Al-QinnawjiAl‑Baqarah · 2:87–101

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:87–101

2:87Page 13

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧

And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي أعطيناه التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة، شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديره بالجملة القسمية، لإظهار كمال الاعتناء به (وقفينا من بعده بالرسل) أي أتبعنا، والتقفية الاتباع والإرداف وهو أن يقفو إثره الآخر مأخوذ من القفا وهو مؤخر العتق، والمراد أن الله سبحانه أرسل على إثره رسلاً جعلهم تابعين له وكانت الرسل من بعد موسى إلى زمن عيسى متواترة يظهر بعضهم في إثر بعض والشريعة واحدة، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده كالشموئيل بن بابل والياس ومنشائل واليسع ويونس وزكريا ويحيي وشعياء وحزقيل وداود وسليمان وأرمياء وهو الخضر وعيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل بعثهم الله وانتخبهم من أمة موسى وأخذ عليهم ميثاقاً غليظاً أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أمته، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله عيسى، فجاءهم بشريعة جديدة وغير بعض أحكام التوراة فذلك قوله:

(وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي الدلالات الواضحات، وهي الأدلة التي ذكرها الله في آل عمران والمائدة، وهي الآيات التي وضع على يديه من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والإخبار بكثير من الغيوب، وما ورد عليه من التوراة والإنجيل الذي أحدث الله إليه، وقيل هي الإنجيل، واسم عيسى بالسريانية أيشوع، ومريم بالسريانية بمعنى الخادم ثم سمي به فلذلك لم ينصرف، وفي لسان العرب هي المرأة التي تكره مخالطة الرجال، قال أبو السعود وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال، ووزنه مفعل إذا لم يثبت فعيل، ذكر السيوطي في التحبير أن مدة ما بين موسى وعيسى ألف وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة.

(وأيدناه بروح القدس) التأييد التقوية، وروح القدس من إضافة الصفة إلى الوصوف أي الروح المقدسة والقدس الطهارة والمقدس المطهر قيل هو جبريل، قاله ابن مسعود أيد الله به عيسى، وسمي جبريل روحاً وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة، وقيل القدس هو الله عز وجل وروحه جبريل وقيل المراد بروح القدس الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى واسم الله الأعظم، وقيل المراد به الإنجيل، وقيل المراد به الروح المنفوخ فيه أيده الله به لا فيه من القوة وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " اللهم أيد حسان بروح القدس " وكان جبريل يسير مع عيسى حيث سافر فلم يفارقه حتى صعد به إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم) أي بما لا يوافقها ويلائمها، وأصل الهوى الميل إلى الشيء، قال الجوهري وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون بهمزة التوبيخ (استكبرتم) عن إجابته احتقاراً للرسل واستبعاداً للرسالة، والسين زيادة للمبالغة (ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) الفاء للتفصيل ومن الفرق المكذبين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن الفرق المقتولين يحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام وسائر من قتلوه.

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)

2:88Page 13

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

(وقالوا قلوبنا غلف) جمع أغلف المراد به هنا الذي عليه غشاوة تمنع من وصول الكلام إليه فلا يعي ولا يفقه، قال في الكشاف هو مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقوله (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) وقيل إن الغلف جمع غلاف مثل حمار وحمر أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علماً كثيراً فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، فرد الله عليهم ما قالوه فقال (بل لعنهم الله بكفرهم) أي طردهم وأبعده من كل خير، وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد (فقليلاً ما يؤمنون) وصف إيمانهم بالقلة لأنهم الذين قص الله علينا من عنادهم وعجرفتهم وشدة لجاجهم وبعدهم من إجابة الرسل ما قصه، ومن جملة ذلك أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

وقال معمر: المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، قال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، قال الكسائي تقول العرب مررنا بأرض قلما تنبت الكراث والبصل أي لا تنبت شيئاً، وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " وقال قتادة لا يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين كان أكثر منهم، وقيل فزماناً قليلاً يؤمنون فهو على حد قوله (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).

2:89Page 14

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩

And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.

(ولما جاءهم) أي اليهود (كتاب من عند الله) هو القرآن (مصدق لما معهم) من التوراة والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما ويصدقه ولا يخالفه (وكانوا من قبل) مبعث النبي صلى الله عليه وسلم (يستفتحون) أي يستنصرون به، والاستفتاح الاستنصار أي كانوا من قبل يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح أي يخبرونهم بأنه سيبعث ويعرفونهم بذلك (على الذين كفروا) يعني مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم مع قتل عاد وإرم [[أورد القرطبي في تفسيره:

قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود.

فعادت يهود بهذه الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم.

قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا فأنزل الله هذه الآيات.]].

(فلما جاءهم ما عرفوا) يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعرفوا أنه نبي من غير بني إسرائيل (كفروا به) أي جحدوه وأنكروه بغياً وحسداً (فلعنة الله على الكافرين) أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم واستعلت عليهم وشملتهم، واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولاً أولياً.

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

2:90Page 14

بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

(بئسما اشتروا به أنفسهم) أي بئس الشيء وقال الفراء بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا بئسما باعوا به حظ أنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق (أن يكفروا بما أنزل الله) يعني القرآن (بغياً) أي حسداً، قال الأصمعي البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح إذا فسد، وقيل أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغياً وهو علة لقوله يكفروا قالة القاضي، وقال الزمخشري هو علة لقوله اشتروا وقوله الآتي أن ينزل علة لقوله بغياً أي لأن ينزل، والمعنى أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً ومنافسة (أن ينزل الله من فضله) وليس بواجب عليه (على من يشاء من عباده فباؤا) أي فرجعوا وصاروا أحقاء (بغضب على غضب) قيل الغضب الأول لعبادتهم العجل والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل ثم لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم البغي عليه، وقال ابن عباس الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك، والتنكير للتعظيم (وللكافرين عذاب مهين) ذو إهانة مأخوذ من الهوان، وقيل وهو ما اقتضى الخلود في النار.

2:91Page 14

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١

And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"

(وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) وهو القرآن وقيل كل كتاب أي صدقوا بالقرآن أو صدقوا بما أنزل الله من الكتب (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) أي التوراة (ويكفرون) الواو للحال (بما وراءه) أي بما سواه من الكتب، قاله الفراء وبما بعده يعني الإنجيل والقرآن قاله أبو عبيده، قال الجوهري وراء بمعنى خلف وقد يكون بمعنى قدام وأمام فهي من الاضداد ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك) أي قدامهم، وفي الموازنة للآمدي وراء ليست من الأضداد إنما هو من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء، خلفاً كان أو قداماً إذا لم تره ولم تشاهده، فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك) أي أنه كان أمامهم وصح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه انتهى.

قال الخفاجي وهذا لا ينافي قوله البيضاوي ولذلك عد من الأضداد لأن معناه أنه لما أطلق على خلف وقدام وهما ضدان عد ضداً تسمحاً على عادة أهل اللغة، وإن كان موضوعاً لمعنى شامل لهما لأنه مصدر بمعنى الستر فيهما لكنه قد يستعمل بمعنى الساتر وقد يستعمل بمعنى المستور، ولذا قال في القاموس هو من الأضداد أولاً، وقيل أنه مضاف إلى الفاعل مطلقاً لأن الرجل يواري ما خلفه على من هو قدامه وما قدامه على من هو خلفه انتهى.

(وهو الحق) يعني القرآن (مصدقاً لما معهم) يعني التوراة (قل) يا محمد (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء، وهذا تكذيب لهم لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه، وهذا الخطاب وإن كان مع الحاضرين من اليهود فالمراد به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون بأفعال سلفهم كانوا مثلهم، وفي الآية دليل على أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها [[وتقتلون هنا بمعنى قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن الوهم لا يذهب إلى غيره وأنشدوا في ذلك:

شهد الخطيئة حين يلقي ربه ... أن الوليد أحق بالعذر]].

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

2:92Page 14

۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

(ولقد جاءكم موسى) هذا داخل تحت الأمر السابق أي وقل لهم لقد جاءكم موسى والغرض منه بيان كذبهم، هكذا أفاده البيضاوي وكثير من المفسرين وفيه نظر أشار له أبو السعود (بالبينات) أي بالدلالات الواضحة والمعجزات الظاهرة، والبينات يجوز أن يراد بها التوراة أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) ويجوز أن يراد بها الجميع (ثم اتخذتم العجل من بعده) أي من بعد النظر في تلك البينات أو من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات ليأتي بالتوراة (وأنتم ظالمون) أي حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم عناداً بعد قيام الحجة عليكم، وإنما كرره تبكيتاً لهم وتأكيداً للحجة عليهم.

2:93Page 14

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا) قد تقدم تفسير أخذ الميثاق ورفع الطور، والأمر بالسماع معناه الطاعة والقبول وليس المراد مجرد الأدراك بحاسة السمع ومنه قولهم " سمع الله لمن حمده " أي قبل وأجاب (قالوا سمعنا) أي سمعنا قولك بحاسة السمع (وعصينا) يعني أمرك بقلوبنا أي لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم سمعنا ما هو معهود من تلاعبهم واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى (اسمعوا) على معناه الحقيقي أي السماع بالحاسة ثم أجابوا بقولهم سمعنا أي أدركنا ذلك بأسماعنا عملاً بموجب ما تأمرنا به، ولكنهم لما كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله عز وجل بل مراده بالأمر بالسماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا وعصينا.

(وأشربوا في قلوبهم العجل) أي تداخل حبه في قلوبهم ورسخ فيها صورته لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، وفيه تشبيه بليغ أي جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يتجاوزها ولا يتغلغل فيها، قال أبو السعود (في قلوبهم) بيان لمكان الإشراب كما في قوله تعالى (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) والجملة حال من ضمير قالوا بتقدير " قد " انتهى.

قيل أن موسى أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهر سحالة الذهب على شاربه وما أبعده، والإشراب مخالطة المائع للجامد ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو اشرب بياضه حمرة.

(بكفرهم) الباء للسببية أي بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك، قيل كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع وهو في قولكم سمعنا وعصينا في جواب ما أمرتم به في كتابكم وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاف ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم نؤمن بما أنزل علينا لا صادقون، فإن زعمتم إن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا فبئس ما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم ما لا يخفى (إن كنتم مؤمنين) بزعمكم، والمعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل والمراد آباؤهم أي فكذلك لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.

2:94Page 15

قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٤

Say, [O Muḥammad], "If the home of the Hereafter with Allāh is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)

(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله) أي نعيمها لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا وهي للفريقين، وهذا رد عليهم لما ادعوا أنهم يدخلون الجنة ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما تبين به أنهم كاذبون تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان (خالصة) مصدر كالعافية والعاقبة وهو بمعنى الخلوص، والمراد أنه لا يشاركهم فيها غيرهم إذا كانت اللام في قوله (من دون الناس) للجنس أو لا يشاركهم فيها المسلمون إن كانت اللام للعهد، وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وهو مؤكد له لأن " دون " تستعمل للاختصاص يقال هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه، وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار (فتمنوا الموت) أي فاطلبوه واسألوه، وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة إذ لا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا (إن كنتم صادقين) في قولكم ودعواكم ولهذا قال سبحانه. [[وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:

لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم [مقامهم] في النار وقيل أيضاً:

أن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم عن الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم.]] وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

2:95Page 15

وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٩٥

But never will they wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

(ولن يتمنوه أبداً) هو ظرف زمان يصدق بالماضي والمستقبل تقول ما فعلت أبداً ذكره السمين، وقال هنا " لن " وفي الجمعة " لا " لأن لن أبلغ في النفي من لا ودعواهم هنا بالغة قاطعة فناسب ذكر لن فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرة مردودة وهي زعمهم أنهم أولياء الله فناسب ذكر " لا " فيها (بما قدمت أيديهم) أي بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب بل غير طامع في دخول الجنة فضلاً عن كونها خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده.

وقيل أن الله سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه، والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه لا مجرد خطوة بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجري على الله وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت إما لأمر قد علموه أو للصرفة من الله عز وجل، وقد يقال قد ثبت النهي عن النبي في شريعته، ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة وإقامة البرهان على بطلان دعواهم.

عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله إن كنتم في مقالتكم صادقين فقولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه، وعنه لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار (والله عليم بالظالمين) فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الفكر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلهذا كان أعم وكانوا أولى به.

2:96Page 15

وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allāh. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allāh is Seeing of what they do.

(ولتجدنهم) اللام للقسم والنون للتأكيد أي والله لتجدنهم يا محمد، وهذا أبلغ من قوله (ولن يتمنوه أبداً) (أحرص الناس على حياة) زيادة على عدم تمني الموت، والحرص أشد الطلب، وتنكير " حياة " للتحقير أي أنهم أحرص الناس على حقير حياة وأقل لبث في الدنيا فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول، وقال في الكشاف أنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، وتبعه في ذلك الرازي والخازن في تفسيريهما (ومن الذين أشركوا)، ووجه ذكرهم بعد ذكر الناس مع كونهم داخلين فيهم للدلالة مزيد حرص المشركين من العرب ومن شابههم من غيرهم، فمن كان أحرص منهم وهم اليهود كان بالغاً في الحرص إلى غاية لا يقادر قدرها.

وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص المشركين لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة بخلاف المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك، فكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود، والأول وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من مشركي العرب لكنه أرجح لعدم استلزامه للتكلف ولا ضير في استطراد ذكر حرص المشركين بعد ذكر حرص اليهود، وقال الرازي إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم أن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا انتهى، ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحاً قد أفاده قوله تعالى (ولتجدنهم أحرص الناس) ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين أن لا يكونوا من جملة الناس.

(يود أحدهم) بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف وهم المجوس أي يتمنى أحدهم (لو يعمر ألف سنة) أي تعمير ألف سنة، وإنما خص الألف بالذكر لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة، ولأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون " زي هزارسال " أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان، فهذه تحيتهم، وهذا كناية عن الكثرة فليس المراد خصوص هذا العدد، والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك.

(وما هو بمزحزحه) أي بمباعده قيل هو راجع إلى أحدهم كما جرى عليه الجلال، وعلى هذا يكون قوله (أن يعمر) فاعلاً لمزحزحه وقيل هو لما دل عليه يعمر من مصدره أي وما التعمير بمزحزحه ويكون قوله (أن يعمر) بدلاً منه، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد، وقيل هو ضمير الشأن وإليه نحا الفارسي تبعاً للكوفيين، وقيل " ما " تميمة وهو مبتدأ خبره بمزحزحه على زيادة الباء وقيل ما هي الحجازية والضمير اسمها وما بعده خبرها والأول أرجح، وكذلك الثاني والثالث ضعيف جداً لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين، ولهذا يسمونه ضمير الفصل والرابع فيه أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جر كما حكاه ابن عطية عن النحاة، والزحزحة التنحية يقال زحزحته فتزحزح أي نحيته فتنحى وتباعد (من العذاب) " من " بمعنى عن أي النار (أن يعمر) أي لو عمر طول عمره لا ينقذه من العذاب (والله بصير بما تعملون) لا يخفى عليه خافية من أحوالهم.

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

2:97Page 15

قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought it [i.e., the Qur’ān] down upon your heart, [O Muḥammad], by permission of Allāh, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

(قل من كان عدواً لجبريل) أي بسبب نزوله بالقرآن المشتمل على سبهم وتكذيبهم، هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود، قال ابن جرير الطبري وأجمع أهل التأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً على اليهود إذ زعموا أن جبريل عدو لهم وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا ما كان سبب قولهم ذلك فقال بعضهم إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر نبوته، ثم ذكر روايات في ذلك، وجبريل اسم ملك وهو أعجمي فلذلك لم ينصرف والقول باشتقاقه من جبروت الله بعيد، لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال أنه مركب تركيب الإضافة أو تركيب مزج نحو حضر موت، وفيه ثلاث عشرة لغة أفصحها وأشهرها بزنة قنديل.

والضمير في قوله (فإنه) يحتمل وجهين الأول أن يكون لله ويكون الضمير في قوله (نَزَّلَهُ) لجبريل أي فإن الله سبحانه نزل جبريل (على قلبك) وفيه ضعف كما أي يفيده قوله (مصدقاً لما بين يديه) الثاني أنه لجبريل والضمير في قوله (نَزَّلَهُ) للقرآن فإن جبريل نزل القرآن على قلبك وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وخزانة الحفظ وبيت الرب، وقد قيل أنه في الدماغ (بإذن الله) أي بعلمه وإرادته وتيسيره وتسهيله. وقال ابن الخطيب تفسير الإذن هنا بالأمر أي بأمر الله أولى من تفسيره بالعلم لأنه حقيقة في الأمر، مجاز في العلم، ويجب الحمل على الحقيقة ما أمكن وإذا كان نزوله بإذن الله فلا وجه للعداوة، وإنما يكون لها وجه لو كان النزول برأيه.

(مصدقاً لما بين يديه) هو التوراة كما سلف أو جميع الكتب المنزلة، وفي هذا دليل على شرف جبريل وارتفاع منزلته وأنه لا وجه لمعاداة اليهود له حيث كان منه ما ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك أو تنزيل الله له على قلبك، وهذا وجه الربط بين الشرط والجواب، أي من كان معادياً لجبريل منهم فلا وجه لمعاداته له فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معادياً له فإن سبب معاداته أنه وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ذلك بذنب له وإن كرهوه فإن هذه الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم وعدوان، لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو مصدق لكتابهم وموافق له (وهدى وبشرى للمؤمنين) أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها، وعذاب وشدة على الكافرين.

ثم انه اتبع سبحانه هذا الكلام بجملة مشتملة على شرط وجزاء تتضمن الذم لمن عادى جبريل بذلك السبب والوعيد الشديد له فقال

2:98Page 15

مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨

Whoever is an enemy to Allāh and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allāh is an enemy to the disbelievers.

(من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل) العداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله تعالى والبغض لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له، قال الكرماني قدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على الجميع لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب، ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما والدلالة على فضلهما، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف، وقرره علماء البيان.

وفي جبريل ثلاث عشرة لغة ذكرها ابن جرير الطبري وغيره، وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان أعجميان قيل معناهما عبد الله لأن جبروميك بالسريانية هو العبد، والإيل هو الله، والعرب إذا نطقت بالعجمى تساهلت فيه، وقال ابن جني خلطت فيه، والأولى ما ذكرناه (فإن الله عدو للكافرين) فأما عداوتهم لله فإنها لا تضره ولا تؤثر، وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الأليم الدائم الذي لا ضرر أعظم منه.

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

2:99Page 15

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ ٩٩

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

(ولقد أنزلنا إليك) يا محمد (آيات بينات) أي واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام، أو علامات دالة على نبوتك (وما يكفر بها) أي ما يجحد بهذه الآيات إلا الفاسقون - أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين ويحتمل أن يراد اليهود لأن الكلام معهم، والأول أولى لأنهم داخلون فيه دخولاً أولوياً.

2:100Page 15

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

(أو كلما عاهدوا عهداً) استفهام إنكار (نبذه فريق) أصل النبذ الطرح والإلقاء ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء، وهو حقيقة في الإجرام، وإسناده إلى العهد مجاز (منهم) يعني اليهود (بل أكثرهم لا يؤمنون) يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وفريق منهم بالجحد للحق، والمعنى على إنكار اللياقة والمناسبة أي لا ينبغي منهم نبذ العهد كلما عقدوه.

2:101Page 15

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].

(ولما جاءهم رسول من عند الله) يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، هذا أشنع عليهم مما قبله (مصدق لما معهم) أي بصحة التوراة وأن التوراة بشرت بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان مجرد مبعثه مصدقاً للتوراة فاتفقت التوراة والقرآن (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) أي اليهود (كتاب الله) أي التوراة قال السدي لما جاءهم صلى الله عليه وآله وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، أو لأنهم لما كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به وتصديقه واتباعه، وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذاً للتوراة ونقضاً لها ورفضاً لما فيها، ويجوز أن يراد بالكتاب هنا القرآن أي لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، والأول أولى، لأن النبذ لا يكون إلا بعد التمسك والقبول، ولم يتمسكوا بالقرآن [[قال ابن عباس: رضي الله عنه:

هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء تعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآية ولقد أنزلنا إليك ....]].

(وراء ظهورهم) هذا مثل يضرب لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب اجعل هذا خلف ظهرك ودبر أذنك وتحت قدمك أي اتركه وأعرض عنه.

(كأنهم لا يعلمون) تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئاً مع كونهم يعلمون علماً يقيناً من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي، ولكنهم لما لم يعلموا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم كانوا بمنزلة من لا يعلم، وهم علماء اليهود تجاهلوا، وحملهم على ذلك عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا قليلاً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском