Al-QinnawjiAl‑Baqarah · 2:253–257

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:253–257

2:253Page 42

۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.

(تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض) قيل هو إشارة إلى جميع الرسل فيكون الألف واللام للاستغراق، وقيل هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل إلى الأنبياء الذي بلغ علمهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والمراد بتفضيل بعضهم على بعض أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر فكان الأكثر مزايا فاضلاً، والآخر مفضولاً، وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، كذلك دلت الآية الأخرى عليه وهي قوله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً).

وعن قتادة قال: اتخذ الله إبراهيم خليلاً وكلم الله موسى تكليماً وجعل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون وهو عبد الله وكلمته وروحه وآتى داود زبوراً وآتى سليمان ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده وغفر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال الخازن: أجمعت الأمة على أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنبياء لعموم رسالته وهو قوله (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً).

وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: " لا تفضلوني على الأنبياء " وفي لفظ آخر: " لا تفضلوا بين الأنبياء " [[روى مسلم في صحيحه 2374.]]، وفي لفظ: " لا تخيروا بين الأنبياء " فقال قوم إن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل إنه قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك على سبيل التواضع كما قال: لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى [[رواه مسلم في صحيحه 2376 برواية أنه قال -يعني الله عز وجل- لا ينبغي لعبدي أن يقول أنا خير من يونس بن متى عليه السلام.]]، تواضعاً مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله: " أنا سيد ولد آدم ".

وقيل إنما نهى عن ذلك قطعاً للجدال والخصام في الأنبياء فيكون مخصوصاً بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأموناً.

وقيل إن النهي هو من جهة النبوة فقط لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات والكرامات.

وقيل إن المراد النهي عن التفضيل بمجرد الأهواء والعصبية، وفي جميع هذه الأقوال ضعف.

وعندى أنه لا تعارض بين القرآن والسنة فإن القرآن دل على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله تعالى لا يخفى على الله منها، خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً وهذا مفضولاً لاقبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل بالجهل وإقدام على أمر لا يعمله الفاعل له وهو ممنوع منه.

فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن بالإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك.

وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرض للجمع بينهما زاعماً أنهما متعارضان فقد غلط غلطاً بيناً.

(منهم) تفصيل للتفضيل المذكور إجمالاً (من كلّم الله) أي بغير واسطة وهو موسى كلمه في الطور، ونبينا سلام الله عليهما كلمه ليلة الإسراء، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في آدم نبي مكلم، وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر، والإلتفات حيث لم يقل كلمنا لتربية المهابة بهذا الاسم الشريف والرمز إلى ما بين التكليمين ورفع الدرجات من التفاوت.

(ورفع بعضهم درجات) هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا - صلى الله عليه وسلم - لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به إدريس لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكاناً علياً، وقيل إنهم أولو العزم، وقيل إبراهيم.

ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع فلا يجوز لنا التعرض للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه أو من نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء وقد نهينا عنه.

وقد جزم كثير من أئمة التفسير أنه نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وأطالوا في ذلك واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات ومزايا الكمال وخصال الفضل. وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب قد وقعوا في خطرين، وارتكبوا نهيين، وهما تفسير القرآن بالرأي، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء وإن لم يكن ذلك تفضيلاً صريحاً فهو ذريعة إليه بلا شك ولا شبهة، لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبي الفلاني، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهيّ عنه [[وقد استدل هؤلاء بحديث: بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأُحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وغيرها من المعجزات.]].

وقد أغنى الله نبينا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل والفواضل، فإياك أن تتقرب إليه - صلى الله عليه وسلم - بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن.

(وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات وإبراء المرضى من الأكمه والأبرص وغير ذلك (وأيدناه) أي قويناه (بروح القدس) هو جبريل وكان يسير معه حيث سار إلى أن رفعه الله إلى عنان السماء السابعة وقد تقدم الكلام على هذا.

(ولو شاء الله ما اقتتل) أي ما اختلف فأطلق الاقتتال وأراد سببه وهو الاختلاف (الذين من بعدهم) أي من بعد الرسل وقيل من بعد موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لأن الثاني مذكور صريحاً، والأول والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله (منهم من كلم الله) أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة، وقيل أن لا يؤمروا بالقتال وقيل أن يصيرهم إلى الإيمان وكلها متقاربة.

(من بعد ما جاءتهم البينات) أي الدلالات الواضحات من الله بما فيه مزدجر لمن هداه الله تعالى ووفقه (ولكن اختلفوا) استثناء من الجملة الشرطية أي ولكن الاقتتال ناشىء عن اختلافهم اختلافاً كثيراً حتى صاروا مللاً مختلفة، والمعنى لو شاء الله الاتفاق لاتفقوا، ولكن شاء الاختلاف فاختلفوا وفيه إشارة إلى قياس استثنائي.

(فمنهم من آمن ومنهم من كفر) أي ثبت على إيمانه أو تعمد الكفر بعد قيام الحجة كالنصارى بعد المسيح (ولو شاء الله) عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف (ما اقتتلوا) تأكيد (ولكن الله يفعل ما يريد) من توفيق من شاء، وخذلان من شاء، لا رادّ لحكمه ولا مبدل لقضائه فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض عليه في ملكه وفعله.

وسأل رجل علياً عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا تلجه، فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه.

2:254Page 42

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) ظاهر الآية الوجوب وقد حمله جماعة على صدقة الفطر لذلك ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل إن هذه الآية تجمع زكاة الفرض والتطوع، قال ابن عطية: وهذا صحيح ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع المؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله.

قال القرطبي: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة واجباً ومرة ندباً بحسب تعينّ الجهاد وعدم تعينه.

(من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) أي أنفقوا ما دمتم قادرين وقدموا لأنفسكم اليوم من الأموال من قبل أن يأتي ما لا يمكنكم الإنفاق فيه وهو يوم لا يتبايع الناس فيه ولا تجارة فيكتسب الإنسان من يفتدي به نفسه من العذاب.

(ولا خلّة) خالص المودة من تخلل الأسرار بين الصديقين أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة ولا مودة ولا صداقة.

(ولا شفاعة) مؤثرة إلا لمن أذن الله له، قيل وقد دلت النصوص على ثبوت المودة والشفاعة بالإذن بين المؤمنين هذا عام مخصوصاً (والكافرون هم الظالمون) فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه. ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعاً يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق، وعن عطاء قال: الحمد لله الذي قال (والكافرون هم الظالمون) ولم يقل والظالمون هم الكافرون.

2:255Page 42

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥

Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

(الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أي لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ، والحي الباقي، وقيل الذي لا يزول ولا يحول، وقيل المصرف للأمور والمقدّر للأشياء.

قال الطبري: عن قوم أنه يقال حي كما وصف نفسه ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان أو مبتدأ خبره محذوف. والقيوم القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل القائم بتدبير الخلق وحفظه، وقيل هو الذي لا ينام، وقيل الذي لا بديل له.

وقرأ جماعة القيام بالألف. وروي ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة.

وهذه الآية أفضل آية في القرآن. ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتها أكثر منه على غيرها من الآيات، هذا هو التحقيق في تفضيل القرآن بعضه على بعض، وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى.

(لا تأخذه سنة ولا نوم) هذا كالتعليل لقوله القيوم، السِّنة النعاس في قول الجمهور، والنعاس ما يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين فإذا صار في القلب صار نوماً، وفرق المفضل بين السِّنة والنعاس والنوم فقال السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب انتهى.

والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن السنة لا يفقد معها العقل بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل. بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر.

والمراد أنه لا يعتريه شيء منهما، وقدّم السنة على النوم لكونها تتقدمه في الوجود فهو على حد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما يتقدم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم والله أعلم بمراده انتهى.

وأقول إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس، وإذا ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السِّنة نفي النوم. وقد ورد عن العرب نفيهما جميعاً.

وأيضاً فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم فقد يأخذه النوم ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقَع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة فكم من ذي سنة غير نائم.

وكرر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما فالسنة النوم الخفيف، والنوم هو الثقيل المزيل للعقل والقوة، والوسنان بين النائم واليقظان.

والجملة نفي للتشبيه بينه تعالى وبين خلقه والله منزّه عن النقص والآفات، وإن ذلك تغير وهو مقدس عن التغير.

وعن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بخمس كلمات فقال: " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام " [[رواه مسلم/179.]] الحديث رواه مسلم.

(له ما في السموات وما في الأرض) يعني أنه تعالى مالك جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم، وهم عبيده وخلقه، وهم في ملكه، وأجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ " ما " دون " من " وفيه رد على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء، والأصنام التي في الأرض يعني فلا تصلح أن تعبد لأنها مملوكة مخلوقة له، واللام إما للقهر وإما للملك وإما للإيجاد.

(من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه. وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصك في وجوههم والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه.

والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وقوله تعالى (وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) وقوله تعالى (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن) بدرجات كثيرة.

وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة ولمن هي ومن يقوم بها بالإذن [[انظر/شرح العقيدة الطحاوية.]].

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) الضميران لما في السموات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما، وقال مجاهد: ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة. وعن ابن عباس: ما قدّموا من أعمالهم وما أضاعوا من أعمالهم.

والمقصود أنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه. حتى يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، تحت الأرض الغبراء، وحركة الذرة في جو السماء، والطير في الهواء، والسمك في الماء.

وفيه رد على من ينفي عنه سبحانه علم الجزئيات كالفلاسفة وهي أي صفة العلم له سبحانه إمام أئمة الصفات فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

(ولا يحيطون بشيء من علمه) قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته (إلا بما شاء) أن يطلعهم عليه بأخبار الأنبياء والرسل ليكون دليلاً على نبوتهم؛ وليس ذلك إليهم بل إليه.

(وسع كرسيه) ويقال فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأمكنه القيام به، وأصل الكرسي في اللغة مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض، وفي العرف ما يجلس عليه، والكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك.

وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة. وأخطأوا في ذلك خطأً بيناً وغلطوا غلطاً فاحشاً.

وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم قالوا: ومنه قيل للعلماء كراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ورجح هذا القول ابن جرير المجري، وفي القاموس الكرسي بالضم والكسر السرير والعلم. والجمع كراسي، وقيل كرسيُّه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسياً أي ما يعمده، وقيل إن الكرسي هو العرش وقيل هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له.

وقال التفتازاني: إنه من باب إطلاق المركب الحسي المتوهم على المعنى العقلي المحقق، وقال البيضاوي: لا كرسي في الحقيقة ولا قاعد وهو تمثيل مجرد، وقيل هو عبارة عن الملك والسلطان مأخوذ من كرسي العالم والملك.

والحق القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات جاءت عن الفلاسفة أقمأهم الله تعالي.

والمراد بكونه وسع (السموات والأرض) أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً، وأخرج الدارقطني في الصفات والخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله وسع كرسيه قال: " كرسيه موضع قدمه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل " وأخرجه الحاكم وصححه [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 282.]].

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر الغفاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة " [[أخرجه الآجري وأبو حاتم البُسْتي في صحيح مسندة والبيهقي وذكر أنه صحيح.]].

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً أنه موضع القدمين وفي سنده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك.

وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها.

(ولا يؤوده حفظهما) معناه لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض، يقال آدَنيِ بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وقال الزجاج: يحتمل أن يكون الضمير في قوله يؤوده لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله.

(وهو العلي العظيم) العلي يراد به علو القدر والمنزلة أي الرفيع فوق خلقه ليس فوقه شيء وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر فلا أعلى منه أحد، وقيل علا من أن يحيط به وصف الواصفين ذو العظمة والجلال الذي كمل في عظمته.

وحكى الطبري عن بعضهم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، قال ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين وكان الواجب أن لا يحكى انتهى.

والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف، والنزاع فيه كائن بينهم والأدلة من الكتاب والسنة طافحة بها، ولكن الناشىء على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع، ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها الكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض.

ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على القاهر الغالب أيضاً كما في قوله (إن فرعون علا في الأرض) والعظيم بمعنى عظم شأنه وخطره.

قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه والثانية بيان لكونه مالكاً لما يدبره، والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى، والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره انتهى.

وبالجملة فهذه الآية قد اشتملت على أمهات المسائل الإلهية فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الإلوهية متصف بالحياة الأزلية الأبدية، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزّه عن التحيز والحلول، مبرّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح، مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع، وذو البطش الشديد الذي لا يشفع أحد عنده كائناً من كان إلا من أذن له الرحمن، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كُلّيها وجزئيها، واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن، متعال عن الخلق، مباين عن العالم مستو على العرش، عليّ الذات سمي الصفات كبير الشأن جليل القدر رفيع الذكر مطاع الأمر جلي البرهان عليّ عما يدركه القياس والظن والوهم عظيم لا يحيط به عالم الخلائق والفهم.

ولذلك قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث فأخرج أحمد ومسلم واللفظ له عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأله: أي آية من كتاب الله أعظم قال: آية الكرسي قال: " ليهنك العلم أبا المنذر ".

وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءهم في صفّة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الله لا اله إلا هو الحي القيوم) الآية.

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا وخرج منه، آية الكرسي " قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، والم، الله لا إله إلا هو) " إن فيهما اسم الله الأعظم ".

وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه وورد أيضاً في فضل قراءتها دُبر الصلوات وفي غير ذلك، وورد أيضاً مع مشاركة غيرها لها أحاديث في فضلها، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير [[في البخاري عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر

قصة وفيها: فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: " ما هي "؟ قلت قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم " الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة "؟ قال: لا؛ قال: " ذاك شيطان ".]].

2:256Page 42

لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

وقد اختلف أهل العلم في قوله (لا إكراه في الدين) على أقوال:

الأول: أنها منسوخة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام، والناسخ لها قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) وقال تعالى (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين.

القول الثاني: أنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وإنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، بل الذين يكرهون هم أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاك.

القول الثالث: أن هذه الآية في الأنصار خاصة.

القول الرابع: أن معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره فلا إكراه في الدين.

القول الخامس: أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام.

وقال ابن كثير في تفسيره أى لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله إلى الإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً [[ابن كثير 1/ 310.]]، وهذا يصلح أن يكون قولاً سادساً.

وقال في الكشاف في تفسير هذه الآية أي لم يُجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على التمكن والإختيار، ونحوه قوله (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) أي لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكن لم يفعل وبنى الأمر على الأختيار، وهذا يصلح أن يكون قولاً سابعاً.

والذي ينبغي اعتماده ويتعين الوقوف عنده أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمه غير منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت يهود بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فنزلت، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس.

وقد وردت هذه القصة من وجوه حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا إنما جعلناهم على دينهم أي دين اليهود ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام فلنكرهنهم، فلما نزلت خيّر الأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكرههم على الإسلام.

وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية، وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم لأن النكرة في سياق النفي وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خصص هذا العموم بما ورد في الآيات من إكراه أهل الحرب من الكفار على الإسلام.

وقد قيل هذه الآية إلى (خالدون) من بقية آية الكرسي، والتحقيق أن هذه الآية مستأنفة جيء بها إثر بيان صفات الباري المذكورة إيذاناً بأن من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والإكراه في الدين بل يختار الدين الحق من غير تردد.

(قد تبيّن الرشد من الغيّ) الرشد هنا الإيمان، والغي الكفر أي قد تميز أحدهما من الآخر، وأصل الغي بمعنى الجهل إلا أن الجهل في الاعتقاد والغي في الأعمال، وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله.

(فمن يكفر بالطاغوت) الطاغوت فعلوت من طغى يطغى ويطغو، إذا جاوز الحد، قال سيبويه: هو اسم مذكر مفرد أي اسم جنس يشمل القليل والكثير قاله سيبويه، وقال أبو علي الفارسي إنه مصدر كرهبوت وجبروت يوصف به الواحد والجمع.

وقيل أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من مخير اشتقاق، وقال المبرد هو جمع، قال ابن عطية وذلك مردود.

قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والساحر والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله وقد يكون واحداً، قال تعالى (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) وقد يكون جمعاً، قال تعالى (أولياؤهم الطاغوت) والجمع الطواغيت أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورؤس الضلالة أو بالجميع.

(ويؤمن بالله) عز وجل بعدما تميز له الرشد من الغي، والحق عن الباطل والهدى عن الضلالة، وإنما قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لأن الشخص ما لم يخالف الشيطان ويترك عبادة غيره تعالى لم يؤمن بالله كما قالوا إن التخلية مقدمة على التحلية.

(فقد استمسك بالعروة) هو في الأصل شد اليد وأصل المادة يدل على التعلق، ومنه عروته إذا ألمت به متعلقاً به واعتراه الهم تعلق به (الوثقى) أي فقد فاز وتمسّك بالحبل الوثيق المحكم، والوثقى فعلى من الوثاقة تأنيث الأوثق وجمعها وثق مثل الفضلى والفضل.

وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب التشبيه والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة فقيل المراد بالعروة الإيمان، وقيل الإسلام، وقيل لا إله إلا الله، وقيل من باب الاستعارة المفردة حيث استعير العروة الوثقى للاعتقاد الحق ولا مانع من الحمل على الجميع.

(لا انفصام لها) الانفصام الانكسار من غير بينونة، قال الجوهري: فصم الشيء كسره من غير أن يبين، وأما القصم بالقاف فهو الكسر مع البينونة، وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع.

والمعنى أن المتمسك بالدين كالمتمسك بالشيء الذي لا يمكن كسره ولا انقطاعه، والجملة مستأنفة أو حالية (والله سميع عليم) يسمع قول من كفر بالطاغوت وأتى بالشهادتين، والجملة اعتراض تذييلي حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد.

2:257Page 43

ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧

Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

(الله ولي الذين آمنوا) الولي فعيل بمعنى فاعل وهو الناصر (يخرجهم من الظلمات إلى النور) تفسير للولاية أو حال من الضمير في ولي، وهذا يدل على أن المراد بقوله (الذين آمنوا) الذين أرادوا الإيمان لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبهة التي تعرض المؤمنين فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، قيل كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد به الكفر والإيمان غير الذي في سورة الأنعام فالمراد به الليل والنهار، وإفراد النور لوحدة الحق، وجمع الظلمات لتعدد فنون الضلال.

(والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) المراد بالنور ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم منه إلى ظلمة الكفر أي قرّرهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الحق من الأنبياء، وقيل المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج، وقيل ذكر هذا الإخراج مشاكلة للأول أو فيمن آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به، فتلخص أن الجواب الأول بالتسليم والثاني بالمنع.

(أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) يعني الكفار والطاغوت أي هم ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم ماكثون فيها أبداً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском