Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:105–121
16:105Page 279
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فكيف يقع الافتراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رأس المؤمنين بها والداعين إلى الإيمان بها وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها فهم المفترون للكذب، قال الزجاج: المعنى إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم الكاذبين فقال (وأولئك) المتصفون بذلك (هم الكاذبون) أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، فهم الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيبهم بآيات الله، وقولهم إنما يعلمه بشر والتأكيد بالتكرار وإن، وغيرهما ردا لقولهم إنما أنت مفتر.
16:106Page 279
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦
Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;
(من كفر بالله من بعد إيمانه) أي تلفظ وتكلم بالكفر أو فعل فعل كفر سواء كان مختاراً في ذلك أو مكرهاً عليه فالاستثناء في قوله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) متصل.
وقال القرطبي: أجمع المفسرون وأهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر.
وحكى عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتداً في الظاهر وفيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة.
وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل كما تقدم، والمعنى إلا من كفر بإكراه والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: " تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ومن لم تكن به قوة فليذهب أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت لي الأرض فالحقوا بي ".
فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت فأخذهم المشركون وأبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوه إياه قال أحد أحد، وأما خباب فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف كان قلبك حين قلت، أكان منشرحا بالذي قلت أم لا؟ " قال: لا. فأنزل الله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وقيل نزلت في أناس من أهل مكة.
وقيل نزلت في جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر، والأول أولى، والحق أن الآية عامة في كل من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وإن كان السبب خاصاً، وفيه دليل على أن محل الإيمان هو القلب.
(ولكن) الاستدراك واضح لأن قوله إلا من أكره قد يسبق الوهم إلى الاستثناء مطلقاً فاستدرك هذا، وقوله (مطمئن) لا ينفي ذلك الوهم (من) موصولة أو شرطية والأول أولى.
(شرح بالكفر صدراً) أي اختاره ورضي به وطابت به نفسه (فعليهم) فيه مراعاة معنى (من) ولو راعى لفظها لأفرد وقال فعليه (غضب من الله ولهم عذاب عظيم) في الآخرة.
عن ابن عباس قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فتركوه، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما وراءك؟ " قال: شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: " كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئناً بالإيمان، قال " إن عادوا فعد "، فنزلت (إلا من أكره) الخ. قال: فذاك عمار بن ياسر، ولكن من شرح بالكفر صدراً عبد الله بن أبي سرح [[المستدرك، كتاب التفسير 2/ 357.]]، أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، وفي الباب روايات مصرحة بأنها نزلت فيه.
وعن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة وعن ابن عباس قال: هو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن وعكرمة مثله، وليس بعد هذا الوعيد العظيم وهو الجمع للمرتدين بين غضب الله وعظيم عذابه وعيد.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)
16:107Page 279
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧
That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.
(ذلك) أي الكفر بعد الإيمان أو الوعيد بالغضب والعذاب (بأنهم استحبوا الحياة الدنيا) أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا الفانية (على الآخرة) الباقية الدائمة (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) في علمه إلى الإيمان به ولا يعصمهم من الزيغ.
ثم وصفهم بقوله
16:108Page 279
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨
Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.
(أولئك) الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة (الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق، وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدمة فقال (وأولئك هم الغافلون) عما يراد بهم من العذاب في الآخرة، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه.
16:109Page 279
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩
Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.
(لا جرم) قد تقدم تحقيق الكلام في معناها أي حقاً (أنهم في الآخرة هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم، والوجب لخسرانهم أن الله وصفهم بست صفات تقدمت:
الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله.
الثانية: أنهم استحقوا عذابه العظيم.
الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا.
الرابعة: أنهم حرمهم الله من الهداية.
الخامسة: أنه طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
السادسة: أنه جعلهم من الغافلين.
16:110Page 279
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠
Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful
(ثم إن ربك للذين هاجروا) من دار الكفر إلى دار الإسلام، وخبر (إن) محذوف أي لغفور رحيم؛ وقيل الخبر هو الذين هاجروا، أي إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم وفيه بعد، قال في الكشاف (ثم) هاهنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، ويدل على ذلك ما روي أنها نزلت في ابن أبي السرح.
قال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا بذلك إليهم أن الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم فنجى من نجى وقتل من قتل.
(من بعد ما فتنوا) أي فتنتهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر، وقرئ فتنوا على البناء للفاعل وهي سبعية أيضاً، أي للذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام (ثم جاهدوا) في سبيل الله (وصبروا) على ما أصابهم من الكفار وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف (إن ربك من بعدها) أي من بعد الفتنة التي فتنوها أو بعد المهاجرة أو الجهاد أو الصبر أو جميع ذلك (لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة لهم.
ومعنى الآية على قراءة البناء للفاعل واضح ظاهر، أي إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم، وأما على قراءة البناء للمفعول وهي قراءة الجمهور فالمعنى أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في الله وصبروا على المكاره لغفور لهم رحيم بهم.
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)
وأما إذا كان سبب الآية هو هذا عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إليه، فالمعنى أن هذا المفتون في دينه بالردة إذا أسلم وجاهد وصبر فالله غفور له رحيم به.
16:111Page 280
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
(يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) أي تخاصم وتسعى في خلاصها، وقد استشكل إضافة ضمير النفس إلى النفس ولا بد من التغاير بين المضاف والمضاف إليه.
وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الإنسان وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه غيرها بل يقول نفسي نفسي ومعنى المجادلة عنها الاعتذار بما لا يقبل منه كقوله (والله ربنا ما كنا مشركين) ونحو ذلك من المعاذير الكاذبة فهو مجادل ومخاصم عن نفسه لا يتفرغ لغيرها يوم القيامة.
(وتوفى كل نفس) جزاء (ما عملت) في الدنيا من خير أو شر (وهم لا يظلمون) من جزاء أعمالهم بل يوفون ذلك كاملاً من غير زيادة أو نقصان
16:112Page 280
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢
And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.
(وضرب الله مثلاً قرية) قد قدمنا أن ضرب مضمن معنى جعل ولذا عُدِّيَ إلى مفعولين قد اختلف المفسرون هل المراد بهذا القرية قرية معينة أو المراد قرية غير معينة. قال الزمخشري: بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، ونحوه في البيضاوي.
قال القرطبي: إنه مثل مضروب لأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، ويجوز أن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.
وذهب الأكثرون إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم أشدد وطأتك على مضر وأجعلها عليهم سنين كسني يوسف " [[مسلم 675 - البخاري 483.]] فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد بذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولاً أولياً.
وأيضا يكون الوعيد أبلغ والمثل أكمل وغير مكة مثلها، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها. وعن ابن عباس قال: يعني مكة وعن عطية مثله وزاد فقال: ألا ترى أنه قال
16:113Page 280
وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣
And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.
(ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه) قال الواقدي: ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين.
والآية عند عامة المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن والنعمة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم فتقدير الآية ضرب الله مثلاً لقريتكم، أي بيَّن الله لها شبهاً، ثم وصف القرية بأنها (كانت آمنة) غير خائفة.
(مطمئنة) غير منزعجة، أي لا يخاف أهلها ولا ينزعجون، وعن ابن شهاب قال القرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب.
قلت ولا أدري أي دليل على هذا التعيين ولا أي قرينة قامت له على ذلك ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله وأي وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صح ذلك عن الصادق المصدوق.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " (يأتيها رزقها) أي ما يرتزق به أهلها (رغداً) أي واسعاً يقال رغد العيش بالضم رغادة اتسع ولأن فهو رغد ورغيد ورغد ورغد رغداً من باب تعب لغة فهو راغد وهو في رغد من العيش أي رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا والرغيد الزبد (من كل مكان) من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها أي من نواحيها من البر والبحر.
(فكفرت) أي كفر أهلها (بأنعم الله) التي أنعم بها عليهم وهي جمع نعمة كالأشد جمع شدة، وقيل كالأدرع جمع درع على ترك الاعتداد بالتاء وقيل جمع نعم مثل بؤس وأبؤس ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد وهي بمعنى النعمة وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله.
(فأذاقها الله) أي أهلها (لباس الجوع والخوف) أي أثرهما فقحطوا سبع سنين وسمي ذلك لباساً لأنه يظهر به عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة وأصلها الذوق بالفم ثم استعيرت لمطلق الإيصال مع إنبائها بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين إدراك اللمس والذوق.
روي أن ابن الراوندي الزنديق، قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان نبياً أما كان عربياً، كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال فكساها الله لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ابن الأعرابي.
وقد أجاب علماء البيان هذا أن تجريد الاستعارة وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره فكانت الاستعارة مجردة ولو قال فكساها كانت مرشحة قيل وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث أنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.
قال الرازي: والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس، فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقها، والتقدير: أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختيار قال الشاعر:
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها
أو يحمل اللبس على المماسة أي فأذاقها الله مساس الجوع (بما كانوا يصنعون) أي فعلنا بهم ما فعلنا بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه من بين أظهرهم، ولم يقل صنعت لأنه أراد أهل القرية، قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله يصنعون تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.
(ولقد جاءهم) يعني أهل مكة (رسول منهم) أي من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضررهم (فكذبوه) فيما جاء به (فأخذهم العذاب) النازل بهم من الله سبحانه (وهم) أي والحال أنهم في حال أخذهم العذاب لهم (ظالمون) لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي ولغيرهم بالإضرار لهم وصدهم عن سبيل الله.
وهذا الكلام من تمام المثل الضروب وقيل أن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم، وقيل القتل يوم بدر والأول أولى.
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)
ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكره من حال أهل القرية المذكورة أمرهم بأن يأكلوا مما زرقهم الله من الغنائم ونحوها وقال
16:114Page 280
فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤
Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.
(فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً) جاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر، والمعنى انكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنائم واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم، قيل الخطاب للمسلمين، وبه قال جمهور المفسرين، وقيل للمشركين من أهل مكة حكاه الواحدي وغيره والأول أولى.
وقيل أن الفاء (فكلوا) داخلة على الأمر بالشكر، وإنما دخلت على الأمر بالأكل لأن الأكل ذريعة إلى الشكر (واشكروا نعمة الله) التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها (إن كنتم إياه تعبدون) ولا تعبدون غيره أو أن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادة الله تعالى.
16:115Page 280
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير و) حرم الله (ما أهلَّ) أي ما رفع الصوت (لغير الله به) سواء كان صنماً أو وثناً أو نصباً أو روحاً خبيثاً من جن أو روحاً طيباً من إنس كالنبي والولي والصالح، حياً كان أو ميتاً فهو حرام.
وقد ورد في الحديث " ملعون من ذبح لغير الله " [[أحمد بن حنبل 1/ 217.]] سواء سمى الله عند ذبحه أو لم يسم لأن ما اشتهر لغيره سبحانه وتعالى ورفع به الصوت باسم الفلاني لا ينفع بعد ذلك ذكر الله تعالى عند ذبحه لأن هذا الحيوان قد انتسب إلى ذلك الغير، وحدث فيه من الخبث ما زاد على خبث الميتة فإنها لم يذكر عليها اسم الله وهذا الحيوان قد عين روحه لغير خالقه ثم ذبح له وهو الشرك بعينه وحين سرى هذا الخبث وأثر فيه لا يحل بحال وأن ذكر اسم الله عليه كما لو ذبح الكلب أو الخنزير على اسمه سبحانه وتعالى لا يحل.
والسر في ذلك إن نذر الروح لغير خالق الروح لا يجوز وإن كان حكم جميع المأكولات والمشروبات والأموال المنذورة للتقرب إلى غير الله سبحانه هكذا فإنها شرك وحرام، ولكن ثوابها الذي كان يعود إلى الناذر جاز جعله للغير كما جاز للإنسان أن يعطي ماله من شاء بخلاف روح الحيوان فإنه ليس بمملوك للإنسان حتى يعطيه لأحد غير الله، وإنما وجب الأجر في إنفاق المال لأن المال شيء ينتفع به في الحال.
ولما كان الموتى لا ينتفعون بعين المال جعل طريق إيصال النفع إليهم أن تجعل الأموال المعطاة لأهل الاستحقاق لهم فيعود ثوابها إليهم، وأما روح الحيوان فلا يصلح للانتفاع في حياة الإنسان فكيف بعد مماته ومضي الأزمان.
وأما الأضحية عن الميت التي ورد بها الحديث فمعناها أن الأجر الذي كاد يثبت في إزهاق الروح لله سبحانه وتعالى يعطى لذلك الميت لا أنه يذبح لأجله ويرفع به الصوت للتقرب إليه.
وهذه الآية الكريمة جاءت في أربعة مواضع من التنزيل ومعناها ما رفع به الصوت لغير الله لا ما ذبح باسم غير الله، فمن رفع الصوت بحيوان لغيره تعالى ثم ذكر اسم الله عند ذبحه لا ينجع له هذا الذكر شيئاً ولا يأتي بفائدة ولا يعود بعائدة ولا يحل أكله بهذا الذكر عند الذبح. وإنما الإهلال في لغة العرب بمعنى رفع الصوت لا بمعنى الذبح.
كيف ولم يرد به عرف ولا وقع في شعر قط، هذه كتب اللسان العربي ودفاتر اللغات على وجه البسيطة ليس في أحد منها الإهلال بمعنى الذبح، وإنما يقال الإهلال لرؤية الهلال ولبكاء الطفل وللتلبية بالحج لا للذبح، فليس معنى أهللت لله ذبحت له، في القاموس استهل الصبي رفع صوته بالبكاء كأهلَّ وكذا كل متكلم رفع صوته أو خفض، وأهلَّ نظر إلى الهلال والملبي رفع صوته بالتلبية.
وقال الجوهري: استهل الصبي أي صاح عند الولادة وأهلَّ المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية وأهل بالتسمية على الذبيحة، وقوله تعالى (وما أهلَّ لغير الله به) أي نودي عليه بغير اسم الله، وأصله رفع الصوت انتهى.
ولو سلم إن معناه ذبح لغير الله فأين هذا من معنى ذبح باسم غير الله حتى تنتهض به الحجة، فالقول بأن الإهلال في هذه الآية ونظائرها بمعنى الذبح وغير الله بمعنى اسم غير الله يقرب بتحريف كلامه سبحانه وتعالى حاشاه عن ذلك.
وقد حكى النظام النيسابوري في تفسيره إجماع أهل العلم على أن ذبيحة المسلم التي قصد بذبحها التقرب إلى غير الله ذبيحة مرتد، وقد صار هو مرتداً أيضاً وكان الكفار في الجاهلية إذا خرجوا من ديارهم رفعوا الأصوات بأسماء الأصنام في الطرق والشوارع وإذا وصلوا إلى مكة المكرمة طافوا الكعبة مع أن طوافهم هذا لم يكن يقبل عند الله ولهذا نزل قوله تعالى: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).
فكذلك فيما نحن فيه إذا رفع أحد الصوت بحيوان أنه لفلان أو لأجله أو يذبح له ثم ذكر عليه اسم الله عند الذبح فهاهنا لا تترتب عليه الحليّة أصلاً، نعم أن يغير النية ويبدل الأمنية ويزيل قصد التقرب به إلى غير الله، ويرفع به الصوت خلاف ما رفع به أولاً ويقول تبت عنه، ثم يذبح ويذكر عليه اسم الله تعالى يحل أكله.
وإذا تقرر لك أن الإهلال بمعنى رفع الصوت في اللغة لا بمعنى الذبح علمت أن الذي فسره بالذبح قد غلط غلطاً بيناً أو تجوّز ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعدد الحقيقة أو تأول رفع الصوت بالذبح بناء على سبب النزول وإنما العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد فسرنا الإهلال في البقرة والمائدة والأنعام بما فسر به جمهور المفسرين وهو تسامح سبق به القلم، وإنما الحق في المقام تفسيره برفع الصوت وإلغاء قيد الذبح ليتناول النظم الكريم كل حيوان رفع به الصوت لغير الله سبحانه وتعالى سواء ذبح باسم الله أو باسم غيره، وعليه تدل اللغة العربية وهي الأصل المقدم في تفسير كلام الله العزيز على الجميع ما لم يعارضه نص مقدم أو ناقل مرجح أو دليل مساو، والذي فسرنا به الآية هنا قد فسرها به الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمه الله في تفسيره وهو الصواب وبالله التوفيق.
ثم ذكر الله سبحانه الرخصة في تناول شيء مما ذكر فقال (فمن اضطر) أي دعته ضرورة المخمصة إلى تناول شيء من ذلك حال كونه (غير باغ) على مضطر آخر (ولا عاد) متعد قدر الضرورة وسد الرمق (فإن الله غفور رحيم) لا يؤاخذه بذلك، وقيل معناه غير باغ على الوالي ولا متعد على الناس بالخروج لقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح تناول شيء من المحرمات في سفر المعصية.
ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال:
16:116Page 280
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.
(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام).
قال الكسائي والزجاج (ما) مصدرية، والكذب منتصب بلا تقولوا أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه لا تحللوا، ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، وقيل (ما) موصولة والكذب منتصب بتصف أي لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه؛ فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً فيكون هذا حلال وهذا حرام بدلاً من الكذب.
قال مجاهد: في البحيرة والسائبة، وقيل يعني قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير استناد ذلك الوصف إلى الوحي.
وقيل في الكلام حذف بتقدير القول أي فتقول هذا حلال وهذا حرام أو قائلة هذا حلال وهذا حرام، وقيل لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، وقرئ كذب بضم الثلاثة على أنه نعت للألسنة، وقرئ ككتف نعتاً لما أو بدلاً منها، ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام.
عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا.
قلت صدق رحمه الله فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وأنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الحائر
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجل يقول إن الله أمر بكذا أو نهى عن كذا، فيقول الله عز وجل كذبت، أو يقول إن الله حرم كذا أو أحل كذا فيقول الله له كذبت.
(لتفتروا) اللام هي لام العاقبة لا لام الغرض، أي فيتعقب ذلك افتراؤكم (على الله الكذب) بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه.
(إن الذين يفترون على الله الكذب) أي افتراء كان (لا يفلحون) بنوع من أنواع الفلاح والفوز بالمطلوب لا في الدنيا ولا في الآخرة بدليل ما بعده
16:117Page 280
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.
(متاع قليل) قال الزجاج: متاعهم متاع قليل، وقيل لهم متاع قليل (ولهم عذاب أليم) يردون إليه في الآخرة.
ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال
16:118Page 280
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.
(على الذين هادوا) أي على اليهود خاصة دون غيرهم (حرمنا ما قصصنا عليك) بقولنا حرمنا عليهم كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما. الآية.
(من قبل) متعلق بقصصنا أو بحرمنا. قال الحسن: يعني في سورة الأنعام؛ وعن قتادة مثله وقال حيث يقول: (وعلى الذين هادوا -إلى قوله- وإنا لصادقون) وتحريم الشيء إما لضرر فيه وإما لبغي المحرم عليهم، فقوله إنما حرم عليكم الخ، إشارة للقسم الأول وهذا إشارة للقسم الثاني.
(وما ظلمناهم) بذلك التحريم بل جزيناهم ببغيهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) حيث فعلوا أسباب ذلك فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم. ثم بين سبحانه أن الافتراء على الله سبحانه ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)
16:119Page 281
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩
Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
(ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة) أي متلبسين بجهالة، أي جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أي غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، وعن السلف كل من عصى الله فهو جاهل، ولا يصدر العمل السوء إلا من الجاهل بالعاقبة، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح، وفيه بيان سعة مغفرته ورحمته لأن السوء لفظ جامع لكل فعل قبيح، فيدخل تحته الكفر وسائر المعاصي، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة النساء.
(ثم تابوا من بعد ذلك) أي من بعد عملهم للسوء، وفيه تأكيد، فإن " ثم " قد دلت على البعدية فأكدها بزيادة ذكر البعدية (وأصلحوا) أعمالهم التي كان فيها فساد بالسوء الذي عملوه؛ ثم كرر ذلك تأكيداً وتقريراً فقال (إن ربك من بعدها) أي من بعد التوبة (لغفور) كثير الغفران (رحيم) أي واسع الرحمة.
ولما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه السلام من الموحدين، وهو قدوة كثير ممن ذكره الله في آخر هذه السورة قال
16:120Page 281
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠
Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.
(إن إبراهيم كان أمّة) قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم أمة، والأمة الرجل الجامع للخير.
قال الواحدي: قال أكثر المفسرين معنى الأمة المعلم للخير وبه قال ابن مسعود، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم أمة أنه كان معلماً للخير أو جامعاً لخصال الخير أو عالماً بما علمه الله من الشرائع.
وقيل أنه كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار، فلهذا المعنى كان أمة وحده ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل: " يبعثه الله أمة وحده لأنه كان فارق الجاهلية ". قال مجاهد: قيل بمعنى مأموم أي الذي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال تعالى (إني جاعلك للناس إماماً). وحكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: أن هذا مثل قول العرب فلان رحمة وعلامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث التناهي في المعنى الذي يصفونه به، والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد، كقوله فنادته الملائكة، وإنما ناداه جبريل وحده، وإنما سمي إبراهيم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الفضل وسمات الخير والأخلاق الحميدة ما اجتمع من أمة.
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
(قانتاً لله) أي مطيعاً له قائماً بأوامره. قال ابن مسعود: هو الذي يطيع الله ورسوله. وعن ابن عباس قال: كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره فذلك ما قاله الله (كان أمة قانتاً لله).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما من عبد تشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم، والأمة الرجل فما فوقه، إن الله يقول إن إبراهيم كان أمة " أخرجه ابن مردويه وقد تقدم معنى القنوت في البقرة.
(حنيفاً) الحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، أي مسلماً مقيماً على دين الإسلام وقد تقدم بيانه في الأنعام (ولم يك من المشركين) بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل، بل كان من الموحدين المخلصين لله تعالى من صغره إلى كبره.
16:121Page 281
شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١
[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.
(شاكراً لأنعمه) التي أنعم الله بها عليه وإن كانت قليلة، كما يدل عليه جمع القلة، فهو شاكر لما كثر منها بالأولى (أجتباه) أي اختاره للنبوة واختصه بها (وهداه إلى صراط مستقيم) وهو ملة الإسلام ودين الحق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences