Al-QinnawjiAn‑Nur · 24:33–36

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:33–36

24:33Page 354

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

(وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً) يقال استعف إذا طلب أن يكون عفيفاً أي ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد سبب نكاح وهو المال، وقيل النكاح هنا ما ينكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به واللباس اسم لما يلبس قال ابن عباس: ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية وهي:

(حتى يغنيهم الله من فضله) أي يرزقهم رزقاً يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد الجملة الأولى وهي (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان وعداً -حتماً لا محالة في حصوله- لكان الغنى والزواج متلازمين، وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة فإنه يستغني عند تزوجه لا محالة فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى، إلا أن يقال إن الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحاً إذا كان غير واجد لأسبابه، التي يتحصل بها وأعظمها المال.

وانظر كيف رتب هذه الأوامر فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصر، ثم بالنكاح المحصن المغني عن الحرام، ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يقدر عليه، ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال:

(والذين يبتغون الكتاب مما ملكت إيمانكم) من العبيد والإماء، والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة، يقال كاتب يكاتب كتاباً، ومكاتبة، كما يقال: قاتل يقاتل قتالاً، ومقاتلة، وقيل: الكتاب هاهنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتاباً، فيكون المعنى: الذين يطلبون كتاب المكاتبة ومعناها في الشرع أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجماً، فإذا أداه فهو حر. عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلت هذه الآية.

وظاهر قوله (فكاتبوهم) أن العبد إذا طلب المكاتبة من سيده، وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو (إن علمتم فيهم خيراً) الخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل هو المال فقط كما ذهب إليه مجاهد والحسن، وعطاء، والضحاك، وطاووس، ومقاتل وروي عن علي، وابن عباس، وعنه أيضاً أمانة ووفاء، وعنه قال: إن علمت مكاتبك يقضيك، وعنه قال: حيلة ولا تلقوا مؤونتهم على المسلمين، وذهب إلى الأول ابن عمر، وابن زيد، واختاره مالك، والشافعي والفراء والزجاج.

قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء، وتأدية للمال وقال الزجاج: لما قال: (فيهم) كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة وقال النخعي: إن الخير الدين، والأمانة، وروي مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة قال الطحاوي: وأقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال، قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق.

قال أبو عمرو بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالاً، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال علمت فيه المال، هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم، في الخير المذكور في هذه الآية وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق، وعمرو ابن دينار، والضحاك، وأهل الظاهر، فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك، وعلم فيه خيراً، وقال الجمهور من أهل العلم، لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة لأنها معاوضة.

ولا يخفاك أنه حجة واهية، وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون وبه قال عمر وابن عباس واختاره ابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب فأقبل علي بالدرة وقال: كاتبه وتلا (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) فكاتبته قال ابن كثير إن إسناده صحيح.

وعن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاًّ على الناس ". أخرجه أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي، وجوزها أبو حنيفة إلى نجم واحد، وقيل: إن الأمر مطلق، فيجوز حالاً، ومؤجلاً، ومنجماً، وغير منجم. ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال:

(وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئاً من المال أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه. وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار، وقيل: الثلث، وقيل الربع، وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم، وسياق الكلام معهم، فإنهم هم المأمورون بالكتابة.

وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: (وآتوهم) لجميع الناس. وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، كما في قوله سبحانه: (وفي الرقاب)، وللمكاتب أحكام معروفة إدا وفى ببعض مال الكتابة. قال ابن عباس: أي: ضعوا عنهم من مكاتبتهم، وعن نافع قال: كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: تطعمني من أوساخ الناس وعن ابن عباس في الآية قال: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب.

وعن علي ابن أبي طالب: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه، وهذا تعليم من الله ليس بفريضة، ولكن فيه أجراً. وقال صاحب الجمل: إن الأمر للوجوب. وعن بريدة في الآية قال: حث الناس على أن يعطوه، ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال:

(ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) المراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر، والفتى: الشاب، والفتاة: الشابة، والبِغاء بالكسر والمد، مصدر بغت المرأة تبغي بغاء، إذا زنت، وفجرت، وهذا مختص بزنا النساء، فلا يقال: للرجل إذا زنى: إنه بغى. قاله الأزهري. والجمع: البغايا، والبغيّ القينة، وإن كانت عفيفة، لثبوت الفجور لها في الأصل، قاله الجوهري، ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب. والأمة تباغي، أي: تزاني، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله:

(إن أردن تحصناً) لأن الإكراه لا يتصور، ولا يكون إلا عند إرادتهن للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا، والمراد بالتحصن هنا التعفف والتزوج، وقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى. قال الزجاج، والحسن بن الفضل: في الكلام تقديم، وتأخير، أي: وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن أردن تحصناً. وقيل: إن هذا الشرط ملغى، وقيل: إن هذا الشرط باعتبار ما عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن، وهن يردن التعفف، وليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا، وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه.

فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وإنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن، وهو بعيد. فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن: التعفف، والتزوج، وتابعه على ذلك غيره.

أخرج مسلم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أُبيّ يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، وكانت كارهة، فأنزل الله هذه الآية. وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها. مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، وكان يريدهما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرج البزار، وغيره، عن أنس نحو حديث جابر الأول، وعن علي ابن أبي طالب قال: كان أهل الجاهلية يبغين [[يبغين إماؤهم هو وجه صحيح في جمع الفعل قبل.]] إماؤهم فنهوا عن ذلك في الإسلام، وعن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنزلت الآية، وقد ورد النهي منه صلى الله عليه وآله وسلم عن مهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) وهو ما تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب، والمعنى: إن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء، لا لفائدة له أصلاً، لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها، إذا لم يكن مبتغياً بإكراهها عرض الحياة الدنيا، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن، وهذا يلاقي المعنى الأول، ولا يخالف.

(ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) هذا مقرر لما قبله، ومؤكد له، والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرِهين لا إلى المكرهات، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وغيره، فإن الله غفور رحيم لهن. قيل وفي هذا التفسير بعد، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة، وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة، إما بحكم الجبلة البشرية، أو بكون الإكراه قاصراً عن حد الإلجاء المزيل للاختيار بالمرة، وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة، لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة مع قيام العذر في حقهن، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب، وقيل: إن المعنى غفور رحيم لهم، إما مطلقاً أو بشرط التوبة، ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث فقال: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)

24:34Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

(ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) فالأولى أنه آيات بينات أي واضحات في أنفسهن تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة، أو موضحات ومبينات فيدخل فيها الآيات المذكورة في هذه السورة دخولاً أولياً، والصفة الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا من قبل هؤلاء. أي خبراً عجيباً كائناً من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة.

فإن العجب من قصة عائشة هو كالعجب من قصة يوسف ومريم، وما اتهما به ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام الله عليهما، والصفة الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة، فإن الله قد ختم على قلوب غيرهم، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات، ثم أردف الله وصف القرآن بكونه سبحانه في غاية الكمال ونهاية الجمال، فقال:

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

(الله نور السماوات والأرض) مستأنفة لتقرير ما قبلها، قال البيضاوي: النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى، إلا بتقدير مضاف أي ذو نور السماوات كقولك زيد عدل.

أو يكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله وظهور عدله وبسطة أحكامه، كما يقال فلان نور البلد، وقمر الزمن، وشمس العصر، قيل ومعنى النور في اللغة الضياء. وهو الذي يبين الأشياء وُيري الأبصار حقيقة ما تراه فيجوز إطلاق النور على الله على طريقة المدح. ولكونه أوجد الأشياء المنورة، وأوجد أنوراها. ويدل عليه قراءة زيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي: الله نَوَّرَ السماوات والأرض على صيغة الفعل الماضي. وفاعله ضمير يرجع إلى الله والسماوات مفعوله فمعنى الله نورهما أنه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره عز وجل لمن فيهما كما يقال الملك نور البلد، وهكذا قال الحسن ومجاهد والأزهري والضحاك والقرظي وابن عرفة، وابن جرير وغيرهم.

وقال هشام الجواليقي وطائفة من المجسمة: إنه سبحانه نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام. وقال ابن عباس وأنس في الآية: الله هادي السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون، وقيل نور السماء بالملائكة ونَوَّرَ الأرض بالأنبياء، وقيل مزين السماء والأرض زين السماء بالشمس والقمر والنجوم وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين ويقال زين الأرض بالنبات والأشجار، وقيل معناه أن الأنوار كلها منه وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح كما قال الشاعر.

إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار عنها نورها وجمالها وعن ابن عباس يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما، (مثل نوره) مبتدأ، وخبره (كمشكاة) أي صفة نوره الفائض عنه الظاهر على الأشياء كمشكاة، وهذه الجملة إيضاح لما قبلها وتفسير فلا محل لها، وثم مضاف محذوف أي كمثل مشكاة وهي الكوة في الحائط التي لا منفذ لها كذا حكاه الواحدي عن جميع المفسرين وحكاه القرطبي عن جمهورهم.

قيل هي لغة حبشية، وقيل عربية ورسمت بالواو كالصلاة والزكاة، وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشيء، وقيل هي عمود القنديل الذي يجعل فيه الفتيلة، وقيل هي الانبوبة وسط الفتيل، وقيل هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت، وقيل هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح، وقيل ما يعلق فيه القنديل من الحديدة وقال مجاهد: هي القنديل والأول أولى.

ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون من مصباح أو غيره، وعن ابن عباس قال في الآية: مثل نوره أي هداه في قلب المؤمن كمشكاة يقول موضع الفتيلة، وفي إسناده مقال وعن أبيّ بن كعب قال: هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان، والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره) وبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فصدر المؤمن المشكاة وعن ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن كمشكاة، وفي قراءة أبيّ مثل نور المؤمن وفي لفظ نور من آمن به كمشكاة، وعن ابن عباس أيضاً: مثل نور من آمن بالله كمشكاة وهي الكوة وعنه قال: هي خطأ من الكاتب هي أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة بل مثل نور المؤمن كالمشكاة وقيل المعنى مثل نور الله عز وجل في قلب المؤمن وهي النور الذي يهتدى به وقيل أراد بالنور القرآن، وقيل أراد محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وقيل هو الطاعة سمى الله طاعته نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفاً وتفضيلاً، وقيل مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نوراً قاله القرطبي.

واختلفوا في هذا التشبيه هل هو مركب؟ أو غير مركب؟ وقيل ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به بل وقع التشبيه فيه لجملة بجملة.

(فيها مصباح) هو السراج الضخم، وأصله من الضوء (المصباح في زجاجة) واحدة الزجاج يعني القنديل قال الزجاج: النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج، ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفاف. يظهر فيه النور أكمل ظهور ثم وصف الزجاجة فقال: (الزجاجة كأنها) والنور فيها (كوكب دري) منسوب إلى الدر لكون الصفاء والحسن والإشراق فيه ما يشابه الدر، وقال الضحاك: الكوكب الدري الزهرة، وقرئ درىء بكسر الدال أخذوه من درات النجوم تدرأ إذا اندفعت، قاله أبو عمرو، وقرئ بضم الدال مهموزاً، وأنكره الفراء والزجاج والمبرد. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا يهمز، لأنه ليس في كلام العرب. والدراري هي المشهورة من الكواكب، كالمشتري والزهرة والمريخ، وما يضاهيها من الثوابت.

وقال أُبيّ: دري أي مضيء من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام. ثم وصف المصباح بقوله: (يوقد) وقد قرئ بالتاء على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون المصباح. وقرئ بالتحتية وتخفيف القاف. وضم الدال. وقرئ توقد على أنه فعل ماض. من التفعل. والضمير في هاتين راجع إلى المصباح. قال النحاس: وهاتان متقاربتان لأنهما جميعاً للمصباح. وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء وإنما الزجاجة وعاء له وقرئ على أنه فعل مضارع وأصله تتوقد.

(من شجرة) أي ابتداء إيقاد المصباح منها، وقيل يوقد من زيت شجرة (مباركة) أي كثيرة المنافع والبركة، وقيل المنماة. قال أُبَيّ: أصل المبارك الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له (زيتونة) الزيتون من أعظم الثمار نماء. قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها. وهي إدام ودهان. ودباغ ووقود وليس فيها شيء إلا وفيه منفعة. وهي أصفى الأدهان وأضوءها.

وقيل إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ونبتت في منازل الأنبياء. ودعا لها سبعون نبياً بالبركة، منهم إبراهيم، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي شجرة [[قد ورد في البخاري مرفوعاً عن ابن عمر صريحاً أن الشجرة التي لا يسقط ورقها هي النخلة. ولا يمنع هذا من مشاركة شجرة الزيتون لها في هذه الصفة.]] لا يسقط ورقها. وعن أسيد بن ثابت. أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كلوا الزيت، وادهنوا به. فإنه من شجرة مباركة " أخرجه الترمذي [[الترمذي كتاب الأطعمة باب 43 - الإمام أحمد 3/ 497.]].

(لا شرقية ولا غربية) صفة لشجرة ودخلت (لا) لتفيد النفي، وقرئ بالرفع أي لا هي شرقية ولا هي غربية، وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف فقال عكرمة، وقتادة، وغيرهما: إن الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها إذا غربت، لأن لها ستراً، والغربية هي التي تصيبها إذا غربت، ولا تصيبها إذا شرقت، وهذه الزيتونة هي في صحراء، أو في منكشف من الأرض بحيث لا يسترها، ولا يواريها عن الشمس شيء لا في حال شروقها، ولا في حال غروبها، وما كانت من الزيتون هكذا فثمرها أجود، وأنضج، وزيتها أصفى.

وقيل: إن المعنى أنها شجرة في دوحة، قد أحاطت بها، فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس قال ابن عطية: وهذا لا يصح عنه، لأن الشجرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. ورجح القول الأول الفراء، والزجاج. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية.

قال الثعلبي: فقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، لأن قوله زيتونة بدل من قوله: شجرة. قال ابن زيد: إنها من شجر الشام. فإن الشام لا شرقي. ولا غربي. والشام هي الأرض المباركة، وشجرها أفضل، وقيل: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس، ولا في مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل، وقيل: معناها أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. قال أُبي. فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك هذا المؤمن، قد أجير من أن يظله شيء من الفتن، ثم وصف الزيتونة بوصف آخر فقال:

(يكاد) أي: يقرب (زيتها يضيء) من صفائه (ولو لم تمسسه نار) قرئ بالفوقية لأن النار مؤنثة، قال أبو عبيد: إنه لا يعرف إلا هذه القراءة، وقرأ ابن عباس بالتحتية، لكون تأنيثها غير حقيقي. والمعنى أن هذا الزيت في صفائه وإنارته يكاد يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلاً.

(نور) أي هو نور كائن (على نور) صفة لنور مؤكدة له، وقيل نور الله أي هداه للمؤمنين نور على نور الإيمان. وقال مجاهد: والمراد النار على الزيت، وقال الكلبي: المصباح نور، والزجاجة نور، وقيل نور بالزيت مع نور بالنار. وقال السدي: نور الإيمان، ونور القرآن. وقيل نور متضاعف من غير تحديد، لتضاعفه بحد معين، وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر، لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة.

وعن ابن عباس أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: كيف يخلص نور الله من السماء، فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة)، وهي كوة البيت، (فيها مصباح)، وهو السراج، يكون في الزجاجة وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى، (لا شرقية ولا غربية). قال: وهي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، وذلك أجود الزيت يكاد زيتها يضيء بغير نار (نور على نور) يعني بذلك إيمان العبد وعمله، (يهدي الله لنوره من يشاء)، وهو مثل المؤمن.

وعن ابن عمر قال: المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح الذي في قلبه، والشجرة إبراهيم، لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً) الآية. وعن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله يعني هذه الآية قال: مثل نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم ككوة ضربها الله مثلاً لفمه، فيها مصباح والمصباح قلبه، والزجاجة صدره، كأنها كوكب دري، شبه صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه؛ فقال يوقد من شجرة إلى قوله يكاد قال: يكاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار.

قال ابن العربي: قال ابن عباس: هذا مثل نور الله، وهداه، في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسسه النار، فإن مسته النار زاد ضوؤه، كذلك قلب المؤمن، يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم؛ فإذا جاء العلم زاد هدى على هدى، ونوراً على نور، كقلب إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة، قال: هذا ربي من قبل أن يخبره أحد بأن له رباً، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى، إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين.

وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا، ونحوه، مما تقدم عن أُبيّ ابن كعب، وابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ليس على ما يقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني، التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس: هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. كما قدمنا عنه. ولا وجه لهذا الاستبعاد، فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب. ولا من سنة، ولا من لغة.

وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب رحمه الله، ممن يقتدي به في مثل ذلك، وقد نبهناك -فيما سبق- أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب -كما يقع ذلك كثيراً- فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم، إن صحت قراءة أُبيّ بن كعب، كانت هي المستندة لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح، فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة، وغيرهم، ممن قبلهم، وممن بعدهم هو المتعين.

(يهدي الله لنوره) هداية خاصة، موصلة إلى المطلوب، وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة قال ابن عباس: لنوره لدين الإسلام، وهو نور البصيرة (من يشاء) من عباده لأن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها (ويضرب الله الأمثال للناس) أي يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها، تقريباً لها إلى الأفهام، وتسهيلاً لإدراكها، لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحاً وبياناً.

(والله بكل شيء عليم) لا يغيب عنه شيء من الأشياء معقولاً، كان أو محسوساً، ظاهراً كان، أو باطناً. ومنه ضرب الأمثال.

24:36Page 354

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

(في بيوت) أي: ذلك المصباح يوقد في بيوت، وقيل: متعلق بما قبله، أي كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة من صفتها كيت وكيت، وقيل: صفة لزجاجة. وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قيل: وهي في بيوت، وعلى هذه الأقوال لا يوقف على (عليم) وقيل: متعلق بما بعده، وهو يسبح الآتي، أي: يسبح رجال في بيوت، وعلى هذا يكون قولها فيها؛ تكريراً للتوكيد، والتذكير، والإيذان بأن التقديم للاهتمام، لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط.

وقيل: متعلق بمحذوف، أي: سبّحوه في بيوت، وعلى هذين القولين يوقف على (عليم) فهذه ستة أوجه ذكرها السمين، وغيره. وقيل: إنه منفصل عما قبله، كأنه قال تعالى: الله في بيوت أذن الله أن ترفع. قال الحكيم الترمذي: وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح، أو بيوقد، ما الوجه في توحيد المصباح، والمشكاة، وجمع البيوت، ولا تكون المشكاة الواحدة، ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد. وأجيب بأن هذا من الخطاب، الذي يفتح أوله بالتوحيد. ويختم بالجمع، كقوله سبحانه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) ونحوه.

وقيل معنى في بيوت في كل واحد من البيوت فكأنه قال: في كل بيت، أو في كل واحد من البيوت، واختلف الناس في البيوت على أقوال الأول أنها جميع المساجد، وهو قول مجاهد، والحسن وغيرهما. قال ابن عباس: بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. الثاني أن المراد بها بيوت بيت المقدس، روي ذلك عن الحسن، الثالث أنها بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - روي هذا عن مجاهد، الرابع: هي البيوت كلها قاله عكرمة. الخامس: أنها المساجد الأربعة الكعبة، ومسجد قبا، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، قاله ابن زيد والقول الأول أظهر لقوله: (يسبح له فيها بالغدو والآصال) والباء من بيوت تضم وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة، ومعنى:

(أذن الله) أمر وقضى ومعنى (أن ترفع) تبنى قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما ومنه قوله سبحانه، (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت). وقال الحسن البصري: وغيره معنى ترفع تعظم فلا يذكر فيها الخنا من القول، ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار، ورجحه الزجاج، وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين.

(و) معنى (يذكر فيها اسمه) كل ذكر لله عز وجل، وقيل هو التوحيد، وقيل المراد تلاوة القرآن، والأول أولى، وفي القرطبي قد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، لأنهم لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد. وقد ورد في تعظيم المساجد وتنزيهها عن القذر واللغو وتنظيفها وتطييبها أحاديث ليس هذا موضوع ذكرها.

(يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) قرئ يسبح مبنياً للفاعل وللمفعول، فعلى الثانية يكون رجال مرفوعاً بفعل مقدر كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل يسبحه رجال وعلى الأولى يكون رجال فاعل يسبح وقرئ تسبح بالفوقية وكسر الموحدة وعلى هذا يكون الفاعل أيضاً رجال، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال.

واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة قالوا: الغدوة صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الآصال يشملها، والمعنى يصلي له فيها بالغداة صلاة الصبح. وبالآصال صلاة الظهر والعصر، والعشائين، وإنما وحد الغدو، لأن صلاته واحدة، وفي الآصال صلوات، والآصال جمع أصل جمع أصيل، وهو العشي، وقيل صلاة الصبح والعصر.

وقيل المراد صلاة الضحى، قاله ابن عباس وعنه في الآية قال: هي المساجد تكرم، وينهى عن اللغو فيها، ويذكر فيها اسم الله، يتلى فيها كتابه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، صلاة الغداة، وصلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما ويذكر بهما عباده، وعنه قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها إلا غواص في هذه الآية، وقيل المراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة، بعده وهذا أرجح مما قبله، لكونه المعنى الحقيقي مع وجود دليل، يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون وهو ما ذكرناه، قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأن النساء ليس عليهن حضور المساجد لجمعة ولا لجماعة.

رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском