Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:22–43
21:22Page 323
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.
(لو كان فيهما آلهة إلا الله) أي لو كان في السماوات والأرض آلهة معبودون غير الله، والجمع ليس قيداً وإنما عبر به مشاكلة لقوله (أم اتخذوا آلهة) وكذلك قوله فيهما ليس قيداً وإنما عبر به لأن هذا دليل إقناعي بحسب ما يفهمه المخاطب وبحسب ما فرط منهم، وهم إنما اتخذوا آلهة في الأرض والسماء لا فيما وراءهما كالملائكة الحافين من حول العرش، قاله الحفناوي، والصحيح: أن الآية حجة قطعية الدلالة والقول بأنها حجة إقناعية قول منكر بشع أي إنكار وإبشاع.
(لفسدتا) أي لبطلتا يعني: السماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات، وخرجتا عن نظامهما المشاهد وهلك من فيهما لوجود التمانع من الآلهة على العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على النظام، ويدل العقل على ذلك، وذلك أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم واذا انفرد الثاني صح منه تسكينه فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المراد وهو محال وإما أن يمتنعا وهو أيضاً محال لأنه يكون كل واحد منهما عاجزاً فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب الفساد فكان القول به باطلاً، قاله الكرخي.
أقول الأدلة القرآنية والحجج الفرقانية الدالة على توحيد الله تعالى تغني عن البراهين الكلامية والمسائل العقلية الفلسفية في هذا المرام، وليس وراء بيان الله بيان ودونه خرط القتاد.
قال الرازي: القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال ثم ذكر دلائل ذلك وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد، والفساد لازم على كل التقديرات التي قدروها، وإذا وقفْتَ على هذه عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل على وحدانية الله تعالى.
وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن وكل من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة يقول بإلهيتها عبدة الأصنام لزم فساد العالم، لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فلزم إفساد العالم، قالوا: وهذا أولى؛ لأنه تعالى حكى عنهم في قوله: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به.
قال علي القاري: وأما قول التفتازاني: الآية حجة إقناعية فالمحققون كالغزالي وابن الهمام، ما قنعوا بالإقناعية بل جعلوها من الحقائق القطعية، بل قيل يكفر قائلها. انتهى.
قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة إن (إلا) هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة للآلهة، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها، وظهر فيه إعراب غير التي جاءت إلا بمعناها، وقال الفراء: أن (إلا) هنا بمعنى سوى، ووجه الفساد أن كون إله آخر مع الله يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف؛ فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد.
(فسبحان الله رب العرش عما يصفون) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له وفي إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به
21:23Page 323
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
He is not questioned about what He does, but they will be questioned.
(لا يسأل عما يفعل) مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره من إعزاز وإذلال وإسعاد وإشقاء لأنه الرب المالك للأعناق.
(وهم) أي العباد (يسألون) عما يفعلون سؤال توبيخ وتقريع يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا وكذا، لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟.
وقيل: أن المعنى أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون، قيل والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلهاً، قال ابن عباس: ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة الله، قال الله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).
21:24Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
(أم اتخذوا من دونه آلهة) أم بمعنى بل وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم ولهذا قال: (قل هاتوا برهانكم) على دعوى أنها آلهة أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك لا من عقل ولا نقل لأن دليل العقل قد مر بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد التضمن للبرهان القاطع، ذكر أمتي وذكر الأمم السألفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم.
وقيل المعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إنه سواه؟.
قال الزجاج: قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلهاً غير الله، فهل في ذكر من قبلي إلا توحيد الله، وفيه تبكيت لهم متضمن لإثبات نقيض مدعاهم.
وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد؛ أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وقرئ ذكرٌ مِن مَعي بالتنوين وكسر الميم، أي هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكرٌ مِنْ قبلي، قاله الزجاج. وقيل ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي.
ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال: (بل أكثرهم لا يعلمون الحق) وهذا إضراب من جهة الله سبحانه غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا تؤثر فيهم المحاجة وإقامة البرهان لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل، وقرئ الحق بالرفع على معنى هذا الحق أو هو الحق.
(فهم معرضون) تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون. أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر الموصل إليه، مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة ولا يتدبرون في برهان ولا يتفكرون في دليل.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)
21:25Page 324
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."
(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه) استئناف مقرر لما أجمل قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الآلهية وأجمعت عليه الرسل، وقرئ نوحي بالنون وبالياء (أنه لا إله إلا أنا) وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدم من قوله: هذا ذكر من معي.
وختم الآية بالأمر لعباده فقال: (فاعبدون) فقد اتضح لكم دليل العقل ودليل النقل، وقامت عليكم حجة الله.
21:26Page 324
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.
(وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) هؤلاء القائلون هم خزاعة وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، فإنهم قالوا الملائكة بنات الله، وقيل: هم اليهود، ويصح حمل الآية على كل من جعل لله ولداً. وقد قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. وقالت طائفة من العرب: الملائكة بنات الله، ثم نزه الله سبحانه عز وجل نفسه فقال:
(سبحانه) أي تنزيهاً له عن ذلك، وهو يقول على ألسنة العباد؛ ثم أضرب عن قولهم وأبطله فقال: (بل عباد مكرمون) قرئ من الإكرام والتكريم؛ أي ليسوا كما قالوا، بل عباد الله سبحانه مكرمون بكرامته لهم مقربون عنده، والعبودية تنافي الولادة بحسب المعتاد الذي لا يتخلف عند العرب من كون عبد الانسان لا يكون ولده، أو بحسب قواعد الشرع من أن الإنسان إذ ملك ولده عتق عليه، والأول في تقرير المنافاة أظهر إذ الكلام مع جهال العرب وهم لا يعرفون قواعد الشرع.
قال قتادة: قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: (بل عباد مكرمون) أي الملائكة أكرمهم بعبادته واصطفاهم ووصفهم بصفات سبعة؛ الأولى هذه والأخيرة. ومن يقل منهم. فهذه الضمائر كلها للملائكة.
21:27Page 324
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
They cannot precede Him in word, and they act by His command.
(لا يسبقونه بالقول) وصفهم بصفة أخرى، أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله أو يأمرهم به، كذا قال ابن قتيبة وغيره، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم (وهم بأمره يعملون) أي هم القائمون بما يأمرهم الله به، التابعون له المطيعون لربهم فلا يخالفونه قولاً ولا عملاً.
21:28Page 324
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.
(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي ما عملوا وما هم عاملون.
وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم، أو يعلم ما بين أيديهم. وهو الآخرة وما خلفهم، وهو الدنيا، والجملة تعليل لما قبلها، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم بما قدموا وأخروا لم يعملوا عملاً ولا يقولوا قولاً إلا بأمره.
(ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) أن يشفع الشافعون له وهو ممن رضى عنه وقيل: هم أهل لا إله إلا الله، وقد ثبت في الصحيح. أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة [[وردت أحاديث كثيرة فيها شفاعة الملائكة منها: البخاري كتاب التوحيد باب 24 - الإمام أحمد 5/ 43.]]، قال قتادة: لأهل التوحيد، وعن مجاهد نحوه، وعن الحسن: لمن قال لا إله إلا الله، وقال ابن عباس: الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) تلا هذه الآية وقال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " [[المستدرك كتاب الإيمان 1/ 69.]].
(وهم من خشيته مشفقون) أي من خشيتهم منه، والخشية الخوف مع التعظيم ولهذا خص به العلماء؛ والإشفاق: الخوف مع التوقع والاعتناء والحذر فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس أي لا يأمنون مكر الله، بل هم خائفون وَجِلُون.
21:29Page 324
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.
(ومن يقل منهم) أي من الملائكة على سبيل الفرض، لتحقق عصمتهم (إني إله من دونه) قال المفسرون: عني بهذا إبليس لأنه لم يقل أحد من الملائكة إني اله إلا إبليس، وذلك على سبيل التسمح، والتجوز إذ هو معترف بالعبودية وآيس من رحمة الله وكونه من الملائكة باعتبار أنه كان مغموراً فيهم وقيل الضمير للخلائق مطلقاً، وقيل الإشارة إلى جميع الأنبياء.
(فذلك) القائل على سبيل الفرض والتقدير (نجزيه جهنم) بسبب هذا القول الذي قاله، كما نجزي غيره من المجرمين (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع (نجزي الظالمين) أو مثل ما جعلنا جزاء هذا القائل جهنم فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها، والمراد بالظالمين المشركون.
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)
21:30Page 324
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠
Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?
(أو لم ير الذين كفروا) الهمزة للإنكار بواو، وتركها قراءتان سبعيتان والواو للعطف على مقدر، والرؤية هي القلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا، وحاصل ما ذكر من هنا إلى يسبحون ستة أدلة على التوحيد، وهذا تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية وكون جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوته.
(أن السماوات والأرض كانتا رتقاً) قال الأخفش: إنما قال كانتا دون كنّ لأنهما صنفان أي جماعتا السماوات والأرض، وبه قال الزمخشري.
وقال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين، وقال الحوفي: أراد الصنفين كما قال سبحانه؛ (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)، وقال الزجاج: إنما قال كانتا لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد لأنها كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. والرًتْقُ السد ضد الفتق، يقال رتقت الفتق أرتقُه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج، يعني أنهما كانا شيئاً واحداً ملتزقين ملتصقين.
وقال: رتقاً ولم يقل رتقين لأنه مصدر والتقدير كانتا ذواتي رتق، وقيل مرتوقتين مسرودتين.
قال البيضاوي: والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظراً، فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بواسطة أو استفساراً من العلماء ومطالعة الكتب انتهى، ومنعه الكازروني، وقال فيه نظر وتمكنهم هذا ممنوع، ويجوز أن يكونا مخلوقين منفصلين؛ بلا رتق وفتق؛ فإن استدل عليهما بأن القرآن نص عليهما فنقول هذا كاف في إثباتهما ولا حاجة إلى الدليل العقلي المذكور.
(ففتقناهما) أي ففصلناهما أي فصلنا بعضهما من بعض بالهواء فرفعنا السماء وأبقينا الأرض مكانها، والفتق الفصل بين الشيئين وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق قيل كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها الله وجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض كانت طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين. وعن ابن عباس قال: فتقت السماء بالغيث وفتقت الأرض بالنبات.
وقد أطال الكلام القرطبي في ذلك، ولقل عن كعب الأخبار وغيره أحوال خلق الأرض العليا والسفلى؛ ولا يصار إليها إلا أن يصح من ذلك شيء من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (وجعلنا من الماء) أي خلقنا وأحيينا أو صيرنا بالماء الذي ننزله من السماء وينبع من الأرض.
(كل شيء حي) فيشمل الحيوان والنبات، والمعنى أن الماء سبب حياة كل شيء، وقيل: المراد بالماء هنا نطفة الرجل وبه قال أبو العالية وأكثر المفسرين وخرج هذا اللفظ مخرج الأغلب والأكثر وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله.
سبحانه، وبديع صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية.
(أفلا يؤمنون) الهمزة للإنكار عليهم حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية
21:31Page 324
وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١
And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.
(وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالاً ثوابت جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، يقال جبال راسية وراسيات ورواس (أن تميد بهم) الميد: التحرك والدوران أي لئلا تتحرك وتدور بهم أو كراهة ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى.
(وجعلنا فيها) أي في الرواسي أو في الأرض وهو الظاهر (فجاجاً) طرقاً واسعة، قال أبو عبيدة: هي المسالك، وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج و (سبلاً) تفسير للفجاج، لأن الفج قد لا يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً (لعلهم يهتدون) إلى مصالح معاشهم ومقاصدهم في الأسفار، وما تدعو إليه حاجاتهم
21:32Page 324
وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢
And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.
(وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) عن أن يقع ويسقط على الأرض، كقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض).
وقال الفراء: محفوظاً بالنجوم من الشيطان كقوله: (وحفظاً من كل شيطان مارد)، وقيل محفوظاً لا يحتاج إلى عماد، وقيل المراد بالمحفوظ هنا المرفوع، وقيل محفوظاً عن الشرك والمعاصي، وقيل عن الهدم والنقض، وقيل عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم.
(وهم عن آياتها) أي الآيات الكائنة فيها الدالة على وجود الصانع ووحدته وتناهي قدرته وكمال حكمته وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها وذلك كالشمس والقمر والنجوم، وكنفية حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها (معرضون) أي لا يعتبرون بها فيها ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان.
21:33Page 324
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣
And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.
(وهو الذي خلق) هذا تذكير لهم بنعمة أخرى مما أنعم الله به عليهم وذلك بأنه خلق لهم (الليل) ليسكنوا فيه (والنهار) ليتصرفوا فيه في معايشهم (و) جعل (الشمس) آية النهار (والقمر) آية الليل ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدم بيانه في (سبحان).
(كل في فلك) أي مستدير كالطاحونة في السماء (يسبحون) في دوران أي يجرون قاله ابن عباس يعني كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في وسط الفلك يسيرون بسرعة كالسابح في الماء.
قال ابن عباس: فلك كفلكة المغزل يدورون في أبواب السماء، كما تدور الفلكة في المغزل، وعنه قال: هو فلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، والجمع في الفعل باعتبار المطالع، قال سيبويه: إنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، جعل الضمير عنهن ضمير العقلاء، ولم يقل يسبحن أو تسبح، وكذا قال الفراء، وقال الكسائي: إنما قال يسبحون لأنه رأس الآية والفلك واحد أفلاك النجوم وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلك المغزل لاستدارتها، والفلك مدار النجوم الذي يضمها وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وقيل الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك ماء أو موج مكفوف دون السماء تجري فيه الكواكب.
وقال أهل الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول، وفي الرازي: الفلك في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم، وإنما هو استدارة هذه النجوم.
وقال الأكثرون: الأفلاك أجسام تدور النجوم عليها وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، واختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة. فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً، والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب أيضاً إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لجهتها إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركاً، والكواكب ساكنة.
والذي يدل عليه لفظ القرآن القسم الأول وهو أن تكون الأفلاك ساكنة والكواكب جارية فيها، كما تسبح السمكة في الماء الراكد انتهى، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السماوات، والأفلاك وما فيها إلا بإخبار الصادق المصدوق.
21:34Page 324
وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤
And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?
(وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) أي دوام البقاء في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينية والتشريعية (أفإن مت) بأجلك المحتوم، وقرئ مت بكسر الميم وضمها وهما لغتان.
(فهم الخالدون) قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم إن محمداً سيموت قال: ويجوز حذف الفاء وإضمارها، والمعنى إن مت فهم يموتون أيضاً فلا شماتة في الموت وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم (أم يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون).
أخرج البيهقي وغيره عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وقد مات فقبله، وقال وانبياه واخليلاه واصفياه ثم تلا وما جعلنا. الآية.
21:35Page 324
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥
Every soul will taste death. And We test you with evil and with good as trial; and to Us you will be returned.
(كل نفس) مخلوقة فلا يراد الباري تعالى: (ذائقة الموت) أي ذائقة مرارة مفارقة جسدها فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائناً ما كان وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم، قيل هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فإن الله حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت، والذوق هاهنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله.
(ونبلوكم) أي نختبركم (بالشر) أي بالشدة (والخير) أي الرخاء (فتنة) مصدر لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قال: نفتنكم فتنة أو مفعول له أي لننظر كيف شكركم وصبركم، والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم فالله لا يخفى عليه شيء.
(وإلينا ترجعون) لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم بأعمالكم حسبما يظهر منكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب.
وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)
21:36Page 325
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦
And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.
(وإذا رآك الذين كفروا) يعني الستهزئين من المشركين (إن يتخذونك إلا هزواً) أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً بك، والهزء السخرية وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: (إنا كفيناك المستهزئين) والمعنى ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزواً (أهذا الذي يذكر آلهتكم؟) أي يقولون أهذا الذي؟ فعلى هذا يكون هو جواباً ويكون قوله: أن يتخذونك اعتراضاً بين الشرط والجزاء، ومعنى يذكر يعيب، قال الزجاج: يقال فلان يذكر الناس أي يغتابهم ويذكرهم بالعيوب وفلان يذكر الله يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، وقيل يطلق على المدح والذم مع القرينة.
(وهم بذكر الرحمن هم كافرون) أي بالقرآن، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون؛ إذ قالوا ما نعرفه، والمعنى أنهم يعيبون على النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو بالقرآن كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم.
21:37Page 325
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
(خلق الإنسان من عجل) أي جعل لفرط استعجاله في أحواله كأنه مخلوق من العجل، وفيه استعارة بالكناية، والعجل والعجلة ضد البطء، وقد عَجِل من باب طَرِب، والمعنى أن الإنسان من حيث هو مطبوع على العجلة فيستعجل كثيراً من الأشياء وإن كانت تضره، وقال الفراء: كأنه يقول بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة.
وقال الزجاج. خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء خلقت منه، كما تقول أنت من لعب وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك، ويدل على هذا المعنى قوله: (وكان الإنسان عجولاً) والمراد بالإنسان الجنس، وقيل آدم، فإنه لما خلقه الله ونفخ فيه من الروح صار الروح في رأسه، فذهب ينهض قبل أن يبلغ الروح إلى رجليه فوقع؛ فقيل: (خلق الإنسان من عجل) كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسدي والكلبي ومجاهد، ولفظ عكرمة: لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس، فقال الحمد لله، فقالت الملائكة يرحمك الله؛ فذهب ينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله: (خلق الإنسان من عجل) وعن ابن جريج نحوه.
وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العجل الطين بلغة حمير، وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث وهو القائل: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) إلخ، وقيل نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب، وقال الأخفش: معناه أنه قيل له كن فكان، وقيل: أن هذه الآية من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره منه وملازمته له. وقد حكى هذا عن أبي عبيدة والنحاس وأبى عمرو، والقول الأول أولى.
(سأوريكم آياتي) أي نقماتي منكم ومواعيدي في الآخرة بعذاب النار أو في الدنيا كوقعة بدر (فلا تستعجلون) بالإتيان فإنه نازل بكم لا محالة.
وقيل المراد بالآيات ما دل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات، وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأول أولى ويدل عليه قوله:
21:38Page 325
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
(ويقولون متى هذا الوعد) أي متى حصول هذا الوعد الذي تعدنا به من العذاب، قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية، وقيل المراد بالوعد هنا القيامة (إن كنتم) يا معشر المسلمين (صادقين) في وعدكم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين يتلون الآيات القرآنية المنذرة بمجيء الساعة وقرب حضور العذاب.
21:39Page 325
لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩
If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1
(لو يعلم الذين كفروا حين) أي لو عرفوا ذلك الوقت، وقال أبو السعود: استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه لجهلهم بشأنه، وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم العلم انتهى. وجواب (لو) محذوف لأنه أبلغ من الوعيد، فقدره الزمخشري لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم هو الذي هوَّنه عندهم وقدره ابن عطية، ولو علموا الوقت الذي (لا يكفون) يدفعون.
(عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم) لما استعجلوا الوعيد، وقدره الحوفي لسارعوا، وقال الزجاج: التقدير لعلموا صدق الوعد أي البعث. وقيل لو علموه ما أقاموا على الكفر. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية، ويدل عليه قوله الآتي:
21:40Page 325
بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠
Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.
(بل تأتيهم بغتة) وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما أشهر الجوانب في استلزام الإحاطة بها للإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على دفعها من جانب من جوانبهم.
(ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون منها في القيامة ولا ينصرهم أحد من العباد فيدفع ذلك عنهم (بل) إضراب انتقالي من بيان السبب إلى بيان كيفية وقوع الموعود فقال: (تأتيهم) أي لا يُكْفَوْنَهَا بل تأتيهم العدة أو النار أو الساعة (بغتة) أي فجأة (فتبهتهم) قال الجوهري: بهته بهتاً أخذه، بغتاً، وقال الفراء: أي تحيرهم. وقيل تفجؤهم وقيل تدهشهم.
(فلا يستطيعون ردها) أي صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فالضمير راجع إلى النار، وقيل إلى الوعد بتأويله بالعدة، وقيل إلى الحين بتأويله بالساعة (ولا هم ينظرون) أي يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار.
21:41Page 325
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.
(ولقد استهزئ برسل من قبلك) مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيته، كأنه قال: إن استهزأ بك هؤلاء فقد فُعِلَ ذلك بمن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم (فحاق) أي أحاط ودار بسبب ذلك (بالذين سخروا منهم) أي من أولئك الرسل وهزؤوا بهم (ما كانوا به يستهزئون) ما مصدرية أو موصولة، أي فأحاط بهم استهزاؤهم، أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب أو نفس الاستهزاء إن أريد به العذاب الأخروي بناء على تجسم الأعمال أو الأمر الذي كانوا يستهزئون به.
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45)
21:42Page 325
قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢
Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.
(قل من يكلؤكم) أي يحرسكم، قاله ابن عباس، والمعنى يحفظكم، والكلاءة الحراسة والحفظ، يقال كلأه الله كِلأة بالكسر، أي حفظه وحرسه، وحكي يكلوْكم بفتح اللام وإسكان الواو، أي قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ من يحرسكم ويحفظكم (بالليل) أي فيه إذا نمتم (والنهار) إذا انصرفتم إلى معايشكم، وتقديم الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعاً وأشد وقعاً (من) بأس (الرحمن) وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ونزوله عليكم. قال الزجاج: معناه من يحفظكم من بأس الرحمن؟.
وقال الفراء: المعنى من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وفي التعرض لعنوان الرحمة إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته العامة (بل هم عن ذكر ربهم معرضون) فلا يذكرونه ولا يخطرونه ببالهم ولا يتفكرون فيه بل يعرضون عنه أو عن القرآن أو عن مواعظ الله أو عن معرفته.
21:43Page 325
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.
(أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) أم بمعنى بل والهمزة للإضراب عن الكلام السابق المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه والدفع عنها، والمعنى بل لهم آلهة تمنعهم مما يسوءهم من عذابنا، وفيه تقدير وتأخير، والتقدير أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم. ثم وصف آلهتهم هذه التي زعموا أنها تنصرهم بما يدل على الضعف والعجز فقال:
(لا يستطيعون نصر أنفسهم) أي هم عاجزون عن نصر أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم، فهو استئناف مقرر لما قبله من الإنكار وموضح لبطلان اعتقادهم (ولا هم) أي الكفار (منا يصحبون) أي يجارون من عذابنا قال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب الجار. والعرب تقول: صحبك الله أي حفظك وأجارك، تقول العرب أنا لك جار، وصاحب من فلان أي مجير منه، وهو اختيار الطبري.
قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته. وقال مجاهد: يحفظون قال ابن عباس: أي لا ينصرون ولا يجارون ولا يمنعون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير ولا يجعل الله رحمته صاحباً لهم. ذكره القرطبي.
ولما أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الهلاك ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences