Al-QinnawjiAt‑Tawbah · 9:1–11

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة براءة

هي مائة وثلاثون آية، وقيل مائة وسبع وعشرون آية، ولها أسماء منها سورة التوبة لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب أهـ وتسمى الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها (ومنهم، ومنهم) حتى كادت أن لا تدع أحداً، وتسمى البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة البحث، وتسمى أيضاً بأسماء أخر كالمقشقشة لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ منه، والمخزية لكونها أخزت المنافقين والمثيرة لأنها تثير أسرارهم، والحافرة لكونها تحفر عنها، والمنكلة لما فيها من التنكيل لهم والمدمدمة لأنها تدمدم عليهم أي تهلكهم، قال الخفاجي: وأسماؤها كلها بصيغة الفاعل إلا البحوث بفتح الباء فإنه صيغة مبالغة بمعنى اسم الفاعل أهـ.

قلت: وإلا البراءة والتوبة وسورة العذاب، وهي مدنية، قال القرطبي: باتفاق وعن ابن عباس قال: نزلت بعد فتح مكة، وعنه قال نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير وقتادة نحوه، وعن البراء قال: آخر سورة نزلت تامة براءة، رواه البخاري.

وقد اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أولها على أقوال منها ما روي عن المبرد وغيره أنه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسمله، فلما نزلت براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فقرأها عليهم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب في نقض العهد من ترك التسمية.

وعن علي قال: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، أشار إلى وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها دون غيرها، قال الخفاجي: وللسلف فيه أقوال ثلاثة أصحها هذا أهـ.

قلت: وروي نحوه عن سفيان بن عيينة، وروي عن مالك بن أنس وابن عجلان وابن جبير أنها كانت تعدل سورة البقرة أو قريباً منها وأنه لما سقط أولها سقطت البسملة.

ومن جملة الأقوال في سقوطها أنهم لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلفت الصحابة، فقال بعضهم براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان وتركت البسملة لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معاً، قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما وقول من جعلهما سورة واحدة أظهر لأنهما جميعاً نزلتا في القتال ومجموعهما مائتان وخمس آيات ويعدان جميعاً سابعة السبع الطوال.

ومنها ما قال السيوطي: أنه لم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم. اهـ.

وعن عثمان: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، أخرجه الترمذي وحسنه.

والصحيح أنها لم تكتب لأن جبريل ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري قال أبو السعود: واشتهارها بهذه الأسماء يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضاً من سورة الأنفال، وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها خلاف الظاهر فيكون حكمة ترك التسمية عند النزول نزولها في رفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعاً بوصف الرحمة، كما روي عن ابن عيينة رضي الله عنه: لا الاشتباه في استقلالها وعدمه، كما يحكى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولا رعاية ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من الاختلاف في ذلك.

على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن، وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية، وإن مناط إثباتها في المصاحف، وتركها إنما هو رأي من تصدى لجمع القرآن دون التوقيف، ولا ريب في أن الصحيح من المذهب أنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها، وأن لا مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك، وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف ولا مرية في عدم نزولها هاهنا، وإلا لامتنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو اختلاف فهو إما لاتحاد السورتين أو لما ذكرنا، لا سبيل إلى الأول وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان لتعاضد أدلة الاستقلال من كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه عليه الصلاة والسلام تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم.

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ

(براءة) أي هذه براءة وتنوينه للتفخيم، وقرئ بالنصب أي اسمعوا براءة قاله عيسى بن عمر، يقال: برئت من الشيء ابرأ براءة وأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه، وقيل معناها هنا التباعد مما تكره مجاورته (من الله ورسوله) من ابتدائية أي هذه براءة مبتدأة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة (إلى الذين عاهدتم من المشركين) عهداً مطلقاً أو دون أربعة أشهر أو فوقها، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب للمسلمين ومن بيان للموصول وقد عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله واتفاق من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

والمعنى الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة بسبب ما وقع من الكفار من النقض فصار النبذ إليهم بعهدهم واجباً على المعاهدين من المسلمين ومعنى براءة الله سبحانه وقوع الإذن منه سبحانه بالنبذ من المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم، وفي ذلك من التفخيم لشأن البراءة والتهويل لها والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى.

9:2Page 187

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

(فسيحوا) أيها المشركون (في الأرض أربعة أشهر) أمر إباحة منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة والسياحة السير، يقال ساح فلان في الأرض يسيح سيحاً وسياحة وسيوحاً وسيحاناً، ومنه سيح الخيل.

قال أبو السعود: السياحة والسيح الذهاب في الأرض والسير فيها بسهولة على مقتضى المشية كسيح الماء على موجب الطبيعة، ففيه من الدلالة على كمال التوسعة والترفيه ما ليس في سيروا ونظائره، وزيادة قوله: (في الأرض) لقصد التعميم لأقطارها من دار الإسلام وغيرها انتهى.

ومعنى الآية أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم أباح للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر، وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها، وهذا القول كناية عن عقد الأمان لهم أربعة أشهر بعد نقضهم العهد بصوره الثلاث، وإنما اقتصر على الأربعة لقوة المسلمين إذ ذاك بخلاف صلح الحديبية فإنه كان على عشر سنين لضعف المسلمين إذ ذاك.

قال محمد بن إسحاق وغيرهما: إن المشركين صنفان صنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت مدته أكثر من ذلك فقصر على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يُقتل حيث يوجد إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان.

وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوماً عشرون من ذي الحجة وشهر محرم.

وقال الكلبى: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد دون أربعة أشهر فتتم له الأربعة ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) كما سيأتي، ورجح هذا ابن جرير وغيره.

وعن الزهري قال: نزلت في شوال فهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، والقول الأول أصوب وعليه الأكثرون، وفي الباب أقوال.

وقيل المقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو القتل، فيصير هذا داعياً لهم إلى الدخول في الإسلام ولئلا ينسب المسلمون إلى الغدر ونكث العهد، وقال ابن الأنباري: التقدير قل لهم فسيحوا، وليس هذا من باب الأمر بل المقصود منه الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في الأرض وأنتم آمنون من القتل والقتال.

وقد توهم بعضهم أن بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة، وذلك جهل من هذا المتوهم والبحث مستوفى في موطنه.

(واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ليثوب من تاب، وفي ذلك ضرب من التهديد كأنه قيل افعلوا في هذه المدة كلما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات فغنكم لا تفوتون الله ولا تغتروا بعقد الأمان لكم (وإن الله مخزي الكافرين) أي وهو مخزيكم ومذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب والنار، وفي وضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء هو الكفر، ويجوز أن يكون المراد جنس الكافرين فيدخل فيه المخاطبون دخولاً أولياً.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا وحجا فقام علي في أيام التشريق فنادى أن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، فكان علي ينادي، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها [[المستدرك كتاب المغازي 3/ 52.]] وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما بألفاظ.

وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

9:3Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

(وأذان من الله ورسوله) الأذان بمعنى الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، ومعنى (إلى الناس) التعميم في هذا أي إنه إيذان من الله إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم، فهذه الجملة متضمنة للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس، والجملة الأولى متضمنة للإخبار بالبراءة إلى المعاهدين خاصة.

(يوم الحج الأكبر) ظرف لقوله وأذان ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس أو لكون معظم أفعال الحج فيه أو احترازاً عن العمرة فهي الحج الأصغر، لأن أعمالها أقل من أعمال الحج إذ يزيد عليها بأمور كالرمي والمبيت، فكان أكبر بهذا الاعتبار، وسمي يوم الحج لأن أعمال الحج يتم فيه معظمها.

وقد اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية فذهب جمع منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة ومجاهد إلى أنه يوم النحر، ورجحه ابن جرير، وذهب آخرون منهم عمر وابن عباس وطاووس إلى أنه يوم عرفة والأول أرجح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من بعثه لإبلاغ هذا إلى المشركين أن يبلغهم يوم النحر.

وأخرج الترمذي وابن النذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال يوم النحر [[الترمذي كتاب التفسير 9/ 4.]]. وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر " [[المستدرك كتاب الأضاحي 4/ 221.]] وعن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يوم الأضحى، هذا يوم الحج الأكبر " [[أبو داوود كتاب المناسك باب 71.]]. أخرجه ابن مردويه.

وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: " أي يوم هذا؟ " قالوا يوم النحر، قال: " هذا يوم الحج الأكبر ". أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة وغيرهم [[أبو داوود كتاب المناسك باب 66.]].

ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون يوم النحر هو يوم الحج الأكبر هي ثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق فلا تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرحة بأنه يوم عرفة، وقيل أيام منى كلها، وبه قال مجاهد وسفيان الثوري هو يوم النحر، وقيل اليوم الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن سيرين والأول أولى، وقيل القرآن. قاله مجاهد.

(إن الله بريء من المشركين ورسوله) أي بأن الله بريء ورسوله بريء منهم، وقرئ ورسوله بالجر على أن الواو للقسم وهي ضعيفة جداً، وقرئ شاذاً أيضاً بالنصب على أنه مفعول معه، قاله الزمخشري، والرفع قراءة الجمهور باتفاق السبعة.

(فإن تبتم) من الكفر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقيل فائدة هذا الالتفات زيادة التهديد (فهو) أي المتاب أو التوب أو التوبة (خير لكم) أي: أخير وأحسن من بقائكم على الكفر الذي هو خير في زعمكم، أو التفضيل ليس على بابه، والمعنى: هو خير لا شر، وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لدخول النار.

(وإن توليتم) أي أعرضتم عن التوبة وبقيتم على الكفر (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) أي غير فائتين عليه، بل هو مدرككم فمجازيكم بأعمالكم، وفيه وعيد عظيم وتهديد شديد (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) عبر عن الإخبار بالبشارة تهكماً بهم وفيه من التهديد ما لا يخفى.

9:4Page 187

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

(إلا الذين عاهدتم من المشركين) قال ابن عباس: هم قريش، وقال قتادة: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية، وقيل هم بنو ضمرة حي من كنانة، وعن محمد بن عبادة هم بنو جذيمة بن عامر من بني بكر ابن كنانة.

قال أبو السعود (إلا الذين) الخ استدراك من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر، كأنه قيل لا تمهلوا الناكثين فوق أربعة أشهر، لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدهم، ولا يضر في ذلك تخلل الفاصل بقوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله) الخ لأنه ليس بأجنبي بالكلية، بل هو أمر بإعلام تلك البراءة، كأنه قيل وأعلموها.

وقيل هو استثناء متصل من المشركين الأول، ويرده بقاء الثاني على العموم مع كونهما عبارة عن فريق واحد، وجعله استثناء من الثاني يأباه بقاء الأول كذلك، وقيل هو استدراك من المقدر في (فسيحوا) أي قولوا لهم سيحوا أربعة أشهر لكن الذين عاهدتم منهم.

(ثم لم ينقصوكم شيئاً) من شروط الميثاق ولم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط أي لم يقع منهم أي نقص وإن كان يسيراً، وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته.

وقرأ الجمهور بالصاد المهملة، قال الكرماني: قراءة المعجمة مناسبة لذكر العهد فإن من نقض العهد فقد نقص من المدة إلا أن قراءة العامة أوقع لمقابلتها التمام، وكلمة ثم للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة.

(ولم يظاهروا) المظاهرة المعاونة أي لم يعاونوا (عليكم أحداً) من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح (فأتموا إليهم عهدهم) أي أدوا إليهم عهدهم تاماً غير ناقص (إلى مدتهم) التي عاهدتموهم إليها وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقاً وهي أربعة أشهر أو خمسون يوماً على الخلاف السابق.

(إن الله يحب المتقين) الذين يتقون الله فيما حرم عليهم فيوفون بالعهد، قال السدي: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحداً.

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

9:5Page 187

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

(فإذا انسلخ الأشهر الحرم) انسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده فاستعير لانقضاء الأشهر، يقال سلخت المرأة درعها نزعته، وفي التنزيل (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) قال الخفاجي: السلخ يستعمل تارة بمعنى الكشط، كسلخت الإهاب عن الشاة، أي نزعته عنها، وأخرى بمعنى الإخراج كسلخت الشاة عن الإهاب أي أخرجتها منه، فإطلاق الانسلاخ على الأشهر استعارة من المعنى الأول فإن الزمان ظرف محيط بالأشياء كالإهاب، والبيضاوي جعله من الثاني، كأنه لما انقضى أخرج من الأشياء الموجودة كذا قيل، ومثل انسلخ انجرد وسنة جرداء تامة اهـ.

واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا، فقيل هي الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد، ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم.

وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوماً تنقضي بانقضاء شهر المحرم فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر، وروي عن ابن عباس واختاره ابن جرير.

وقيل المراد بها شهور العهد المشار إليها بقوله: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) وسميت حرماً لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب، وقيل هي الأشهر المذكورة في قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء اللة تعالى.

(فاقتلوا المشركين حيث) أي في أي مكان وأي وقت (وجدتموهم) من حل أو حرم (وخذوهم) أي إئسروهم فإن الأخيذ هو الأسير (واحصروهم) أي احبسوهم في القلاع والحصون حتى يضطروا ويلجئوا إلى القتل أو الإسلام، ومعنى الحصر منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم، وقيل امنعوهم من دخول مكة خاصة والأول أولى.

(واقعدوا لهم كل مرصد) أي طريق يسلكونه ونصب (كل) على نزع الخافض أي على كل طريق، والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو ويقعد، ويقال رصدت فلاناً أرصده أي رقبته، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها لئلا ينتشروا في البلاد، والمعنى كونوا لهم رصداً حتى تأخذوهم من أي وجه توجهوا، وقيل بكل طريق مكة حتى لا يدخلوها.

وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك لا يخرج عنها إلا من خصته السنة وهو المرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم.

وهذه الأية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال الضحاك وعطاء والسدي: هي منسوخة بقوله: (فإما مناً بعد وإما فداء) وإن الأسير لا يقتل صبراً بل يمنّ عليه أو يفادى، وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة. لقوله: (فإما مناً بعد وإما فداء) وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل، وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان، قال القرطبي: وهو الصحيح لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم وهو يوم بدر، قال الرازي: كلتا الآيتين متوافقتان وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الأثخان ثم بعده أخذ الفداء اهـ.

(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام وهو إقامة الصلاة وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات لأنه أعظمها [[ذكره القرطبي 8/ 74: قوله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالههم إلا بحقها وحسابهم على الله ". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال. وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. وقال ابن العربي.]].

(فخلوا سبيلهم) أي اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا تحصروهم ولا تقتلوهم ولا تمنعوهم من الدخول إلى مكة والتصرف في بلادهم ولا تتعرضوا لهم (إن الله غفور) لهم (رحيم) بهم.

وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

9:6Page 187

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

(وإن أحد) مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء لأن (إن) لا تدخل إلا على الفعل (من المشركين) الناقضين للعهد الذين أمرت بالتعرض لهم في قوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين).

(استجارك) استأمنك من القتل (فأجره) يقال استجرت فلاناً أي طلبت أن يكون جاراً أي محامياً ومحافظاً من أن يظلمني ظالم أو يتعرض لي متعرض، وفي القاموس جار واستجار طلب أن يجار وأجاره أنقذه وأعاده، وفي المصباح استجاره طلب منه أن يحفظه فأجار والمعنى أمنه.

(حتى) يصح أن تكون للغاية وللتعليل (يسمع كلام الله) منك ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقة ما تدعو إليه، ويتحقق أنه ليس من كلام الخلق، والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل الفصاحة.

(ثم) إن أراد الانصراف ولم يسلم (أبلغه مأمنه) أي إلى الدار التي يأمن فيها وهو دار قومه لينظر في أمره ويعرف ما له من الثواب أن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الشرك، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتلة من غير عذر ولا خيانة فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه ووجوب قتله حيث يوجد.

عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله وأقر به وأسلم فذاك الذي دعى إليه، وإن أنكر ولم يقر به رد مأمنه ثم نسخ ذلك فقال: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) وعن ابن زيد قال: إن لم يوافقه ما يقص عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ، قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.

(ذلك) أي الأمر بالإجارة وإبلاع المأمن (بأنهم قوم لا يعلمون) ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه بسبب فقدانهم العلم النافع المميز بين الخير والشر في الجال والمآل، فلا بد لهم من أمان بقدر زمان يسمعون فيه القرآن ويتدبرون.

9:7Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

(كيف يكون للمشركين) الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار، ولهذا حسن بعده (إلا) والمراد بالمشركين الناكثون لأن البراءة هي في شأنهم (عهد عند الله) يأمنون به من عذابه (وعند رسوله) وقيل معنى الآية محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم مضمرون للغدر، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به أنفسكم، والمعنى ليس لمن لم يف بعهد أن يفي الله ورسوله له بالعهد.

ثم استدرك فقال: (إلا الذين عاهدتم) أي لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم، وقيل الاستثناء متصل، وفيه احتمالان. (أحدهما) أنه منصوب على أصل الاستثناء من المشركين.

(والثاني) أنه مجرور على البدل منهم.

(عند المسجد الحرام) أي عند قربه يوم الحديبية، قاله قتادة، والمراد به جميع الحرم كما هي عادته في القرآن إلا ما استثنى (فما استقاموا لكم) أي فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ولم ينقضوه، وفي (ما) وجهان أحدهما أنها مصدرية زمانية والثاني أنها شرطية (فاستقيموا لهم) على الوفاء به، قيل هم بنو بكر، وقيل بنو كنانة وبنو ضمرة وقال ابن عباس: هم قريش، وعن ابن زيد نحوه، وقال السدي: هم بنو جذيمة، وقال مجاهد: هم أهل العهد من خزاعة.

9:8Page 188

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ

(إن الله يحب المتقين) إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين، فيكون تعليلاً للأمر بالاستقامة، وقد استقام صلى الله عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة.

(كيف) يكون لهم عهد وهو زيادة ترق في استبعاد بقاء عهد لهم، ولهذا أعاد الاستفهام التعجبي للتأكيد والتقرير (و) الحال أنهم (إن يظهروا عليكم) بالغلبة لكم ويظفروا بكم (لا يرقبوا) أي لا يراعوا أو لا يحفظوا أو لا ينتظروا فيكم (إلا ولا ذمة) قال في الصحاح: الإل العهد والقرابة، قال الزجاج: الإل عندي على ما يوجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه الإلة للحربة ومنه أذن مؤللة أي محددة، وقال الفراء: المراد به القرابة، وقيل أن الإل الجؤار وهو رفع الصوت عند التحالف، وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا جاروا بذلك جؤاراً، ويجمع الإل في القلة على آل وفي الكثرة على إلال كقدح وقداح، والأل بالفتح قيل شدة القنوط، قال الهروي في الحديث " عجب ربكم من ألكم وقنوطكم ".

وفي القاموس الإلّ بالكسر العهد والحلف وموضع، والجوار والقرابة والمعدن والحقد والعداوة والربوبية واسم الله تعالى، وكل اسم آخره ال أو إيل فمضاف إلى الله تعالى، والوحي والأمان والجزع عند المصيبة ومنه ما روي عجب ربكم من إلِّكم، فيمن رواه بالكسر ورواية الفتح أكثر اهـ.

وقال ابن زيد والسدي وأبو عبيدة: الإلّ العهد وقيل الذمة والنديم، وقال الأزهري: هو اسم لله بالعبرانية وأصله من الأليل وهو البريق يقال أل لونه يؤل ألاَّ أي صفا ولمع، والذمة العهد وجمعها ذمم فمن فسر الأول بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين، وقيل الذمة الضمان يقال هو في ذمتي أي في ضماني وبه سمي أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين، ويقال له ذمة وذمام ومذمة وهي الذم قاله ابن عرفة.

وقال الراغب: الذمام ما يذم الرجل على إضاعته من عهد، وكذلك الذمة والمذمة بالفتح والكسر وقيل لي مذمة فلا تهتكها، وقال غيره: سميت ذمة لأن كل حرمة يلزمك من تضييعها الذم يقال لها ذمة، وقال أبو عبيدة والأزهري: الذمة الأمان كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ويسعى بذمتهم أدناهم " وروي عنه أيضاً أن الذمة ما يتذمم به أي ما يجتنب فيه الذم، وقال قتادة: الإل الحلف، وقال أبو مجلز: هو الله تعالى، وعن مجاهد وعكرمة مثله، وقال ابن عباس: الإل القرابة. والذمة العهد.

(يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم) أي يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم طلباً لمرضاتكم وتطييب قلوبكم، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم كما يفعله أهل النفاق وذوو الوجهين، والكلام مستأنف لبيان حالهم عند عدم الظفر فهو مقابل في المعنى لقوله: (وإن يظهروا عليكم) الخ يقال أبى يأبى أي اشتد امتناعه فكل أباء امتناع من غير عكس، ولم يصب من فسره بمطلق الامتناع، ومجيء المضارع منه على يفعل بفتح العين شاذ، ومنه قلى يقلى في لغة قاله السمين، ثم حكم عليهم بالفسق فقال: (وأكثرهم فاسقون) وهو التمرد والتجري والخروج عن الحق لنقضهم العهود وعدم مراعاتهم لها.

اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ

ثم وصفهم بقوله:

9:9Page 188

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

(اشتروا بآيات اللة ثمناً قليلاً) أي استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر بالوفاء بالعهود ثمناً حقيراً، وهو ما آثروه من حطام الدنيا أي تركوا اتباعها للشهوات والهوى وكانت شهواتهم أكلة أطعمها أبو سفيان حملتهم على نقض العهد (فصدوا عن سبيله) أي فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق، أو صرفوا الناس عنه، وذلك أن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقوُّوهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من الشرك ونقضهم العهد، ومنعهم الناس عن الدخول في دين الإسلام.

9:10Page 188

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

(لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) قال النحاس: ليس هذا تكريراً، ولكن الأول لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة، والدليل على هذا اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً يعني اليهود، وقيل هذا فيه مراعاة لحقوق المؤمنين على الإطلاق، وفي الأول المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة، وقيل الأول وقع جواباً لقوله: (وإن يظهروا) والثاني وقع خبراً عن تقبيح حالهم (وأولئك هم المعتدون) أي المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد أو المبالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى.

9:11Page 188

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

(فإن تابوا) عن الشرك وعن نقض العهد إلى الوفاء به، قال قتادة: يقول إن تركوا اللات والعزى وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) أي التزموا أحكام الإسلام المفروضة (فإخوانكم) أي فهم إخوانكم (في الدين) أي في دين الإسلام لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وكرره لاختلاف جزاء الشرط إذ جزاء الشرط في الأول تخلية سبيلهم في الدنيا، وفي الثاني أخوتهم لنا في الدين، وهي ليست عين تخليتهم بل سببها.

(ونفصل الآيات) أي نبينها ونوضحها (لقوم يعلمون) بما فيها من الأحكام ويفهمونه، وخص أهل العلم لأنهم المنتفعون بها، والمراد بالآيات ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين على اختلاف أنواعهم، وعن ابن عباس قال: حرمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة، وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له.

وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً لم يفرق بينهما، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه، يريد ما قاله في حق من منع الزكاة والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما، يعني الصلاة والزكاة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском