Al-QinnawjiAl‑Hajj · 22:17–28

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:17–28

22:17Page 334

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧

Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1

(إنّ الذين آمنوا) بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بما ذكر من الآيات البينات (والذين هادوا) هم اليهود المنتسبون إلى ملة موسى (والصابئين) هم قوم يعبدون النجوم؛ وقيل هم من جنس النصارى وليس ذلك بصحيح بل هم فرقة معروفة لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء (والنصارى) هم المنتسبون إلى ملة عيسى (والمجوس) هم الذين يعبدون النار ويقولون إن للعالم أصلين النور والظلمة.

وقيل هم قوم يعبدون الشمس والقمر، وقيل هم يستعملون النجاسات. وقيل هم قوم من النصارى اعتزلوهم ولبسوا المسوح، وقيل إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض دين النصارى.

(والذين أشركوا) هم الذين يعبدون الأصنام؛ وقد مضى تحقيق هذا في البقرة، ولكنه سبحانه قدم هنالك النصارى على الصابئين وأخّرهم عنهم هنا، فقيل وجه التقديم هنالك أنهم أهل كتاب دون الصابئين، ووجه تقديمهم هنا أن زمنهم متقدم على زمن النصارى.

قال قتادة: الصابئون هم قوم يعبدون الملائكة ويصلّون للقبلة ويقرأون الزبور، والمجوس عبدة الشمس والقمر والنيران؛ والذين أشركوا عبدة الأوثان (إن الله يفصل) أي يقضي (بينهم يوم القيامة) فيُدخل المؤمنين منهم الجنة، والكافرين منهم النار، وقيل الفصل هو أن يُميز المُحق من المبطل بعلامة يعرف بها كل واحد منهما.

وقيل يفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد قال قتادة: الأديان ستة؛ فخمسة للشيطان وواحد للرحمن. وعن عكرمة قال: فصل قضاء بينهم فجعل الخمسة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة.

وعن ابن عباس قال: (والذين هادوا) اليهود والصابئون ليس لهم كتاب، والمجوس أصحاب الأصنام، والمشركون نصارى العرب (إن الله) تعليل لما قبلها وكأن قائلاً قال: أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل إن الله (على كل شيء) من أفعال خلقه وأقوالهم " شهيد " عالم علم مشاهدة لا يعزب عنه شيء منها، ومن قضيته الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة، والظاهر تعميم الكلام لعبدة الأوثان ولعباد الشمس والقمر والنجوم. قاله الكرخي.

22:18Page 334

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨

Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.

(ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) الرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، وذلك لأن رؤية سجود هذه الأشياء لله إنما جاءنا من طريق العقل لأنا لا نراه بأبصارنا، والخطاب لكل من يصلح له، وهو من تتأتى منه الرؤية، والمراد بالسجود هنا هو الانقياد الكامل لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، سواء جعلت كلمة (مَنْ) خاصة بالعقلاء أو عامة لهم ولغيرهم، ولهذا عطف.

(والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) على (من) فإن ذلك يفيد أن السجود هو الانقياد لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنّما أفرد هذه الأمور بالذكر مع كونها داخلة تحت (من) على تقدير جعلها عامة لكون قيام السجود بها مستبعداً في العادة. وقوله:

(وكثير من الناس) مرتفع على الابتداء وخبره محذوف، تقديره وكثير من الناس يستحق الثواب، وإنما لم يرتفع بالعطف على (من) لأن سجود هؤلاء الكثير هو سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والمراد بالسجود المتقدم هو الانقياد فلو ارتفع بالعطف لكان في ذلك جمع بين معنيين مختلفين في لفظ واحد، وأنت خبير بأنه لا ملجئ إلى هذا بعد حمل السجود على الانقياد، ولا شك أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس هو انقيادهم، لا نفس السجود الخاص، فارتفاعه بالعطف لا بأس به، وإن أبي ذلك صاحب الكشاف ومتابعوه.

(وكثير) مرتفع بالابتداء وخبره (حق عليه العذاب) قاله الكسائي والفراء وقيل معطوف على كثير، الأول أي وكثير من الناس يسجد؛ وكثير منهم يأبى ذلك. وقيل المعنى وكثير من الناس في الجنة، وكثير حق عليه العذاب. هكذا حكاه ابن الأنباري.

(ومن يهن الله) أي من أهانه الله بأن جعله كافراً شقياً (فما له من مكرم) يكرمه فيصير سعيداً عزيزاً. وحكى الأخفش والكسائي والفراء أي من إكرام؛ فهو على هذا مكرم بفتح الراء اسم مصدر.

(إن الله يفعل ما يشاء) من الأشياء التي من جملتها ما تقدم ذكره من الشقاوة والسعادة والإكرام والإهانة، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم لأنهم يقولون: شاء أشياء ولم يفعل وهو يقول يفعل ما يشاء هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)

وهذه السجدة من عزائم السجود، فيسنّ للقارئ والمستمع أن يسجدا عند تلاوتها أو سماعها

22:19Page 334

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩

These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water

(هذان خصمان) أحدهما أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر المسلمون فهما فريقان يختصمان قاله الفراء وغيره، وقيل المراد بالخصمين الجنة والنار، قالت الجنة خلقني لرحمته، وقالت النار: خلقني لعقوبته وهو ضعيف، وقيل المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر فمن المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقد كان أبو ذر يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة والتابعين وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول.

وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أيضاً عن علي أنه قال: فينا نزلت هذه الآية، وأنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة: وقال سبحانه.

(اختصموا) ولم يقل اختصما لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، قاله الفراء (في) شأن (ربهم) أي في دينه أو في ذاته أو في صفاته أو في شريعته لعباده أو في جميع ذلك.

قال أبو حيان: الظاهر أن الاختصام هو في الآخرة، بدليل التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: فالذين كفروا، وإن قلنا هذا في الدنيا فالجواب أنه لما كان تحقيق مضمونه في ذلك اليوم صح جعل يوم القيامة ظرفاً له بهذا الاعتبار ثم فصّل سبحانه ما أجمله في قوله يفصل بينهم فقال:

(فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) أي قدرت لهم على قدر جثثهم لأن الثياب الجدد تقطع على مقدار بدن من يلبسها، فالتقطيع مجاز عن التقدير بذكر المسبب وهو التقطيع وإرادة السبب وهو التقدير والتخمين، والظاهر أنه بعد ذلك جعل تقطيعها استعارة تمثيلية تهكمية شبه إعداد النار وإحاطتها بهم بتفصيل ثياب لهم وجمع الثياب لأن النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض وهذا أبلغ من جعلها من مقابلة الجمع بالجمع.

قال الأزهري: المعنى سوّيت وجعلت لبوساً لهم، وإنما شبهت النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقق وقوعه.

وقيل إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى، قاله سعيد بن جبير، وزاد ليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حراً منه، وقيل المعنى في الآية أحاطت النار بهم، والحق إجراء النظم القرآني على ظاهره ولا نرتضي تأويله بما يخالف لفظه ومعناه، وقرئ قُطِعَت بالتخفيف.

(يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم) هو الماء الحار المغلي بنار جهنم انتهت حرارته، والجملة مستأنفة، قال النحاس: يذاب على رؤوسهم

22:20Page 334

يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠

By which is melted that within their bellies and [their] skins.

(يصهر به) أي يذاب بالحميم (ما في بطونهم).

قال ابن عباس: تسيل أمعاؤهم (والجلود) قال ابن عباس: يتناثر جلودهم، وعن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفة فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " أخرجه الترمذي [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 387.]] والحاكم وصححاه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم.

وعن ابن عباس قال: يمشون وأمعاؤهم تتساقط وجلودهم، وعنه قال: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون، والصهر الإذابة والصهارة ما ذاب منه، يقال صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب فهو صهير، والمعنى أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء ويصهر به الجلود.

وقيل إنّ الجلود لا تذاب بل تحرق فيقدر فعل يناسب ذلك. ويقال وتحرق به الجلود ولا يخفى أنه لا ملجئ لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذابته للجلد الظاهر بالأولى.

22:21Page 334

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١

And for [striking] them are maces of iron.

(ولهم) يجوز في الضمير وجهان أظهرهما أنه يعود على الذين كفروا وفي اللام حينئذ قولان:

أحدهما: أنها للاستحقاق.

والثاني: أنها بمعنى على، كقوله. ولهم اللعنة وليس بشيء. الوجه الثاني: إن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم ويدل عليه سياق الكلام وفيه بعد.

وقوله (مقامع) جمع مقمعة ومقمع، يقال قمعته ضربته بالمقمعة وهي قطعة من حديد، يقال: قمعه يقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره به ويذله والمقمعة المطرقة، وقيل السوط وسميت المقامع مقامع لأنها تقمع المضروب أي تذلُله، قال ابن السكيت: يقال: أقمعت الرجل عني إقماعاً إذا طلع عليك فرددته عنك، والمعنى لهم مقامع كائنة.

(من حديد) يضربون بها، أخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان " [[المستدرك، كتاب الأهوال 4/ 608.]].

22:22Page 334

كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢

Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"

(كلما أرادوا) الإرادة هنا مجاز عن القرب (إن يخرجوا منها) أي من النار (من) أجل (غم) شديد من ضموم النار يأخذ بأنفاسهم وهو بدل اشتمال من منها بإعادة الجار أو الأولى لابتداء الغاية، والثانية بمعنى من أجل أي من أجل غم يلحقهم فخرجوا.

(أعيدوا فيها) أي ردوا إليها بالضرب بالمقامع، وهي الجرز من الحديد؛ والمراد إعادتهم إلى معظم النار لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم يعودون إليها، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ. كلما أرادوا الآية (و) قيل لهم (ذوقوا عذاب الحريق) أي المحرق الغليظ المنتشر العظيم الإهلاك البالغ نهاية الإحراق وأصل الحريق الاسم من الاحتراق تحرق الشيء بالنار واحترق حرقة واحتراقاً، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراك الألم، قال الزجاج: وهذا لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون.

22:23Page 334

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.

(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم بين بعض ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال: (يُحَلَّوْنَ فيها) بالتشديد والبناء للمفعول، وقرئ مخففاً أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره (من) للتبعيض أي يحلون بعض (أساور) للبيان أو زائدة، وهي جمع أسورة، والأسورة جمع سوار، وفيه لغتان كسر السين وضمها، وفيه لغة ثالثة وهي أسوار.

(من ذهب) من للبيان (ولؤلؤاً) بالنصب أي ويحلون لؤلؤاً وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب، قال القرطبي: يسور المؤمن في الجنة بثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ.

(ولباسهم) أي جميع ما يلبسونه (فيها حرير) كما تفيده هذه الإضافة، ويجوز أن يراد أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرماً عليهم في الدنيا حلال لهم في الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه الأنفس؛ وكل واحد منهم يعطى ما تشتهيه نفسه، وينال ما يريده.

وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " [[مسلم 2073 - البخاري 2279.]] وفي الباب أحاديث. وغيّر الأسلوب حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريراً، للمحافظة على الفواصل، وللدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الدوام.

22:24Page 335

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.

(وهُدوا) أي: أرشدوا (إلى الطيب من القول) قيل هو لا إله إلا الله، وقيل الحمد لله، وقيل القرآن؛ وقيل هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وقل ابن عباس: هدوا أُلهموا، وعن أبي العالية قال: في الخصومة إذا قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم، وعن ابن زيد قال: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله الذي صدقنا وعده.

(و) معنى (هدوا إلى صراط الحميد) أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود، وهو الطريق الموصلة إلى الجنة أو صراط الله الذي هو دينه القويم وهو الإسلام قاله الضحاك.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

(إن الذين كفروا ويصدون) أي يمنعون (عن سبيل الله) ودينه من أراد الدخول فيه، وعطف المضارع على الماضي لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصد ومثل هذا قوله: (إنّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، والمسجد الحرام)؛ أو المراد بالصد هنا الاستمرار لا مجرد الاستقبال؛ فصح عطفه بذلك على الماضي أي كفروا، والحال أنهم يَصدون، وقيل الواو زائدة، والمضارع خبر إنَّ، والأولى أن يقدر خبر إن بعد قوله الآتي (والباد) وذلك نحو خسروا أو هلكوا والمراد بالصد المنع.

(والسجد الحرام) قيل: المراد به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني؛ وقيل: الحرم كله، لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه يوم الحديبية، وقيل المراد به مكة بدليل قوله:

(الذي جعلناه للناس) على العموم يصلّون فيه، ويطوفون به (سواء) مستويان (العاكف) المقيم (فيه) الملازم له، ويدخل فيه الغريب إذا جاور وأقام به ولزم التعبد فيه (والباد) أي الواصل من البادية، والمراد به الطارئ عليه المنتاب إليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم، وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادين عنه، وقيل جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومتعبداً للعاكف والبادي، سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك به. وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة من أهل العلم. ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة وقضاء النسك فيه وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي [[النسائي كتاب الحج باب 42.]].

قال القرطبي: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه، واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبي.

وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها.

والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: الأول ما في هذه الآية، هل المراد بالمسجد الحرام نفسه أو جميع الحرم أو مكة على الخصوص. والثاني هل كان فتح مكة صلحاً أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة. وهل أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في أيدي أهلها على الخصوص أو جعلها لمن نزل بها على العموم، وقد أوضح الشوكاني هذا في شرحه على المنتقي بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة. ثم قال فيه بعد ذكر حجج الفريقين.

ومن أوضح الأدلة على أنها فتحت عنوة قوله صلى الله عليه وسلم، " وإنما أحلَّت لي ساعة من نهار " [[البخاري كتاب العلم باب 37. 39 - أبو داوود كتاب المناسك باب 89.]]، فإن هذا تصريح بأنها أحلت له في ذلك بسفك الدماء بها وأن حرمتها ذهبت فيه وعادت بعده، ولو كانت مفتوحة صلحاً لما كان لذلك معنى، وقد ذكر المقبلي في الاتحاف أدلة قوية على أن المراد به نفس المسجد. وعن ابن عباس: المسجد الحرام الحرم كله خلق الله فيه سواء. وعن سعيد بن جبير مثله. وأيضاً قال: هم في منازل مكة سواء فينبغي لأهل مكة أن يتوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم. والبادي وأهل مكة سواء -يعني في المنزل والحرم. وعن ابن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه ناراً.

وعن عمر بن الخطاب أن رجلاً قال له عند المروة: أقطعني مكاناً لي ولعقبي فأعرض عنه وقال: هو حرم الله، سواء العاكف فيه والباد. وكان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " في الآية: " سواء المقيم والذي يدخل " أخرجه الطبراني وغيره، قال السيوطي: بإسناد صحيح.

وعن ابن عمر مرفوعاً قال: " مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها " أخرجه ابن مردويه.

وعن علقمة بن نضلة قال: " توفي رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " وأبو بكر وعمر وما يدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى سكن. رواه ابن ماجة. وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً " من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها لأنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي، وإليه ذهب أبو حنيفة وعلى القول الأول يجوز ذلك، وإليه ذهب الشافعي مستدلاً بقوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم) فنسب الديار إليهم نسبة ملك واشتراء.

وقال رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " يوم الفتح: " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " [[مسلم 1780.]] والأول أقوى والله أعلم.

(ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) مفعول (يرد) محذوف لقصد التعميم، أي من يرد فيه مراداً، أي مراداً بعدول عن القصد والاعتدال. والإلحاد في اللغة الميل، إلا أنه سبحانه بين هنا أنه الميل بظلم. وقد اختلف في هذا الظلم ماذا هو، فقيل هو الشرك، وقيل الشرك والقتل، وقيل صيد حيواناته وقطع أشجاره. وقيل هو الحلف فيه بالأيمان الفاجرة.

وقيل المراد المعاصي فيه على العموم حتى شتم الخادم، وقيل هو دخول الحرم بغير احرام أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم؛ وقيل احتكار الطعام، لما روى يعلى بن أمية أن رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " قال: " إن احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه " أخرجه أبو داود [[أبو داوود كتاب المناسك 89.]].

وعن ابن عمر " بيع الطعام بمكة الحاد " وعنه سمعت رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " يقول: " احتكار الطعام بمكة إلحاد " [[مشكاة المصابيح 2723.]] أخرجه البيهقي في الشعب، والباء في بإلحاد قيل ليست بزائدة إنْ كان مفعول (يرد) محذوفاً كما ذكرنا. وقيل زائدة، وبه قال الأخفش، والمعنى عنده ومن يرد فيه إلحاداً بظلم، وقال أهل الكوفة: المعنى بأن يلحد، وقيل من يرد الناس بإلحاد، وقيل إن يرد مضمناً معنى يهم، والمعنى من يهم فيه بإلحاد، والباء في بظلم للسببية وقيل غير ذلك.

(نذقه من عذاب أليم) في الآخرة إلا أن يتوب. قاله السدي، قيل المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان، وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا: لو همّ الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذبه الله.

وعن ابن مسعود رفعه قال: لو أن رجلاً همّ بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً. قال ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري وقفه أشبه من رفعه. وعنه قال: من همّ بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم يكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم.

وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنَيْس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب ابن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)؛ يعني من لجأ إلى الحرام بإلحاد بميل عن الإسلام.

والحاصل أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرد الإرادة للظلم فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها إلا أن يقال إن الإرادة فيها زيادة على مجرد حديث النفس، وبالجملة فالبحث عن هذا تقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جداً، ومثل هذه الآية حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار "، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " [[مسلم 2888 - البخاري 29.]]، فدخل النار هنا بمجرد حرصه على قتل صاحبه، وقد أفرد الشوكاني هذا البحث برسالة مستقلة.

22:26Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

(و) اذكر (إذ بوأنا لإبراهيم) يقال بوأته منزلاً وبوأت له، كما يقال مكنتك ومكنت لك، قال الزجاج: معناه جعلنا (مكان البيت) مبوأ لإبراهيم، وقيل معنى بوأنا بينا له، وقيل وطأنا، وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أسه القديم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعاً بذراعهم؛ وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفاً، وجعل له باباً وحفر له بئراً يلقى فيها ما يهدى للبيت وبناه قبله شيث وقبل شيث آدم وقبل آدم الملائكة وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة.

(إن لا تشرك بي شيئاً) أي أوحينا إليه أن لا تعبد غيري، قال المبرد: كأنه قيل له وحّدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك بي وحّدني. وقالت فرقة: الخطاب بقوله: (أن لا تشرك) لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ضعيف جداً.

(وطهر بيتي) من الشرك والأقذار وعبادة الأوثان، وفي الآية طعن على أن من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده، وأنتم فلم تفوا بل أشركتم. والمعنى تطهيره من الكفر والأوثان والدماء والبدع وسائر النجاسات.

وقيل: عنى به التطهير عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهماً والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم، وقيل المعنى نزهه أن يعبد فيه صنم، وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مر في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى.

(للطائفين) الذين يطوفون بالبيت (والقائمين) هم المصلون (و) ذكر قوله: (الركع السجود) بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا في البيت، كالطواف عنده والصلاة إليه.

22:27Page 335

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

(وأذّن) أي ناد (في الناس بالحج) أي بدعوته والأمر به، وقرئ آذن بالمد والأذان الاعلام. وعن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فرغت، قال: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: رب كيف أقول؟ قال: " قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق " فسمعه من في السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون، وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة؛ وبه قال جماعة من المفسرين، وزادوا: فعلا على المقام، فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال.

وقيل: علا على جبل أبي قبيس فلما صعده للنداء خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، ونادى في الناس بالحج قال: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتاً وكتب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من كتب له أن يحج ممن كان في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات، لبيك اللهم لبيك. قال القسطلاني: فمن لبى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته. انتهى، قيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجاً.

وقيل إن الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله: (والركع السجود) وقيل إن خطابه انتهى عند قوله (مكان البيت)، وما بعده خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره أن يقول ذلك في حجة الوداع.

عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " فقال: " يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " أخرجه مسلم [[مسلم 1337 - النسائي كتاب المناسك باب 1.]]، قال في المدارك: والأول أظهر وقرأ الجمهور بالحج بفتح الحاء، وابن إسحاق في كل القرآن بكسرها.

(يأتوك رجالاً) هذا جواب الأمر وعده الله إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى رجالاً مشاة جمع راجل وقيل: جمع رجل، وقرئ بضم الراء رُجالاً، وقرئ على وزن كسالى، وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، قال الكرخي: إذ للراكب بكل خطوة سبعون حسنة وللراجل سبعمائة من حسنات الحرم، كل حسنة مائة ألف حسنة، وإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين، انتهى.

أقول: المعتمد في الباب أن الركوب أفضل من المشي لأن رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " حج راكباً كما في الروايات الصحيحة المشهورة، وفضيلة الاتباع تربو على غيره، وإن كان المشي فضيلة في نفسه سواء قدر على المشي أم لا قبل الإحرام وبعده، والحديث الذي ذكره الكرخي تبعاً للغزالي، والرافعي ضعيف على ما فيه، قاله ابن علان في مثير شوق الأنام إلى بيت الله الحرام، وممن ضعّفه ابن حجر المكي في شرح العباب وشرح المنهاج. والجواب عن التقديم أنه قد لا يفيد التفضيل قطعاً أو على الأصح، وقد يتقدم المفضول ويتأخر الأفضل، قال تعالى: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وقال: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) وقال: (إن مع العسر يسراً) إلى غير ذلك من الآيات فليعلم، وقال: (يأتوك) وإن كانوا يأتون البيت لأن من أتى الكعبة حاجاً فقد أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه.

(وعلى كل ضامر) أي وركباناً على كل بعير، والضامر: البعير المهزول، الذي أتعبه السفر، يقال ضمر يضمر ضموراً؛ وضَمَر الفرس من باب دخل وضمُر أيضاً بالضم فهو ضامر فيهما، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضاً أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوماً، ووصف الضامر بقوله: (يأتين) باعتبار المعنى لأن ضامر في معنى ضوامر.

(من كل فج عميق) الفج الطريق الواسع، الجمع فجاج والعميق البعيد، قال النسفي: قدم الرجال على الركبان إظهاراً لفضيلة المشاة انتهى، وليس بشيء لأن الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة في الحديث الصحيح شرط في فريضة الحج واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجب الحج على راكب البحر، وهو استدلال ضعيف، لأن مكة ليست على بحر، وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين بمشي أو ركوب، فذكر تعالى ما يتوصل به إليها.

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)

22:28Page 335

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨

That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.

(ليشهدوا) أي ليحضروا (منافع لهم) وهي تعمّ منافع الدنيا والآخرة وقيل المراد بها المناسك، وقيل المغفرة، وقيل التجارة كما في قوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم).

قال ابن عباس: أسواقاً كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا الدنيا، وعنه قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، فأما منافع الآخرة فرضوان الله؛ وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم، والذبائح والتجارات، ونكر منافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات، وللنسفي في هذا المقام كلام حسن من باب الاعتبار تركنا ذكره روما للاختصار فمن شاء إدراكه فليرجع إلى المدارك.

(ويذكروا اسم الله) عند ذبح الهدايا والضحايا، وقيل إن هذا الذكر كناية عن الذبح لأنه لا ينفك عنه تنبيهاً على أن المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسمه (في أيام معلومات) هي أيام النحر كما يفيد ذلك قوله الآتي (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وبه قال ابن عمر والصاحبان، وقيل عشر ذي الحجة وهو قول أكثر المفسرين والشافعي وأبي حنيفة.

قال ابن عباس: الأيام المعلومات أيام العشر، وعنه قال: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وعنه قال: أيام التشريق؛ وعنه قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، وقد تقدم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده؛ والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث.

(على) ذبح (ما رزقهم من بهيمة الأنعام) هي الأنعام فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم مسجد الجامع وصلاة الأولى والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا (فكلوا منها) أي من لحومها والأمر هنا للندب عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب.

(وأطعموا البائس الفقير) البائس ذو البؤس، وهو شدة الفقر فذكر الفقير بعده لمزيد من الإيضاح، وقال ابن عباس: البائس، الزّمِن [[الزَمن بزاي مشددة مفتوحة بعدها ميم مكسورة وهو ذو العاهة.]] الذي لا شيء له والأمر هنا للوجوب؛ وقيل للندب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском