Al-QinnawjiAl‑Kahf · 18:43–59

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:43–59

18:43Page 298

وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣

And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.

(ولم تكن) بالتاء والياء سبعيتان (له) خبر كان (فئة) اسمها (ينصرونه من دون الله) صفة لفئة أي فئة ناصرة بدفع الهلاك عنها أو بردّ الهالك منها، أو بردّ مثله عليه، وقيل هو الخبر، ورجح الأول سيبويه والثاني المبرد واحتج بقوله (ولم يكن له كفواً أحد) والمعنى: أنها لم تكن له فرقة وجماعة يلتجئ إليها وينتصر بها ولا نفعه النفر الذين افتخر بهم فيما سبق.

(وما كان) في نفسه (منتصراً) أي ممتنعاً بقوته عن إهلاك الله لجنته وانتقامه منه وقادراً على واحد من هذه الأمور.

18:44Page 298

هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤

There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.

(هنالك) أي في ذلك المقام؛ وقيل يوم القيامة (الولاية) بفتح الواو النصرة وبكسرها الملك أي القهر والسلطنة (لله) وحده لا يقدر عليها غيره (الحق) بالجر صفة الجلالة وبالرفع صفة الولاية وكل منهما راجع لفتح الواو وكسرها فالقراءات أربعة وكلها سبعية، قال الزجاج: ويجوز النصب على المصدر والتوكيد كما تقول هذا لك حقاً، وقيل هو على التقديم والتأخير أي الولاية لله الحق هنالك.

(هو) سبحانه (خير ثواباً) أي إثابة لأوليائه أي إعطاء للثواب في الدنيا والآخرة من غيره لو كان يثيب (وخير عقباً) أي عاقبة قرئ عقباً بسكون القاف وضمها وهما سبعيتان بمعنى واحد أي هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به يقال هذا عاقبة أمر فلان، وعقباه أي أخراه؛ ثم ضرب سبحانه مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال:

18:45Page 298

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥

And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.

(واضرب) أي اذكر وقرر (لهم) أي لقومك (مثل الحياة الدنيا) أي ما يشبه الحياة الدنيا في حسنها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يركنوا إليها وقد تقدم هذا المثل في سورة يونس. ثم بين سبحانه هذا المثل فقال (كماء) أي كصفة وحال وهيئة ماء، فالمشبه هيئة الدنيا بهيئة ماء.

(أنزلناه من السماء فاختلط) أي تكاثف وغلظ (به) أي بسبب نزول الماء (نبات الأرض) حتى استوى والتف بعضه على بعض أو امتزج الماء بالنبات فَرَوَى وحسن.

وعلى هذا كان حق التركيب أن يقال فاختلط بنبات الأرض، لكن لما

كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته.

(فأصبح) أي صار النبات عن قريب (هشيماً) يابساً والهشيم الكسير واحده هشيمة وهو اليابس وهو من النبات ما تكسر بسبب انقطاع الماء عنه وَتَفتت، ورجل هشيم ضعيف البدن وتهشم عليه فلان إذا تعطف، واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه، وهشم الثريد كسره وثرده. قال ابن قتيبة: كل ما كان رطباً فيبس فهو هشيم.

(تذروه) تفرقه وتنثره، قال أبو عبيدة وابن قتيبة: تذروه تنسفه (الرياح) قال ابن كيسان: أي تذهب به وتجيء والمعنى متقارب، وقرئ تذريه، يقال ذرته الريح تذروه وأذرته تذريه. وحكى الفراء: أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته (وكان الله على كل شيء) من الأشياء (مقتدراً) أي كامل القدرة يحييه ويفنيه بقدرته لا يعجز عن شيء.

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

18:46Page 299

ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦

Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.

(المال والبنون زينة الحياة الدنيا) يتجمل بهما فيها، وهذا رد على الرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء فأخبرهم الله سبحانه أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينتفع به في الآخرة كما قال في الآية الأخرى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) وقال (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم) وقال (لا ينفع مال ولا بنون) الآية.

وهذا إشارة إلى قياس حذفت كبراه ونتيجته. ونظمه هكذا: المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وكل ما هو زينتها فهو هالك غير باق ينتج المال والبنون هالكان، ثم يقال وكل ما هو هالك فلا يفتخر به، فالمال والبنون لا يفتخر بهما، ولهذا عقب هذه الزينة الدنيوية بقوله:

(والباقيات الصالحات) أي أعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الأبد، وهي ما كان يفعله فقراء المسلمين من الطاعات (خير) أي أفضل من هذه الزينة بالمال والبنين (عند ربك ثواباً) وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها (وخير أملاً) يعني أن الأعمال الصالحة لأهلها من الأمل أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين لأنهم ينالون بها في الآخرة أفضل مما كان يؤمله هؤلاء الأغنياء في الدنيا.

وليس في زينة الدنيا خير حتى تفضل عليها الآخرة، ولكن هذا التفضيل خرج مخرج قوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً) والظاهر أن الباقيات الصالحات كل عمل خير فلا وجه قصرها على الصلاة كما قال بعض، ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قاله بعض آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وبهذا يعرف أن تفسير الباقيات الصالحات في الأحاديث بما سيأتي لا ينافي إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها.

عن عليّ قال: المال والبنون حَرْثُ الدنيا والعمل الصالح حَرْثُ الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام. عن ابن عباس قال: الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات. قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله " [[المستدرك كتاب الدعاء 1/ 512.]].

وأخرج الطبراني وغيره عن أبي الدرداء مرفوعاً بلفظ " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله هن الباقيات الصالحات ". وأخرج النسائي والطبراني في الصغير والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعاً: خذوا جُنَّتَكم. قيل يا رسول الله من أي عدو قد حضر؟ قال: " بل جُنَّتُكم من النار قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات ومجنبات، وهي الباقيات الصالحات [[صحيح الجامع الصغير 3209 - الروض النضير 1092.]]. وعن عائشة مرفوعاً وزادت ولا حول ولا قوة إلا بالله ". أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر.

وكل هذه الأحاديث مصرحة بأنها الباقيات الصالحات. وأما ما ورد في فضل هذه الكلمات من غير تقييد بكونها المرادة في الآية فأحاديث كثيرة ولا فائدة في ذكرها هاهنا.

وعن قتادة: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات، فيندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج والعمرة وصيام رمضان والكلام الطيب وغير ذلك اندراجاً أولياً.

18:47Page 299

وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧

And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.

(ويوم نسير الجبال) بالنون على أن فاعله هو الله سبحانه، وقرئ بالتحتية وبالفوقية على أن الجبال فاعل، ويناسب الأولى قوله تعالى (وإذا الجبال سيرت) ويناسب الثانية قوله تعالى (وتسير الجبال سيراً) ومعنى تسيير الجبال إزالتها من أماكنها، وتسييرها كما تسير السحاب، ومنه قوله تعالى (وهي تمر مر السحاب) ثم تعود إلى الأرض بعد أن جعلها الله كما قال (وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثاً) والمعنى نذهب بها عن وجه الأرض ونجعلها هباء منثوراً كما يسير السحاب.

والخطاب في قوله (وترى الأرض بارزة) لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للرؤية، والرؤية بصرية، ومعنى بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان.

وقيل المراد ببروزها بروز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال سبحانه (وألقت ما فيها وتخلت) وقال (وأخرجت الأرض أثقالها) فيكون المعنى وترى الأرض بارزاً ما في جوفها. قال قتادة: ليس عليها بناء ولا شجر ولا بحر ولا حيوان وعن مجاهد نحوه.

(وحشرناهم) أي الخلائق، ومعنى الحشر الجمع أي جمعناهم إلى الموقف من كل مكان وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ماض مراد به المستقبل أي ونحشرهم، وكذلك وعرضوا ووضع الكتاب الآتيان. والثاني: أن الواو للحال أي نفعل التسيير في حال حشرهم ليشاهدوا تلك الأهوال، والثالث: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال، قاله الزمخشري. قال الشيخ: والأولى أن تكون الواو للحال.

(فلم نغادر) فلم نترك (منهم أحداً) والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، يقال غادره وأغدره إذا تركه، ومنه الغدر، لأن الغادر يترك الوفاء للمغدور؛ قالوا: وإنما سمي الغدير غديراً لأن الماء ذهب وتركه والسيل غادره، ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها، والغديرة الشعر الذي نزل حتى طال.

18:48Page 299

وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨

And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."

(وعرضوا علِى ربك صفاً) أي مصفوفين كل أمة وزمرة صف، وقيل عرضوا صفاً واحداً كما في قوله (ثم ائتوا صفاً) أي جميعاً وهو أبلغ في القدرة؛ وقيل قياماً وفي الآية تشبيه حالهم بحال الجيش الذي يعرض على السلطان ليقضي بينهم لا ليعرفهم قاله الكرخي. وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تبارك وتعالى ينادي بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم وشروا جوابكم فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي على أطراف أنامل أقدامهم للحساب ".

قال القرطبي: هذا حديث غاية في البيان في تفسير الآية ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة. أهـ.

ويقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ أو قلنا لهم (لقد جئتمونا كما خلقناكم) أي مجيئاً كائناً كمجيئكم عند أن خلقناكم (أول مرة) أو كائنين كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلاً لا مال ولا ولد، كما ورد ذلك في الحديث. قال الزجاج: أي بعثناكم واعدناكم كما خلقناكم، لأن قوله (لقد جئتمونا) معناه بعثناكم وبه قال الزمخشري.

(بل زعمتم) هذا ضرب وانتقال من كلام إلى كلام للتقريع والتوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث، أي زعمتم في الدنيا (أن لن نجعل لكم موعداً) نجازيكم بأعمالكم وننجز ما وعدناكم به من البعث والعذاب.

18:49Page 299

وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩

And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.

(ووضع) العامة على بنائه للمفعول، وزيدُ بنُ عليّ على بنائه للفاعل وهو الله أو الملك وقوله (الكتاب) مرفوع على الأول ومنصوب على الثاني، والمراد به صحائف الأعمال، وإفراده لكون التعريف فيه للجنس والوضع إما حسي بأن توضع صحيفة كل واحد في يده، السعيد في يمينه والشقي في شماله أو في الميزان وإما عقلي أي أظهر عمل كل واحد من خير أو شر بالحساب الكائن في ذلك اليوم وقيل: توضع بين يدي الله تعالى.

(فترى المجرمين مشفقين مما فيه) أي خائفين وجلين مما في الكتاب الموضوع من الأعمال السيئة لما يتعقب ذلك من الافتضاح في ذلك الجمع والمجازاة بالعذاب الأليم (ويقولون) إذا رأوها (يا ويلتنا) يدعون على أنفسهم بالويل لوقوعهم في الهلاك وهو مصدر لا فعل له من لفظه ونداؤها على تشبيهها بشخص يطلب إقباله كأنه قيل يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وفيه تقريع لهم وإشارة إلى أنه لا صاحب لهم غير الهلاك وطلبوا هلاكهم لئلا يروا ما هم فيه وقد تقدم تحقيقه في المائدة.

(ما) أي شيء ثبت (لهذا الكتاب) حال كونه (لا يغادر) لا يترك معصية (صغيرة ولا) معصية (كبيرة إلا أحصاها) أي عدها وحواها وضبطها وأثبتها، قال ابن عباس: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك، وفي لفظ عنه الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك، وقال سعيد بن جبير الصغيرة الهم والمس والقبلة والكبيرة الزنا.

وأقول صغيرة وكبيرة نكرتان في سياق النفي فيدخل تحت ذلك كل ذنب يتصف بالصغر وكل ذنب يتصف بالكبر فلا يبقى شيء من الذنوب إلا أحصاه الله وما كان من الذنوب ملتبساً بين كونه صغيراً أو كبيراً فذلك إنما هو بالنسبة إلى العباد لا بالنسبة إلى الله سبحانه، وهذا لا ينافي قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) الآية. إذ لا يلزم من العد عدم التكفير إذ يجوز أن تكتب الكبائر ليشاهدها العبد يوم القيامة ثم تكفر عنه فعلم قدر نعمة العفو عليه، قاله الكرخي والاستفهام للتعجب منه في ذلك.

(ووجدوا ما عملوا) في الدنيا من المعاصي الموجبة للعقوبة أو وجدوا جزاء ما عملوا (حاضراً) مكتوباً مثبتاً في كتابهم (ولا يظلم ربك أحداً) أي لا يعاقب أحداً من عباده بغير ذنب وجرم ولا ينقص فاعل الطاعة من أجره الذي يستحقه وإنما سمي هذا ظلماً بحسب عقولنا لو خليت ونفسها ولو فعله الله لم يكن ظلماً في حقه لأنه لا يسئل عما يفعل.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " [[الترمذي كتاب القيامة باب 4 - الإمام أحمد 4/ 414.]] أخرجه الترمذي وقال: لا يصح من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53)

ثم إنه سبحانه عاد إلى الرد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه فقال

18:50Page 299

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.

(وإذ قلنا للملائكة) أي واذكر وقت قولنا لهم (اسجدوا لآدم) سجود تحية وتكريم بالخرور كما مر تحقيقه (فسجدوا) طاعة لأمر الله وامتثالاً لطلبه السجود.

(إلا إبليس) فإنه أبى واستكبر ولم يسجد (كان من الجن) مستأنفة لبيان سبب عصيانه وأنه لم يكن من الملائكة فلهذا عمى، والاستثناء منقطع وإبليس هو أبو الجن وأصلهم كما أن آدم أصل الإنس وله ذرية ذكرت معه بعد، والملائكة لا ذرية لهم، وقيل كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم.

وعلى هذا القول فقد نقل عن ابن عباس أن هذا النوع يتوالد وليس

معصوماً والاستثناء متصل وكونه، من الملائكة لا ينافي كونه من الجن بدليل قوله

سبحانه (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) وذلك أن قريشاً قالت: إن الملائكة بنات الله فهذا يدل على أن الملك يسمى جناً وتعضده اللغة لأن الجن من الاجتنان وهو الستر فتدخل الملائكة فيه، فكل ملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة.

ووجه كونه من الملائكة أن الله سبحانه استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو يصح دخوله وذلك يوجب كونه من الملائكة، ووجه من قال إنه من الجن هذه الآية. والجن جنس مخالف للملائكة. وأجيب عن الاستثناء بأنه منقطع كما تقدم وهو مشهور في كلام العرب قال تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) وقال تعالى (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً).

(ففسق عن أمر ربه) أي خرج عن طاعته بترك السجود لأدم عليه السلام قال الفراء: تقول العرب فسقت الرطبة عن قشرها لخروجهما منه، قال النحاس: اختلف في معناه على قولين: الأول مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أمر فعمى فكان سبب الفسق أمر ربه كما تقول أطعمه من جوع، والقول الآخر قول قطرب أن المعنى على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.

وعن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة يقال لهم الجن فكان إبليس منهم وكان يوسوس ما بين السماء والأرض فعصى فسخط الله عليه فمسخه شيطاناً رجيماً وعنه قال: كان خازن الجنان فسمي بالجان، وعن الحسن قال: قاتل الله أقواماً زعموا أن إبليس كان من الملائكة والله يقول كان من الجن وعنه قال: ما كان من الملائكة طرفة عين إنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.

ثم إنه سبحانه عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر والمعاصي وخالف أمر الله فقال (أفتتخذونه) كأنه قال أعقيب ما وجد منه من الإباء والفسق تتخذونه (و) تتخذون (ذريته) أي أولاده، وقيل أتباعه مجازاً، قال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وقال مجاهد: من ذرية إبليس لاقس وولهان وهما صاحبا الطهارة والصلاة اللذان يوسوسان فيهما ومن ذريته مرة وبه يكنى وزلنبور وبتر الأعور ومطروس وداسم.

(أولياء من دوني) فتطيعونهم بدل طاعتي وتستبدلونهم بي (و) الحال أن (هم) أي إبليس وذريته (لكم عدو) أي أعداء وأفرده لكونه اسم جنس أو لتشبيهه بالمصادر كما في قوله: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) وقوله هم العدو أي كيف تصنعون هذا الصنيع وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم بجميع ما أنتم فيه من النعم بمن لم يكن لكم منه منفعة قط بل هو عدو لكم يترقب حصول ما يضركم في كل وقت.

(بئس للظالمين) الواضعين للشيء في غير موضعه المستبدلين بطاعة ربهم طاعة الشيطان فبئس ذلك البدل الذي استبدلوه (بدلاً) عن الله سبحانه والتقدير بئس البدل إبليس وذريته.

18:51Page 299

۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١

I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.

(ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) قال أكثر المفسرين: الضمير للشركاء؛ والمعنى أنهم لو كانوا شركاء لي في خلقهما وفي خلق أنفسهم لكانوا مشاهدين خلق ذلك مشاركين لي فيه ولكنهم لم يشاهدوا ذلك ولا أشهدتهم إياه أنا فليسوا لي بشركاء وهذا استدلال بانتفاء اللازم المساوي على انتفاء الملزوم.

وقيل الضمير للمشركين الذين التمسوا طرد فقراء المؤمنين والمراد أنهم ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق ذلك، وقيل المعنى أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل لأنهم لم يكونوا مشاهدين خلق العالم فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله، وقيل ما أشهدت الملائكة فكيف يعبدونهم، وقيل جميع الخلائق والأول من هذه الوجوه أولى لما يلزم في الوجهين الأخرين من تفكيك الضميرين وهذه الجملة مستأنفة لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ المذكور.

وقرئ ما أشهدناهم، ويؤيد الأولى (وما كنت متخذ المضلين عضداً) أي ما اعتضدت بهم بل هم كسائر الخلق، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر إذ المراد بالمضلين من انتفى عنهم إشهاد خلق السماوات والأرض، والعضد يستعمل كثيراً في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد ومنه قوله سنشد عضدك بأخيك أي سنعينك ونقويك به، ويقال لم عضدت بفلان إذا استعنت به وذكر العضد على جهة المثل وأصله العضو الذي هو من المرفق إلى الكتف ففي الكلام استعارة.

وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ والمعنى ما استعنت بهم على خلقهما ولا شاورتهم وما كنت متخذ الشياطين أو الكافرين أعواناً، ووحد العضد لموافقة الفواصل. وقرئ ما كنت على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أي ما كنت يا محمد متخذاً لهم عضداً ولا صح لك ذلك، وفي عضد لغات أفصحها فتح العين وضم الضاد وبها قرأ الجمهور.

ثم عاد سبحانه إلى ترهيبهم بأحوال القيامة فقال

18:52Page 299

وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢

And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.

(و) اذكر (يوم يقول) الله عز وجل للكفار توبيخاً لهم وتقريعاً (نادوا شركائي الذين زعمتم) أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم، وأضافهم سبحانه إلى نفسه جرياً على ما يعتقده المشركون تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (فدعوهم) أي فعلوا ما أمرهم الله به من دعاء الشركاء واستغاثوا بهم والمعنى على الاستقبال كما هو ظاهر (فلم يستجيبوا لهم) ذلك ولم ينصروهم أي لم يقع منهم مجرد الاستجابة لهم فضلاً عن أن ينفعوهم أو يدفعوا عنهم.

(وجعلنا بينهم) أي بين هؤلاء المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله أو بين المؤمنين والكفار (موبقاً) ذكر جماعة من المفسرين أنه اسم واد عميق في جهنم فرق الله تعالى به بينهم؛ وبه قال أنس وزاد: من قيح ودم.

وقال ابن عمر: فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلاله، وقيل: هو نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدهم، وقيل: الموبق البرزخ البعيد لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان، وعلى هذا فهو اسم مكان.

قال ابن الأعرابي: كل حاجز بين الشيئين فهو موبق، وقال الفراء: الموبق المهلك، وبه قال مجاهد وابن عباس، والمعنى جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة يقال وَبِق يَوْبَق فهو وَبِقٌ هكذا ذكره الفراء في المصادر، وحكى الكسائي وَبِق يَبِق وبوقاً فهو وابق، والمراد بالمهلك على هذا هو عذاب النار يشتركون فيه، والأول أولى لأن من جملة من زعموا أنهم شركاء لله الملائكة وعزير والمسيح فالموبق هو المكان الحائل بينهم، وقال أبو عبيدة: الموبق هنا الموعد للهلاك، وقد ثبت في اللغة أَوْبَقَهُم بمعنى أهلكهم ولكن المناسب لمعنى الآية هو المعنى الأول.

18:53Page 299

وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣

And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.

(ورأى المجرمون النار) أي عاينوها من مسيرة أربعين عاماً وهو موضوع موضع الضمير للإشارة إلى زيادة الذم لهم بهذا الوصف المسجل عليهم به (فظنوا) أي أيقنوا (أنهم مواقعوها) أي داخلوها وواقعون فيها، والمواقعة المخالطة بالوقوع فيها، وقيل: أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون ذلك ظناً (ولم يجدوا عنها مصرفاً) أي معدلاً يعدلون إليه أو انصرافاً لأن النار قد أحاطت بهم من كل جانب.

قال الواحدي: اْلمَصْرِف الموضع الذي ينصرف إليه. وقال القتيبي: أي معدلاً ينصرفون إليه، وقيل ملجأً يلجأون إليه، والمعنى متقارب في الجميع.

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)

ولما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم وأجابهم عن ذلك وضرب لهم الأمثال الواضحة، حكى بعض أهوال الآخرة فقال

18:54Page 300

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤

And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.

(ولقد صرفنا) أي كررنا ورددنا وبينا (في هذا القرآن للناس) أي لأجلهم ولرعاية مصلحتهم ومنفعتهم (من كل مثل) من الأمثال التي من جملتها الأمثال المذكورة في هذه السورة ليتذكروا ويتعظوا، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة بني إسرائيل وحين لم يترك الكفار ما هم فيه من الجدل بالباطل ختم الآية بقوله (وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً) أي خصومة في الباطل.

قال الزجاج: المراد بالإنسان الكافر، واستدل عليه بقوله تعالى (ويجادل الذين كفروا بالباطل).

وقيل المراد به في الآية النضر بن الحرث؛ وقيل أراد أبي بن خلف، والظاهر العموم وأن هذا النوع أكثر شيء يتأتى منه الجدل جدلاً، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال ألا تصليان، فقلت يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) [[مسلم 775 - البخاري 616.]].

18:55Page 300

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥

And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.

(وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) قد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة بني إسرائيل، والناس هنا أهل مكة، والهدى القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم (ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين) المعنى على حذف مضاف؛ أي ما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلب أو انتظار إتيان سنة الأولين، وإنما احتيج إلى حذف المضاف إذ لا يمكن جعل إتيان سنة الأولين مانعاً عن إيمانهم، فإن المانع يقارن المنوع، وإتيان العذاب متأخر عن عدم إيمانهم بمدة كثيرة.

وزاد الاستغفار في هذه السورة لأنه قد ذكر هنا ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها جدالهم بالباطل، وسنة الأولين هو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا عذاب الاستئصال. قال قتادة: عقوبة الأولين، وقال الزجاج: سنتهم هو قولهم (إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية.

(أو يأتيهم العذاب) أي عذاب الآخرة (قبلاً) جمع قبيل، قاله الفراء أي متفرقاً يتلو بعضه بعضاً، وقيل عياناً وجهاراً، قاله الأعمش، وقيل فجاءة. قاله مجاهد.

ويناسب ما قاله الفراء قراءة قُبُلاً بضمتين فإنه جمع قبيل نحو سبيل وسبل، والمراد أصناف العذاب ويناسب التفسير الثاني، أي عياناً قراءة قبَلاً بكسر القاف وفتح الباء أي مقابلة ومعاينة، وقرئ بفتحتين على معنى أو يأتيهم العذاب مستقبلاً، فحاصل معنى الآية أنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الدنيا المستأصل لهم أو عند إتيان أصناف عذاب الآخرة أو معاينته.

18:56Page 300

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.

(وما نرسل المرسلين) من رسلنا إلى الأمم (إلا) حال كونهم (مبشرين) للمؤمنين (ومنذرين) للكافرين؛ فالاستثناء مفرغ من أعم العام وقد تقدم تفسير هذا.

(ويجادل الذين كفروا بالباطل) مستأنف (ليدحضوا به) أي ليزيلوا بالجدال الباطل (الحق) ويبطلوه، وأصل الدحض الزَّلْقَ، يقال دحضت رجله أي زلقت تدحض دحضاً، ودحضت الشمس عن كبد السماء أي زالت، ودحضت حجته دحوضاً بطلت، والدحض الطين لأنه يزلق فيه.

ومن مجادلة هؤلاء الكفار بالباطل قولهم للرسل: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وقولهم: أبعث الله بشراً رسولاً ونحو ذلك (واتخذوا آياتي) أي القرآن (و) اتخذوا (ما أنذروا) به من الوعيد والتهديد، وما بمعنى الذي أو مصدرية، قاله أبو حيان (هزوا) أي لعباً وباطلاً، وقد تقدم هذا في البقرة.

18:57Page 300

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.

(ومن) أي لا أحد (أظلم) لنفسه (ممن ذكر) وعظ، وقد روعي لفظ من في خمسة ضمائر هذا أولها؛ وروعي معناها في خمسة أولها على قلوبهم بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما.

(فأعرض عنها) أي عن قبولها فتهاون بها ولم يتدبرها حق التدبير ولم يتفكر فيها حق التفكر وتركها ولم يؤمن بها، وأتى بالفاء الدالة على التعقيب لأن ما هنا في الأحياء من الكفار فإنهم ذكروا فأعرضوا عقيب ما ذكروا، وقاله في السجدة بثم الدالة على التراخي، لأن ما هناك في الأموات من الكفار فإنهم ذكروا مرة بعد أخرى ثم أعرضوا بالموت فلم يؤمنوا.

(ونسي ما قدمت يداه) من الكفر والمعاصي فلم يتب عنها. وقال قتادة: ما سلف من الذنوب الكثيرة. قيل والنسيان هنا بمعنى الترك والتشاغل والتغافل عن كفره المتقدم، وقيل هو على حقيقته.

(إنا جعلنا على قلوبهم أكنة) أي أغطية جمع كنان، وفي القاموس إنه جمع كِنَ أيضاً؛ ونصه والكِن وقاء كل شيء وستره كَالْكِنَّة والْكِنان بكسرهما والجمع أكنان وأكنة والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم. قال الزجاج: أخبر الله سبحانه أن هؤلاء طبع على قلوبهم (أن يفقهوه) أي لئلا يفقهوه (و) جعلنا (في آذانهم وقراً) أي ثقلاً وصمماً يمنع من استماعه سماع انتفاع، وقد تقدم تفسير هذا في الأنعام (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً) لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ومعاصيهم.

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)

18:58Page 300

وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨

And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.

(وربك الغفور ذو الرحمة) أي كثير الرحمة بليغها وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء فلم يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال (لو يؤاخذهم) الله (بما كسبوا) أي بسبب ما كسبوه من المعاصي التي من جملتها الكفر والمجادلة والإعراض. وقال ابن عباس بما عملوا (لعجل لهم العذاب) أي عذاب الاستئصال في الدنيا لاستحقاقهم لذلك (بل) جُعِلَ (لهم موعد) مصدر أو مكان أو زمان، أي أجل مقدر لعذابهم. قيل هو عذاب الآخرة؛ وقيل يوم بدر. وعن السدي يوم القيامة.

(لن يجدوا من دونه) أي من دون الله أو العذاب، والثاني أولى وأبلغ لدلالته على أنهم لا ملجأ لهم، فإن من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص (موئلاً) أي ملجأً يلجأون إليه ومرجعاً، وبه قال ابن عباس: وقال أبو عبيدة: منجأَ وبه قال ابن قتيبة وقيل محيصاً، وعن مجاهد قال محرزاً.

18:59Page 300

وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩

And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.

(وتلك القرى) أي قرى عاد وثمود ولوط وأمثالها (أهلكناهم) هذا خبر اسم الإشارة، والمعنى أهل القرى أهلكناهم في الدنيا (لما ظلموا) أي وقت وقوع الظلم منهم بالكفر والمعاصي.

(وجعلنا لمهلكهم) في الآخرة، الهلك هو مصدر هلك وقال الزجاج: اسم للزمان والتقدير لوقت مهلكهم (موعداً) أي وقتاً معيناً وهو يوم القيامة فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском