Al-QinnawjiAn‑Nur · 24:1–10

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

النور

An-Nur

The Light · Medinan · 64 ayahs

24:1Page 350

سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١

[This is] a sūrah which We have sent down and made [that within it] obligatory and revealed therein verses of clear evidence that you might remember.

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة النور

(هي مدنية وآياتها أربع وستون آية)

وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعن عائشة قال: " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة يعني النساء [[لم يصح في خطر تعليم الكتابة للنساء حديث، ومن الثابت أن بعض نساء السلف كن عالمات فقيهات، والتاريخ يحفظ لنا أسماء الكثيرات.

" المطيعي "]] وعلموهن الغزل وسورة النور "

أخرجه البيهقي والحاكم وابن مردويه، وعن مجاهد مرفوعاً قال: " علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نسائكم سورة النور " رواه البيهقي وابن المنذر وسعيد بن جبير وهو مرسل.

بسم الله الرحمن الرحيم

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)

(سورة) هي في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت السورة من القرآن سورة، ومنه قول زهير:

ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب

أي: منزلة وقرئ بالرفع، وفيه وجهان، أحدهما: إن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير هذه سورة ورجحه الزجاج والفراء والمبرد، قالوا: لأنها نكرة ولا يبتدأ بها في كل موضع، والثاني: إن يكون مبتدأ؛ وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله:

(أنزلناها) والخبر: الزانية والزاني وإلى هذا نحا ابن عطية، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختتم، وهذا معنى صحيح ولا وجه لما قاله الأولون وقيل التقدير فمما أوحينا إليك سورة وَرُدَّ بأن مقتضى المقام بيان شأن هذه السورة الكريمة لا بيان أن في جملة ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سورة شأنها كذا وكذا، وقرئ بالنصب أي: اتل سورة أو اقرأ أو أنزلنا سورة أو دونك سورة، قاله الزمخشري ورده أبو حيان وقيل أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن.

(وفرضناها) قرئ بالتخفيف والتشديد، ومعنى المشدد قطعناها في الإنزال نجماً نجماً، والفرض القطع والتشديد للتكثير أو للمبالغة أو لتأكيد الإيجاب أو لكثرة الفرائض فيها كالزنا والقذف اللعان والاستئذان وغض البصر وغير ذلك.

ومعنى المخفف أوحيناها وجعلناها مقطوعة، وقيل ألزمناكم العمل بها وقيل قدرنا ما فيها من الحدود والفرض التقدير، ومنه أن الذي فرض عليك القرآن، وقيل بيناها قاله ابن عباس، وقيل أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً وفيه من الإيذان بغاية وكادة الفرضية ما لا يخفى.

(وأنزلنا فيها آيات بينات) أي أنزلنا في غصونها وتضاعيفها آيات واضحة الدلالة على مدلولها وتكرير (أنزلنا) لكمال العناية بإنزال هذه السورة وشأنها لما اشتملت عليه من الأحكام المفروضة.

قال الرازي: ذكر الله في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: (فرضناها) إشارة إلى الأحكام وقوله هذا إلى ما بين فيها من دلائل التوحيد ويؤيده قوله:

(لعلكم تذكرون) فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى نؤمر بتذكرها، أما دلائل التوحيد، فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها، فأمروا بتذكرها، قيل والمعنى تتعظون.

وقيل قوله:

24:2Page 350

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.

(الزانية والزاني) تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، والزنا هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح وقيل هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً و (الزانية) هي المرأة المطاوعة للزنا، الممكنة منه، كما تنبئ عنه الصيغة المكرهة، وكذلك (الزاني) وتقديم الزانية على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع، قاله أبو السعود؛ إنما قدمت المرأة هنا وأخرت في آية حد السرقة لأن الزنا إنما يتولد بشهوة الوقاع، وهي في المرأة أقوى وأكثر، والسرقة إنما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة، وهي في الرجل أقوى وأكثر، قاله الكرخي.

وقيل وجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن، وقيل لأن العار فيهن أكثر، إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكر الزانية تغليظاً واهتماماً.

(فاجلدوا) الجلد الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، وعلى مذهب سيبويه التقدير فيما يتلى عليكم حكم الزانية؛ ثم بين ذلك بقوله: (فاجلدوا) والخطاب في هذه الآية الكريمة للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل للمسلمين أجمعين لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعاً، والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود.

(كل واحد منهما مائة جلدة) هو حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد وهو تغريب عام وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: التغريب إلى رأي الإمام، والحديث يرده، وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب، وتجلد المرأة ولا تغرب، وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسين جلدة لقوله سبحانه: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وهذا نص في الإماء وألحق بهن العبيد لعدم الفارق.

وأما من كان محصناً من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة؛ وبإجماع أهل العلم، بل وبالقرآن المنسوخ لفظه، الباقي حكمه وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة، وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في ذلك في شرحه للمنتقى، وقد مضى الكلام في حد الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لأية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وزاد النسفي والتغريب منسوخ بالآية، وليس بصحيح فقد أثبتته السنة الصحيحة كما أشرنا إليه.

(ولا تأخذكم) بالتأنيث مراعاة للفظ، وبالياء لأنه مجازي، وللفصل بالمفعول والجار (بهما رأفة) يقال رأف يرأف رأفة، على وزن فعلة، ورأفة على وزن فعالة، مثل النشأة والنشاءة، وكلاهما بمعنى الرقة والرحمة. وقيل هي أرق الرحمة وأشدها.

(في دين الله) أي في طاعته وحكمه، كما في قوله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، أي لا يأخذكم الدين في استيفاء الحدود فتعطلوها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وقيل تخففوا الضرب، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن.

قال الزهري: يجتهد في حد الزنا والفرية، أي القذف، ويخفف في حد الشرب. وقيل يجتهد في حد الزنا ويخفف دون ذلك في حد القذف ودونه في حد الشرب، ثم قال: مثبتاً للمأمورين ومهيجاً لهم.

(إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر) أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال لا تعطلوا الحدود، وفي إلهاب الغضب لله ولدينه، وذلك لأن الإيمان بهما يقتضي التجلد في طاعة الله وفي إجراء أحكامه، وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة في الحدود وتعطيلها، والحاصل أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الحث والمتانة ولا يأخذهم اللين والهوان في استيفاء حدود الله، وكفى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة في ذلك حيث قال: " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " [[مسلم 1688 - البخاري 1287.]].

(وليشهد عذابهما) أي لتحضر الجلد إذا أقيم عليهما زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما (طائفة من المؤمنين) ندباً، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطوف، وأقلها ثلاثة، لأنه أقل الجمع، وقيل اثنان. قاله عكرمة. وقيل واحد. قاله مجاهد. وقيل أربعة لأنهم عدد شهود الزنا. وقيل عشرة.

قال ابن عباس: الطائفة الرجل فما فوقه، ولا يجب على الإمام حضور رجم، ولا على الشهود، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، وتسمية الجلد عذاباً دليل على أنه عقوبة، ثم ذكر سبحانه شيئاً يختص بالزاني والزانية فقال:

24:3Page 350

ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.

(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) يعني أن الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والثانية لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والتضامّ، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال: الأول: إن المقصود منها تشنيع الزنا وتشنيع أهله، وأنه محرم على المؤمنين، ويكون معنى (الزاني لا ينكح إلا زانية) الوطء لا العقد، أي الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان، وزاد ذكر المشركة والمشرك، لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا.

وردّ هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، ويردّ هذا الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه. ومنه قول: (حتى تنكح زوجاً غيره) فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بأن المراد به الوطء. ومن جملة القائلين بأن معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، كما حكاه ابن جرير عنهم وعن ابن عباس قال: ليس هذا بالنكاح ولكن الجماع، لا يزني بها حين تزني إلا زانٍ أو مشرك.

الثاني: إن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة فتكون. خاصة بها، كما قال الخطابي عن ابن عمرو، قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح وتشترط أن ينفق عليها، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأنزل الله هذه الآية، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم.

الثالث: أنها نزلت في رجل من المسلمين فتكون خاصة به، قاله مجاهد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة؛ وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وذكر قصة فيها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فلم يرد عليّ شيئاً. حتى نزلت (الزاني لا ينكح إلا زانية) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فلا تنكحه " ا [[أبو داوود كتاب النكاح باب 4.]]، أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم.

الرابع: أنها نزلت في أهل الصفة فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح.

الخامس: إن المراد بالزاني والزانية المحدودان. حكاه الزجاج وغيره عن الحسن قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة، وروي نحوه عن إبراهيم النخعي، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال ابن العربي: وهذا لا يصح نظراً، كما لا يثبت نقلاً.

السادس: إن هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه: (وأنكحوا الأيامى منكم) قال النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء، والسابع أن هذا الحكم مؤسس على الغالب العام، والمعنى أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن. قال الكرخي: إن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يرغب في نكاح فاسقة مثله أو في مشركة؛ والفاسقة لا ترغب في نكاح الرجل الصالح بل تنفر عنه، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب، كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فكذا هاهنا والفرق بين قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) وقوله: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) أن الكلام يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية بخلاف الزانية فقد ترغب في نكاح غير الزاني؛ فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وهذا أرجح الأقوال، وسبب النزول يشهد له كما تقدم.

وعن شعبة مولى ابن عباس قال: " كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة فأردت أن أتزوجها فقال الناس: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنّها كن نساء بغايا متعاليات، يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس، يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية. تزوجها فما كان فيها من إثم فعليّ.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " أخرجه أبو داود وابن المنذر والحاكم وابن أبي حاتم وغيرهم [[أبو داوود كتاب النكاح باب 4 - الإمام أحمد 2/ 324.]]. وعن علي أن رجلاً تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد، فجاءوا به إلى عليّ ففرق بينه وبين امرأته، وقال: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك.

وعن مجاهد قال: " كن نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم جميل، فكان الرجل من المسلمين يتزوج إحداهن لتنفق عليه من كسبها فنهى الله سبحانه أن يتزوجهن أحد من المسلمين ". وهو مرسل.

وعن ابن عباس أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زواني مشركات فحرم الله نكاحهن على المؤمنين. وعنه قال كانت بغايا في الجاهلية، بغايا آل فلان وبغايا آل فلان فقال الله: (الزاني لا ينكح إلا زانية) فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وعن الضحاك قال: إنما عني بذلك الزنا ولم يعن به التزويج.

وعن ابن عباس في هذه الآية قال: " الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا على المؤمنين.

وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة بجواز ذلك، وروي عن ابن عباس وعمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز، قال ابن مسعود: " إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً " وبه قال مالك.

(وحرم ذلك) أي الزنا أو نكاح الزواني لما فيه من التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والطعن في النسب والتسبب لسوء المقالة وغير ذلك من المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة البغايا والقحاب وقيل هو مكروه فقط؛ وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر.

(على المؤمنين) الأخيار الأبرار فعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها، وقدمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً، لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية، لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلاً في ذلك بدئ بذكرها. وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدئ الطلب.

24:4Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤

And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,

(والذين يرمون) استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفاً، أي يشتمون (المحصنات) أي النساء العفيفات بالزنا، وكذا المحصنين، وإنما خصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع، والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة، وقد جمع الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك.

وقيل إن الآية تعم الرجال والنساء، والتقدير الأنفس المحصنات، ويؤيد هذا قوله في آية أخرى: (والمحصنات من النساء)، فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى؛ وقيل أراد بالمحصنات الفروج؛ كما قال: (والتي أحصنت فرجها)، فتتناول الآية الرجال والنساء؛ وقيل إن لفظ المحصنات وإن كان للنساء لكنه هاهنا يشمل النساء والرجال تغليباً، وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب، وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني؛ وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه، منها ما هو مأخوذ من دليل ومنها ما هو مجرد رأي بحت.

قرئ المحصنات بفتح الصاد وكسرها، وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافراً أو كافرة. وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: يجب عليه الحد. وذهب الجمهور أيضاً إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة.

(وقالوا) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك (هذا إفك مبين) أي كذب بين ظاهر مكشوف لا حقيقة له، وقوله: (لولا جاءوا عليه) من تمام ما يقوله المؤمنون، أي هلا جاء الخائضون في الإفك (بأربعة شهداء) يشهدون على ما قالوا.

(فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك) أي الخائضون في الإفك (عند الله) أي في حكمه وقضائه الأزلي، أو شرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة (هم الكاذبون) أي القاذفون الكاملون في الكذب، وهذا من باب الزواجر (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة) هذا خطاب للسامعين، وفيه زجر عظيم (ولولا) هذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى لولا أني قضيت عليك بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، والرحمة في الآخرة بالعفو.

(لمسّكم فيما أفضتم) أي بسبب ما أفضتم (فيه) من حديث الإفك، والإبهام لتهويل أمره، يقال: أفاض في الحديث واندفع، وخاض بمعنى (عذاب عظيم) أي لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك: وقيل المعنى لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معاً، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً.

(إذ تلقونه بألسنتكم) من التلقي، والأصل تتلقونه.

قال مقاتل ومجاهد: المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقياً.

قال الزجاج: معناه يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرئ الإلقاء ومعناها واضح، وقرئ بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، وهي مأخودة من قول العرب: ألق [[الصحيح ولق يلق ولقاً وهي في الصحاح في مادة الواو، وفي القاموس في باب القاف فصل الواو ففاؤها واو وليس ألفاً.

" المطيعي "]] الرجل يَلَق ولقا إذا كذب، قال ابن سيده: جاءوا بالمتعدي شاهداً على غير المتعدي.

قال ابن عطية: وعندي أراد يلقون فيه، فحذف حرف الجر فاتصل الضمير.

وقال الخليل وأبو عمر: وأصل الولق الإسراع يقال جاءت الإبل تلق أي تسرع، وعن ابن جرير مثله وزاد الولق هو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في إثر عدد وكلام في إثر كلام، وقرئ تألقونه من الألق وهو الكذب؛ وقرئ يلقونه وهو مضارع ولق بكسر اللام والتلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق والمهارة؛ وقال الراغب: في التلقن الحذق في التناول، وفي التلقف الاحتيال فيه.

(وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) معناه أن قولهم هذا مختص بالأفواه من غير أن يكون واقعاً في الخارج معتقداً في القلوب، وقيل إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله: يطير بجناحيه ونحوه.

(وتحسبونه) أي الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له (هيناً) أي شيئاً يسيراً لا يلحقكم فيه إثم (هو عند الله عظيم) ذنبه وعقابه والجملة في محل الحال؛ قيل جزع بعضهم عند الموت فقيل له في ذلك فقال أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.

(ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) هذا عتاب لجميع المؤمنين أي هلا إذ سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيباً للخائضين فيه المفترين له بمجرد أول السماع: ما ينبغي لنا ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث، ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه (سبحانك هذا بهتان عظيم) التعجب من أولئك الذين جاؤا بالإفك وأصله التنزيه لله سبحانه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، والبهتان هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه أي هذا كذب عظيم لكونه قيل في أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وصدوره مستحيل شرعاً من مثلها، ثم وعظ سبحانه الذين خاضوا في الإفك فقال:

(يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً) أي ينصحكم أو يحرج الله عليكم، قاله ابن عباس أو يحرم عليكم أو ينهاكم كراهة أن تعودوا أو من أن تعودوا أو في أن تعودوا لمثل هذا القذف؛ أو استماع حديثه مدة حياتكم (إن كنتم مؤمنين) عائد إلى جميع الجمل التي قبله وتارة إلى بعضها لا تقوم به حجة ولا يصلح للاستدلال فإنه قد يكون ذلك لدليل، كما وقع هنا من الإجماع واتفاق الأئمة الأربعة على عدم رجوع هذا الاستثناء إلى جملة الجلد، فالقاذف يجلد عند الجميع سواء تاب أو لم يتب ومما يؤيد ما قررناه ويقويه أن المانع عن قبول الشهادة وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال فلم يبق ما يوجب الرد للشهادة.

واختلف العلماء في صورة توبة القاذف، فقال عمر بن الخطاب والشعبي والضحاك وأهل المدينة: إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه، وأقيم عليه الحد بسببه، وقالت فرقة منهم مالك وغيره: إن توبته تكون بأن يحسن حاله ويصلح عمله ويندم على ما فرط منه ويستغفر الله من ذلك ويعزم على ترك العود إلى مثله وإن لم يكذب نفسه ولا رجع عن قوله، وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب ولو كان كفراً فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى وحكى هذا الإجماع القرطبي.

قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة وليس من رمي غيره بالزنا بأعظم جرماً من مرتكب الزنا، والزاني إذا تاب قبلت شهادته لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن، منها قوله (إنما جزاء الذين يحاربون الله) إلى قوله:

24:5Page 350

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

(إلا الذين تابوا) ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع، قال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته قال وقوله: (أبداً) أي ما دام قاذفاً كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً، فإن معناه ما دام كافراً انتهى.

وعن ابن عباس في الآية قال: تاب الله عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز وعن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك وعنه قال: توبتهم إكذابهم أنفسهم، فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم، وعن ابن عباس أيضاً قال: من تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل.

وفي الباب روايات عن التابعين وقصة المغيرة في خلافة عمر مروية من طرق معروفة، وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البينة وإلا حد في ظهرك "، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " البينة وإلا حد في ظهرك "، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد ونزل جبريل فأنزل عليه

24:6Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦

And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.

(والذين يرمون أزواجهم) حتى بلغ (إن كان من الصادقين) فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الله يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا أنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج [[خدلج: ممتلىء لحماً.]] الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي (- صلى الله عليه وسلم -) " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " [[البخاري تفسير سورة 24/ 3 - الترمذي تفسير سورة 24/ 3.]].

وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس مطولة وأخرجها البخاري ومسلم وغيرهما، ولم يسمّوا الرجل ولا المرأة.

وفي آخر القصة أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال له: " اذهب فلا سبيل لك عليها " فقال: يا رسول الله مالي؟ قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها ".

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صك الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل، فقال: عويمر والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه فوجده قد أنزل عليه فدعا بهما فلاعن بينهما قال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها ففارقتها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة للمتلاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذباً، فجاءت به مثل المنعت المكروه " [[أبو داوود كتاب الطلاق باب 27.]].

وفي الباب أحاديث كثيرة وفيما ذكرنا كفاية، وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود قالوا: لا يجتمع المتلاعنان أبداً، ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف على العموم حكم نوع من أنواع القذف وهو قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد النكاح فقال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

(والذين يرمون أزواجهم) جمع زوج بمعنى الزوجة فإن حذف التاء منها أفصح من إثباتها إلا في الفرائض، ولم يقيد هنا بالمحصنات إشارة إلى أن اللعان يشرع في قذف المحصنة وغيرها فهو في قذف المحصنة يسقط الحد عن الزوج وفي قذف غيرها يسقط التعزير كأن كانت ذمية أو أمة أو صغيرة تحتمل الوطء بخلاف قذف الصغيرة التي لا تحتمله، وبخلاف قذف الكبيرة التي ثبت زناها ببينة أو إقرار، فإن الواجب في قذفهما التعزير لكنه لا يلاعن لدفعه كما في كتب الفروع وقد وقع قذف الزوجة بالزنا لجماعة من الصحابة كهلال بن أمية وعويمر العجلاني وعاصم بن عدي.

(ولم يكن لهم شهداء) يشهدون بما رموهن به من الزنا (إلا أنفسهم) بالرفع على البدل من شهداء، ولم يذكر الزمخشري غيره، وقيل إنه نعت له على أن إلا بمعنى غير وبالنصب على الاستثناء على الوجه المرجوح، ولا مفهوم لهذا القيد، بل يلاعن ولو كان واجداً للشهود الذين يشهدون بزناها لنفي ولد ولدفع العقوبة حداً أو تعزيراً.

(فشهادة أحدهم) أي الشهادة التي تزيل عنه حد القذف أو فالواجب شهادة أحدهم أو فشهادة أحدهم كائنة أو واجبة، وقيل فعليهم أن يشهد أحدهم (أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) فيما رماها به من الزنا وهي المشهود به.

24:7Page 350

وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧

And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.

(و) الشهادة (الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) فيما رماها به من الزنا. قرأ الجمهور (أن) بالتشديد ونافع بتخفيفها.

24:8Page 350

وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨

But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.

(ويدرأ) أي يدفع (عنها) أي عن المرأة (العذاب) الدنيوي وهو الحد، والمعنى أنه يدفع عن المرأة الحد (أن تشهد) أي شهادتها (أربع شهادات بالله إنه) أي الزوج (لمن الكاذبين) فيما رماني به من الزنا

24:9Page 350

وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩

And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.

(و) تشهد الشهادة (الخامسة أن غضب الله عليها إن كان) الزوج (من الصادقين) فيما رماها به من الزنا، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادته ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة ومع استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب.

24:10Page 350

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.

(ولولا فضل الله عليكم) فيه التفات عن الغيبة، والخطاب لكل من الفريقين أي القاذفين والمقذوفات، ففي الكلام تغليب صيغة المذكور على صيغة الأناث؛ حيث لم يقل عليكم وعليكن (ورحمته) لنال الكاذب منهما عذاب عظيم قاله الزجاج أو لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان أو لفضحكم، فجواب (لو) محذوف، ثم بين سبحانه كثير توبته على من تاب، وعظيم حكمته البالغة فقال:

(وأنّ الله تواب) أي يعود على من تاب إليه ورجع عن معاصيه بالتوبة عليه والمغفرة له في ذلك وغيره (حكيم) فيما شرع لعباده من اللعان، وفرض عليهم من الحدود.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском