Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
مريم
Maryam
Mary · Meccan · 98 ayahs
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة مريم
هي مكية وآياتها ثمان أو تسع وتسعون آية
قال ابن عباس: أنزلت بمكة. وعن ابن الزبير وعائشة مثله، وفي البيضاوي، إلا آية السجدة وفي الجلالين: إلا سجدتها فمدنية. أو وإلا (فخلف من بعدهم خلف) الآيتان وأخرج أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن أم سلمة أن النجاشي قال لجعفر بن أبي طالب: هل معك مما جاء به -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن الله شيء؟ قال: نعم: فقرأ عليه صدراً من (كهعيص) فبكى النجاشي [[اخضل الشيء اخضلالاً واخضوضل أي ابتل إهـ صحاح، والأسقف رئيس من رؤساء النصارى في الدين والجمع أساقفة إهـ.]] حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي: أن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة وقد ذكر ابن إسحاق القصة بطولها.
وقد تقدم في الجزء الأول من هذا التفسير أن أسماء السور وترتيبها وترتيب الآيات توقيفي ولم تذكر أمرأة باسمها صريحاًً في القرآن إلا مريم فذكرت فيه في ثلاثين موضعاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)
(كهيعص) قال ابن عباس: كبير هاد أمين عزيز صادق. وعن ابن مسعود وناس من الصحابة: هو الهجاء القطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصاد من المصور.
وعن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كاف هاد عالم صادق "، وعن علي كان يقول يا كهيعص اغفر لي، وعن السدي قال: كان ابن عباس يقول: في كهيعص، وحم، ويس، وأشباه هذا هو بسم الله الأعظم وعن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل هو اسم السورة. وعن الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه.
وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة، وقع بين من بعدهم، ولم يصح مرفوعاً في ذلك شيء. ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح، فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف، ورَدُّ لعلم في مثلها إلى الله سبحانه، ولذا قال في الجلالين: الله أعلم بمراده بذلك. وفي الخطيب أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وقد قدمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة.
19:2Page 305
ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢
[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah
(ذكر) أي هذا ذكر، أو المتلو ذكر، وقيل إنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد. قال أبو البقاء: وفيه بعد، وقيل هو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر.
قال الزجاج: المعنى هذا الذي نتلوه عليك ذكر (رحمة ربك) مضاف لفاعله ومفعوله (عبده زكريا) يعني إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد. قيل عبده مفعول لذكر، ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها. كما يقال ذكرني معروف فلان أي بلغني.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان زكريا نجاراً " [[المستدرك كتاب التاريخ 2/ 590.]]، أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه، وعن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن آزر بن مسلم من ذرية يعقوب
19:3Page 305
إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣
When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].
(إذ نادى ربه) ظرف زمان للرحمة أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه (نداء) مشتملاً على دعاء (خفياً) سراً جوف الليل لأنه أسرع إلى الإجابة.
واختلف في وجه كون ندائه هذا خفياً، فقيل لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء، وقيل أخفاه لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته، ولكونه من أمور الدنيا. وقيل أخفاه مخافة من قومه، وقيل كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفاً هرماً لا يقدر على الجهر، لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة وكان النداء في المحراب.
19:4Page 305
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤
He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].
(قال رب إني وهن العظم مني) هذه الجملة مفسرة لقوله نادى ربه. فالنداء أوله قوله هذا وآخره قوله الأتي (واجعله رب رضياً) فجملة النداء ثمان جمل والدعاء منه هو قوله (فهب لي من لدنك ولياً) كما سيأتي، والوهن الضعف، يقال وهن يهن وهناً، من باب وعد إذا ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته، يتعدى؛ ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن والعظم، والأجود أنه يتعدى بالهمزة، فيقال أوهنته، والوهن بفتحتين لغة في المصدر، ووهن يهن بالكسر فيهما لغة، وقرئ بالحركات الثلاث، أراد أن عظامه فترت ورقت، وضعفت قوته من الكبر.
وذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما في الإنسان وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحد العظم قصداً إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام، وقيل اشتكى سقوط الأضراس.
(واشتعل الرأس شيباً) الاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية بأن حذف المشبه به، وأداة التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها. قال الزجاج: يقال للشيب إذا كثر جداً. قد اشتعل رأس فلان.
(ولم أكن بدعائك) أي بدعائي إياك (رب شقياً) يقال شقي بكذا أي تعب فيه، ولم يحصل مقصوده منه، فالمعنى لم أكن خائفاً في وقت من الأوقات، بل كلما دعوتك استجبت لي، وهذا توسل بما سلف له من الاستجابة، وتنبيه على أن المطلوب -وإن لم يكن معتاداً- فإجابته لدعائه معتادة، وقد عوده سبحانه بالإجابة وأطعمه، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطعمه.
قال العلماء: يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع. وذكر نعم الله عليه. كما فعل زكريا هاهنا. فإن قوله الماضي غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن سرد مطالبه وبلوغ مآربه، وفي هذا ذكر ما عوده الله. والإنعام عليه بإجابة أدعيته، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع.
19:5Page 305
وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥
And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir
(وإني خفت) بكسر الخاء (الموالي من ورائي) وقرئ خفت بكسر التاء وفاعله الموالي، أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي أو انقطعوا بالموت، مأخوذ من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة شاذة وبعيدة عن الصواب. والموالي هنا هم الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العم، ونحوهم، والعرب تسمي هؤلاء موالي. وقيل هم الناصرون له، وقيل الكلالة، وقيل جميع الورثة.
واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده، فقيل خاف أن يرثوا ماله وأراد أن يرثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً.
وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب ولياً يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأول، لأن الأنبياء لا يورثون، وهم أجل من أن يعتذوا بأمور الدنيا، فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين، وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " [[مسلم 1757 - البخاري 1390.]].
(وكانت امرأتي عاقرأً) هي التي لا تلد لكبر سنها والتي لا تلد أيضاً لغير كبر، وهي المرادة هنا؛ ويقال للرجل الذي لا يلد عاقر أيضاً. قال ابن جرير: وكان اسم امرأته أشاع بنت فاقود بن ميل، وهي أخت حنة، وهي أم مريم، فولد لأشاع يحيى ولحنة مريم. وقال القتيبي: هي أشاع بنت عمران، فعلى القول الأول يكون يحيى بن زكريا ابن خالة أم عيسى. وعلى الثاني يكونان ابني خالة، كما ورد في الحديث الصحيح.
(فهب لي من لدنك) أي أعطني من فضلك (ولياً) مرضياً لأن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك. ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما، وحصوله منهما، وقد قيل: إنه كان ابن بضع وتسعين سنة، وقيل: بل أراد بالولي الذي طلبه هو الولد، ولا مانع من سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة. فإن الله سبحانه قد يكرم رسله ما يكون كذلك، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم
19:6Page 305
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦
Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."
(يرثني ويرث من آل يعقوب) قرئ بالرفع في الفعلين جميعاً على أنهما صفتان للولي، ولمسا بجواب الدعاء، وقرئ بالجزم فيهما على أنهما جواب للدعاء، ورجح الأول أبو عبيد، وقال: هي أصوب في المعنى لأنه طلب ولياً هذه صفته، فقال: هب لي الذي يكون وارثي. ورجح ذلك النحاس، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما هو الراجح كما سلف.
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم. وزعم بعضهم أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وبه قال الكلبي ومقاتل: وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، وقد كان فيهم أنبياء وملوك، وقرئ يرثني وارث ال يعقوب، وقرئ وأرث آل يعقوب، أي أنا، وقرئ " أُوَ يَرِثُ آل يعقوب " على أن هذا المصغر فاعل يرثني، وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظاً ومعنى.
(واجعله رب رضياً) أي مرضياً في أخلاقه وأفعاله؛ وقيل راضياً بقضائك، وقدرك، وقيل رجلاً صالحاً ترضى عنه، وقيل نبياً كما جعلت آباءه أنبياء.
19:7Page 305
يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧
[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."
(يا زكريا) بالهمز، وحذفه سبعيتان. قال جمهور المفسرين: إن هذا النداء من الله سبحانه، وقيل من جهة الملائكة، لقوله في آل عمران (فنادته الملائكة) ويمكن أن يكن وقع له الخطاب مرتين، مرة بواسطة الملائكة وأخرى من غير واسطة، وفي الكلام حذف، أي فاستجاب له دعاءه فقال: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام) وبين هذه البشارة ووجود الغلام في الخارج بالفعل ثلاث عشرة سنة لأن طلب زكريا للولد والبشارة به كان في صغر مريم وهي في كفالته، وأن الحمل بيحيى كان مقارناً للحمل بعيسى، وكانت مريم إذ ذاك بنت ثلاث عشرة سنة، وأن أشاع حملت به قبل حمل مريم بعيسى بستة أشهر.
(اسمه يحيى) قد تقدم في آل عمران وجه التسمية بيحيى وزكريا. قال الزجاج: سمي يحيى لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، وهو الممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، وتقول في تثنيته يحييان رفعاً ويحيين نصباً وجراً، وفي جمع سلامته يحييون رفعاً، ويحيين نصباً وجراً.
(لم نجعل له من قبل سمياً) فعيل بمعنى مفعول، أي مسمى يحيى قال أكثر المفسرين: معناه لم نسم أحداً قبله يحيى.
وقال مجاهد وابن عباس وجماعة: معناه أنه لم يجعل له مثلاً ولا نظيراً، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، ورد هذا بأنه يقتضى تفضيله على إبراهيم وموسى. وقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأول أولى.
وفي إخباره سبحانه بأنه لم يُسَمً بهذا الاسم قبله أحداً فضيلة له من جهتين. الأولى أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به ولم يكملها إلى الأبوين، وسماه بخصوص يحيى لأنه به حيي رحم أمه بعد موته بالعقم، والجهة الثانية أن تسميته باسم لم يوضع لغيره تفيد تشريفه وتعظيمه.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)
19:8Page 305
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨
He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"
(قال رب أنّي) أي كيف ومن أين (يكون لي غلام) وليس معنى هذا الاستفهام الاستبعاد والإنكار، بل التعجب والاستكشاف من قدرة الله وبديع صنعه حيث يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير (وكانت امرأتي عاقراً) أي لا تلد؛ والجملة حال من الياء في لي، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران.
(وقد بلغت من الكبر عتياً) أي يأساً، يريد بذلك نحول الجسم والجلد ودقة العظم أو يبساً جساوة [[جسا ضد لطف وجست اليد وغيرها جسوا وجساء يبست وجسا الشيخ جسوا بلغ غاية السن والماء جمد، أهـ صحاح.]] في المفاصل والعظام من أجل الكبر والطعن في السن العالية يقال عتا الشيخ يعتو عتياً إذا انتهت سنه وكبر، وشيخ عات إذا صار إلى حال اليبس والجفاف والأصل عتواً لأنه من ذوات الواو فأبدلوها ياء لكونها أخف قال السمين: فيه أربعة أوجه أظهرها أنه مفعول به، أو مصدر مؤكد لمعنى الفعل أو مصدر وقع موقع الحال، أي عاتياً أو ذا عتو، الرابع أنه تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة (من) مزيدة ذكره أبو البقاء، والأول هو الأوجه، انتهى، وقرئ عِتياً بكسر العين وبضمها وهما لغتان، وكلتا الجملتين لتأكيد الاستبعاد.
والتعجب المستفاد من قوله: (أنى يكون لي غلام) قال ابن عباس: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف عتيًّا أو عتياً. وعن عطاء في قوله عتياً قال: لبث زماناً في الكبر وقال السدي: هرماً، والمعنى كيف يحصل بيننا ولد الآن وقد كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي: وهي الآن عجوز وأنا شيخ هرم.
ثم أجاب الله سبحانه عن هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله:
19:9Page 305
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩
[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"
(قال) أي الملك المبلغ للبشارة، وهو كما قال الكواشي: جبريل عليه السلام، والأكثر على أنه الله تعالى لسلامته عن فك النظم.
(كذلك) أي الأمر كذلك تصديق له والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا: ثم ابتدأ بقوله: (قال ربك) أو قال قولاً مثل ذلك، والإشارة إلى مبهم يفسره قوله (هو عليَّ هين) وعلى الأول هذه الجملة مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره، وإنما أعيد: قال ربك، اهتماماً أي قال هو مع بعده عندك، عليّ هين، وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد. قال الفراء: أي خلقه عليّ هين بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق.
(وقد خلقتك من قبل) أي من قبل يحيى، والجملة حال وقرأ سائر الكوفيين وقد خلقناك (ولم تك شيئاً) لأن المعدوم ليس بشيء، هذه الجملة مقررة لما قبلها قال الزجاج: أي فخلق الولد لك كخلقك، والمعنى أن الله سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام لأنه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول: وقد خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئاً، للدلالة على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم.
19:10Page 305
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠
[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1
(قال رب اجعل لي آية) أي علامة تدلني على وقوع المسؤول وتحققه وحصول الحبل. والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه قال ابن الأنباري: وجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما مَنَّ به عليه، وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشياطين، لأن إبليس أوهمه بذلك، كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جداً.
(قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً) نصب على الحال أي آيتك أن لا تقدر على الكلام، والحال أنك سوي الخلق صحيح سليم من غير بأس ليس بك آفة تمنعك منه، والمراد ثلاث ليال بأيامها، كما في آل عمران ثلالة أيام وإنما عبر هنا بالليالي، وهناك بالأيام، لأن هذه السورة مكية، والمكي سابق على المدني، والليل سابق على النهار، فأعطى السابق للسابق، وأعطى المؤخر للمؤخر، وقيل: ثلاث ليال متتابعات، والأول أولى، قال ابن عباس: اعتقل لسانه من غير مرض، وفي لفظ من غير خرس.
19:11Page 305
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١
So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.
(فخرج على قومه من المحراب) أي من مصلاه متغير اللون، عاجز الكلام فأنكروا ذلك عليه، في القاموس: الحراب الغرفة، وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الإمام من المسجد، والوضع الذي يتفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها.
وفي الشهاب: وأما المحراب المعروف الآن، وهو طاق مجوّف في حائط المسجد يصلي فيه الإمام فهو محدث لا تعرفه العرب، فتسميته محراباً اصطلاح للفقهاء انتهى، وهو ممنوع، بل هو معنى لغوي إذ هو من أفراد المعنى اللغوي الذي ذكره في القاموس بقوله: ومقام الإمام بالسجد واشتقاقه من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان، وقيل من الحرب محركاً؛ كأن ملازمه يلقى حرباً وتعباً ونصباً.
(فأوحى إليهم) أي أومأ؛ وأشار، بدليل قوله في آل عمران: إلا رمزاً وقيل كتب لهم على الأرض، وبالأول قال الكلبي، والقرظي وقتادة وابن منبه وبالثاني، قال مجاهد: وقد يطلق الوحي على الكتابة. قال ابن عباس: كتب لهم كتاباً (أن سبحوا) مصدرية أو مفسرة، والمعنى فأوحى إليهم بأن صلوا؛ أو أي صلوا.
(بكرة وعشياً) أي نزهوا ربكم طرفي النهار؛ فهما ظرفا زمان للتسبيح. وانصرفت بكرة لأنه لم يقصد بها العلمية، فلو قصد بها العلمية امتنعت من الصرف، قال الفراء: العشي يؤنث، ويجوز تذكيره إذا أبهم، قال: وقد يقال: العشي جمع عشية قيل والمراد صلاة الصبح والعصر، وقيل المراد بالتسبيح هو قولهم سبحانه الله.
19:12Page 306
يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢
[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy
(يا يحيى) أي قال الله للمولود يا يحيى، أو ولد له مولود فبلغ المبلغ لذي يجوز أن يخاطب فيه. فقلنا له يا يحيى.
وقال الزجاج: المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى أي بعد ولادته بثلاث سنين على ما قاله قتادة، وقيل بسنتين يعني على لسان الملك كما قاله أبو حيان (خذ الكتاب) المراد به التوراة لأنه المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن.
والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي، أو الأخذ من حيث المعنى، وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقضي سهولة الإقدام على المأمور به، والإحجام على المنهي عنه، ثم أكده بقوله (بقوة) أي متلبساً بجد، وعزيمة، واجتهاد قاله مجاهد.
(وآتيناه الحكم صبياً) المراد بالحكم الحكمة، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه، وفهم الأحكام الدينية، وقيل هي العلم وحفظه والعمل به: وقيل النبوة، وقيل العقل، وقال مجاهد: الفهم، وقال مالك بن دينار: اللب، ولا مانع من حمل الحكم على جميع ما ذكر، والجملة مستأنفة.
قال ابن عباس: أعطي الفهم، والعبادة، وهو ابن سبع سنين، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الغلمان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال يحيى ما للعب خُلقنا اذهبوا نصلي "، فهو قول الله (وآتيناه الحكم صبياً) أخرجه الحاكم في تاريخه، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبياً "، أخرجه البيهقي، وأخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً عليه.
19:13Page 306
وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣
And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh
(وحناناً) معطوف على الحكم، قال جمهور المفسرين: الحنان الرحمة والرقة والشفقة، العطف والمحبة وأصله توقان النفس مأخوذ من حنين الناقة على ولدها قال: يقول حنانك يا رب وحنانيك يا رب معنى واحد يريد رحمتك، قال إن الأول الحنان مشدداً من صفات الله عز وجل، والحنان محققاً للعطف والرحمة والحنان التوق والبركة.
قال ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حناناً، يعني بلالاً لما مر به وهو يعذب، وقيل أن القائل لذلك هو ورقة ابن نوفل، قال الأزهري: معنى ذلك لأترحمن عليه ولأعطفن عليه لأنه من أهل الجنة.
ومعنى (من لدنا) من عندنا ومن جنابنا، وقيل المعنى أعطيناه رحمة من لدنا، كائنة في قلبه، يتحنن بها على الناس، ومنهم أبواه وقرابته حتى يخلصهم من الكفر، قال ابن عباس في (حناناً) لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة كما مر، ومنه قول الشاعر:
وعسير بلاء حاق به ... ويسير حنانك يدفعه
(وزكاة) معطوف على ما قبله، والزكاة التطهير والبركة والتنمية والبر أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم إلى الخير، وقيل ذكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية الشهود، وقيل صدقة تصدقنا بها على أبويه قاله ابن قتيبة، وقيل تصدقاً على الناس أي أعطيناه توفيقاً للتصدق عليهم وقيل يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقيل: هي العمل الصالح، فلم يعمد بذنب.
(وكان تقياً) قال ابن عباس: طهر فلم يأت بذنب أي متجنباً لمعاصي الله سبحانه مطيعاً له بطبعه، وقد روي أنه لم يعمل معصية ولم يهم بها قط، ومن جملة تقواه أنه كان يتقوت بالعشب، وكان كثير البكاء فكان لدمعه مجار على خده.
وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)
19:14Page 306
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤
And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.
(وبراً) فعل بمعنى فاعل أي باراً (بوالديه) والمعنى لطيفاً بهما محسناً إليهما، لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله أعظم من برهما يدل عليه قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً).
(ولم يكن جباراً عصياً) أي لم يكن متكبراً يقتل، ويضرب على الغضب، ولا عاصياً لوالديه، أو لربه، وهذا وصف له عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح، والمراد أصل الفعل، فالمنفي أصل الجبر، والعصيان، لا المبالغة فيهما
19:15Page 306
وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥
And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.
(وسلام) منا (عليه).
قال ابن جرير وغيره: معناه أمان عليه من الله، قال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته. وإنما الشرف في أن سلم الله عليه. وقال سلام هنا منكراً، وفي قصة عيسى (والسلام) معرفاً لأن الأول من الله، والقليل منه كثير، والثاني من عيسى.
ومعنى (يوم ولد) أنه أمن من الشيطان وغيره في ذلك اليوم، وسلم من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم، أو أن الله حياه في ذلك اليوم (ويوم يموت ويوم يبعث حياً) قيل أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: يوم ولد لأنه خرج مما كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوماً لم يكن قد عرفهم وأحكاماً ليس لديها عهد، ويوم يبعث لأنه يرى هول يوم القيامة، فخص الله سبحانه يحيى بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة.
19:16Page 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.
(واذكر في الكتاب مريم) هذا شروع في ابتداء خلق عيسى، والمراد بالكتاب هذه السورة: أي اذكر يا محمد للناس في هذه السورة قصة مريم وخبرها ونبأها؛ أو المراد به جنس القرآن وهذه السورة منه (إذ انتبذت) النبذ الطرح والرمي. قال تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم)، والمعنى أنها تنحت وتباعدت. وقال ابن قتيبة: اعتزلت وقيل انفردت.
(من أهلها) أي من قومها والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل لأجل أن تعبد الله سبحانه، وقيل للتطهر من حيضها (مكاناً شرقياً) أي من جانب الشرق، والنصب على الظرفية أو مفعول به، على أن معنى انتبذت أتت مكاناً، كما في السمين، وفي المصباح ما يؤيده.
والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار، حكى معناه ابن جرير، وقال ابن عباس: مكاناً أظلها من الشمس أن يراها أحد منهم، وقال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة. لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً. فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على خوف حين شق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها عنه.
وقيل كان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تعلي رأسها.
19:17Page 306
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.
(فاتخذت) أي ضربت (من دونهم) أي من دون أهلها (حجاباً) أي حاجزاً وستراً يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة أو حال التطهر من الحيض. والحجاب الستر والحاجز (فأرسلنا إليها روحنا) هو جبريل عليه السلام ليبشرها بالغلام ولينفخ فيها فتحمل به.
وقد اختلف الناس في نبوة مريم، فقيل إنها نبية لمجرد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك، وقيل لم تكن نبية لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر، والمتفق عليه أن المنفي وحي الرسالة لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو بشارة الولد لا بالرسالة، وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران، وقيل هو روح عيسى لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد. والأول أولى لقوله (فتمثل) أي جبريل عليه السلام (لها) بعد لبسها ثيابها (بشراً سوياً) تاماً مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئاً.
وقال البيضاوي: ولعله أي التمثل ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها، إهـ قال في الخميس في أحوال أنفس نفيس: فيه نظر، انتهى، ولم يبين أحد هذا النظر الصحيح لا هو ولا غيره من المفسرين فيما تصفحت إلا أبا السعود حيث قال: هو مع مخالفته لمقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى:
19:18Page 306
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."
(قالت إني أعوذ بالرحمن منك) فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة مثل ما إليه فضلاً عما ذكر من الحالة المرتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة.
نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه، وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها إهـ.
وقد تكلموا في كيفية تمثله، فقال إمام الحرمين: يفني الله الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه، يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقال ابن حجر: إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفيه الله تعالى عن الرأي فقط قاله الكرخي.
وقيل إنما ظهر لها في سورة البشر لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فتفهم كلامه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه، وأنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالله منه.
و (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً) أي ممن يتقي الله ويخافه، ويعامل بمقتضى التقوى والإيمان، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه. وقيل أن تقياً اسم رجل صالح فتعوذت منه تعجباً. وقيل إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، والأول أولى.
وتعوذها من تلك الصورة الحسنة دل على كمال عفتها وغاية ورعها، وجواب الشرط محذوف، أي فلا تتعرض لي واتركني وانئه عني، أو فتنتهي عني لتعوذي، وهذه الجملة كقول القائل: أن كنت مؤمناً فلا تظلمني.
19:19Page 306
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."
(قال) جبريل (إنما أنا رسول ربك) الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه ما خطر على بالك من إرادة السوء؛ وإنما جئت (لأهب لك) جعل الهبة من قبله لكونه سبباً فيها، من جهة كون الإعلام لها من جهته أو من جهة كون النفخ الذي قام به في الظاهر، ويقويه ما في بعض المصاحف أمرني أن أهب لك، وقرئ ليَهَبَ على معنى أرسلني الله، ليهب لك (غلاماً زكياً) هو الطاهر من الذنوب، الذي ينمو على النزاهة والعفة. وقيل المراد بالزكي النبي.
19:20Page 306
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"
(قالت أنّى يكون لي غلام) والحال أنني (لم يمسسني) أي لم يقربني (بشر) زوج بنكاح (ولم أك بغياً) أي فاجرة، فجعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه، والزنا ليس كذلك، وإنما يقال فيه: فجر بها وحنث بها. وما أشبه ذلك.
والبغيّ هي الزانية التي تبغي الرجال. قال المبرد: أصله بغوي على فعول. وقال ابن جني: إنه فعيل. وقال ابن الأنباري: أن بغياً غالب في النساء إجراء له مجرى حائض وعاقر. وقلما تقول العرب رجل بغي، وزيادة ذكر ذلك يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيهاً لجانبها من الفحشاء، يعني أن الولد لا يكون إلا من نكاح أو سفاح ولم يكن هنا واحد منهما. قيل وما استبعدت من قدرة الله شيئاً، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد، هل من قبل زوج نتزوجه في المستقبل؟ أم يخلقه الله سبحانه ابتداء.
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences