Al-QinnawjiAl‑Kahf · 18:28–42

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:28–42

18:28Page 297

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨

And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1

(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) أي يعبدونه قد تقدم في (الَأنْعَام) [[اسم السورة.]] نهيه صلى الله عليه وسلم عن طرد فقراء المؤمنين بقوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) وأمره سبحانه هاهنا بأن يحبس نفسه معهم فصبر النفس هو حبسها عن الجوع وبابه ضرب، وصبره حبسه. وهذه الآية [[الأولى أن يقال: هذه الآية أفادت معنى جديداً هو أمره بمجالستهم والمصابرة معهم. لأن قوله: " وهذه الآية أبلغ " تدل على الموازنة بين الآيات في البلاغة والقرآن الكريم كله في غاية البلاغة.]] أبلغ من التي في الأنعام لأن في تلك نهى الرسول عن طردهم وفي هذه أمره بمجالستهم والمصابرة معهم.

(بالغداة والعشي) ذكرهما كناية عن الاستمرار على الدعاء في جميع الأوقات، وقيل في طرفي النهار، وقيل المراد صلاة العصر والفجر. وقرئ غدوة وأنكره النحاس وقال ولا تكاد العرب تقول الغدوة، ومعنى (يريدون وجهه) أنهم يرتقبون بدعائهم رضا الله سبحانه لا عرض الدنيا. وعن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم: عيينة بن بدر والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جالسناك وحادثناك وأخذنا عنك فأنزل الله (واتل ما أوحي إليك) إلى قوله (إنا اعتدنا للظالمين ناراً) أخرجه البيهقي وغيره.

وزاد أبو الشيخ عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات ".

وعن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته واصبر نفسك الآية فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله منهم ثائر الرأس وحاف الجلد وذو الثوب الخلق فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم ".

وعن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم ". وفي الباب روايات. وعن ابن عمر قال: إنهم الذين يشهدون الصلوات الخمس وعن ابن عباس مثله وقيل نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر.

ثم أمره سبحانه بالمراقبة لأحوالهم فقال (ولا تعدُ عيناك عنهم) أي لا تتجاوز إلى غيرهم، قال الفراء: معناه لا تصرف عينيك عنهم؛ وقال الزجاج: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة واستعماله بعن لتضمينه معنى النبو، من عدوته عن الأمر أي صرفته عنه، وقال: معناه لا تحتقرهم عيناك عَبَّرَ بهما عن صاحبها.

(تريد زينة الحياة الدنيا) أي مجالسة أهل الترف والشرف والغنى وصحبة أهل الدنيا والمعنى حال كونك مريداً لذلك، هذا إذا كان فاعل تريد هو النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الفاعل ضميراً يعود إلى العينين فالتقدير مريدة زينة الحياة الدنيا وإسناد الإرادة إلى العينين مجاز وتوحيد الضمير للتلازم والأول أولى، وهو نهي له صلى الله عليه وسلم وإن لم يًرده وليس هو أكبر من قوله (لئن أشركت ليحبطن عملك) وإن كان أعاذه من الشرك وإنما هو على فرض المحال.

(ولا تطع من أغفلنا قلبه) أي جعلناه غافلاً (عن ذكرنا) بالختم عليه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من جعل الله قلبه غافلاً عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله.

(و) مع هذا فهم ممن (اتبع هواه) وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد (وكان أمره فرطاً) أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم فرس فرط إذا كان متقدماً على الخيل فهو على هذا من الإفراط، وقيل هو من التفريط وهو التقصير والتضييع والأول أظهر.

قال الزجاج: ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه. وعن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل الله هذه الآية يعني من ختمنا على قلبه يعني التوحيد واتبع هواه يعني الشرك وكان أمره فرطاً يعني فرطاً في أمر الله وجهالة به.

وعن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة صوف فثار منه ريح العرق في الصوف فقال عيينة: يا محمد إذا نحن أتيناك فَأَخْرِج هذا وضرباءه من عندك لا يؤذينا فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم فأنزل الله (ولا تطع) الآية.

وقد ثبت في صحيح مسلم في سبب نزول الآية المتضمنة لمعنى هذه الآية وهي قوله (ولا تطرد الذين) الآية عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله (ولا تطرد الذين) الآية [[مسلم 2413.]].

ثم بيَنّ سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ما يقوله لأولئك الغافلين فقال

18:29Page 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.

(وقل الحق من ربكم) أي قل لهم: إن ما أوحي إليَّ وأمرت بتلاوته هو الحق الكائن من جهة الله لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير، وقيل المراد بالحق الصبر مع الفقراء، قال الزجاج: أي الذي أتيتكم به هو الحق من ربكم يعني لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من الله، وعن قتادة قال: الحق هو القرآن.

(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) قيل هو من تمام القول الذي أمر رسوله أن يقوله، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه لا من القول الذي أمر به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تهديد شديد وتخويف وردع لا تخيير وإباحة، ويكون المعنى قل يا محمد الحق من ربكم، وبعد أن تقول لهم هذا القول من شاء أن يؤمن بالله ويصدقك فليؤمن، ومن شاء أن يكفر به ويكذبك فليكفر.

وقال ابن عباس: يقول من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر وهو قوله (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين).

ثم أكد الوعيد وشدده فقال (إنا أعتدنا) أي أعددنا وهيأنا (للظالمين) الذين اختاروا الكفر بالله والجحد له والإنكار لأنبيائه (ناراً) عظيمة (أحاط بهم) أي اشتمل عليهم (سرادقها) واحد السرادقات، قال الجوهري وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق، وقيل للحائط المشتمل على شيء سرادق قاله الهروي.

وقال الراغب: السرادق فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا يقال بيت مسردق، وقال ابن الأعرابي: سرادقها سورها؛ وقال القتيبي: السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط والمعنى أنه أحاط بالكفار سرادق النار على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه، وعن ابن عباس قال: حائط من نار.

وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " سرادق النار أربعة جدر كثافة كل جدار منها مسيرة أربعين سنة " [[المستدرك كتاب الأهوال 4/ 601 - الإمام أحمد 3/ 29.]] وأخرج أحمد والبخاري والحاكم وصححه عن يعلى ابن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن البحر هو من جهنم ثم تلا (ناراً أحاط جهم سرادقها) " [[المستدرك كتاب الأهوال 4/ 596.]].

(وإن يستغيثوا) من حر النار أي يطلبوا الإنقاذ من شدة العطش (يغاثوا) فيه مشاكلة إذ لا إغاثة لهم بالماء الآتي ذكره بل إتيانهم به وإلجاؤهم بشربه غاية الإضرار، والإغاثة هي الانقاذ من الشدة فكأنه قال يضروا ويعذبوا (بماء كالمهل) وهو الحديد المُذاب.

قال الزجاج: إنهم يغاثون بماء كالرصاص المُذاب أو الصفر، وقيل هو دردي الزيت أي ما بقي في أسفل الإناء ووجه المشابهة الثخن والرداءة في كل.

وقال أبو عبيدة والأخفش: العكر وهو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس، وقيل هو ضرب من القطران، أخرج أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه " [[الترمذي كتاب جهنم باب 4 - الإمام أحمد 3/ 71.]] عن ابن عباس قال: أسود كعكر الزيت وعنه قال: ماء غليظ كدردي الزيت.

وعن ابن مسعود أنه سئل عن المهل فدعا بذهب أو فضة فأذابه فلما ذاب قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار ولونه لون السماء غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا. وعن ابن عمر: هل تدرون ما المهل؛ المهل مهل الزيت، يعني آخره.

ثم وصف هذا الماء الذي يغاثون به بأنه (يشوي الوجوه) إذا قدم عليهم صارت وجوههم مشوية لحرارته، والشيّ الإنضاج بالنار من غير إحراق (بئس الشراب) شرابهم هذا الذي يغاثون به (وساءت) النار (مرتفقاً) متكأً، يقال ارتفقت أي اتكأت، وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد، ويقال ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه.

وقال القتيبي: هو المجلس والمنزل، وقيل المجتمع، وبه قال مجاهد، وإنما جاء كذلك لمشاكلة قوله (وحسنت مرتفقاً) وإلا فأي ارتفاق لأهل النار وأي متكأ.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)

18:30Page 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.

(إن الذين آمنوا) هذا شروع في وعد المؤمنين بعد الفراغ من وعيد الكافرين والمعنى أن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك (وعملوا الصالحات) من الأعمال (إنا لا نضيع أجر من أحسن) منهم (عملاً) وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، والمعنى أجرهم أي نثيبهم بما تضمنه قوله

18:31Page 297

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.

(أولئك لهم جنات عدن) أي إقامة مستأنفة لبيان الأجر، والإشارة إلى من تقدم ذكره، وقيل أولئك خبر إن الذين آمنوا، وجملة انا لا نضيع اعتراض وقيل غير ذلك.

(تجري من تحتهم الأنهار) لأن أفضل المساكن ما كان يجري فيه الماء، وقد تقدم الكلام في كيفية جري الأنهار من تحتها (يحلون فيها من أساور من ذهب).

قال الزجاج: أساور جمع أَسْوِرَة وهي جمع سوَار وهي زينة تلبس في الزند من اليد وهي من زينة الملوك، وظاهر الآية أنها جميعها من ذهب، وجاء في آية أخرى من فضة، وفي أخرى من ذهب ولؤلؤ، فيلبسون الأساور الثلاثة، فيكون في يد الواحد منهم سوار من ذهب وآخر من فضة وآخر من لؤلؤ. فعلم من هذا أن كُلاًّ من هذه الآية ومن آية هل أتى على الإنسان، ومن آية الحج ومن آية فاطر فيه الإخبار ببعض ما يحلون به، و (من) في من أساور للابتداء وقيل زائدة بدليل سقوطها في سورة هل أتى، (وحلوا أساور من فضة) و (من) في من ذهب للبيان، وحكى الفراء يَحْلَوْن بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام يقال: حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي.

أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " [[مسلم 250.]].

(ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق) عطف على يحلون وبني الفعل في التحلية للمفعول إيذاناً بكرامتهم وأن غيرهم يفعل بهم ذلك ويزيّنهم به بخلاف اللبس فإن الإنسان يتعاطاه بنفسه. وقدم التحلي على اللباس لأنه أشهى للنفس، وخص الأخضر لأنه الموافق للبصر، ولكونه أحسن الألوان.

قال الكسائي: السندس الرقيق واحده سندسة، والإستبرق ما ثخن واحده استبرقة، وكذا قال المفسرون، وقيل ليسا جمعين، وقيل الاستبرق هو الديباج، وقيل هو المنسوج بالذهب، قال القتيبي: وهو فارسي معرب، قال الجوهري: وتصغيره أبيرق قال السمين: وهل استبرق عربي الأصل مشتق من البريق أو معرب أصله استبره، خلاف بين اللغويين.

قال مرثد بن عبد الله: في الجنة شجرة تنبت السندس منه تكون ثياب أهل الجنة، وعن عكرمة قال: الاستبرق الديباج الغليظ، وعن مجاهد مثله، وفي آية الرحمن (بطائنها من استبرق) أي الفرش فيقاس عليها اللباس الذي الكلام فيه فظهارة الكل من سندس وبطانته من استبرق قال المحلى في سورة " هل أتى " فالاستبرق بطانة ثيابهم والسندس ظهارتها.

(متكئين فيها على الأرائك) أصل اتكأ أو تكأ وأصل متكئين موتكئين والاتكاء التحامل على الشيء أي يجلسون متربعين ومضطجعين. أخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرجل ليتكئ مقدار أربعين سنة لا يتحول منه ولا يمله يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه ".

قال الزجاج: الأرائك جمع أريكة وهي السرر في الحجال وقيل هي أسرة من ذهب مكللة بالدر والياقوت، وعن ابن عباس قال: الأرائك السرر في جوف الحجال عليها الفرش منضود في السماء فرسخ، وعنه قال لا يكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة وعن عكرمة: الأرائك هي الحجال على السرر، وفي القاموس الأريكة كسفينة سرير في حجلة، أو كل ما يتكأ عليه من سرير ومنصة وفراش، أو سرير متخذ مزين في قبة أو بيت فإن لم يكن فيه سرير فهو حجلة والجمع أرائك.

(نعم الثواب) ذلك الذي أثابهم الله به وهو الجنة (وحسنت) تلك الأرائك في الجنات (مرتفقاً) أي متكأً ومقراً ومجلساً ومنتفعاً ومسكناً ومنزلاً وقد تقدم قريباً. وقد اشتمل هذا القول على خمسة أنواع من الثواب: الأول: لهم جنات عدن، الثاني: تجري من تحتهم الخ، الثالث: يحلون فيها، الرابع: ويلبسون، الخامس: متكئين.

18:32Page 297

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢

And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.

(واضرب لهم مثلاً رجلين) هذا المثل ضربه الله سبحانه لمن يتغرر بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل بقوله (واصبر نفسك) وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدران أو محققان فقال بالأول بعض المفسرين وقال بالآخر بعض آخر، واختلفوا في تعيينهما فقيل هما أخوان من بني إسرائيل أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقيل تمليخا والآخر كافر واسمه قيطوس وهما اللذان وصفهما الله في سورة (والصافات) بقوله (قال قائل منهم إني كان لي قرين).

وقيل هما أخوان مخزوميان من أهل مكة أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد، وقيل هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه وانتصاب مثلاً ورجلين على أنهما مفعولا اضرب، قيل والأول هو الثاني والثاني هو الأول.

(جعلنا لأحدهما) هو الكافر (جنتين) قال السدي: الجنة البستان فكان له بستان واحد وجدار واحد وكان بينهما نهر فلذلك كانا جنتين ولذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي عليها، وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: نهر أبي فرطس نهر الجنتين، قال ابن أبي حاتم: وهو نهر مشهور بالرملة.

(من أعناب) بيان لما في الجنتين أي من كروم متنوعة جمع عنب والعنبة الحبة (وحففناهما بنخل) الحف الإحاطة ومنه (حافين من حول العرش) ويقال حيف القوم بفلان يحفون حفاً أي أطافوا به فمعنى الآية وجعل النخل مطيفاً بالجنتين من جميع جوانبهما وهذا مما يوثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مُوزَرَة بالأشجار المثمرة (وجعلنا بينهما) أي بين الجنتين وهو وسطهما (زرعاً) يقتات به ليكون كل واحد منهما جامعاً للأقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والتركيب الأنيق.

ثم أخبر الله سبحانه عن الجنتين بأن كل واحدة منهما كانت تؤدي حملها وما فيها فقال

18:33Page 297

كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣

Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.

(كلتا الجنتين آتت أكلها) أخبر عن كلتا بآتت لأن لفظه مفرد يدل على التثنية فراعى جانب اللفظ. وقد ذهب البصريون إلى أن كلا وكلتا اسم مفرد غير مثنى. وقال الفراء: هو مثنى وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية، وروعيت التثنية المعنوية في قوله الآتي، (وفجرنا خلالهما نهراً)، وأُكُلْها بضم الكاف وسكونها سبعيتان.

(ولم تظلم منه شيئاً) أي لم تنقص من أكلها شيئا في بعض السنين بل في كل سنة يأتي ثمرها وافياً؛ يقال ظلمه حقه أي أنقصه، ووصف الجنتين بهذه الصفة للإشعار بأنهما على خلاف ما يعتاد في سائر البساتين فإنها في الغالب تكثر في عام وتقل في عام، قال ابن عباس: لم ينقص كل شجر الجنة أطعمة.

(وفجرنا) أي أجرينا وشققنا (خلالهما) أي وسط الجنتين (نهراً) يجري بينهما يسقيهما دائماً من غير انقطاع

18:34Page 297

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤

And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."

(وكان له) أي لأحدهما أو لصاحب الجنتين (ثمر) بفتح الثاء والميم وكذا قرأوا في قوله أحيط بثمره، وقرئ ثُمْر بضم الثاء وإسكان الميم في الموضعين، وبه قرأ ابن عباس وقال: هي أنواع المال.

قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر وجمع الثمر ثمار مثل جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار ثمر مثل كتاب وكتب، وجمع الثمر [[هناك فرق بين ثمر وعنق لأن " ثمر " جمع ثمار، وأما عنق فمفرد.]] أثمار مثل عنق وأعناق. انتهى. والثمرة مؤنث والجمع ثمرات مثل قصبة وقصبات، والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا، فيقال ثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل، كما يقال ثمر النخل وثمر العنب.

قال الأزهري: أثمر الشجر أطلع ثمره أول ما يخرجه فهو مثمر؛ ومن هنا قيل لما لا نفع فيه ليس له ثمرة؛ وقيل الثمر جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، سمي ثمراً لأنه يثمر ويزيد مأخوذ من ثمَّر ماله بالتشديد إذا كثَّره، وقيل الثمر هو الذهب والفضة خاصة. قاله مجاهد.

(فقال) الكافر (لصاحبه) المؤمن (وهو يحاوره) أي والكافر يحاور المؤمن والمعنى يراجعه الكلام ويجاوبه، والمحاورة المراجعة والتحاور التجاوب وحاصل ما قاله من القول الشنيع ثلاث مقالات الأولى (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً) النفر الرهط وهو ما دون العشرة وأراد هاهنا الأتباع. والخدم والأولاد والعشيرة.

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)

18:35Page 298

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥

And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.

(ودخل جنته) أي دخل الكافر جنة نفسه، قال المفسرون: أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنته يطوف به فيها ويريه آثارها وعجائبها وبهجتها وحسنها وأثمارها، ويفاخر بما ملك من المال دونه، وإفراد الجنة هنا يحتمل أن وجهه كونه لم يدخل أخاه إلا واحدة منهما أو لكونهما لما اتصلتا كانتا كواحدة أو لأنه أدخله في واحدة ثم واحدة أو لعدم تعلق الغرض بذكرهما أو اكتفاء بالواحدة.

وقال المحلي: لم يقل جنتيه إرادة: للروضة. وعبارة الشهاب أفرد الجنة مع أن له جنتين لنكتة وهي أن الإضافة تأتي لما تأتي له اللام فالمراد بها العموم والاستغراق أي كل ما هو جنة له ينتفع بها فيفيد ما إفادته التثنية مع زيادة وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه انتهى؛ وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون.

(وهو) أي ذلك الكافر (ظالم لنفسه) بكفره وعُجْبه قال قتادة: كفور لنعمة ربه مستأنف بياني لسبب الظلم (قال) أي الكافر لفرط غفلته وطول أمله (ما أظن أن تبيد) أي تفنى وتنعدم (هذه) الجنة التي تشاهدها (أبداً) وهذه هي الثانية من مقالاته والثالثة قوله

18:36Page 298

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."

(وما أظن الساعة قائمة) أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته.

قال الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة (ولئن رددت إلى ربي) اللام هي الموطئة للقسم والمعنى أنه والله أن يرد إلى ربه فرضاً وتقديراً كما زعم صاحبه واللام في (لأجدن) جواب القسم والشرط أي لأجدن يومئذ (خيراً منها) على الإفراد على ما في مصاحف أهل البصرة والكوفة أي من هذه الجنة، وفي مصاحف مكة والمدينة والشام منهما (منقلباً) هو المرجع والعاقبة لأنها فانية وتلك باقية قال هذا قياساً للغائب على الحاضر، وأنه كما كان غنياً في الدنيا سيكون غنياً في الآخرة اغتراراً منه بما صار فيه من الغنى الذي هو الاستدراج له من الله

18:37Page 298

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧

His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?

(قال له) أي للكافر (صاحبه) المؤمن وقد تعقبه في الثلاثة على سبيل اللف والنشر المشوش (وهو يحاوره) أي حال محاورته له منكراً عليه ما قاله (أكفرت) بقولك (ما أظن الساعة قائمة) استفهام توبيخ وتقريع أي لا ينبغي ولا يليق منك الكفر (بالذي خلقك) أي جعل أصل خلقك (من تراب) حيث خلق أباك آدم منه وهو أصلك وأصل مادة البشر، فلكل فرد حظ من ذلك، وقيل يحتمل أنه كان كافراً بالله فأنكر عليه ما هو عليه من الكفر ولم يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة.

(ثم من نطفة) وهي المادة القريبة (ثم سواك رجلاً) أي صيرك

وجعلك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال، وعدل أعضاءك وَكَلَّمك، وهو ظاهر

كلام الحوفي، وقيل إنه حال، ومن الجائز أن يسويه غير رجل، وهو كقولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، والأول أولى، وإنما جعل كفره بالبعث كفراً بالله، لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله، فلذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، وفي هذا تلويح بالدليل على البعث، وأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة.

18:38Page 298

لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨

But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.

(لكنا) أصله لكن أنا وضمير (هو) للشأن، والمعنى أنا أقول (الله ربي) قال أهل العربية: إثبات ألف أنا في الوصل ضعيف، وعن الكسائي: الأصل لكن الله هو ربي أنا، وقال الزجاج: إثبات الألف في لكنا في الإدراج جيد لأنها قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها عوضاً، قال: وفي قراءة أُبي لكن أنا هو الله ربي، ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وتكلم في الجمل على هذا الألف بأطول من هذا.

ثم نفى عن نفسه الشرك بالله تعالى فقال (ولا أشرك بربي أحداً) فيه إشارة إلى أن أخاه كان مشركاً ثم أقبل عليه يلومه على الثانية فقال:

18:39Page 298

وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩

And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,

(ولولا إذ دخلت جنتك قلت) لولا للتحضيض أي هَلَّا قلت عندما دخلتها (ما شاء الله) قال الفراء والزجاج: هلا قلت حين دخلتها الأمر بمشيئة الله وما شاء الله كان، وقيل كائن أي أَيُّ شيء شاء الله كان فترد أمر جنتك من الحسن والنضارة لخالقه ولا تفتخر به لأنه ليس من صنعك.

وِقوله (لا قوة إلا بالله) من جملة مقول، أي هلا قلت هاتين الجملتين تحضيضاً له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها، وعلى الاعتراف بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها وحسنها ونضارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوته وقدرته.

وهذا نصح من المؤمن للكافر وتوبيخ له على قوله (ما أظن أن تبيد هذه أبدًا) قال الزجاج: لا يقوي أحد على ما في يده من ملك ونعمة إلا بالله ولا يكون إلا ما شاء الله.

أخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته "، وقرأ هذه الآية [[ضعيف الجامع الصغير 5028 - سلسلة الأحاديث الضعيفة 2012.]] وفي إسنادهِ عيسى بن عون. وروي عن أنس نحوه موقوفاً.

وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت نعم، قال أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله " [[الإمام أحمد 5/ 172 بلفظ: " هل لك بكنز من كنوز الجنة؟ ".]].

وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله " [[مسلم 2704 - البخاري 1423.]]، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة.

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمور إلى الله سبحانه أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال (إن ترن) الرؤية علمية أو بصرية (أنا أقل منك مالاً وولداً) أي لأجل ذلك تكبرت وتعظمت عليَّ ويجوز في أنا وجهان أحدهما: أن يكون مؤكد الياء المتكلم، والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، وأقل مفعول ثان أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، إلا أنك إذا جعلتها بصرية تعين في أنا أن يكون توكيداً لا فصلاً، لأن شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.

وقرأ عيسى بن عمر أقلُّ بالرفع ويتعين أنا مبتدأ وأقل خبره، والجملة إما في موضع المفعول الثاني وإما في موضع الحال على ما تقدم في الرؤية، ومالاً وولداً تمييزان وجواب الشرط قوله:

18:40Page 298

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,

(فعسى ربي أن يؤتين) أي إن ترني أفقر منك فأنا أرجو أن يرزقني الله سبحانه جنة (خيراً من جنتك) في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، وفي الأول يكون الكافر أشد غيظاً وحسرة، وهذا رجاء من المؤمن وقرع على مقالة الكافر الأولى (ويرسل عليها) أي على جنتك (حُسباناً) هو مصدر بمعنى الحساب كالغفران، أي مقداراً قدره الله عليها ووقع في حسابه سبحانه وهو الْحَكَم بتخريبها قال الزجاج الحسبان من الحساب، أي يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ما كسبت يداك وهو حسن.

وقال الأخفش (حسباناً) أي مرامي وقيل ناراً (من السماء) وأحدها حسبانة، وكذا قال أبو عبيدة والقتيبي والكرخي.

وقال ابن الأعرابي: الحسبانة السحابة والوسادة والصاعقة وقال قتادة: حسباناً عذاباً، وقال النضر بن شميل: الحسبان سهام يرمى بها الرجل في جوف قصبة تنزع من قوس ثم يرمى بعشرين منها دفعة، والمعنى يرسل عليها مرامي من عذابه إما برد وإما حجارة أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب.

(فتصبح صعيداً زلقاً) مثل الجرز، قاله ابن عباس، أي فتصبح جنة الكافر بعد إرسال الله سبحانه عليها حسباناً أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها ولا يثبت عليها قدم.

وقال قتادة: أي قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء، وفي اللغة من جملة معاني الصعيد وجه الأرض، وزلقاً أي تزل فيه الأقدام لملامستها، يقال مكان زلق بالتحريك أي دحض، وقيل رملاً هائلاً، وهو في الأصل مصدر قولك زَلَقَت رجله تَزْلُقُ زلقاً وأزْلَقَها غيره، والمَزْلَقَةَ الموضع الذي لا تثبت عليه قدم وكذا الزلاقة، وصف الصعيد بالمصدر مبالغة أو أريد به المفعول وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها وأشجارها بالذهاب والإهلاك فلم يبق له أثر.

18:41Page 298

أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١

Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."

(أو يصبح ماؤها غوراً) أي ذاهباً في الأرض لا تناله الأيدي ولا الدلاء ولا سبيل إليه، والغور والغائر، وصف الماء بالمصدر مبالغة والمعنى أنها تصير عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائماً، ويجيء الغور بمعنى الغروب، والعطفُ على يرسل دون تصبح لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق والرامي قال أبو حيان إلا أن عنى بالحسبان القضاء الإلهي فحينئذ يتسبب عنه إصباح الجنة صعيداً زلقاً أو إصباح مائها غوراً.

(فلن تستطيع له طلباً) أي لن تستطيع لطلب الماء الغائر فضلاً عن وجوده ورده ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل تدركه بها، وقيل المعنى فلن تستطيع طلب غيره عوضاً عنه.

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)

ثم أخبر سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال

18:42Page 298

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢

And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1

(وأحيط بثمره) أي أمواله كالنقد والمواشي وهذا راجع لقوله (وكان له ثمر) وأصل الإحاطة من إحاطة العدو بالشخص كما تقدم في قوله (إلا أن يحاط بكم) وهي عبارة عن إهلاكه وإفنائه وهو معطوف على مقدر كأنه قيل فوقع ما توقعه المؤمن فهلكت جنته بالصواعق وغور الماء وأحيط بثمره أي أحاط العذاب والهلاك بثمره.

(فأصبح) أي صار صاحبها الكافر (يقلب كفيه) أي يضرب إحدى يديه على الأخرى ويصفق بكف على كف وهو كناية عن الندم والتحسر كأنه قيل فأصبح يتندم (على ما أنفق فيها) أي في عمارتها وإصلاحها من الأموال، وقيل المعنى يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق لأن الملك قد يعبر عنه باليد من قولهم في يده مال، وهو بعيد جداً، قال قتادة: يصفق على ما أنفق فيها متلهفاً على ما فاته.

(وهي خاوية على عروشها) أي والحال أن تلك الجنة ساقطة على دعائمها التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض مأخوذ من خوت النجوم تخوى إذا سقطت ولم تمطر في نوئها ومنه قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) قيل وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل وأيضاً ذكر إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي. والعرش شبه بيت من جريد يجعل فوقه التمام [[الثُّمامَ: عشب من الفصيلة النجيلية يسمو إلى مائة وخمسين سنتيمتراً.]]، الجمع عروش والعريش مثله وجمعه عُرُش بضمتين كبريد وَبُرُد، وعريش الكرم ما يُعْمل مرتفعاً يمتد عليها الكرم؛ والجمع عرائش أيضاً، وقال الشهاب: جمع عرش وهو ما يصنع ليوضع عليها الكرم فإذا سقط سقط ما عليه.

(ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً) هذه الجملة معطوفة على جملة يقلب كفيه أو حال من ضميره أي وهو يقول يعني أنه تذكر موعظة أخيه المؤمن فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه فتمنى عند مشاهدته الهلاك لجنته بأنه لم يشرك بالله حتى تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول منه على حقيقته لا لما فاته من الغرض الدنيوي بل لقصد التوبة من الشرك والندم على ما فرط منه، والأول هو الأقرب إذ يؤيده قوله:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском