريكاً له في نعمه. وقيل: هو الإقرار بالعجز، ورؤية العجز في الكل دليل قبول الكل، ثم بين سبحانه أن الشكر لا ينتفع به إلا الشاكر فقال:

(ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) لأن نفع ذلك وثوابه راجع إليه وفائدته حاصلة له، إذ به تستبقى النعمة، وبسببه يستجلب المزيد لها من الله سبحانه، والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، موجبة لامتثال الأمر (ومن كفر) أي: من جعل كفر النعمة مكان شكرها (فإن الله غني) عن شكره غير محتاج إليه (حميد) مستحق للحمد من خلقه، لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال، قال يحمى بن سلام: غني عن خلقه، حميد في فعله.

31:13Page 412

وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣

And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."

(و) اذكر (إذ قال لقمان لابنه) قال السهيلي: واسم ابنه ثاران في قول ابن جرير، والقتيبي، وقال الكلبي: مشكم، وقال النقاش: أنعم وقيل: ماتان، قال القشيري: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما ودل على هذا قوله: لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، والتقدير آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه، وحين جعلناه واعظاً لغيره.

(وهو يعظه) أي: والحال أنه يخاطبه بالموعظة التي ترغبه في التوحيد، وتصده عن الشرك، وذلك لأن أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره، وبدأ بالأقرب إليه وهو ابنه فقال:

(يا بني) تصغير إشفاق ومحبة (لا تشرك بالله) وهذا يدل على أنه كان كافراً كما تقدم. قال الخطيب، والخازن: فرجع إليه وأسلم. وقيل: كان مسلماً ونهاه أن يقع منه إشراك في المستقبل.

(إن الشرك لظلم عظيم) لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه، وبين من لا نعمة له أصلاً. وبدأ في وعظه بنهية عن الشرك، لأنه أهم من غيره وقد اختلف في هذه الجملة، فقيل: هي في كلام لقمان، فتكون تعليلاً لما قبلها، وقيل: هي من كلام الله، فتكون منقطعة عما قبلها، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح، أنها لما نزلت: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله إن الشرك لظلم عظيم، فطابت أنفسهم.

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)

31:14Page 412

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤

And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.

(ووصينا الإنسان بوالديه) أي: أمرناه أن يبرهما، وهذه الوصية بالوالدين وما بعدها إلى قوله: (وما كنتم تعلمون) اعتراض بين كلام لقمان على نهج الاستطراد، لقصد التأكيد لما قبلها من النهي عن الشرك بالله وتفسير التوصية هو قوله: أن أشكر لي ولوالديك وما بينهما اعتراض بين المفسر والمفسر، وفي جعل الشكر لهما مقترناً بالشكر لله دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد وأكبرها وأشدها وجوباً.

(حملته أمه وهناً على وهن) قرئ بسكون الهاء وبفتحها في الموضعين، وهما لغتان، أي: أنها حملته في بطنها، وهي تزداد كل يوم ضعف على ضعف، فإنها لا يزال يتضاعف ضعفها، والوهن الضعف والمشقة، وقد وهن من باب وعد، ووهنه غيره توهيناً، والوهن والموهن نحو من نصف الليل. وقال ابن عباس: شدة بعد شدة، وخلقاً بعد خلق، وقيل: المعنى أن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل، وقيل: أي: حملته بضعف على ضعف: وقال الزجاج المعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة: أي: وهناً كائناً على وهن، لأن الحمل وهن، والطلق وهن، والوضع وهن، والرضاعة وهن، وانتصاب وهناً على المصدر أو الحال.

(وفصاله في عامين) الفصال: الفطام عن الرضاع، وهو أن يفصل الولد عن الأم، وقرئ وفصله وهما لغتان، يقال: انفصل عن كذا أي: تميز، وبه سمي الفصيل، والمعنى: فطامه لتمام سنتين عن الرضاع، قال البيضاوي: وفيه دليل على أن مدة الإرضاع حولان.

(أن أشكر لي ولوالديك) أي: وصيناه بشكرنا وشكر والديه، قال سفيان ابن عيينه: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله؛ ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين. و (أن) مفسرة أو مصدرية، وهو قول الزجاج (إلى المصير) تعليل لوجوب امتثال الأمر، أي الرجوع إليّ لا إلى غيري، وقيل: الجزاء عليَّ وقت المصير إليّ.

31:15Page 412

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥

But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.

(وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) أي: ما لا علم لك بشركته، وذكر هذا القيد موافقة للواقع، ولا مفهوم (مخالفته) له، إذ ليس لله شريك يعلم لأنه مستحيل (فلا تطعمها) في ذلك لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا ترك فريضة على الأعيان؛ وتلزم طاعتهما في المباحات، وقد قدمنا تفسير الآية، وسبب نزولها في سورة العنكبوت، قال سعد بن أبي وقاص: نزلت في هذه الآية، وعن أبي هريرة مثله، وعليه جماعة من المفسرين.

(وصاحبهما في الدنيا) أي: في أمورها التي لا تتعلق بالدين، ما دمت حياً صحاباً (معروفاً) ببرهما إن كانا على دين يقران عليه وقيل: صاحبهما بمعروف وهو البر والصلة، والعشرة الجميلة، والخلق الجميل، والحلم والاحتمال، وما يقتضيه مكارم الأخلاق، ومعالي الشيم.

(واتبع سبيل من أناب) أي: رجع (إليّ) والخطاب لسائر المكلفين، أي: اتبع أيها المكلف دين من أقبل إلى طاعتي من عبادي الصالحين، بالتوبة والإخلاص، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قيل: يعني أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قال: ابن عباس وذلك حين أسلم أتاه عثمان وطلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وقالوا له: قد صدقت هذا الرجل، وآمنت به؟ قال: نعم إنه صادق، فآمنوا به ثم حملهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقه الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر.

(ثم إليّ) لا إلى غيري (مرجعكم) جميعاً أي: أنت ووالداك زمن أناب إليَّ (فأنبئكم) أخبركم عند رجوعكم إليّ (بما كنتم تعملون) من خير أو شر، فأجازي كل عامل بعمله، ثم شرع سبحانه في حكاية بقية كلام لقمان في وعظه لابنه فقال:

31:16Page 412

يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦

[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.

(يا بنيَّ إنها) الضمير عائد إلى الخطيئة، لما روي أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد هل يعلمها الله؟ فقال إنها أي الخطيئة (إن تك) بالفوقية على معنى إن تك الخطيئة، أو المسألة أو الخصلة أو القصة (مثقال) قرئ بالنصب على أنه خبر كان، واسمها هو أحد تلك المقدرات، وقرئ بالرفع على أنه اسم كان وهي تامة وأنث الفعل في هذه القراءة لإضافة مثقال إلى المؤنث أي: زنة (حبة من خردل) والجملة الشرطية مفسرة للضمير، قال الزجاج: التقدير أن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من جنس الخردل، وعبر بالخردلة لأنها أصغر الحبوب، ولا يدرك ثقلها بالحس، ولا ترجح ميزاناً، ثم زاد في بيان خفاء الحبة مع خفتها وصغرها فقال:

(فتكن في صخرة) فإنها عند كونها في الصخرة قد صارت في أخفى مكان وأحرزه، قرئ فتكن بضم الكاف، ومن الكن الذي هو الشيء المغطى قال السدي: هذه الصخرة هي صخرة ليست في السماوات والأرض، وقال ابن عباس: صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي تكتب فيها أعمال الفجار، وهي السجين. وخضرة السماء منها، وقيل: غير ذلك.

(أو في السماوات أو في الأرض) أي حيث كانت من بقاع السماوات أو بقاع الأرض، أي: في أخفى مكان من ذلك، فالأخفى من الصخرة كأن تكون في صخرة تحت الأرضين السبع، والأخفى من السماوات كأن تكون في أعلاها، والأخفى من الأرض كأن تكون في أسفلها.

(يأت بها الله) أي: يحضرها يوم القيامة، ويحاسب فاعلها عليها (إن الله لطيف) باستخراجها لا تخفى عليه خافية، بل يصل علمه إلى كل خفي (خبير) بمكانها، وبكل شيء لا يغيب عنه شيء، ومعنى الآية الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها.

يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)

31:17Page 412

يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧

O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) من الأذى في ذات الله، إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أو اصبر على ما أصابك من المحن فإنها تورث المنح، حكى سبحانه عن لقمان أنه أمر ابنه بهذه الأمور، ووجه تخصيص هذه الطاعات، أنها أمهات العبادات وعماد الخير كله.

(إن ذلك) الطاعات المذكورة التي وصاه بها (من عزم الأمور) أي: مما جعله الله عزيمة، وأوجبه على عباده، وحتمه على المكلفين، ولم يرخص في تركه وقيل: المعنى من حق الأمور التي أمر الله بها، والعزم يجوز أن يكون بمعنى المعزوم أي: من معزومات الأمور، أو بمعنى العازم كقوله فإذا عزم الأمر.

قال المبرد: إن العين تبدل حاء فيقال: عزم وحزم وقال ابن جريج: ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم أهل الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، وصوب هذا القرطبي، وهذا دليل على أن هذه الطاعات كانت مأموراً بها في سائر الأمم.

31:18Page 412

وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨

And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.

(ولا تصعر خدك للناس) وقرئ تصاعر، والمعنى متقارب، وكل منهما في خط المصحف الإمام بلا ألف، والصعر: الميل، يقال: صعر خده: وصاعر خده: إذا أمال وجهه، وأعرض تكبراً، والمعنى، لا تعرض عن الناس تكبراً عليهم، وبه قال الهروي، يقال: أصاب البعير صعر: إذا أصابه داء يلوي عنقه وقيل: المعنى: ولا تلو شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، وقال ابن خواز منداد: كأنه نهى أن يذل الإنسان نفسه من غير حاجة، ولعله فهم من التصعير التذلل.

وعن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قوله: ولا تصعر خدك، فقال لي: " الشدق " أخرجه الطبراني. وابن عدي وابن مردويه وقال ابن عباس: لا تتكبر فتحتقر عباد الله، وتعرض عنهم إذا كلموك وعنه قال: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر، والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعاً، ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المستكبرون، بل يكون الفقير والغني عندك سواء.

(ولا تمش في الأرض مرحاً) أي: خيلاء وفرحاً، والمراد: النهي عن التكبر والتجبر، والمختال يمرح في مشيه، وقد تقدم تحقيقه (إن الله لا يحب كل مختال فخور) تعليل للنهي المذكور، لأن الاختيال هو المرح، والفَخور هو الذي يفتخر على الناس بماله من المال والشرف، أو القوة أو يعدد مناقبه تطاولاً، أو غير ذلك ويظن أن إسباغ النعم الدنيوية عليه من محبة الله له وذلك من جهله، فإن الله أسبغ نعمه على الكافر الجاحد، فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده، وليس منه التحديث بنعم الله، فإن الله يقول: (وأما بنعمة ربك فحدث).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском