Al-QinnawjiAl‑Mu'minun · 23:1–21

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

المؤمنون

Al-Mu'minun

The Believers · Meccan · 118 ayahs

23:1Page 342

قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١

Certainly will the believers have succeeded:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سورة المؤمنون

(وهي مكية وآياتها مائة وثماني عشرة)

قال القرطبي: كلها مكيّة في قول الجميع. أي بلا خلاف وآياتها مائة وتسع آية عند البصريين، ومائة وثماني عشرة آية عند الكوفيين وسبب هذا اختلافهم في قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، هل هو آية أو بعض آية. وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عبد الله بن السائب قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة الصبح، فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون. أو ذكر عيسى أخذته سلعة فركع [[مسلم 455.]]. وأخرج البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لما خلق الجنة قال لها تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون " وقد ورد في فضائل العشر الآيات من أول هذه السورة ما سيأتي قريباً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)

(قد أفلح المؤمنون) قال الفراء: قد لتأكيد فلاحهم، وإفادة ثبوت ما كان يتوقع الثبوت من قبل، أو لتقريب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة قبل حال قيامها. والمعنى أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال، والفلاح الظفر بالمراد، والفوز بالمرام والنجاة عن المكروه. وقيل البقاء في الخير، ويقال أفلح إذا دخل في الفلاح؛ ويقال أفلحه إذا أصاره إلى الفلاح وقد تقدم معنى الفلاح في البقرة.

وقرئ أُفلح بناء للمفعول، وقرئ أفلحوا على الإبهام والتفسير، أو على لغة أكلوني البراغيث.

وقد أخرج أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال: كان إذا أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوماً، فمكثنا ساعة فسرّى عنه فاستقبل القبله فقال: " اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا "، ثم قال: " لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " ثم قرأ قد أفلح المؤمنون، حتى ختم العشر، وفي إسناده يونس ابن سليم [[الترمذي كتاب التفسير سورة 23/ 1.]].

قال النسائي: لا نعرفه، وعن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت كان خلقه القرآن، ثم قالت تقرأ سورة المؤمنين، اقرأ قد أفلح المؤمنون -حتى بلغ العشر- فقالت هكذا كان خلق رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله:

23:2Page 342

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢

They who are during their prayer humbly intent

(الذين هم في صلاتهم خاشعون) وما عطف عليه، والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب، كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل. وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على قولين. قيل الصحيح الأول وقيل الثاني، وادعى عبد الواحد بن يزيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته.

حكاه النيسابوري في تفسيره قال: ومما يدل على صحة القول قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قال: (أقم الصلاة لذكري) والغفلة تضاد الذكر، ولهذا قال: (ولا تكن من الغافلين) وقوله: (حتى تعلموا ما تقولون) نهى للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته.

أخرج البيهقي عن محمد بن سيرين قال: " نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت (الذين هم في صلاتهم خاشعون) وزاد عبد الرزاق عنه فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت هذه الآية فطأطأ رأسه.

وعن علي قال: الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم وأن لا تلتفت في صلاتك. وقال ابن عباس: خاشعون، خائفون ساكنون، وقيل خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح فلا يلتفون يميناً ولا شمالاً، وهذا من فروض الصلاة عند الغزالي. وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأن اشتراط الخضوع والخشوع مخالف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه، وقد ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي عن الالتفات وعن رفع البصر إلى السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث.

23:3Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣

And they who turn away from ill speech

(والذين هم عن اللغو معرضون) قال الزجاج: اللغو هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل، وقد تقدم تفسيره في البقرة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها، وقيل هو معارضة الكفار بالسب والشتم. وقال ابن عباس: اللغو الباطل. وقيل المراد باللغو كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لم تدع إليه ضرورة ولا حاجة.

والمعنى أن لهم من الجد ما شغلهم عن الهزل، وفي وصفهم بالخشوع أولاً وبالإعراض ثانياً جمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفمس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، ومعنى إعراضهم عنه تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات، فيدخل وقت الصلاة في ذلك دخولاً أولياً، كما تفيده الجملة الأسمية.

23:4Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤

And they who are observant of zakāh

(والذين هم للزكاة فاعلون) أي يؤدونها، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، أو المراد بالزكاة هنا المصدر لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون، أي دائمون.

23:5Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥

And they who guard their private parts

(والذين هم لفروجهم حافظون) الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة، فهو اسم سوأتهما، والمراد بحفظهما لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم، قيل والمراد هنا الرجال خاصة دون النساء بدليل قوله:

23:6Page 342

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -

(إلا على أزواجهم) الخ للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه.

قال الفراء: (على) بمعنى من، وقيل إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ، أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم، وقيل يلامون على كل مباشرة إلا على ما أحل لهم فإنهم غير ملومين عليه، ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية.

وقيل المعنى إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهن، من قولهم: كان فلان على فلانة فمات عنها فخُلِّف عليها فلان [[فلان نائب فاعل لبناء خلف للمجهول.]] قاله الزمخشري، والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوّجهم أو تسريهم، وجملة (أو ما ملكت أيمانهم) في محل جر، والمراد بذلك الإماء، وعبر عنهن بـ (ما) التي لغير العقلاء لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبئة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن كسائر السلع؛ فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء، ولهذا تباع كما تباع البهائم، والمراد الإماء والجواري.

(فإنهم غير ملومين) في إتيانهن بجماع أو غيره تعليل للاستثناء مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه.

23:7Page 342

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧

But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -

(فمن ابتغى وراء) أي سوى (ذلك) من الزوجات وملك اليمين وقال الزجاج: ما بعد ذلك (فأولئك هم العادون) أي المجاوزون إلى ما لا يحل لهم فسمى سبحانه من نكح ما لا يحل عادياً. وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة. وعن القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: إني لأرى تحريمها في القرآن ثم تلا هذه الآية واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر، فهو حرام عند الجمهور؛ وقد جمع شيخنا الشوكاني في ذلك رسالة سماها بلوغ المنى في حكم الاستمنا، وذكر فيها أدلة المنع والجواز وترجيح الراجح منهما

23:8Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨

And they who are to their trusts and their promises attentive

(والذين هم لأماناتهم) قرئ بالجمع، وقرأ ابن كثير بالإفراد، والأمانة ما يؤتمنون عليه.

(وعهدهم) هو ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه، أو من جهة عباده وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا، فلا يرد ما يقال: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى لم يتمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؛ والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة (راعون) أي حافظون، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم

23:9Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

And they who carefully maintain their prayers -

(والذين هم على صلواتهم) قرأ الجمهور بالجمع، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس. وهو في معنى الجمع.

(يحافظون) المحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها.

عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الذين هم على صلاتهم دائمون؛ والذين هم على صلاتهم يحافظون. قال ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على تركها؛ قال: تركها كفر، وقد وصفهم أولاً بالخشوع في الصلاة وآخراً بالمحافظة عليها فليس في الآية تكرار، والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها، ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال:

23:10Page 342

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Those are the inheritors

(أولئك هم الوارثون) أي الأحقّاء بأن يسمَّوا بهذا الاسم دون غيرهم، لأن ضمير الفصل يدل على التخصيص، والحصر إضافي لا حقيقي، لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، ولقوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قاله الكرخي، ثم بين الموروث بقوله: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)

23:11Page 342

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.

(الذين يرثون الفردوس) لغة رومية معربة، وقيل فارسية، وقيل حبشية، وقيل عربية، وهو أوسط الجنة وأعلى الجنان، كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان، وهذا بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها، وتفخيم لها ورفع لمحلها: وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعد الكريم للمبالغة فيه.

وقيل المعنى أنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فرقوها على أنفسهم، لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. وعن أبي هريرة قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وعنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أولئك هم الوارثون) [[ابن ماجة كتاب الزهد الباب 39.]] أخرجه ابن ماجة وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم، وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، وعبد بن حميد عن أنس فذكر قصة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها " [[الترمذي كتاب التفسير سورة 23/ 2 - أحمد بن حنبل 3/ 260.]].

ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً)، وقوله: (تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) وشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجىء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم: ويضعها على اليهود والنصارى " [[مسلم 2767.]]، وفي لفظ له قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار " [[مسلم 2767.]].

(هم فيها خالدون) حالية أو مستأنفة لا محل لها، ومعنى الخلود أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس لأنه بمعنى الجنة، ولا حث الله سبحانه عباده على العبادة، ووعدهم الفردوس على فعلها وتضمن ذلك المعاد الأخروي عاد إلى تقرير المبدإ ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين، فإن الابتداء في العادة أصعب من الإعادة لقوله: وهو أهون عليه، وجملة ما ذكره من الدلائل أنواع أربعة.

الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة وهي تسعة آخرها تبعثون.

الثاني: خلق السماوات بقوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق).

الثالث: إنزال الماء بقوله: (وأنزلنا من السماء ماء).

الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات بقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)، وأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية فقال.

23:12Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

(ولقد) أي والله لقد (خلقنا الإنسان) أي الجنس لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، وقيل المراد به آدم (من سلالة) فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء، والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر، وقيل إنما سمي التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سلّ من كل تربة، يقال: سلك الشعرة من العجين، والسيف من الغمد، فانسل فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة أيضاً.

وقيل السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك فالذي يخرج هو السلالة قاله الكلبي، وعن ابن عباس قال: السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد وعن ابن مسعود قال: إنَّ النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في شعر وظفر، فيمكث أربعين يوماً ثم ينحدر في الرحم فيكون علقة وللتابعين في تفسير السلالة أقوال قد قدمنا الإشارة إليها أي سلالة كائنة.

(من طين) من للبيان، والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولاً من طين لأن الأصل آدم وهو من طين خالص وأولاده من طين ومني

23:13Page 342

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

(ثم جعلناه) أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنو آدم، أو جعلنا نسله على حذف مضاف إن أريد بالإنسان آدم (نطفة) قد تقدم تفسير النطفة في سورة الحج، وكذلك تفسير العلقة والمضغة.

(في قرار مكين) المراد به الرحم وعبر عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة واختلاف العواطف بـ (ثم) والفاء لتفاوت الاستحالات يعني أن بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بـ (ثم) فجعل الاستبعاد عقلاً أو رتبة بمنزلة التراخي، والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جداً وكذا جعل النطفة البيضاء دماً أحمر بخلاف جعل الدم لحماً مشابهاً له في اللون والصورة وكذا تصليبها حتى تصير عظماً، لأنه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد، وكذا مدَّ لحم المضغة عليه ليستره، فسقط ما قيل: إن الوارد في الحديث أن مدة كل استحالة أربعون يوماً، وذلك يقتضي عطف الجميع بـ (ثم) إن نظر لآخر المدة وأولها أو يقتضي العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط.

23:14Page 342

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

(ثم خلقنا النطفة علقة) أي أنه سبحانه أحال النطفة البيضاء علقة حمراء (فخلقنا العلقة مضغة) أي قطعة لحم غير مخلقة (فخلقنا المضغة) أي غالبها أو كلها، قولان حكاهما أبو السعود (عظاماً) أي متصلبة لتكون عموداً للبدن على أشكال مخصوصة.

(فكسونا العظام لحماً) من بقية المضغة أو مما أنبت الله سبحانه على كل عظم لحماً على المقدار الذي يليق به ويناسبه (ثم أنشأناه خلقاً آخر) مبايناً للخلق الأول أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جماداً، قاله ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والربيع بن أنس والسدي والضحاك وابن زيد واختاره ابن جرير.

وقيل أخرجناه إلى الدنيا، وقيل هو نبات الشعر وقيل خروج الأسنان قاله ابن عباس، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه، وقيل كمال بابه، وقيل إن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الرضاع إلى القعود والقيام إلى المشي إلى الفطام إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم، ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها، والصحيح أنه عام في هذا؛ وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت، قال الكرخي: المعنى حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفة لا يحيط بها وصف الواصفين.

(فتبارك الله) أي استحق التعظيم والثناء، وقيل مأخوذ من البركة أي كثر خيره وبركته (أحسن الخالقين) أي المصورين والخلق في اللغة التقدير، يقال خلقت الأديم إذا قسته لتقطع منه شيئاً؛ فمعناه أتقن الصانعين المقدرين خلقاً في الظاهر، وإلا فالله خالق الكل.

عن صالح أبي الخليل: قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر)، قال عمر رضي الله عنه: فتبارك الله أحسن الخالقين قال: " والذي نفسي بيده ختمت بالذىِ تكلمت به يا عمر ".

وعن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجاباً؟ فإنه يدخل عليك البر والفاجر فأنزل الله: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب)، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن فنزلت (عسى ربه إن طلقكن) الآية، ونزلت (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة) إلى قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر) فقلت: فتبارك الله أحسن الخالقين، أخرجه الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.

وعن زيد بن ثابت قال: أملى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (ولقد خلقنا الإنسان) الآية، فقال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: " بها ختمت "، وفي إسناده جعفر الجعفي وهو ضعيف جداً، قال ابن كثير: وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ إنما كان بالمدينة والله تعالى أعلم [[ابن كثير 3/ 242.]].

23:15Page 342

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

(ثم إنكم بعد ذلك) أي الأمور المتقدمة (لميتون) أي لصائرون إلى الموت لا محالة

23:16Page 342

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

(ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) من قبوركم إلى المحشر للحساب والجزاء والعقاب.

23:17Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧

And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.

(ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) اللام جواب قسم محذوف، والجملة مبتدأة مشتملة على بيان خلق ما يحتاجون إليه، بعد بيان خلق أنفسهم، والمراد بالفوق جهة العلو من غير اعتبار فوقية لهم، لأن تلك النسبة إنما تعرض لهم بعد خلقهم، ووقت خلق السماوات لم نكن مخلوقين، ولم تكن هي فوقنا، بل خلقنا بعد، قاله الحفناوي.

والطرائق هي السماوات، قال الخليل والفراء والزجاج: سميت طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض، كمطارقة المنعل، وكل ما فوقه مثله، فهو طريقه، قاله البيضاوي، قال أبو عبيدة: طارقت الشيء جعلت بعضه فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة، وقيل لأنها طرائق الملائكة في العروج والهبوط والطيران، قاله الرازي، وقيل لأنها طرائق الكواكب ومتقلباتها.

(وما كنا عن الخلق غافلين) المراد بالخلق هنا المخلوق أي: وما كنا عن هذه السبع الطرائق وحفظها عن أن تقع على الأرض بغافلين، وقال أكثر المفسرين: المراد الخلق كلهم بل حفظنا السماوات عن أن تسقط وحفظنا من في الأرض أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم أو تميد بهم الأرض أو يهلكون بسبب من الأسباب المستأصلة لهم، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم وما يعيشهم ونفي الغفلة عن ضظهم وعن أعمالهم وأقوالهم.

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)

23:18Page 343

وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨

And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.

(وأنزلنا من السماء ماء) هذا من جملة ما امتنّ الله سبحانه به على خلقه، والمراد بالماء ماء المطر، فإن به حياة الأرض وما فيها من الحيوان، ومن جملة ذلك ماء الأنهار النازل من السماء، والعيون والآبار المستخرجة من الأرض، فإنّ أصلها من ماء السماء، وقيل ماء أي عذباً، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض مع القحط، والعذب يقل مع القحط، وفي الأحاديث أن الماء كان موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، ثم جعل الله منه في السماء ماء وفي الأرض ماء كذا في البحر.

و (من) ابتدائية وتقديمها على المفعول الصريح للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والعدول عن الإضمار لأن الإنزال لا يعتبر فيه عنوان كونها طرائق بل مجرد كونها بصفة العلو.

(بقدر) أي: بتقدير منّا لاستجلاب منافعهم، ودفع مضارهم أو بمقدار ما يكون به صلاح الزرائع والثمار والشرب، فإنه لو كثر لكان به هلاك ذلك، ومثله قوله تعالى (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم).

(فأسكناه في الأرض) أي جعلناه ساكناً مستقراً ثابتاً فيها، بعضه على ظهرها، وبعضه في بطنها، ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في المستنقعات والغدران ونحوها عند انقطاع المطر، وأخرج ابن مردويه والخطيب قال السيوطي بسند ضعيف: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعلها منافع للناس في أصناف معايشهم فذلك قوله: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض) فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله: (وإنا على ذهاب به لقادرون) فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة ".

قال البغوي: رواه الحسن بن سفيان بالإجازة عن سعيد بن سابق السكندري عن مسلمة بن علي [[مسلمة بن عُلَيّ بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء شامي واهي الحديث، قال البخاري منكر الحديث، وقال النسائي متروك، والحديث ساقه ابن عدي بإسناده في الضعفاء ونبه دحيم بأنه ليس بشيء، وقال أبو حاتم لا يشتغل به. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، أما مقاتل بن حيان وهو من رجال مسلم وإن لم يرو له البخاري فقد قال وكيع: ينسب إلى الكذب، وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن حيان ولا بمقاتل بن سليمان، وقال ابن خزيمة: لا أحتج بمقاتل بن حيان. قلت: ومن ثم لا يعتد بهذا الحديث. " المطيعي ".]] عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس، والمعنى كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه، إما بالإفساد وإما بالتصعيد وإما بالتعميق والتغوير في الأرض، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى، وفي هذا تهديد شديد لما يدل عليه من قدرته سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم. ومثله قوله: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)، ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء فقال:

23:19Page 343

فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩

And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.

(فأنشأنا) أي أوجدنا (لكم به) أي بذلك الماء (جنات من نخيل وأعناب) إنما أفردهما بالذكر لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام والإدام والفواكه رطباً ويابساً. وقيل اقتصر سبحانه عليهما لأنهما الموجودان في الطائف والمدينة وما يتصل بذلك، كذا قال ابن جرير. وقيل لأنهما أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعماً ولذة.

(لكم فيها) أي في هذه الجنات (فواكه كثيرة) تتفكهون بها (ومنها تأكلون) وتطعمون منها شتاء وصيفاً. وقيل: المعنى ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم، كقولهم فلان يأكل من حرفة كذا، وهو بعيد. وقيل المعنى أن لكم فيها فواكه من غير العنب والنخيل. وقيل المعنى لكم في هذين النوعين خاصة فواكه، لأن فيهما أنواعاً مختلفة متفاوتة في الطعم واللون.

وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق اختلافاً كثيراً، وأحسن ما قيل أنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليس بقوت لهم ولا طعام ولا إدام واختلف في البقول هل تدخل الفاكهة أم لا؟.

23:20Page 343

وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠

And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.

(وشجرة) قال الواحدي: والمفسرون كلهم يقولون: إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون، وخصت بالذكر لأنها لا يتعاهدها. أحد بالسقي، وهي التي يخرج الدهن منها، وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان، تعمر في الأرض كثيراً حتى قال بعضهم أنها تعمر ثلاثة آلاف سنة على ما ذكره الخازن، فذكرها الله سبحانه امتناناً منه على عباده بها، ولأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً وأكثرها بركة (تخرج من طور سيناء) خصت به مع أنها تخرج من غيره أيضاً لأن أصلها منه ثم نقلت إلى غيره، ذكره زكريا، وهو جبل ببيت القدس، والطور الجبل في كلام العرب، وقيل هو مما عرب من كلام العجم.

واختلف في معنى سيناء، فقيل هو الحسن باللغة الشبطية، وقيل بالحبشيَّة، وقيل بالسريانية، ومعناه الجبل الملتف بالأشجار، وقيل كل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سيناء وسينين.

وقيل هو من السنا وهو الارتفاع، وقيل هو المبارك. وذهب الجمهور إلى أنه اسم للجبل، كما تقول جبل أحد، وقيل هو جبل فلسطين، وقيل هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل. وقيل سيناء اسم حجر بعينه، أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقيل هو كل جبل يحمل الثمار. وقرئ سيناء بفتح السين وبكسرها ولم يصرف لأنه جعل اسماً للبقعة، وزعم الأخفش أنه أعجمي.

قال ابن عباس: هو الجبل الذي نودي منه موسى.

(تنبت بالدهن) قال ابن عباس: هو الزيت يؤكل منه ويدهن به، وقرئ بفتح التاء وضم الباء، وبضم التاء وكسر الباء من الثلاثي والرباعي، والمعنى على الأولى أنها تنبت في نفسها متلبسة بالدهن؛ وعلى الثانية الباء بمعنى مع فهي للمصاحبة قال أبو علي الفارسي: التقدير تنبت جناها، ومعه الدهن. وقيل الباء زائدة قاله أبو عبيدة.

وقال الفراء والزجاج: إنّ نبت وأنبت بمعنى؛ والأصمعي ينكر أنبت، وقرئ تُنبَت بضم التاء وفتح الباء. قال الزجاج؛ وابن جنيّ: أي تنبت ومعها الدهن. وقرأ ابن مسعود: تخرج بالدهن، وقرئ تنبت الدهن بحذف حرف الجر وقرئ بالدهان، والدهن عصارة كل شيء ذي دسم: قاله السمين.

(وصبغ للآكلين) أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهناً يدهن به وكونه صبغاً يؤتدم به، وقرئ صباغ مثل لبس ولباس، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبّه الإدام به لأن الخبز يكون بالأدام كالمصبوغ به، جعل الله سبحانه في هذه الشجرة المباركة أدماً وهو الزيتون ودهناً وهو الزيت.

23:21Page 343

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١

And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.

(وإن لكم في الأنعام لعبرة) هذه من جملة النعم التي امتن الله بها عليهم، وقد تقدم تفسير الأنعام في سورة النحل، وهي الإبل والبقر والغنم.

قال النيسابوري: ولعل القصد بالأنعام هنا إلى الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة، ولأنه قرنها بالفلك، وهي سفائن البر، كما أن الفلك سفائن البحر. قال ذو الرمة:

سفائن برّ تحت خدّي زمامها

وبين سبحانه أنها عبرة وعظة لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظم القدرة الإلهية، وخصها بالعبرة دون النبات لأن العبرة فيها أظهر، ثم فصل سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعد ما ذكره من العبرة فيها للعباد فقال: (نسقيكم) بضم النون وفتحها.

(مما في بطونها) يعني اللبن المتكوّن في بطونها المنصب إلى ضروعها من بين فرث ودم، فإن في انعقاد ما تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ والمشروب النفيس أعظم عبرة للمعتبرين وأكبر موعظة للمتعظين، وقرئ بالفوقية على أن الفاعل هو الأنعام، وذكره هنا بلفظ الجمع لأنه راجع للأنعام مراداً بها الجمع، وفي النحل قال: مما في بطونه بالإفراد نظراً إلى أن الأنعام اسم مفرد، ذكره زكريا في متشابه القرآن.

وقال الكرماني: إن ما في النحل مراد به بعض الأنعام وهو الإناث، فأتى بالضمير مفرداً مذكراً، والمراد منه هنا الكل الشامل للإناث والمذكور، بدليل العطف في قوله الآتي: (ولكم فيها منافع)، فإن هذا لا يخص الإناث، وهذا العطف لم يذكر في النحل، ثم ذكر ما فيها من المنافع إجمالاً فقال: (ولكم فيها) أي في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها وهي حية (منافع كثيرة) ثم ذكر منفعة خاصة فقال: (ومنها تأكلون) بعد الذبح، لما في الأكل من عظيم الانتفاع لهم، وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском