Al-QinnawjiAl‑Anbya · 21:88–111

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:88–111

21:88Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.

(فاستجبنا له) دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه (ونجيناه من الغم) أي غم الذلة والوحشة والوحدة بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل (وكذلك ننجي المؤمنين) أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم، وما أعددناه لهم من الرحمة إذا دعونا واستغاثوا بنا وهذا هو معنى الآية الأخرى وهي قوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) قرئ ننجي بنونين وبواحدة وجيم مشددة وتسكين الياء علي الفعل الماضي، وإضمار المصدر أي وكذلك نجى النجاة المؤمنين؛ كما تقول ضرب زيداً، أي ضرب الضرب زيداً، قاله الفراء وأبو عبيد وثعلب.

وخطأها أبو حاتم والزجاج، وقالا: هي لحن لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال نجى المؤمنون، وقيل أدغم النون في الجيم وبه قال القتبي وأبو عبيدة واعترضه النحاس، فقال: هذا لا يجوز عند أحد من النحويين لبعد مخرج المدغم والمدغم فيه.

قيل كانت هذه الواقعة قبل الرسالة وصححه الخازن ويدل له قوله تعالى بعد ذكر خروجه من بطن الحوت، في سورة الصافات (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون).

وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي، عن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت -الخ- لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " [[المستدرك كتاب الدعاء 1/ 505.]].

وأخرج ابن جرير عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي دعوة يونس بن متى، قلت: يا رسول الله هل ليونس خاصة؟ أم لجماعة المسلمين قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به، ألم تسمع قول الله (وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه ".

وأخرج الحاكم من حديثه أيضاً نحوه، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " [[مسلم 2376 - البخاري 1608.]] وروي أيضاً في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود، وروي أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

21:89Page 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."

(و) اذكر خبر (زكريا إذ نادى ربه) أي وقت ندائه لربه قال: (رب لا تذرني فرداً) أي منفرداً وحيداً لا ولد لي يرثني، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران (وأنت خير الوارثين) أي خير من يبقى بعد كل من يموت فأنت حسبي إن لم ترزقني ولداً فإني أعلم أنك لا تضيع دينك

وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره له وترتضيه للتبليغ.

21:90Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

(فاستجبنا له) دعاءه (ووهبنا له يحيى) ولداً، وقد تقدم تفسيره مستوفى في سورة مريم (وأصلحنا له زوجه) قال أكثر المفسرين: إنها كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً، فهذا هو المراد بإصلاح زوجه، وقيل كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعاً، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها فتكون ولوداً بعد أن كانت عاقراً، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية.

قال ابن عباس: كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، وقال أيضاً: وهبنا له ولدها، وعن قتادة قال: كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى.

(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) هذه الجملة تعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم السلام، والمعنى يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السر في إيثار كلمة في على كلمة إلى المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجيهن إليها كما في قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقيل الضمير راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى (ويدعوننا رغباً ورهباً) أي يتضرعون إلينا في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل الرغبة رفع بطون الأكف إلى السماء والرهبة رفع ظهورها، والتقدير يرغبون رغباً ويرهبون رهباً، أو للرغب والرهب، أو راغبين وراهبين (وكانوا لنا خاشعين) أي متواضعين متضرعين. قال قتادة: أذلاء، وقال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله رغباً ورهباً، فقال: رغباً هكذا ورهباً هكذا، وبسط كفيه يعني جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة ".

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)

21:91Page 330

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

(و) اذكر خبر (التي أحصنت فرجها) وهي مريم فإنها أحصنت فرجها من الحلال والحرام ولم يمسسها بشر؛ وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم تكن منهم لأجل ذكر عيسى، وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة، ومعنى أحصنت عفت فامتنعت من الفاحشة وغيرها.

وقيل المراد بالفرج جيب القميص، أي أنها طاهرة الأثواب، وقد مضى بيان مثل هذا في سورة النساء ومريم.

(فنفخنا فيها من روحنا) أضاف سبحانه الروح إليه وهو للملك تشريفاً وتعظيماً، وهو يريد روح عيسى. وقيل المراد بالروح جبريل؛ أي أمرناه فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى.

(وجعلناها وابنها آية للعالمين) قال الزجاج: الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل. وقيل أن التقدير على مذهب سيبويه وجدلناها آية وجعلنا ابنها آية، كقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) والمعنى أن الله سبحانه جعل قصتهما آية تامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما، وقيل أراد بالآية الجنس الشامل لكل واحد منهما من الآيات. ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بين أنهم كلهم مجتمعون على التوحيد فقال:

21:92Page 330

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

(إن هذه أمتكم أمة واحدة) الأمة الملة وهي الدين كما قال ابن قتيبة، ومنه (إنا وجدنا آباءنا على أمة) أي على دين وملة؛ كأنه قال إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد، ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة المشركون بالله. وقيل المعنى أن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم شريعة واحدة، وقيل المعنى أن هذه ملتكم ملة واحدة وهي ملة الإسلام. والنصب على الحال، أي أمة متفقة غير مختلفة قال ابن عباس أي أن هذا دينكم ديناً واحداً، وعن مجاهد مثله وعن قتادة نحوه.

(وأنا ربكم فاعبدون) خاصة لا تعبدوا غيري كائناً ما كان.

21:93Page 330

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

(وتقطعوا أمرهم بينهم) أي تفرقوا فرقاً في الدين حتى صاروا كالقطع المتفرقة. وقال الأخفش: اختلفوا فيه، وهو القول الأول. قال الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم، فنصب أمرهم بحذف في والمقصود بالآية المشركون، ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل المراد جميع الخلق وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً وقسموه بينهم، فهذا موحد وهذا يهودي، وهذا نصراني وهذا مجوسي وهذا عابد وثن، ثم أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع إليه فقال:

(كل إلينا راجعون) أي كل واحد من هذه الفرق الثابت على دينه الحق، والزائغ عنه إلى غيره راجع إلينا بالبعث لا إلى غيرنا

21:94Page 330

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

(فمن يعمل من الصالحات) أي بعض الأعمال الصالحة كالفرائض والنوافل لا كلها، إذ لا يطيق ذلك أحد وقيل (من) زائدة (وهو مؤمن) بالله ورسله واليوم الآخر (فلا كفران لسعيه) أي لا جحود لعمله ولا بطلان لثوابه ولا تضييع لجزائه؛ بل يشكر ويثاب عليه.

والمراد نفي الجنس للمبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها، والكفر ضد الإيمان، والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضد الشكر، يقال كفر كفوراً، وكفراناً. وفي قراءة ابن مسعود فلا كفر لسعيه (وإنا له) أي لسعيه (كاتبون) أي حافظون، بأن نأمر الحفظة بكتبه فنجازيه عليه، ومثله قوله سبحانه (إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى).

21:95Page 330

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1

(وحرام) هكذا قرأ أهل المدينة، وقرأ أهل الكوفة وحرم، وبها قرأ عليّ وابن مسعود وابن عباس وهما لغتان مثل حل وحلال، وقرئ وحرم (على قرية أهلكناها) أي قدرنا إهلاكها (أنهم لا يرجعون) أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء. وقيل (لا) زائدة، أي أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، واختاره أبو عبيدة. وقيل أن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب؛ أي واجب على قرية. وقيل حرام أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن (لا) زائدة.

قال النحاس: والآية مشكلة. ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما روي عن ابن عباس في معنى الآية قال: واجب أنهم لا يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: إن في الكلام إضماراً، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوب أهلها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون.

21:96Page 330

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦

Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend

(حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) حتى هذه هي التي يحكى بعدها الكلام وقيل حتى للغاية، والمعنى أن هؤلاء المذكورين سابقاً مستمرون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي فتح سد يأجوج ومأجوج، وأطال سليمان الجمل في بيان (حتى) هذه وذكر لها وجوهاً، ويأجوج ومأجوج بالهمز وتركه اسمان أعجميان وهما قبيلتان من الإنس، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم، والمراد بالفتح فتح السد الذي عليهم على حذف المضاف.

(وهم) أي يأجوج ومأجوج أو العالم بأسره والأول أظهر (من كل حدب) أي نشز، وهو كل أكمة وكدية من الأرض مرتفعة، والجمع أحداب مأخوذ من حدبة الأرض، ومعنى (ينسلون) يسرعون وقيل يخرجون. قال الزجاج: النسلان مشية الذئب إذا أسرع، يقال نسل فلان في العَدْوِ ينسِل بالكسر والضم نسلاً ونسولاً ونسلاناً، والنسلان مقارنة الخطأ مع الإسراع. وقال ابن عباس: ينسلون يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم وبيان حالهم ومآلهم أحاديث وآثار كثيرة لا يتعلق بذكرها هنا كثير فائدة، وكتابنا حجج الكرامة قد اشتمل عليها اشتمالاً تاماً فليرجع إليه.

21:97Page 330

وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧

And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."

(واقترب الوعد الحق) المراد به ما بعد الفتح من الحساب، وقال الفراء والكسائي وغيرهما: المراد بالوعد الحق القيامة، والواو زائدة، والمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب اذا، ومنه قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه). وأجاز الفراء أن يكون جوابه فإذا هي شاخصة، وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير قالوا يا ويلنا وبه قال الزجاج، وقيل غير ذلك.

(فإذا هي) يعني القيامة، بارزة واقعة كأنها آية حاضرة (شاخصة أبصار الذين كفروا) يعني أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار الكفار من شدة الأهوال ولا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم وهول ما هم فيه. ومعنى شاخصة مرتفة الأجفان، وإنما هو في القيامة بعد النفخة الثانية، فالتعقيب عرفي أريد به المبالغة هنا.

(يا ويلنا) على تقدير القول (قد كنا في غفلة) في الدنيا (من هذا) أي من هذا الذي دهمنا من البعث والحساب (بل كنا ظالمين) أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل، ثم بين سبحانه حال معبوديهم يوم القيامة فقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)

21:98Page 330

إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨

Indeed, you [disbelievers] and what you worship other than Allāh are the firewood of Hell. You will be coming to [enter] it.

(إنكم) يا أهل مكة (وما تعبدون من دون الله) من الأصنام والشمس والقمر وإبليس وأعوانه (حصب) أي وقود (جهنم) وحطبها، فكل ما أوقدت به النار أو هيجتها به فهو حصب، كذا قال الجوهري، وقال أبو عبيدة؛ كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به، ومثل ذلك قوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) وقرئ حطب جهنم بالطاء وقرئ حضب بالمعجمة. قال الفراء: ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحس به التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم، وقيل إنها تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم، وكذلك الشمس والقمر يكونان ثورين عقيرين في النار أيضاً، كما صح بذلك خبر أبي هريرة، أخرجه البيهقي وأصله في البخاري.

(أنتم لها واردون) الخطاب لهم ولما يعبدون تغليباً، واللام في لها للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل. وقيل هي بمعنى على، والمراد بالورود هنا الدخول. قال كثير من أهل العلم: ولا يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة؛ لأن (ما) لما لا يعقل، ولو أراد العموم لقال ومن تعبدون.

قال الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: " فالملائكة وعيسى وعزير يُعبدون من دون الله " فنزلت (إن الذين سبقت) الآية. وفي الباب روايات

21:99Page 330

لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩

Had these [false deities] been [actual] gods, they would not have come to it, but all are eternal therein.

(لو كان هؤلاء) أي هذه الأصنام (آلهة) كما تزعمون (ما وردوها) أي ما ورد العابدون والمعبودون في النار، وقيل العابدون فقط، لكنهم وردوها فلم يكونوا آلهة، وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام وتوبيخ شديد (وكل فيها) أي كل العابدين والمعبودين في النار (خالدين) لا يخرجون منها.

21:100Page 330

لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠

For them therein is heavy sighing, and they therein will not hear.

(لهم) أي لهؤلاء الذين وردوا النار (فيها زفير) وهو صوت نفس المغموم، والمراد هنا الأنين والبكاء والتنفس الشديد والعويل. وقد تقدم بيان هذا في هود (وهم فيها لا يسمعون) أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول. وقال ابن مسعود في الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أُخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أُخر عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يعذب غيره.

وقيل لا يسمعون شيئاً لأنهم يحشرون صماً، كما قال سبحانه: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً) وإنما سلبوا السماع لأن فيه بعض تروّح وتأنس. وقيل لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون ما يسوءهم، ثم لما بين سبحانه حال هؤلاء الأشقياء شرع في بيان حال السعداء فقال:

21:101Page 330

إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١

Indeed, those for whom the best [reward] has preceded from Us - they are from it far removed.

(إن) هي بمعنى إلا، أي إلا (الذين سبقت لهم منا الحسنى) أي العدة الجميلة والخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة. وقيل التوفيق أو التبشير بالجنة أو نفس الجنة (أولئك) أي الموصوفون بتلك الصفة (عنها) عن جهنم (مبعدون) لأنهم قد صاروا في الجنة. وقال الجنيد: المعنى سبقت منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية.

لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)

21:102Page 331

لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢

They will not hear its sound, while they are, in that which their souls desire, abiding eternally.

(لا يسمعون حسيسها) الحس والحسيس الصوت تسمعه من شيء يمر قريباً منك. والمعنى لا يسمعون حركة النار وصوتها وحركة تلهبها. أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حيات على الصراط تقول حس حس ".

وعن ابن عثمان النهدي قال: حيات على الصراط تلسعهم فإذا لسعتهم قالوا: حس حس، وقال ابن عباس: لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة.

(وهم فيما اشتهت أنفسهم) من النعيم والكرامة (خالدون) أي دائمون مقيمون، والشهوة طلب النفس اللذة، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين كما قال تعالى: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون)

21:103Page 331

لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣

They will not be grieved by the greatest terror,1 and the angels will meet them, [saying], "This is your Day which you have been promised" -

(لا يحزنهم) بفتح الياء وضم الزاي، وقرئ بضم الياء وكسر الزاي.

قال اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم، بيان لنجاتهم من الفزع بالكلية إثر بيان نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم (الفزع الأكبر) وهو أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب، والأمر بالعبد إلى النار، لا يحزنهم ما عداه بالضرورة.

وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة، وقيل هو حين يذبح الموت وينادي يا أهل النار خلود ولا موت، وقيل هو حين يطبق على جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه، ثم تغلق النار على أهلها.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة؛ رجل أمَّ قوماً وهم له راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة وعبد أدى حق الله وحق مواليه " [[الترمذي كتاب البر باب 54 - كتاب الجنة باب 25 - الإمام أحمد 2/ 26.]].

(وتتلقاهم الملائكة) أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنونهم، وقال المحلي: عند خروجهم من القبور، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين، ويقولون لهم (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) به في الدنيا وتبشرون بما فيه، هكذا قال جماعة من المفسرين: إن المراد بقوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح لا المسيح وعزير والملائكة، لأن علياً قرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.

وقال أكثر المفسرين: إنه لما نزل (إنكم وما تعبدون) الآية أتى ابن الزبعري [[الزبعري معناه السيء الخلق الغليط وهو لقب والمد عبد الله القرشي ولقد أسلم بعد هذه القصة إهـ منه.]] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ألست تزعم أن عزيراً رجل صالح وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال: " بلى "، قال: فإن الملائكة وعيسى وعزيراً ومريم يعبدون من دون الله، فهؤلاء في النار، فأنزل الله هذه الآية إلى آخرها أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس وأخرجه أبو داود والطبراني من وجه آخر بأطول منه.

21:104Page 331

يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤

The Day when We will fold the heaven like the folding of a [written] sheet for the records. As We began the first creation, We will repeat it. [That is] a promise binding upon Us. Indeed, We will do it.1

(يوم نطوي) بنون العظمة أي اذكر يوم نطوي (السماء كطي السجل للكتب) وقرئ تطوى بالفوقية ورفع السماء، وبالتحتية على معنى يطوي الله السماء، والأولى أظهر وأوضح والطي في هذه الآية يحتمل معنيين:

أحدهما الذي هو ضد النشر، ومنه قوله: (والسماوات مطويات بيمينه).

والثاني الإخفاء والتعمية والمحو، لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها، ويكدر نجومها، والمراد بالسماء الجنس والسجل الصحيفة أي طياً كطي الطومار للكتابة، وقيل السجل الصك وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال ساجلت الرجل، إذا نزعت دلواً ونزع هو دلواً؛ ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام، وقرئ السُّجُلّ بضم السين والجيم وتشديد اللام، وقرئ السجل بفتح السين وإسكان الجيم، وقيل السجل اسم ملك في السماء الثالثة، وهو الذي يطوي كتب بني آدم.

وقيل هو اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مثله، قال ابن كثير: هذا منكر جداً، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم الحافظ المزي وقد أفرد الشوكاني لهذا الحديث جزءاً على حده، وقد تصدى الإمام ابن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال: ولا نعرف في الصحابة أحداً اسمه سجل، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل انتهى، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم، قال: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هو الصحيفة، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، قلت فالأولى التعويل على المعنى اللغوي؛ والمصير إليه.

وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: السجل هو الرجل أي بلغة الحبشة، والأول أولى، وقرئ للكتب جمعاً؛ وللكتاب وهو متعلق بمحذوف حال من السجل أي كطي السجل كائناً للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعضر أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة.

وأما على الثانية فالكتاب مصدر، واللام للتعليل، أي كما يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة والأعمال المنتشرة وهذا على أن معنى الطي ضد النشر.

وعن علي قال: كطي السجل ملك، وعن عطية وأبي جعفر مثله، قال ابن عمر: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً.

(كما بدأنا أول خلق نعيده) بعد إعدامه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم، وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلاً، كذلك نعيدهم يوم القيامة، وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم، والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي لهما، وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة، قاله ابن عباس، وقيل المعنى نغير السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها، والأول أولى؛ وهو مثل قوله: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) ثم قال سبحانه.

(وعداً علينا) أي وعدنا وعداً علينا إنجازه والوفاء به وهو البعث والإعادة ثم أكد سبحانه ذلك بقوله: (إنا كنا فاعلين) أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال، قال الزجاج: معناه إنا كنا قادرين على ما نشاءه، وقيل فاعلين ما وعدناكم، ومثله قوله: (كان وعده مفعولاً).

21:105Page 331

وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥

And We have already written in the book [of Psalms]1 after the [previous] mention2 that the land [of Paradise] is inherited by My righteous servants.

(ولقد كتبنا في الزبور) هو في الأصل الكتاب، يقال زبرت أي كتبت وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور، والمراد جنس الكتب المنزلة، قاله الزجاج.

وقيل المراد به هنا كتاب داود خاصة (من بعد الذكر) أي اللوح المحفوظ كما في البيضاوي والخازن وأبي السعود وأبي حيان.

وقيل هو القرآن قاله ابن عباس، وعنه قال: والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء أي والله لقد كتبنا في كتاب داوود من بعد كتبنا في كتاب داوود من بعد كتبنا في التوراة أو من بعد كتبنا في اللوح المحفوظ.

(أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قد اختلف في معنى هذه الآية فقيل المراد أرض الجنة، قاله ابن عباس، واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض)، وقيل هي الأرض المقدسة، وقيل هي أرض الأمم الكثيرة الكافرة، يرثها نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته بفتحها، وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله سبحانه: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها).

والظاهر أن هذا تبشير لأمته صلى الله عليه وسلم بوراثة أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين.

قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخلهم الجنة وهم الصالحون، وقيل عام في كل صالح فيتناول أمة محمد صلى الله عليه وسلم وغيرها من الأمم.

إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)

21:106Page 331

إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ ١٠٦

Indeed, in this [Qur’ān] is notification for a worshipping people.

(إن في هذا لبلاغاً) أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه لكفاية ووصول إلى البغية، قاله الرازي، يقال: في هذا الشيء بلاغ، وبلغة وتبلغ أي كفاية، وقيل الإشارة بهذا إلى القرآن، والقرآن زاد الجنة، كبلاغ المسافر.

(لقوم عابدين) أي مشغولين بعبادة الله مهتمين بها، والعبادة هي الخضوع والتذلل، وهم أمة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ورأس العبادة الصلاة قال أبو هريرة: الصلوات الخمس، وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي، عن أنس قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في الآية قال: " إن في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة ".

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: " هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة "، وقيل هم العالمون العاملون الموحدون، وقال الرازي: والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين، لأن العلم كالشجرة، والعمل كالثمرة، والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن.

21:107Page 331

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a mercy to the worlds.

(وما أرسلناك) يا محمد بالشرائع والأحكام (إلا رحمة للعالمين) أي الإنس والجن، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ والعلل أي: ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، وقيل معنى كونه رحمة للكفار أنهم آمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة، والأول أولى، بدليل قوله سبحانه: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.

وعن ابن عباس في الآية قال: من آمن تمت به الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من المسخ، والخسف والقذف.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال: " إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة " [[مسلم 2599.]] وأخرج أحمد والطيالسي والطبراني وأبو نعيم، عن أبي امامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين " [[الإمام أحمد 5/ 265.]].

وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من بني آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فأجعلها عليه صلاة يوم القيامة " [[الإمام أحمد 5/ 294.]].

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا رحمة مهداة " [[طبقات ابن سعد 1/ 192 - الطبراني المعجم الكبير 1/ 76/2.]] وقد روي معنى هذا من طرق، ثم بين سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال:

21:108Page 331

قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨

Say, "It is only revealed to me that your god is but one God; so will you be Muslims [in submission to Him]?"

(قل إنما يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد) إن كانت (ما) موصولة فالمعنى أن الذي يوحى إليّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادها وإن كانت ما كافة فالمعنى أن الوحي إليّ مقصور على استئثار الله بالوحدة (فهل أنتم مسلمون) منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه، والمراد بهذا الاستفهام الأمر، أي أسلموا.

21:109Page 331

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩

But if they turn away, then say, "I have announced to [all of] you equally.1 And I know not whether near or far is that which you are promised.

(فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإسلام (فقل) لهم (آذنتكم) أي أعلمتكم أنَّا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين (على سواء) في الإعلام لم أخص به بعضكم دون بعض، كقوله سبحانه: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً سويت بينهم فيه.

وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما يوحى إليّ على استواء في العلم به، ولا أظهر لأحد شيئاً كتمته على غيره.

(وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) أي ما أدري أقريب حصوله أم بعيد وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله، وقيل المراد العذاب أو القيامة المشتملة عليه ولا يعلمها إلا الله تعالى، وقيل آذنتكم بالحرب ولكن لا أدري ما يؤذن لي في محاربتكم.

21:110Page 331

إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠

Indeed, He knows what is declared of speech, and He knows what you conceal.

(إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) أي يعلم سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ذلك وتخفونه لا تخفى عليه منه خافية

21:111Page 331

وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١

And I know not; perhaps it1 is a trial for you and enjoyment for a time."

(وإن أدري لعله) أي ما أدري لعل الإمهال (فتنة لكم) واختبار ليرى كيف صنعكم.

عن الربيع بن أنس قال: " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم رأى فلاناً، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية يقول هذا الملك. وقال: ابن عباس، يقول ما أخبركم به من العذاب والساعة لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم.

(ومتاع إلى حين) أي وتمتع إلى وقت مقدر تقتضيه حكمته ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском