Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:213–220
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
(كان الناس أمة واحدة) أي كانوا متفقين على دين واحد، وهو الإسلام فاختلفوا، واختلف في الناس فقيل هم بنو آدم حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم.
عن أبيّ بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حين عرضوا على آدم ففطرهم على الإسلام وأقروا بالعبودية وكانوا مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم، وقيل آدم وحده قاله مجاهد، وسمى ناساً لأنه أصل النسل، وقيل آدم وحواء وقيل المراد القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة قرون. كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، قاله ابن عباس، وقيل المراد نوح ومن في سفينته، وقيل أن العرب كانت على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي.
وقيل كانوا من حين وفاة آدم إلى زمان نوح على الكفر والباطل بدليل قوله (فبعث الله النبيين) والحكم للغالب، والأول أولى قال أبو السعود: وهو الأنسب بالنظم الكريم، وقيل ليس في الآية ما يدل على أنهم كانوا على إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج، وقيل المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله من عليهم بإرسال الرسل، والأمة مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته أي مقصدهم واحد غير مختلف.
(فبعث الله النبيين) قيل الأنبياء جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر، المذكور منهم في القرآن بأسماء الأعلام ثمانية وعشرون نبياً، والله أعلم.
(مبشرين) بالثواب لمن آمن وأطاع (ومنذرين) بالعقاب لمن كفر وعصى (وأنزل معهم الكتاب) أي الجنس، وقيل المراد به التوراة أو أنزل مع كل واحد الكتاب، وجملة الكتب المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب كما قيل (بالحق) أي الصدق والعدل، والمراد هنا الحكم والفوائد والمصالح (ليحكم بين الناس) مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو مجاز مثل قوله تعالى (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وقيل أن المعنى ليحكم كل نبي بكتابه، وقيل ليحكم الله (فيما اختلفوا فيه) أي في الحق الذي اختلفوا فيه من بعد ما كانوا متفقين عليه، وقيل الضمير في (فيه) راجع إلى ما في قوله (فيما).
والضمير في قوله (وما اختلف فيه) يحتمل أن يعود إلى الكتاب ويحتمل أن يعود إلى المنزل عليه وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، قاله الزجاج، ويحتمل أن يعود إلى الحق (إلا الذين أوتوه) أي أوتوا الكتاب أو أوتوا الحق، أو أوتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أعطوا علمه (من بعد ما جاءتهم البينات) أي الدلالات الواضحات على صحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو الحجج الظاهرة على التوحيد (بغياً بينهم) أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، وفي هذا تنبيه على الصفة في فعلهم القبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سبباً في شدة الخلاف.
(فهدى الله الذين آمنوا) أي أمة محمد- صلى الله عليه وسلم - (لما اختلفوا فيه من الحق) أي إلى الحق، و " من " للبيان أو للتبعيض، وذلك لما بين لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم، وقيل معناه فهدى الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم، فإن بعضهم كذب كتاب بعض، وقيل أن الله هداهم إلى الحق من القبلة، وقيل هداهم ليوم الجمعة، وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود، وجعلته النصارى رباً، وقيل المراد بالحق الإسلام.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
وقال الفراء: إن في الآية قلباً وتقديره فهدى الذين آمنوا بالحق لما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير وضعفه ابن عطية (بإذنه) قال الزجاج: معناه بعلمه، وقال النحاس: هذا غلط، والمعنى بأمره وإرادته (والله يهدي من يشاء) من عباده (إلى صراط مستقيم) أي طريق سوي.
2:214Page 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) أم هنا منقطعة بمعنى بل، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا التقرير والإنكار أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر وحثهم عليه، وحسب هنا من أخوات ظن، وقد تستعمل في اليقين.
(ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) الواو للحال، ولما بمعنى لم أي والحال أنكم لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع منتظر، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا.
ذكر الله سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم تثبيتاً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم، ومثل هذه الآية قوله (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) وقوله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).
(مستهم) استئناف بيان لقوله (مثل الذين خلوا) (البأساء والضراء) قد تقدم تفسيرهما (وزلزلوا) الزلزلة شدة التحريك تكون في الأشخاص وفي الأقوال، يقال زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالاً بالكسر فتزلزلت أي تحركت واضطربت، فمعنى زلزلوا خوفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً، وحركوا بأنواع البلايا والرزايا، وقال الزجاج: الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه.
(حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه) أي استمر ذلك إلى غاية هي قول الرسول ومن معه أي صاحبوه في الإيمان، وحتى بمعنى إلى، وأن مضمرة أي إلى أن يقول، وهي غاية لما تقدم من المس والزلزال وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر، وأضبط للنفس عند نزول البلايا وكذلك أتباعهم من المؤمنين.
(متى نصر الله) متى ظرف زمان لا ينصرف إلا بجره بحرف والرسول هنا قيل هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقيل شعياء: وقيل هو كل رسول بعث إلى أمته.
وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير أي حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، ويقول الرسول ألا إن نصر الله قريب.
ولا ملجىء لهذا التكلف لأن قول الرسول ومن معه (متى نصر الله) ليس فيه إلا استعجال النصر من الله سبحانه، وليس فيه ما زعموه من الشك والإرتياب حتى يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسف.
قال قتادة: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب وهي غزوة الخندق أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ وأصحابه بلاء وحصر، وقيل نزلت في غزوة أحد، وقيل غير
ذلك.
وقال ابن عباس: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم، والمعنى أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء ولم يبق لهم صبر، وذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغ الحال في الشدة إلى هذه الغاية واستبطؤوا النصر قيل لهم.
(ألا إن نصر الله قريب) إجابة لهم في طلبهم، والمعنى هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله، فكونوا يا معشر المسلمين كذلك، وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق، فإن نصره سبحانه قريب إتيانه لا بعيد، وفيه إشارة إلى أن المراد بالقرب القرب الزماني، وفي إيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقرر ما لا يخفى.
2:215Page 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."
(يسئلونك ماذا ينفقون) السائلون هنا هم المؤمنون، سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو أي ما قدره وما جنسه (قل ما أنفقتم من خير) إلى آخره فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه، وقيل أنه قد تضمن الآية بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وقيل إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر " وما " شرطية، وقيل موصولة والأول أولى لتوافق ما بعدها.
(فللوالدين) قدمهما لوجوب حقهما على الولد لأنهما السبب في وجوده (والأقربين) قدمهم لأن الإنسان لا يقدر أن يقوم بمصالح جميع الفقراء فتقديم القرابة أولى من غيرهم ولأنهم أبعاض الوالدين (واليتامى) لأنهم لا يقدرون على الكسب ولا لهم منفق، وقد تقدم الكلام في الأقربين واليتامى (والمساكين وابن السبيل) أي هم أولى به، وانظر إلى هذا الترتيب الحسن العجيب في كيفية الإنفاق كيف فصله ثم أتبعه بالإجمال فقال (وما تفعلوا من خير) أي مع هؤلاء أو غيرهم طلباً لوجه الله ورضوانه (فإن الله به عليم) فيجازيكم عليه.
قال ابن مسعود: نسختها آية الزكاة، وقال الحسن: أنها محكمة، وقال ابن زيد: هذا في النفل أي التطوع، وهو ظاهر الآية، فمن أحب التقرب إلى الله بالإنفاق فالأولى به أن ينفق في الوجوه المذكورة في الآية فيقدم الأول فالأول.
ولم يذكر فيها السائلين والرقاب كما في الآية الأخرى اكتفاء بها أو بعموم قوله (وما تفعلوا من خير) فإنه شامل لكل خير وقع في أي مصرف. [[وفي سبب نزول الآية هو أن عمرو بن الجموح الأنصاري وكان له مال كثير فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق، وعلى من ننفق فنزلت هذه الآية.
وقيل: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن لي ديناراً.
فقال: أنفقه على نفسك.
فقال: إن لي دينارين.
فقال: أنفقهما على أهلك.
فقال: إن لي ثلاثة فقال أنفقها على خادمك فقال إن لي أربعة فقال أنفقها على والديك فقال إن لي خمسة فقال أنفقها على أقربائك فقال إن لي ستة فقال أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها فنزلت هذه الآية.]]
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
(كتب عليكم القتال وهو كره لكم) بين سبحانه، أن هذا أي فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به، والمراد بالقتال قتال الكفار، والكره بالضم المشقة، وبالفتح ما أكرهت عليه، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، وإنما كان الجهاد كرهاً لأن فيه إخراج المال ومفارقة الأهل والوطن والتعرض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر وهو كره مبالغة، ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم: الدراهم ضرب الأمير.
قيل الجهاد فرض على كل مسلم ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراَّ " أخرجه أبو داود بزيادة فيه.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " [[مسلم/1864.]]، وقيل الجهاد تطوع.
والمراد من الآية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيرهم، وبه قال الثوري والأوزاعي والأول أولى، والجمهور على أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، قال الزهري: كتب الله القتال على الناس جاهدوا أو لم يجاهدوا فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإذا استنفر نفر، وإن استغنى عنه قعد، وقيل فرض عين إن دخلوا بلادنا وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم.
(وعسى أن تكرهوا شيئاً) قيل عسى هنا بمعنى (قد) روي ذلك عن الأصم، وقال أبو عبيدة: عسى من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا الجهاد طبعاً لما فيه من المشقة، وأما شرعاً فهو محبوب وواجب ولا يلزم منه ما قاله السعد التفتازاني كراهة حكم الله ومحبة خلافه، وهو ينافي كمال التصديق، لأن معناه كراهة النفس ذلك الفعل ومشقته مع كمال الرضا بالحكم والإذعان له.
(وهو خير لكم) فربما تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات شهيداً والواو للحال أو صفة لشيء، وعليه جرى أبو البقاء هنا والزمخشري في قوله (ولها كتاب معلوم) وهو رأي ابن حيزان، وسائر النحويين يخالفونه.
(وعسى أن تحبوا شيئاً) أي الدعة وترك القتال (وهو شر لكم) فربما يتقوى عليكم العدو فيغلبكم ويقصدكم إلى عقر دياركم فيحل بكم أشد مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة.
(والله يعلم) ما فيه صلاحكم وفلاحكم وما هو خير لكم وما في الجهاد من الغنيمة والأجر والخير فلذلك يأمركم به (وأنتم لا تعلمون) ذلك ولذلك تكرهونه، قيل أنها محكمة ناسخة للعفو عن المشركين، وقيل منسوخة لأن فيها وجوب الجهاد على الكافة والناسخ قوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) وقيل إنها ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه، فالناسخ منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع منه، والمنسوخ إيجاب الجهاد على الكافة.
وقد ورد في فضل الجهاد ووجوبه أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها.
2:217Page 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)
(يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) أي القتال فيه أمر كبير مستنكر، والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دماء ولا تغير على عدو، والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد، وهذه الأمور أعظم ذنباً وأشد إثماً من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره، قيل إنها محكمة وإنه لا يجوز الغزو في الشهر الحرام إلا بطريق الدفع، وقيل منسوخة بقوله (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وبقوله (قاتلوا المشركين كافة) وبه قال الجمهور.
(وصد عن سبيل الله) أي صدكم المسلمين عن الحج أو صدكم عن الإسلام من يريده (وكفر به) الضمير يعود إلى الله، وقيل إلى الحج (والمسجد الحرام) أي وصدكم عنه قاله الزمخشري وغيره، وتعقب بأن عطف قوله (وكفر به) على صد مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة وهو سبيل الله لوجود الفصل بأجنبي، وأجيب بأن الكفر بالله والصد عن سبيله متحدان معنى فكأنه لا فصل بأجنبي بين سبيل وما عطف عليه.
(وإخراج أهله منه) يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين حين آذوهم حتى هاجروا وتركوا مكة، وإنما جعلهم الله أهله لأنهم كانوا هم القائمين بحقوق المسجد الحرام دون المشركين.
ومعنى الآية الذي ذهب إليه الجمهور إنكم يا قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن الكفر بالله ومن الصد عن المسجد الحرام ومن إخراج أهل الحرم منه (أكبر) جرماً (عند الله) وسبب النزول يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه المراد فإن السؤال منهم المذكور في هذه الآية هو سؤال إنكار لا وقع من السرية التي بعثها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(والفتنة أكبر من القتل) المراد بالفتنة هنا الكفر والشرك قاله ابن عمر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل المراد بالفتنة الإخراج لأهل الحرام منه، وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين، أو نفس الفتنة التي الكفار عليها، وهذا أرجح من الوجهين الأولين، لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وإنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وعن سفيان الثوري هذا شيء منسوخ ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وعن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة.
(ولا يزالون يقاتلونكم) ابتداء كلام يتضمن الإخبار عن الله عز وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار والمشركين لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم (حتى يردوكم عن دينكم) أي الإسلام إلى الكفر (إن استطاعوا) ذلك وتهيأ لهم منكم، والتقييد بهذا الشرط مشعر باستبعاد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه.
ثم حذر الله سبحانه المؤمنين من الاغترار بالكفار والدخول فيما يريدونه من ردهم عن دينهم الذي هو الغاية لما يريدونه من المقاتلة للمؤمنين فقال (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) الردة الرجوع عن الإسلام إلى الكفر، والتقييد بالكفر يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر، وأما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت عليه شيء من أحكام الردة، وفيه دليل للشافعي أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت على ردته.
وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط العمل وإن أسلم، وحبط معناه بطل وفسد، ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها، وربما تموت من ذلك، وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام.
(في الدنيا والآخرة) أي لا يبقى له حكم المسلمين في الدنيا فلا يأخذ شيئاً مما يستحقه المسلمون من الميراث وغيره، ولا يظفر بحظ من حظوظ الإسلام، ولا ينال شيئاً من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام ويستحقه أهله.
وقد اختلف أهل العلم في الردة هل تحبط العمل بمجردها أم لا تحبط إلا بالموت على الكفر، والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد.
(وأولئك أصحاب النار) يعني الذين ماتوا على الردة والكفر (هم فيها خالدون) أي لا يخرجون منها أبداً وقد تقدم الكلام في معنى الخلود.
2:218Page 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
(إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله) الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وترك الأول لإيثار مكاني، والهجر ضد الوصل، والتهاجر التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، والمجاهدة استخراج الجهد، والجهاد والتجاهد بذل الوسع.
(أولئك يرجون) أي يطمعون، وإنما قال يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، والرجاء الأمل يقال رجوت فلاناً أرجوه رجاء وهو ضد اليأس.
وقد يكون الرجاء بمعنى الخوف كما في قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) أي لا تخافون عظمة الله، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة أو المجاز، زعم قوم أنه حقيقة ويكون من الاشتراك اللفظي، وزعم قوم أنه من الأضداد فهو اشتراك لفظي أيضاً.
وقال ابن عطية: الرجاء أبداً معه خوف كما أن الخوف معه رجاء، وزعم قوم أنه مجاز للتلازم الذي ذكرناه، قال قتادة أثنى الله على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الثناء في هذه الآية وهم خيار هذه الأمة ثم جعلهم أهل رجاء ومن رجا طلب ومن خاف هرب.
(رحمت الله) أخبر أنهم على رجاء الرحمة وقد كتبت (رحمة) هنا بالتاء وهي في القرآن في سبعة مواضع (والله غفور) لذنوب عباده (رحيم) بهم بإجزال الأجر.
2:219Page 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
(يسئلونك عن الخمر) السائلون المؤمنون فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن عمر أنه: قال اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فإنها تذهب بالمال والعقل، فنزلت يعني هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت التي في سورة النساء (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكان ينادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعى عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في المائدة فدعى عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون؟ قال عمر انتهينا انتهينا.
والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة وكل شيء غطى شيئاً فقد خمره، ومنه " خمروا آنيتكم " وسمي خمر لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره، وقيل سميت خمراً لأنها تركت حتى أدركت أي بلغت إدراكه، وقيل لأنها تخالط العقل من المخامرة وهو المخالطة.
وهذه المعاني الثلاثة متقاربة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت ثم خالطت العقل فخمرته أي سترته، والخمر ماء العنب الذي غلا واشتد وقذف بالزبد، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه كما ذهب إليه الجمهور، وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال أي ما دون المسكر منه، وذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ثلثاه بالطبخ، والخلاف في ذلك مشهور، وقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي لبلوغ المرام، وأطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى فليرجع إليهما.
وجملة القول في تحريم الخمر أن الله أنزل فيه أربع آيات:
نزل بمكة (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً) فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة في جواب عمر ومعاذ هذه الآية فتركها قوم لقوله (فيهما إثم كبير) وشربها قوم لقوله (ومنافع للناس) ثم نزل (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فترك قوم شربها في أوقات الصلاة، ثم أنزل الله الآية التي في المائدة، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام.
والخمر تذكر وتؤنث وقال الأصمعي الخمر أنثى وأنكر التذكير.
(والميسر) مصدر ميمي مأخوذ من اليسر وهو وجوب الشيء لصاحبه يقال يسر لي كذا إذا وجب، والياسر اللاعب بالقداح، وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر، وقال: وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون لأنهم جازرون، إذ كانوا سبباً لذلك.
والمراد بالميسر في الآية قمار العرب بالأزلام، قال جماعة من السلف: من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كل شيء فيه قمار من نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق، وقال مالك: الميسر ميسران ميسر اللهو وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار ما يتخاطر الناس عليه وكل ما قومر به فهو ميسر كالطاب والمنقلة والطاولة وغيرها، وسيأتي البحث مطولاً في هذا في سورة المائدة عند قوله (إنما الخمر والميسر) إن شاء الله تعالى.
(قل فيهما إثم كبير) يعني في الخمر والميسر، فإثم الخمر أي إثم تعاطيها ينشأ من فساد عقل مستعملها فيصدر عنه ما يصدر عن فاسد العقل من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وتعطيل الصلوات وسائر ما يجب عليه، وأما إثم الميسر أي إثم تعاطيه فما ينشأ عن ذلك من الفقر وذهاب المال في غير طائل والعداوة وإيحاش الصدور.
(ومنافع للناس) أما منافع الخمر فربح للتجارة فيها، وقيل ما يصدر عنها من الطرب واللذة والنشاط والفرح وقوة القلب وثبات الجنان وإصلاح المعدة وقوة الباه [[باهَ لهُ بيهاً: فطِن. [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا في هامش المطبوع، وأظن المراد هنا بـ (الباه): الجماع، والله أعلم]]] وتصفية اللون، وحمل البخيل على الكرم، وزوال الهم وهضم الطعام، وتشجيع الجبان، وقد أشار شعراء العرب إلى شيء من ذلك في أشعارهم.
ومنافع الميسر مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب ولا كد، وما يحصل من السرور والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح، وسهام الميسر أحد عشر، منها سبعة لها فروض على عدد ما فيها من الخطوط وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافر والمسبل والمعلى والسفح والوغد والضعف والجزور، ولا نطول بذكر علاماتها وأحوالها.
(وإثمهما أكبر من نفعهما) أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع، لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر، وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم.
وقد وردت في تحريم الخمر ووعيد شاربها أحاديث كثيرة.
(ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو) والعفو ما سهل وتيسر، ولم يشق على القلب، والمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تجهدوا فيه أنفسكم، وقيل هو ما فضل عن نفقة العيال، وقال جمهور العلماء هو نفقات التطوع، وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة المفروضة، وقيل هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة.
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول " وثبت نحوه في الصحيح مرفوعاً من حديث حكيم بن حزام، وفي الباب أحاديث كثيرة، وقيل المعنى خذ الميسور من أخلاق الرجال ولا تستقص عليهم. [[صحيح الجامع الصغير/3276.]]
(كذلك يبين الله لكم الآيات) أي في أمر النفقة ومصارفها (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) أي في أمرهما فتحبسون من أموالكم ما تصلحون به معايش دنياكم وتنفقون الباقي في الوجوه المقربة إلى الآخرة، وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها، وفي الآخرة وبقائها فترغبون عن العاجلة إلى الآجلة.
2:220Page 35
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
(ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) هذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم) وقوله (إن الذين يأكلون أموال اليتامى) وقد ضاق على الأولياء الأمر فنزلت هذه الآية، والمراد بالإصلاح هنا مخالطتهم على وجه الإصلاح لأموالهم، فإن ذلك أصلح من مجانبتهم.
وفي ذلك دليل على جواز التصرف في أموال الأيتام من الأولياء والأوصياء بالبيع والمضاربة والإجارة ونحو ذلك، وقيل أن يوسع على اليتيم من طعام نفسه ولا يوسع عليه من طعامه ولا يأخذ أجرة ولا عوضاً على إصلاح أمواله.
(وإن تخالطوهم فإخوانكم) اختلف في تفسير المخالطة لهم فقال أبو عبيدة: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بداً من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد تقع فيه الزيادة والنقصان، فدلت هذه الآية على الرخصة وهي ناسخة لما قبلها، وقيل المراد بالمخالطة المعاشرة للأيتام، وقيل المراد بها المصاهرة لهم والأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص، بل يشمل كل مخالطة كما يستفاد من الجملة الشرطية، والتقدير فهم إخوانكم في الدين.
(والله يعلم المفسد) لأموالهم بمخالطته (من المصلح) بها تحذير للأولياء أي لا يخفى على الله من ذلك شيء فهو يجازي كل أحد بعمله، من أصلح فلنفسه ومن أفسد فعليها، ففيه وعد ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيد تهديد وتأكيد للوعيد.
(ولو شاء الله لأعنتكم) أي جعل ذلك شاقاً عليكم ومتعباً لكم
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences