Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:86–100
12:86Page 245
قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦
He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.
(قال إنما أشكو بثي وحزني) بضم الحاء وسكون الزاي وقرئ بفتحهما (إلى الله) هذه الجملة مستأنفة كأنه قيل فما قال يعقوب لما قالوا له ما قالوا، والبث ما يرد على الإنسان من الأشياء التي تعظم حزن صاحبها حتى لا يقدر على إخفائها كذا قال أهل اللغة وهو مأخوذ من بثثته أي فرقته، فسميت المصيبة بثاً مجازاً. قال ابن قتيبة البث أشد الحزن.
وقد ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب كان ذلك حزناً وهماً، وإن لم يقدر على كتمه وذكره لغيره كان ذلك بثاً، فالبث على هذا أعظم الحزن وأصعبه، وقيل البث الهم وقيل الحاجة وعلى هذا يكون عطف الحزن على البث واضح المعنى، وأما على تفسير البث بالحزن العظيم فكأنه قال: إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن القليل إلى الله لا إلى غيره من الناس ولا إليكم.
وعن مسلم بن يسار يرفعه قال: من بث لم يصبر، ثم قرأ هذه الآية. أخرجه ابن جرير وعبد الرزاق. قال ابن عباس: بثي همي.
(وأعلم من الله) أي من لطفه وإحسانه وثوابه على المصيبة (ما لا تعلمون) أنتم وأنه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، وقيل أراد علمه بأن يوسف عليه السلام حي لكنه لم يعرف أين هو، وقيل أراد علمه بأن رؤياه صادقة وأني لأسجد له، قاله ابن عباس، وقيل أعلم من إجابة المضطرين إلى الله ما لا تعلمون.
12:87Page 246
يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧
O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."
(يا بني اذهبوا فتحسسوا) التحسس بمهملات طلب الشيء بالحواس مأخوذ من الحس أو من الإحساس، أي اذهبوا فتعرفوا (من) خبر (يوسف وأخيه) بالحاسة كالبصر والسمع وتطلبوه، وقرئ بالجيم وهو أيضاً التطلب وقيل بالحاء في الخير وبالجيم في الشر ومنه الجاسوس، ومن هنا بمعنى عن لأنه لا يقال تحسست من فلان بل عن فلان أو هي للتبعيض أي تحسسوا خبراً من أخبارهما ولم يقل أخويه لأنه كان يعلم أن الثالث مقيم بمصر فليس حاله مجهولاً عنده بخلافهما.
(ولا تيأسوا من روح الله) أي لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه ورحمته.
قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة، فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به فهو روح.
وحكى الواحدي عنه أيضاً الروح الاستراحة من غم القلب.
وقال أبو عمرو: الروح الفرج. وعن ابن زيد قال: من فرج الله يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه.
وقال ابن عباس: الروح الرحمة، يعني أنه استعير الروح للرحمة، وقيل أنه مصدر بمعنى الرحمة.
(إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين) لكونهم لا يعلمون بقدرة الله سبحانه وعظيم صنعه وخفيِّ ألطافه، والمؤمن يصبر عند البلاء وينتظر الفرج والرحمة فينال به خيراً ويحمد الله عند الرخاء، والكافر بضد ذلك.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)
12:88Page 246
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨
So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."
(فلما دخلوا عليه) أي على يوسف عليه السلام والتقدير فذهبوا كما أمرهم أبوهم إلى مصر ليتحسسوا من يوسف عليه السلام وأخيه، فلما دخلوا على يوسف عليه السلام (قالوا يا أيها العزيز) أي الملك الممتنع القادر، وكان العزيز لقب ملك مصر يومئذ (مسنا وأهلنا الضر) أي الجوع والحاجة.
قال قتادة: الضر في المعيشة وعدلوا إلى الشكوى لأن التحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق، والاعتراف بالعجز وضيق اليد وشدة الحاجة مما يرقق القلب، فقالوا نختبره بهذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا المقصود، وإلا شكونا. وفيه دليل على أنه يجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه، كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة.
وعبارة أبي السعود وإنما لم يبدءوا بما أمروا به استجلاباً للرأفة والشفقة ليبعثوا بما قدموا من رقة الحال رقة القلب والحنو انتهى. وهذه المرة التي دخلوا فيها مصر هي المرة الثالثة كما يفيده ما تقدم من سياق الكتاب العزيز.
(وجئنا ببضاعة مزجاة) البضاعة هي القطعة من المال يقصد بها شراء شيء يقال أبضعت الشيء واستبضعته إذا جعلته بضاعة، وفي المثل كمستبضع التمر إلى هجر، والإزجاء السوق بدفع.
وقال الواحدي الإزجاء في اللغة السوق والدفع قليلاً قليلاً، ومنه قوله تعالى (ألم تر أن الله يزجي سحاباً) والمعنى أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار.
قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. قال أبو عبيد: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة.
قال ابن عباس: دراهم مزجاة أي كأسدة، وعنه أيضاً مزجاة رثة المتاع خلقة الحبل والغرارة والشيء، وأيضاً الورق الزيوف التي لا تنفق حتى يوضع منها.
وفي القاموس زجاه ساقه ودفعه ومزجاة قليلة أو لا يتم صلاحها، وفي المصباح زجيته بالتثقيل دفعته برفق.
واختلف في هذه البضاعة ما هي، فقيل كانت قديداً وحيساً، وقيل صوف وسمن؛ وقيل الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل دراهم رديئة زيوف، وقيل المنعال والأدم، ثم طلبوا منه بعد أن أخبروه بالبضاعة التي معهم أن يوفي لهم الكيل أي يجعله تاماً لا نقص فيه وأن يتصدق عليهم فقالوا:
(فأوف لنا الكيل وتصدق علينا) إما بزيادة يزيدها لهم على ما يقابل بضاعتهم أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاءوا بها وأن يجعلها كالبضاعة الجيدة في إيفاء الكيل لهم بها، وبهذا قال أكثر المفسرين، وقد قيل كيف يطلبون التصدق عليهم وهم أنبياء والصدقة محرمة عليهم. وأجيب باختصاص ذلك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن جريج: معنى قولهم أردد علينا أخانا. وبه قال الضحاك. وقال ابن الأنباري وكان الذي يسألونه من المسامحة يشبه الصدقة لا نفس الصدقة.
(إن الله يجزي المتصدقين) بما يجعله لهم من الثواب الأخروي أو التوسيع عليهم في الدنيا قال الضحاك: ولم يقولوا أن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن ولما قالوا ذلك لم يتمالك يوسف عليه السلام أن عرفهم نفسه حيث
12:89Page 246
قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩
He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"
(قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، وقد كانوا عالمين بذلك ولكنه أراد ما ذكرناه ويستفاد منه تعظيم الواقعة لكونه في قوة ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف عليه السلام وأخيه، وما أقبح ما أقدمتم عليه، كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت، والذي فعلوه بيوسف عليه السلام هو ما تقدم مما قصه الله سبحانه علينا في هذه السورة.
وأما ما فعلوا بأخيه فقال جماعة من المفسرين هو ما أدخلوه عليه من الغم بفراق أخيه يوسف عليه السلام وما كان يناله منهم من الاحتقار والإهانة ولم يستفهم عما فعلوا بأبيهم يعقوب مع أنه قد ناله منهم ما قصه الله فيما سبق من صنوف الأذى.
قال الواحدي؛ ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيماً له ورفعاً من قدره، وعلما بأن ذلك كان بلاء له من الله عز وجل ليزيد في درجته عنده تعالى.
(إذ أنتم جاهلون) نفى عنهم العلم وأثبت لهم صفة الجهل لأنهم لم يعملوا بما يقتضيه العلم، وقيل أنه أثبت لهم صفة الجهل لقصد الاعتذار عنهم وتخفيف الأمر عليهم، فكأنه قال إنما اقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم وقصور معارفكم عن عاقبته وما يترتب عليه، أو أراد أنهم عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر اعتذاراً لهم ودفعاً لما يدهمهم من الخجل والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا في ذلك الوقت كباراً، وهذا الآية تصديق لقوله تعالى (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون).
12:90Page 246
قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠
They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."
(قالوا أئنك لأنت يوسف) قرئ بالاستفهام التقريري وبدونه، وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب.
وقيل سبب معرفتهم له بمجرد قوله (ما فعلتم بيوسف وأخيه) أنهم لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو، وقيل إنه لما قال لهم هذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه، وقيل إنه تبسم فعرفوا ثناياه.
(قال أنا يوسف) أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه، قال ابن الأنباري: أظهر الاسم فقال أنا يوسف ولم يقل أنا هو تعظيماً لما وقع له من ظلم إخوته، كأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فاكتفى بإظهار الاسم عن هذه المعاني وقال (وهذا أخي) مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي (قد منَّ الله علينا) بالخلاص عما ابتلينا به، وقيل منَّ الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق وقيل بالسلامة في ديننا ودنيانا ولا مانع من إرادة جميع ذلك.
(إنه من يتق ويصبر) قرئ بالجزم على أن من شرطية وقرئ بإثبات الياء في يتقي وقيل من موصولة لا شرطية وهو بعيد والمعنى من يفعل التقوى أو يفعل ما يتقيه من الذنوب ويصبر على المصائب، وقيل يتقي الزنا ويصبر على العزوبة، وقيل يتقي المعصية ويصبر على السجن، وقيل يتقي الله بأداء فرائضه ويصبر عما حرم الله، وقيل يتقي الفحشاء ويصبر على الطاعة والعموم أولى، ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع.
(فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) على العموم فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولاً أولياً وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان.
12:91Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١
They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."
(قالوا تالله لقد آثرك) اختارك وفضلك (الله علينا) بما خصك به من صفات الكمال أو بالعلم والعقل أو بالملك قاله الضحاك أو بالصبر قاله أبو صالح أو بالحلم والصفح أو بالحسن، وقيل بالنبوة وقيل بسائر الفضائل التي أعطاها الله له دون إخوته، واللفظ أوسع من ذلك ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره قيل ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء، فإن درجة الأنبياء متفاوتة قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) ويستعار آثر للفضل والإيثار للتفضيل.
(وإن كنا لخاطئين) أي وإن الشأن كذلك، قال أبو عبيدة: خطأ وأخطأ واحد، وقال الأزهري: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره. ومنه قولهم المجتهد يخطئ ويصيب والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا لعفوه واستجذاباً لصفحه، وقيل آثر لفظ خاطئين على مخطئين موافقة لرؤوس الآي.
12:92Page 246
قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢
He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.
(قال لا تثريب) التثريب التعيير والتوبيخ أي لا لوم (عليكم اليوم) قال الأصمعي: ثربت عليه قبحت عليه فعله، وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لا بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة ولكم عندي الصفح والعفو، وأصل التثريب الإفساد وهي لغة أهل الحجاز، وقال ابن الأنباري: معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب.
قال ثعلب: ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة التثريب كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم.
وقد جوز الأخفش الوقف على (عليكم) فيكون اليوم متعلقاً بالفعل الذي بعده وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري عن عكرمة قال لا تثريب لا تعيير، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة التفت إلى الناس فقال ماذا تقولون وماذا تظنون فقالوا: ابن عم كريم فقال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [[أنظر كامل القصة في سيرة ابن هشام 4/ 54، 55؛ طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر 1355هـ، 1936م.]].
ثم دعا لهم بقوله (يغفر الله لكم) على تقدير الوقف على اليوم وهو بمنزلة التعليل أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على عليكم (وهو أرحم الراحمين) يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم.
قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألم تر إلى قول يوسف عليه السلام (لا تثريب عليكم اليوم) وقال يعقوب (سوف أستغفر لكم ربي).
أقول وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف عليه السلام أن يعفو عنهم لقولهم (لقد آثرك الله علينا) فقال (لا تثريب عليكم اليوم) لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز وجل وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول.
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف عليه السلام ما كان كتب يعقوب إلى يوسف عليه السلام وهو لا يعلم أنه يوسف عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء كان جدي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمر الله جدي أن يذبح له أبي [[الصحيح والقول الراجح أن الذبيح هو نبي الله إسماعيل وهو الابن الأكبر للخليل صلى الله عليه وسلم.]] ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن وكان أحب الناس إليَّ ففقدته فأذهب حزني عليه نور بصري وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب على بعض وجدي وهو المحبوس عندك في السرقة وإني أخبرك لم أسرق، ولم ألد سارقاً، فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب بكى وصاح وقال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95)
12:93Page 246
ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣
Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."
(اذهبوا بقميصي) الباء للتعدية أو اذهبوا معكم قميصي و (هذا) نعت له أو بيان أو بدل قيل هو القميص الذي ألبسه الله إبراهيم لما ألقي في النار وكساه إبراهيم إسحاق وكساه إسحاق يعقوب، وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قصب وعلقه في عنق يوسف عليه السلام لما كان يخاف عليه من العين، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه بصره لأن فيه ريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شفي، ولا مُبْتَلَى إلا عوفي.
قال ابن عباس: ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه فلما أراد الله أن يرد يوسف عليه السلام على يعقوب وكان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل فوجد يعقوب ريحه، وليس يقع شيء من الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله.
(فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) المعنى يصير بصيراً على أن يأت هي التي من أخوات كان، قال الفراء: يرجع بصيراً، وقال السدي: يعود بصيراً ويشهد له (فارتد بصيراً) قيل كان ذلك بوحي الله وقيل بعث إليه قميصه ليزول بكاؤه وينشرح صدره، قال يهوذا أنا أحمل قميص الشفاء كما ذهبت بقميص الجفاء قيل حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً وقيل معناه يأت إليّ إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى.
ويؤيده قوله (وأتوني بأهلكم أجمعين) أي جميع من شمله لفظ الأهل من النساء والذراري، قيل كانوا نحو سبعين وقيل ثلاثة وتسعين.
12:94Page 246
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤
And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."
(ولما فصلت العير) أي خرجت منطلقة من عريش مصر أو من مصر إلى الشام، يقال فصل فصولاً وفصلته فصلاً لازم ومتعد. ويقال فصل من البلد فصولاً إذا انفصل عنه وخرج منه وجاوز حيطانه.
(قال أبوهم) يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله (إني لأجد ريح يوسف) أي أدركها بحاسة الشم أي أشمها أي ريح الجنة من قميص يوسف عليه السلام، فالإضافة لأدنى ملابسة.
قيل إنها هاجت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا فحملت ريح القميص إلى يعقوب مع طول المسافة فأخبرهم بما وجد. قال ابن عباس: وجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام، وقيل من مسيرة عشرة أيام؛ وقيل من مسيرة ثمانين فرسخاً.
ثم قال (لولا أن تفندون) أي لولا إن تنسبوني إلى الفند وهو ذهاب العقل من الهرم، يقال أفند الرجل إذا خرف وتغير عقله قاله مجاهد، وقال أبو عبيدة: لولا أن تسفهون فجعل الفند السفه.
وقال الزجاج وابن عباس: لولا أن تجهلون فجعل الفند الجهل، وقال أبو عمرو الشيباني: التفنيد التقبيح، وقيل هو الكذب، قاله ابن عباس، وقال ابن الأعرابي: لولا أن تضعفوا رأي. وروى مثله عن أبي عبيدة، وقال الأخفش: التفنيد اللوم وضعف الرأي.
وكل هذه المعاني راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي، يقال فنده تفنيداً إذا أعجزه التعجيز وأفند إذا تكلم بالخطأ، والفند الخطأ من الكلام. وعن الربيع قال: لولا أن تحمقون، أخبرهم يعقوب بأن الصَّبا قد حملت إليه ريح حبيبه وأنه لولا ما يخشاه من التفنيد لما شك في ذلك:
فإن الصبا ريح إذا ما تنفست ... على نفس مهموم تجلت همومها
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر
ولقد تهب لي الصبا من أرضها ... فيلذ مسّ هبوبها ويطيب
قيل أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف عليه السلام قبل أن يأتيه البشير.
قال أهل المعاني: إنّ الله أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدة المحنة من المكان البعيد، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في مدة المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل.
12:95Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥
They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."
(قالوا) أي قال الحاضرون عنده من أهله (تالله إنك) يا يعقوب (لفي ضلالك) ذهابك (القديم) عن طريق الصواب الذي كنت عليه قديماً من إفراط حبك ليوسف عليه السلام ورجاء لقائه على بعد العهد لا تنساه ولا تفتر عنه، ولسان حال يعقوب يقول لهم:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه
وقيل الضلال الجنون قاله سعيد بن جبير، وقيل أنك في محبتك القديمة، قاله مجاهد، وقال ابن عباس: في خطئك القديم، قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير وكان عندهم أن يوسف قد مات وهلك.
فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
12:96Page 247
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦
And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"
(فلما أن جاء البشير) بين يدي العير قال ابن عباس: البشير البريد، وعن الضحاك مثله، قال المفسرون البشير هو يهوذا بن يعقوب قال لأخيه أنا جئته بالقميص ملطخاً بالدم فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حي فأفرحه كما أحزنته وبه قال سفيان.
(ألقاه على وجهه) أي ألقى البشير قميص يوسف عليه السلام على وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه (فارتد) الارتداد انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، والمعنى عاد (بصيراً) ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره وقوته وسروره. وعن الحسن قال: لما أن جاء البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال على أي دين خلفت يوسف؟ قال على الإسلام، قال الآن تمت النعمة.
(قال) يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال لهم إني لأجد ريح يوسف عليه السلام (ألم أقل لكم) هذا القول فقلتم ما قلتم، ويكون قوله (إني أعلم من الله مما لا تعلمون) كلاماً مبتدأً لا يتعلق بالقول، ويجوز أن تكون الجملة مقول القول ويريد بذلك إخبارهم بما قاله لهم سابقاً إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، والمعنى أعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام وأن الله يجمع بيننا.
12:97Page 247
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧
They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."
(قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم واعترفوا بالذنب؛ وفي الكلام حذف والتقدير لما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم، قالوا هذا القول اعتذاراً عما حصل منهم فوعدهم بما طلبوه منه و
12:98Page 247
قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨
He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
(قال سوف أستغفر لكم ربي) قال الزجاج أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أخلق بإجابة الدعاء لا أنه بخل عليهم بالاستغفار. قاله ابن مسعود.
وقال ابن عباس: أخرهم إلى السحر، وكان يصلي لأن دعاء السحر مستجاب. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضاً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة " هو قول أخي يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي، يقول حتى تأتي ليلة الجمعة [[ابن كثير 2/ 490.]] ".
قيل أخره إلى ليلة الجمعة لأنها اشرف الأوقات، وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف عليه السلام ولم يعلم أنه قد عفا عنهم أو ليعرف حالهم في صدق التوبة، وجملة (إنه هو الغفور الرحيم) تعليل لما قبلها.
12:99Page 247
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩
And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."
(فلما دخلوا على يوسف) لعل في الكلام محذوفاً مقدراً وهو فرحل يعقوب وأولاده وأهله إلى مصر فلما دخلوا على يوسف عليه السلام وهم يومئذ اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة.
وقال مسروق: كانوا ثلاثة وسبعين، قيل وكان دخولهم يوم عاشوراء، وكانوا حين خرجوا من مصر مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلاً سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف، قاله القرطبي، فقد بورك فيهم كثيراً حتى بلغوا هذا العدد في مدة موسى مع أن بينه وبين يوسف عليه السلام أربعمائة سنة كما في التحبير.
قال أبو هريرة: دخل يعقوب مصر في ملك يوسف عليه السلام وهو ابن مائة وثلاثين سنة وعاش في ملكه ثلاثين سنة ومات يوسف عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة، قال أبو هريرة: وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة.
(آوى إليه أبويه) أي ضمهما وأنزلهما عنده، قال المفسرون المراد بالأبوين هنا يعقوب وزوجته خالة يوسف عليه السلام لأن أمه قد ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين، وقيل أحيى الله له أمه تحقيقاً للرؤيا حتى سجدت له، وبه قال قتادة وسفيان بن عيينة.
قال الخازن: والأول هو المعتمد وهذا مبني على أنه تزوج راحيل في حياة أختها ليا، قال الحفناوي وهذا قول ضعيف وأن الراجح أن ليا ماتت قبل أن يتزوج راحيل، وعلى هذا فلعله كانت لهما أخت ثالثة تزوجها يعقوب بعدهما وأدركت هذه القضية انتهى، وقيل كانت أمه باقية فلا حاجة إلى التأويل وهو الأولى بظاهر النظم القرآني.
(وقال ادخلوا مصر) أي للإقامة بها (إن شاء الله آمنين) على أنفسكم وأهليكم مما تكرهونه من القحط وأصناف المكاره، وقد كانوا فيما مضى يخافون ملوك مصر ولا يدخلونها إلا بجوار منهم، وقيل والتقييد بالمشيئة عائد إلى الدخول مع الأمن ولا مانع من عوده إلى الجميع لأن دخولهم لا يكون إلا بمشيئة الله سبحانه كما أنهم لا يكونون آمنين إلا بمشيئته.
وقيل أن التقيد بالمشيئة راجع إلى قوله عليه السلام: سوف أستغفر لكم ربي، وهو بعيد جداً وظاهر النظم القرآني أن يوسف عليه السلام قال لهم هذه المقالة أعني ادخلوا مصر قبل دخولهم، وقد قيل في توجيه ذلك أنه تلقاهم إلى خارج مصر فوقف منتظراً لهم في مكان أو خيمة فدخلوا عليه فآوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر، فلما دخلوا مصر دخلوا عليه دخولاً آخر في المكان الذي له بمصر فهذا الدخول غير الأول.
ولمصر فضائل كثيرة ذكرها المقريزي في الخطط منها أن الله عز وجل ذكرها في كتابه العزيز بضعاً وعشرين مرة تارة بصريح الذكر وتارة إيماء وقال ابن عباس سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن وقد جاء في فضل مصر أحاديث أوردها المقريزي في تاريخه، ومن أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها وتنور ثمارها ومن شاء أن يطلع على مواقع مصر ومجرياتها فعليما أن ينظر في الخطط وفي حسن المحاضرة للسيوطي.
12:100Page 247
وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠
And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration.1 And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle2 in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.
(ورفع أبويه على العرش) أي أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هي عادة الملوك قال ابن عباس: العرش السرير والرفع النقل إلى العلو (وخروا) أي الأبوان والإخوة (له) أي ليوسف عليه السلام (سجداً) وكان ذلك جائزاً في شريعتهم منزلاً منزل التحية، وقيل لم يكن ذلك سجوداً بل هو مجرد ايماء وانحناء وكانت تلك تحيتهم وهو يخالف معنى خروا له سجداً فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض.
وقيل الضمير في له راجع إلى الله سبحانه أي وخروا لله سجداً وهو بعيد جداً وقيل أن الضمير ليوسف عليه السلام واللام للتعليل أي وخروا لأجله وفيه أيضاً بعد، قال عدي بن حاتم في الآية كانت السجدة تحية من كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها، وعن قتادة نحوه، وعن ابن زيد قال ذلك سجود تشرفة كما سجدت الملائكة تشرفة لآدم وليس سجود عبادة وكان ذلك بأمر الله لتحقيق رؤياه.
(وقال) يوسف عليه السلام (يا أبت هذا تأويل رؤياي) التي تقدم ذكرها (من قبل) أي من قبل هذا الوقت في حال الصغر (قد جعلها ربي حقاً) أي صدقاً بوقوع تأويلها في اليقظة على ما دلت عليه قيل وكان بين الرؤيا والتأويل أربعون سنة أو ثمانون أو ست وثلاثون أو اثنتان وعشرون، وقيل خمس وثلاثون، وقيل سبعون حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي والله أعلم كم كان بينهما.
(وقد أحسن بي) الأصل أن يتعدى فعل الإحسان بإلى وقد يتعدى بالباء كما في قوله وبالوالدين إحساناً ويقال بي وإليّ بمعنى واحد، وقيل أنه ضمن أحسن معنى لطف أي لطف بي محسناً (إذ أخرجني من السجن) بعدما ابتليت به، ولم يذكر إخراجه من الجب، لأن في ذكره نوع من تثريب وتخجيل للإخوة وقد قال (لا تثريب عليكم اليوم) وقد تقدم سبب سجنه ومدة بقائه فيه.
وقد قيل إن وجه عدم ذكر إخراجه من الجب أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجب لأن دخوله الجب كان بحسد إخوته ودخوله السجن بسبب تهمة المرأة فإخراجه من السجن كان لزوال التهمة عنه، وكان ذلك من أعظم نعمه سبحانه عليه وفيه بعد وضعف، وقيل لأن إخراجه من السجن كان سبباً لوصوله إلى الملك، أو لأن مصيبة السجن عنده كانت أعظم لطول مدتها ولمصاحبة الأوباش وأعداء الدين فيه بخلاف مصيبة الجب لقصر مدتها ولكون المؤنس له فيها جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة.
(وجاء بكم من البدو) أي البادية أي أرض كنعان بالشام وكانوا أهل مواشي وبرية فسكنوا البادية، وقيل أن يعقوب عليه السلام تحول إلى البادية بعد النبوة لأن الله لم يبعث نبياً من البادية وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له بدا وفيه نظر والبدو هو البسيط من الأرض والبدو خلاف الحضر والبادية خلاف الحاضرة، قال الخفاجي البادية والبدو بمعنى، قيل سميت به لأن ما فيها يبدو للناظر لعدم ما يواريه.
(من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي بعد أن أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض يقال نزغه إذا نخسه وأصله من نخس الدابة ليقوى مشيها وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرماً منه وتأدبا (إنّ ربي لطيف) قال الأزهري: هو من أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده يقال لطف فلان بفلان يلطف إذا رفق به.
وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك أَرَبَكَ [[الإرْبَةُ، والَأرَبُ: الحاجة (مجمل اللغة لابن فارس/93؛ تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت 1406 هـ، 1986 م.)]] في لطف، قال الخطابي؛ اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون، وقيل اللطيف العالم بدقائق الأمور، قال قتادة: لطف بيوسف عليه السلام وصنع له حين أخرجه من السجن وجاء بأهله من البدو ونزع من قلبه نزع الشيطان وتحريشه على إخوته.
(لما يشاء) أي لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه الصواب (إنه هو العليم) بأموره (الحكيم) في أفعاله.
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)
ولما أتمّ الله نعمته على يوسف عليه السلام بما خلصه من المحن العظيمة، وبما خوله من الملك وعلمه من العلم، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع فقال
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences