Al-QinnawjiAl‑Isra · 17:44–58

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:44–58

17:44Page 286

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤

The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.

(تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن) قال فيهن بضمير العقلاء لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء، وقد أخبر سبحانه عن السماوات والأرض بأنها تسبحه، وكذلك من فيها من مخلوقاته الذين لهم عقول وهم الملائكة من الإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي لا تعقل.

ففيه دلالة على أن الأكوان بأسرها دالة شاهدة بتلك النزاهة، ولكن المشركين لا يفهمون تسبيحها، فالقصد من هذا توبيخهم وتقريعهم على اتباعهم الشركاء لله مع أن كل شيء ممن عداهم ينزهه عن كل نقص.

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن قرظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فطارا به حتى بلغ السماوات العلى، فلما رجع قال: " سمعت تسبيحاً في السماوات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ".

وأخرج ابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدة فقال: " أطت السماء، ويحقها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمد " [[أخرجه أبو نعيم في الحلية 6/ 269 بهذا اللفظ وبسند ضعيف.]].

ثم زاد ذلك تعميماً وتأكيداً فقال: (وإن من شيء إلا يسبح) متلبساً (بحمده) فيشمل كل ما يسمى شيئاً كائناً ما كان حتى صرير الباب ونقيض السقف وتسبيحها سبحان الله وبحمده. وقيل أنه يحمل قوله ومن فيهن على الملائكة والثقلين ويحمل قوله وإن من شيء على ما عدا ذلك من المخلوقات.

وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا، فقالت طائفة ليس بمخصوص، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدل غيره بأن الله خالق قادر.

وقالت طائفة هذا التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره، والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله هذا التسبيح الذي معناه التنزيه، وإن كان البشر لا يسمعون ذلك لكونهم محجوبين عن سماعه ولا يفهمونه لكونه بغير لغاتهم.

وهذا يقتضي أن تسبيح الجماد بلسان المقال وهو الذي اختاره الخازن وأثبته بأحاديث متعددة، قال في الجمل وهو قريب جداً، ويؤيد هذا قوله سبحانه (ولكن لا تفقهون) بالتاء والياء (تسبيحهم) فإنه لو كان المراد تسبيح الدلالة لكان أمراً مفهوماً لكل أحد.

وأجيب بأن المراد بقوله (لا تفقهون) الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار وقالت طائفة: هذا العموم مخصوص بالملائكة والثقلين دون الجمادات، وقيل خاص بالأجسام النامية فيدخل النباتات، كما روى هذا القول عن عكرمة والحسن وخص تسبيح النباتات بوقت نموها لا بعد قطعها.

وقد استدل لذلك بحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قبرين وفيه " ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين وقال أنه يخفف عنهما ما لم ييبسا " [[مسلم 292 البخاري 164.]] ويؤيد حمل الآية على العموم قوله (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشيّ والإشراق) وقوله (وإن منها لما يهبط من خشية الله) وقوله (وتخر الجبال هداً) ونحو ذلك من الآيات.

وثبت في الصحيح أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [[البخاري كتاب المناقب باب 25 - الإمام أحمد 1/ 460.]]. وهكذا حديث حنين الجذع، وحديث أن حجراً بمكة كان يسلم جذملى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها في الصحيح.

ومن ذلك تسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم، ومدافعة عموم هذه الآية بمجرد الاستبعادات، ليس دأب من يؤمن بالله سبحانه ويؤمن بما جاء من عنده.

قال السدي: ما اصطيد حوت في البحر ولا طائر يطير إلا بما يضيع من تسبيح الله تعالى.

(إنه كان حليماً غفوراً) فمن حلمه الإمهال لكم وعدم إنزال عقوبته عليكم على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم بالتسبيح، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب منكم.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه أن نوحاً قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول سبحان الله فإنها صلاة الخلائق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق " قال الله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده).

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح " [[مسلم 2241 - البخاري 1434.]].

وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع وقال " نقيقها تسبيح " [[صحيح الجامع الصغير 6848 بلفظ " نهى عن قتل الضفدع للدواء " - الروض النضير/265.]] وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس قال: الزرع يسبح وأجره لصاحبه والثوب يسبح ويقول الوسخ إن كنت مؤمناً فاغسلني إذن، وعنه قال: كل شيء يسبح إلا الكلب والحمار أخرجه أبو الشيخ.

وعن الحسن قال: هذه الآية في التوراة كقدر ألف آية وإن من شيء إلا يسبح بحمده، قال: في التوراة تسبح له الجبال وتسبح له الشجر ويسبح له كذا وكذا، وفي الباب أحاديث وروايات عن السلف فيها تصريح بتسبيح جميع المخلوقات.

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)

ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن وما يقع من سامعيه فقال

17:45Page 286

وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥

And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1

(وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة) وهم المنكرون للبعث (حجاباً مستوراً) يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به أي أنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرون بك ولا يرونك، ذكر معناه الزجاج وغيره ومعنى مستوراً ساتراً.

قال الأخفش: والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول إنك لممشؤوم وميمون وإنا هو شائم ويأمن، وقيل معناه ذا ستر كقولهم سيل مفعم أي ذو إفعام، وقيل هو حجاب لا تراه الأعين فهو مستور عنها، وقيل حجاب من دونه حجاب فهو مستور بغيره، وقيل المراد بالحجاب المستور الطبع والختم؛ قال السيوطي: نزل فيمن أراد الفتك به صلى الله عليه وسلم انتهى. كأبى جهل وأم جميل زوجة أبي لهب.

والمراد بما في الآية مطلق القرآن أو ثلاث آيات مشهورات من النحل والكهف والجاثية وهي في سورة النحل (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم) الآية وفي سورة الكهف

17:46Page 286

وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦

And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.

(وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) الآية وفي حم الجاثية (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) الآية فكأن الله تعالى يحجبه ببركة هذه الآيات عن عيون المشركين. ذكره الخطيب.

وفي القرطبي (قلت) ويزاد إلى هذه الآيات أول سورة يس إلى قوله (فهم لا يبصرون) فإن في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام عليّ في فراشه قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس حتى فرغ ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن ينصرف.

(وجعلنا على قلوبهم أكنة) جمع كنان وهي الأغطية وقد تقدم تفسيره في الأنعام وقيل هو حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب (أن يفقهوه) أي كراهة أن يفقهوه أو لئلا يفقهوه أي يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني.

(وجعلنا في آذانهم وقراً) أي صمماً وثقلاً كراهة أن يسمعوه أو لئلا يسمعوه ومن قبائح المشركين أنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر الله سبحانه فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس كما قال تعالى:

(وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) يقال وحد يحد وحداً وحدة نحو وعد يعد وعداً وعدة فهو مصدر سد مسد الحال أصله يحد وحده بمعنى واحداً، وقال يونس منصوب على الظرف.

(ولوا على أدبارهم نفوراً) هو مصدر بمعنى التولية والتقدير هربوا نفوراً أو نفروا نفوراً، وقيل جمع نافر كقاعد وقعود قاله البيضاوي والشهاب والأول أولى، وقيل المصدر في موضع الحال والمعنى ولوا نافرين، قال ابن عباس: ولوا نفور الشياطين.

17:47Page 286

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧

We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

(نحن أعلم بما) أي بالحال الذي (يستمعون) القرآن (به) أي متلبسين به من اللغو والاستخفاف والهزء بك وبالقرآن، وقيل الباء للسببية أو بمعنى اللام وعبارة الكواشي بما يستمعون به هازئين، وقال الزمخشري: يستمعون بالهزء (إذ يستمعون إليك) ظرف لأعلم وفيه تأكيد للوعيد.

(وإذ هم نجوى) أي ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم وقد كانوا يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء (إذ) بدل من إذ قبله (يقول الظالمون) أي الوليد بن المغيرة وأصحابه (إن تتبعون) أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم ما تتبعون (إلا رجلا مسحوراً) أي سحر به فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال.

قال ابن الأعرابي: المسحور الذاهب العقل الذي افسد من قولهم طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها وقيل هو المخدوع لأن السحر الحيلة والخديعة وذلك لأنهم زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يتعلم من بعض الناس وكانوا يخدعونه بذلك التعليم.

وقال أبو عبيدة: معنى مسحوراً أن له سحراً أي رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم وتقول العرب للجبان قد انتفخ سحره وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور، قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.

17:48Page 286

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

(انظر كيف ضربوا لك الأمثال) أي قالوا تارة إنك كاهن وتارة ساحر وتارة شاعر وتارة مجنون (فضلوا) عن طريق الصواب في جميع ذلك وحادوا (فلا يستطيعون سبيلاً) إلى الهدى أو الحق أو الطعن الذي تقبله العقول السليمة ويقع التصديق له لا أصل الطعن فقد فعلوا منه ما قدروا عليه وقيل لا يستطيعون مخرجاً لتناقض كلامهم كقولهم ساحر كاهن مجنون شاعر.

ولما فرغ سبحانه من حكاية شبهة القوم في النبوات حكى شبهتهم في أمر المعاد فقال

17:49Page 286

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩

And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"

(وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً) الاستفهام للاستنكار والاستبعاد لما بين رطوبة الحي ويبوسة الرميم من المباعدة والمنافاة وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع.

فأجاب سبحانه عنهم كما سيأتي بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمر ممكن ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد فهو كقول القائل أتطمع فيَّ وأنا ابن فلان فيقول كن ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي.

والرفات ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتاة والحطام والرضاض قاله أبو عبيدة والكسائي والفراء والأخفش يقول منه رفت الشيء رفتاً أي حطم فهو مرفوت وقيل الرفات الغبار قاله ابن عباس وقيل التراب، قال مجاهد ويؤيده أنه تكرر في القرآن تراباً وعظاماً، وقيل الرفات هو ما بولغ في دقه وتفتيته وهو اسم لأجزاء ذلك الشيء المفتت أي أجزاء متفتتة.

(أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً) كرر الاستفهام الدال على الاستنكار والاستبعاد تأكيداً وتقريراً

17:50Page 287

۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠

Say, "Be you stones or iron1

(قل كونوا حجارة أو حديداً) قال ابن جرير: معناه إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم حجارة في الشدة أو حديداً في القوة إن قدرتم على ذلك.

وقال علي بن عيسى: معناه أنكم لو كنتم حجارة أو حديداً لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم إلا أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ من الإلزام.

وقيل معناه لو كنتم حجارة أو حديداً لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم قال النحاس: وهذا قول حسن لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة أو حديداً وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم فلو كنتم حجارة أو حديداً لبعثتم كما خلقتم أول مرة فليس المراد الأمر وإنما عبر فيه بمادة الكون لتعبيرهم بها في سؤالهم، قلت وعلى هذا الوجه قررنا جواب الشبهة قبل هذا.

أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54)

17:51Page 287

أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١

Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -

(أو خلقاً مما يكبر في صدوركم) أي يعظم عندكم مما هو أكبر من الحجارة والحديد مباينة للحياة فإنكم لمبعوثون لا محالة وقيل المراد به السماوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس، وقال جماعة من الصحابة والتابعين: المراد به الموت لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه.

والمعنى لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم بعثكم ولا يخفى ما في هذا من البعد لأن معنى الآية الترقي من الحجارة إلى الحديد ثم من الحديد إلى ما هو أكبر في صدور القوم منه والموت نفسه ليس بشيء يعقل ويحس حتى يقع الترقي من الحديد إليه.

(فسيقولون من يعيدنا) إلى الحياة إذا كنا عظاماً ورفاتاً أو حجارة أو حديداً مع ما بين الحالتين من التفاوت (قل) يعيدكم (الذي فطركم) خلقكم واخترعكم (أول مرة) أي عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدمة فمن قدر على البدء والإنشاء قدر على الإعادة بل هي أهون.

(فسينغضون إليك رؤوسهم) أي يحركونها استهزاء، يقال نغض رأسه ينغض نغضاً ونغوضاً إذا تحرك وانغض رأسه حركه كالمتعجب من الشيء (ويقولون) استهزاء وسخرية (متى هو) أي البعث والإعادة (قل عسى أن يكون قريبًا) أي هو قريب لأن عسى في كلام الله واجب الوقوع ومثله وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً وكل ما هو آت قريب.

17:52Page 287

يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢

On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."

(يوم يدعوكم) الظرف منتصب بفعل مضمر أي أذكر أو بدل من قريباً أو التقدير يوم يدعوكم كان ما كان والدعاء النداء إلى المحشر بكلام يسمعه الخلائق وقيل هي الصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض المحشر وقيل أن المنادي جبريل وإن النافخ إسرافيل وصورة الدعاء والنداء أن يقول أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قاله الجلال المحلى في سورة ق.

(فتستجيبون بحمده) منقادين له حامدين لما فعله بكم وقيل المعنى فتستجيبون والحمد لله أو له الحمد، وقد روي أن الكفار عند خروجهم من قبورهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. قاله سعيد بن جبير.

وقيل المراد بالدعاء هنا البعث وبالاستجابة أنهم يبعثون، فالمعنى يوم نبعثكم فتبعثون منقادين، والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة. وقيل هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين. قال ابن عباس: معنى بحمده بأمره. وقال قتادة بمعرفته وطاعته.

(وتظنون) عند البعث (إن لبثتم) إن نافية وهي معلقة للظن عن العمل وقل من يذكر إن النافية في أدوات تعليق هذا الباب أي ما لبثتم في الدنيا أو في قبوركم (إلا) زمناً (قليلاً) وقيل بين النفختين وذلك إن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين وذلك أربعون عاماً ينامون فيها، فلذلك قالوا بعثنا من مرقدنا؛ وقيل أن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم القيامة، لهول ما يرون فقالوا هذه المقالة. قاله قتادة.

17:53Page 287

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣

And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.

(وقل) يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (لعبادي) المؤمنين (يقولوا) عند محاورتهم للمشركين الكلمة (التي هي أحسن) من غيرها من الكلام الخشن كأن يقولوا لهم إنكم من أهل النار فإنه يهيجهم إلى الشر مع أن عاقبتهم مغيبة عنا وهذا كقوله سبحانه (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) وقوله (فقولا له قولاً ليناً) لأن المخاشنة لهم ربما تنفرهم عن الإجابة أو تؤدي إلى ما قال سبحانه (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) وهذا كان قبل نزول آية السيف.

وقيل المعنى قل لهم يأمروا بما أمر الله به وينهوا عما نهى الله عنه، وقيل هذه الآية للمؤمنين فيما بينهم خاصة والأول أولى كما يشهد له السبب. قال ابن سيرين: يعني لا إله إلا الله. وعن ابن جريج في الآية قال: يعفون عن السيئة وعن الحسن قال: يقول له يرحمك الله، يغفر الله لك.

(إن الشيطان ينزغ بينهم) بالفساد وإلقاء العداوة والإغراء، فلعل المخاشنة معهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد، قال اليزيدي: نزغ بيننا أي أفسد. وقال غيره: النزغ الإغراء، قال قتادة: نزغ الشيطان تحريشه، وفي القاموس نزغه كمنعه طعن فيه واغتابه وبينهم أفسد وأغوى ووسوس.

(إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً) أي متظاهراً بالعداوة ومكاشفاً بها وهو تعليل لما قبله، وقد تقدم مثل هذا في البقرة.

17:54Page 287

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤

Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.

(ربكم أعلم بكم) أي بعاقبة أمركم كما يدل عليه قوله (إن يشأ يرحمكم أو أن يشأ يعذبكم) قيل هذا خطاب للمشركين، والمعنى أن يشأ يوفقكم للإسلام فيرحمكم أو يميتكم على الشرك فيعذبكم، وقيل هو خطاب للمؤمنين، أي إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من الكفار أو يرحمكم بالتوبة والإيمان، وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم، وقيل أن هذا تفسير للكلمة التي هي أحسن.

(وما أرسلناك عليهم وكيلاً) أي ما وكلناك في منعهم من الكفر وقسرهم على الإيمان، وقيل ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم، قيل نسختها آية القتال.

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)

17:55Page 287

وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥

And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].

(وربك أعلم بمن في السماوات والأرض) ذاتاً وحالاً واستحقاقاً فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبياً، وأن يكون العراة الجوع أصحابه، قاله البيضاوي.

أقول عبر بهذه العبارة حكاية عن الكفار، وإلا فلا يجوز إطلاقها على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه أفتى بعض المالكية بقتل قائلها كما في الشفاء فكان ينبغي له تركها، وفي هذه الباء قولان أشهرهما أنها تتعلق بأعلم، ولا يلزم من ذلك تخصيص علمه بما فيهما فقط، والثاني أنها متعلقة بيعلم مقدراً، قاله الفارسي محتجاً بأنه يلزم من ذلك تخصيص علمه بما فيهما، وهو وهم لأنه لا يلزم من ذكر الشيء نفي الحكم عما عداه.

وهذا هو الذي يقول الأصوليون أنه مفهوم اللقب، ولم يقل به إلا أبو بكر الدقاق في طائفة قليلة والأصح خلافه، فالجمهور على أن اللقب لا يحتج به، قاله الكرخي وتمام هذا البحث في كتابنا حصول المأمول من علم الأصول فراجعه، وهذه الآية أعم من قوله (ربكم أعلم بكم) لأن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض من مخلوقاته، وذلك خاص ببني آدم أو ببعضهم.

وهذا كالتوطئة لقوله (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) أي أن هذا التفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة وبمن هو دونه وبمن هو يستحق مزيد الخصوصية بتكثير فضائله وفواضله، أي فيخصهم بما شاء على قدر أحوالهم، قيل يعني بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والاتباع حتى داود عليه السلام فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب كما يأتي لا بما أوتيه من الملك.

وقيل هو إشارة إلى تفيضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم هذا في البقرة، وقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى كليماً وجعل عيسى كلمته وروحه، وجعل سليمان على نبينا وعليهم الصلوات والتسليمات ملكاً عظيماً، وغفر لمحمد صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وجعله سيد ولد آدم. وفي هذه الآية دفع لما كان ينكره الكفار مما يحكيه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من ارتفاع درجته عند ربه عز وجل.

ثم ذكر ما فضل به داود فقال (وآتينا داود زبوراً) أي كتاباً مزبوراً. قال الزجاج أي فلا تنكروا تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم وإعطاءه القرآن فقد أعطى الله داود زبوراً، وفيه دلالة على وجه تفضيله وأنه خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في الزبور. قال تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته وإنما خصّ كتاب داود بالذكر لأن اليهود زعمت أنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فكذبهم الله بقوله هذا.

وتعريف الزبور تارة وتنكيره أخرى، إما لأنه في الأصل فعول بمعنى المفعول أو مصدر بمعناه كالقبول، وإما لأن المراد إيتاء داود زبوراً من الزبر فيه ذكره صلى الله عليه وسلم.

قال قتادة: كنا نحدث أن الزبور دعاء علمه داود وتحميد وتمجيد لله عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ولا أحكام.

وعن الربيع بن أنس قال: الزبور على الله ودعاء وتسبيح.

قلت الأمر كما قاله قتادة والربيع، فإنا وقفنا على الزبور فوجدناه خطباً يخطبها داود عليه السلام ويخاطب بها ربه عند دخوله الكنيسة وجملته مائة وخمسون خطبة كل خطبة تسمى مزموراً بفتح الميم الأولى وسكون الزاي وضم الميم الثانية وآخره راء، ففي بعض هذه الخطب يشكو داود على ربه من أعدائه ويستنصره عليهم، وفي بعضها يحمد الله ويمجده ويثني عليه بسبب ما وقع له من النصر عليهم والغلبة لهم وكان عند الخطبة يضرب بالقيثارة وهي آلة من آلات الملاهي.

وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور هاهنا روايات عن جماعة من السلف يذكرون ألفاظاً وقفوا عليها في الزبور ليس لها كثير فائدة فقد أغنى عنها وعن غيرها ما اشتمل عليه القرآن من الواعظ والزواجر.

17:56Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

(قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) هذا رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله.

وقيل أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله الآتي يبتغون إلى ربهم الوسيلة فإن هذا لا يليق بالجمادات روي معنى ذلك عن ابن مسعود، وقال ابن عباس: كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً والشمس والقمر.

(فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً) أي لا يستطيعون ذلك والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضر وعلى تحويله من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة.

ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المصالح ودفع المضار فقال

17:57Page 287

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

(أولئك الذين يدعون) قرئ بالتحتية على الخبر وقرأ ابن مسعود بالفوقية على الخطاب ولا خلاف في (يبتغون) أنه بالتحتية والضمير في (إلى ربهم) يعود إلى العابدين أو المعبودين (الوسيلة) هي القربة بالطاعة والعبادة أي يتضرعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم.

أخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سلوا الله لي الوسيلة "، قالوا: وما الوسيلة؟ قال: " القرب من الله ثم قرأ هذه الآية " [[الترمذي كتاب المناقب باب 1 - الإمام أحمد 2/ 265.]].

(أيهم أقرب) بالوسيلة إلى الله قاله الزجاج أي يتقرب إليه بالعمل الصالح أو يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة فكيف بمن دونه، وقيل أن يبتغون مضمن معنى يحرصون أي يحرصون أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة.

(ويرجون رحمته) كما يرجوها غيرهم (ويخافون عذابه) كما يخافه غيرهم فكيف يزعمون أنهم آلهة لأن الإله يكون غنياً بالغنى المطلق (إن عذاب ربك كان محذوراً) تعليل لقوله يخافون أي أن عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم.

ثم بينَّ سبحانه مآل الدنيا وأهلها فقال

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

(وإن) نافية للاستغراق (من) أي ما من (قرية) أي قرية كانت من قرى الكفار (إلا نحن مهلكوها) قال الزجاج: أي ما من أهل قرية إلا سيهلكون إما بموت أو خراب وإما بعذاب يستأصلهم وإنما قال (قبل يوم القيامة) لأن إهلاك يوم القيامة ليس بمختص بالقرى الكافرة بل يعم كل قرية لانقضاء عمر الدنيا (أو معذبوها عذاباً شديداً) بالقتل وأنواع العقاب إذا كفروا وعصوا.

وقيل الإهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة والأول أولى لقوله تعالى (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) قال ابن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها وقد ذكر في المدارك عن مقاتل في تفسير هذه الآية عن كتب الضحاك خراب كل قرية خاصة وبلدة معينة بنوع خاص من العذاب وقسم مخصوص من الهلاك وليس بمرفوع حتى يعتمد عليه أو يصار إليه.

(كان ذلك) المذكور من الإهلاك والتعذيب (في الكتاب) أي اللوح المحفوظ قاله إبراهيم التيمي (مسطوراً) أي مكتوباً والسطر الخط وهو في الأصل مصدر والسطر بالتحريك مثله وجمع السطر أسطاراً وجمع السطر بالسكون أسطر عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال: ما اكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد " أخرجه الترمذي. [[الترمذي، كتاب القدر، باب 17 - تفسير سورة 68.]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском