Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:19–37
25:19Page 361
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
(فقد كذبوكم) وفي الكلام حذف، والتقدير فقال الله عند تبري المعبودين مخاطباً للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبكم المعبودون، وقرئ مخففاً أي كذبوكم في قولهم (مما تقولون) أي في قولكم أنهم آلهة وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات، وحذف القول، ونظيرها (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل)، إلى قوله (فقد جاءكم بشير ونذير) وقول القائل:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا
وقال ابن زيد: المعنى قد كذبوكم أيها المؤمنون، هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذا فمعنى بما تقولون: بما تقولونه من الحق وقرئ فقد كذبوكم مخففاً، وبما يقولون بالتحتية أي كذبوكم في قولهم.
(فما تستطيعون) أيها الكفار (صرفاً) أي دفعاً للعذاب عنكم بوجه من الوجوه وقيل حيلة (ولا نصراً) أي نصركم، وقرئ بالتحتية فالمعنى فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم، وقيل المعنى فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفاً للعذاب الذي عذبهم الله به ولا نصراً من الله وقال أبو عبيد: المعنى فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصراً لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم (ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً) هذا وعيد لكل ظالم ويدخل تحتهم الذين فيهم السياق دخولاً أولياً، والعذاب الكبير عذاب النار، وفسر الخلود فيها، وهو يليق بالمشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج.
وقرئ يذقه بالتحتية وهذه الآية وأمثالها مقيدة بعدم التوبة، وعن الحسن قال: الظلم هو الشرك، وقال ابن جريج: يظلم يشرك ثم يرجع سبحانه إلى خطاب رسوله موضحاً لبطلان ما تقدم من قولهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال:
25:20Page 361
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.
(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) قال الزجاج: الجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً منهم إلا آكلين وماشين فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل لهم مثل ما قيل لك، وقال الفراء: لا محل لها من الإعراب إنما هي صلة لموصول محذوف والتقدير إلا من أنهم كما في قوله (إلا واردها) أي إلا من يردها، وبه قال الكسائي وقال الزجاج: هذا خطأ لأن من الموصولة لا يجوز حذفها، وقال ابن الأنباري: التقدير إلا وإنهم، وقرئ إنهم بكسر إن لوجود اللام في خبرها وهو مجمع عليه عند النحاة. وقال المبرد: يجوز فيه الفتح، قال النحاس: وأحسبه وهماً. وقرئ يمشون مخففاً ومثقلاً. قال قتادة: يقول إن الرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا بهذه المنزلة يأكلون ويمشون.
(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) هذا الخطاب عام للناس، وفيه تسلية له - صلى الله عليه وسلم - أيضاً، فإنه أشرف الأشراف، وقد ابتلى بأخس الأخساء، وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم، وبالبعض الثاني الرسل، ومعنى الفتنة الابتلاء، والمحنة. والأول أولى، فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به فالمريض يقول لِمَ لم أجعل كالصحيح؟ وكذا صاحب كل آفة، والصحيح مبتلى بالمريض، فلا يضجر منه ولا يحقره، والغني مبتلى بالفقير يواسيه، والفقير مبتلى بالغنى يحسده، ونحوه هذا مثله.
وقيل المراد بالآية أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم، ورأى الوضيع قد أسلم قبله، أنف وقال: لا أسلم بعده فيكون له على السابقة والفضل! فيقيم على كفره. فذلك افتتان بعضهم ببعض، واختار هذا الفراء والزجاج ولا وجه لقصر الآية على هذا، فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال الحسن: في الآية يقول الفقير لو شاء الله جعلني غنياً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان ويقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان.
وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان بعضكم لبعض فتنة، وهو قوله تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) [[الأحاديث الضعيفة 6154 - 6155، من حديثين حتى ويل للمملوك من المالك.]] " أسنده الثعلبي ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض فتنة للبعض:
(أتصبرون) هذا الاستفهام للتقرير والتقدير: أتصبرون على ما ترون من هذه الحالة الشديدة والابتلاء العظيم فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم، وعليه جرى الأكثرون وقيل: معنى أتصبرون اصبروا مثل قوله (فهل أنتم منتهون) أي انتهوا، روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم [[مسلم 2963 - البخاري 2434.]] " ثم وعد الله الصابرين بقوله:
(وكان ربك بصيراً) أي بكل من يصبر ومن لا يصبر فيجازي كُلاًّ منهما بما يستحقه (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة أي وقال: المشركون الذين لا يبالون بلقاء الله وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم بالشر، وهي لغة تهامة، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنها وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه، ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول، قال الفراء: وضع الرجاء موضع الخوف. وقيل: لا يأملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث والحمل على المعنى الحقيقي أولى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)
25:21Page 362
۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١
And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.
فالمعنى لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب.
(لولا) هَلاَّ (أنزل علينا الملائكة) فيخبروننا أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - صادق، أو هَلاّ أنزلوا علينا رسلاً يرسلهم الله (أو نرى ربنا)؟ عياناً فيخبرنا بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول، ثم أجاب الله سبحانه عن شبهتهم هذه فقال:
(لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً) أي أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله تعالى (إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) والعتو مجاوزة الحد في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته قال ابن عباس: عتوا أي شدة الكفر، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغاً، هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله أو تعد من المستعدين له، وهكذا من جهل قدر نفسه ولم يقف عند حده ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى.
25:22Page 362
يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢
The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2
(يوم) أي: اذكر يوم: (يرون الملائكة) أي ملائكة العذاب رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر، قال مجاهد: يوم القيامة، وعن عطية العوفي نحوه.
(لا بشرى يومئذ للمجرمين) أي يمنعون البشرى يوم يرون، أو لا توجد لهم بشرى فيه، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة وهو وقت الموت أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى، بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة، قال الزجاج: المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله، وهو ظاهر في موضع مضمر، أو عام يتناولهم بعمومه، وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد: الكفار، لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات.
(ويقولون) عند مشاهدتهم للملائكة: (حجراً) حراماً (محجوراً) هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو، وهجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقال للرجل: أتفعل كذا؟ فيقول: حجراً محجوراً أي حراماً عليك التعرض لي.
والمعنى يطلبون من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقهم أي: يسأله أن يمنع ذلك منعاً، ويحجره حجراً. وقيل إن هذا من الملائكة أي يقولون للكفار: حراماً محرماً أن يدخل أحد منكم الجنة. وأن تكون البشرى اليوم إلا للمؤمنين وقال أبو سعيد الخدري: حراماً محرماً أن نبشركم مما نبشر به المتقين، وعن الحسن. وقتادة قالا: هي كلمة كانت العرب تقولها عند الشدائد، وقال مجاهد: أي عوذاً معاذ الملائكة تقوله والحجر مصدر بمعنى الاستعاذة، والكسر والفتح لغتان وقرئ بهما، وقرئ الضم وهو لغة فيه وهو من حجره إذا منعه وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، هذه الكلمة، وجعلها من جملتها، وبه قال السمين، والبيضاوي. والحجر: العقل، لأنه يمنع صاحبه، ومحجوراً صفة مؤكدة للمعنى، كقولهم ذيل ذائل وموت مائت.
25:23Page 362
وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣
And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.
(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل) هذا وعيد آخر، وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صور الخير، من صلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وإطعام الطعام، وأمثالها ولم يمنع من الأثابة عليها إلا الكفر، الذي هم عليه فمثلت حالهم وأعمالهم، بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه، فقدم إلى ما معهم من المتاع فأفسده، ولم يترك منه شيئاً، وإلا فلا قدوم هاهنا أو هو من الصفات، كالمجيء والنزول، فيجب الإيمان به من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه، ولا تمثيل، كما هو مذهب السلف الصلحاء، وهو الحق.
قال الواحدي: معنى قدمنا عمدنا، وقصدنا، يقال: قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده، أو عمده، وقيل هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى والقصد في حق الله يرجع لمعنى الإرادة.
(فجعلناه هباء منثوراً) أي باطلاً، لا ثواب له، لأنهم لم يعملوا لله عز وجل ومنه الحديث الصحيح " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " [[مسلم 1718 - البخاري 1303.]] والهباء واحده هباءة، والجمع أهباء. قال النضر بن شميل: الهباء التراب الذي تطيره الريح، كأنه دخان. وقال الزجاج: هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبه الغبار. وكذا قال الخليل، والأزهري. وقال ابن عرفة: الهباء، والهبوة التراب الدقيق. وقيل هو ما يسطع من حوافر الدواب، عند السير من الغبار، وعن علي قال: الهباء شعاع الشمس، الذي يخرج من الكوة، وعنه الهباء وهج الغبار، يسطع، ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء.
وعن ابن عباس قال: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاًً، وعنه قال: هو ما تسفي الريح، وتبثه من التراب وحطام الشجر. وعنه هو الماء المهراق. والمعنى الأول هو الذي ثبت في لغة العرب، ونقله العارفون بها، والمنثور المفرق، والمعنى أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد، وبالجملة هو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. إذ لا ثواب فيه، لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا. ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال:
25:24Page 362
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.
(أصحاب الجنة يومئذ) أي يوم القيامة (خير مستقراً) أي أفضل منزلاً في الجنة، من الكافرين في الدنيا (وأحسن مقيلاً) أي موضع قائلة فيها، أو هم خير منهم في الآخرة لو فرض أن يكون لهم ذلك، أو أفعل لمجرد الوصف من غير مفاضلة. عن ابن عباس قال: في الغرف من الجنة. قال النحاس: والكوفيون يجيزون " العسل أحلى من الخل ". قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم لأن الله تعالى قال: (وأحسن مقيلاً) والجنة لا نوم فيها.
وقال ابن عباس: الحساب في ذلك اليوم في أوله، ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى الغروب. والآية أشارت إلى أن كُلاًّ من أهل الجنة وأهل النار قد قالوا، أي: استقروا في وقت القيلولة، وإن كان استقرار المؤمنين في راحة، واستقرار الكافرين في عذاب فيكون الحساب لجميع الخلق قد انقضى في هذا الوقت.
25:25Page 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
(ويوم تشقق السماء بالغمام) وصف سبحانه هاهنا بعض حوادث يوم القيامة، والتشقق التفتح، قرئ بتخفيف الشين وأصله تشقق، وقرئ مشدداً على الإدغام، والمعنى أنها تتشقق عن الغمام لأن الباء وعن، تتعاقبان كما تقول رميت بالقوس. قال أبو علي الفارسي: تشقق السماء وعليها غمام كما تقول: ركب الأمير بسلاحه. أي: وعليه سلاحه، وخرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه، وروي أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق، أبيض، مثل الضبابة. ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وقيل: إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس، والمعنى: أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء. وقيل: إنها تشقق لنزول الملائكة، كما قال سبحانه.
(ونزل الملائكة تنزيلاً) وقيل: الباء للسببية يعني بسبب طلوع الغمام منها، كأنه الذي يتشقق به السماء، وقيل: أي متلبسة بالغمام، وقرئ ننزل مخففاً من الإنزال، مضارع أنزل، وقرئ نزل مشدداً ماضياً مبنياً للمفعول، وقرئ مبنياً للفاعل، وفاعله الله سبحانه، والملائكة منصوبة على المفعولية. وقرئ أنزل، وقرئ تنزلت الملائكة، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلاً، يدل على أن هذا التنزيل على نوع غريب، ونمط عجيب. قال أهل العلم: هذا تنزيل رضا ورحمة، لا تنزيل سخط وعذاب.
وعن ابن عباس [[حديث موقوف على ابن عباس ولا يعد حجة في مشاهد القيامة، وفي الأسانيد التي رواها ابن جرير وغيره مجاهيل وكذابون
" المطيعي ".]] قال في الآية: يجمع الله الخلق يوم القيامة، في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير، وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض، من الجن والإنس، وجميع الخلق، فيحيطون بالإنس والجن وجميع الخلق. فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا؟ فيقولون لا، ثم تنشق السماء الثانية، وذكر مثل ذلك، ثم كذلك في كل سماء، إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن، وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القثاء، وهم تحت العرش، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام. أخرجه الحاكم وابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهم.
25:26Page 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
(الملك يومئذ الحق للرحمن) أي الملك الثابت الذي لا يزول ولا يشركه فيه أحد، للرحمن يومئذ، لأن الملك الذي يزول وينقطع، ليس بملك في الحقيقة. ولأن السلطان الظاهر والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهراً وباطناً بحيث لا زوال له أصلاً، لا يكون إلا الله تعالى. فالملك مبتدأ، والحق صفته، وللرحمن خبره، ويومئذ متعلق بالملك، وفائدة التقييد بالظرف. أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره أيضاً ملك في الصورة، وإن لم يكن حقيقياً. وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف، والحق نعت للملك. والمعنى الملك الثابت للرحمن خاصة في هذا اليوم، وقيل الملك مبتدأ، والحق خبره، وللرحمن متعلق بالحق.
(وكان يوماً على الكافرين عسيراً) أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده، شديداً على الكفار لما يصابون به فيه وينالهم من العقاب، بعد تحقيق الحساب. وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة. وجاء في الحديث " أنه يهون يوم القيامة على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ".
25:27Page 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
(و) اذكر (يوم يعض الظالم على يديه) الظاهر أن العض هنا حقيقة ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله، قال عطاء: يأكل الظالم يديه، حتى يأكل مرفقيه، ثم ينبتان، ثم يأكلهما، وهكذا كلما نبتت يداه أكلهما تحسّراً على ما فعل، ذكره الخازن. وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة والأول أولى. والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل ذلك المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعن ابن عباس قال في الآية: هو أبيّ بن خلف، وعقب: بن أبي معيط وهما الخليلان في جهنم.
(يقول يا) قوم (ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً) أي طريقاً. وهو طريق الحق ومشيت فيه، حتى أخلص من هذه الأمور المضلة. والمراد اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به، يعني ليتني اتبعت محمداً صلى الله يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)
عليه وآله وسلم واتخذت في الدنيا معه طريقاً. إلى الهداية
25:28Page 362
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
(يا ويلتى) وقرئ يا ويلي، بالياء الصريحة. وقرئ بالإمالة، وتركها أحسن.
(ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً) دعا على نفسه بالويل والثبور وعلى مخاللة الكافر، الذي أضلّه في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. قال النيسابوري: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية. لا يقال جاءني فلان، ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان، لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم، وهو منصرف.
وقيل كناية عن نكرة من يعقل من المذكور، وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان، والفلانة بالألف واللام فكناية عن غير العقلاء. وفل يختص بالنداء إلا في ضرورة الشعر، وليس فل مرخماً من فلان خلافاً للفراء، وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك، وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل، وفي لامه وجهان؛ أحدهما: أنها واو. والثاني: أنها ياء، وحكم الآية عام في كل خليلين ومتحابين، اجتمعا على معصية الله عز وجل.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يحشر المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل " أخرجه أبو داود والترمذي [[الترمذي كتاب الزهد باب 25.]] ولهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تصاحب إلا مؤمناً. ولا يأكل طعامك إلا تقي " وروى الشيخان عن أبي [[الإمام أحمد 3/ 38 - الدارمي كتاب الأطعمة باب 23.]] موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة " [[مسلم 2628 - البخاري 1064.]]
25:29Page 362
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
(لقد) أي: والله لقد (أضلني) هذا الذي اتخذته خليلاً، تعليل لتنمية المذكور، وتوضيح لتعلله، وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندمه وحسرته. (عن الذكر) أي: القرآن أو كتاب الله، أو ذكره أو الموعظة أو كلمة الشهادة أو مجموع ذلك.
(بعد إذ جاءني) وتمكنت منه، وقدرت عليه بأن ردني عن الإيمان به (وكان الشيطان للإنسان خذولاً) بأن يتركه، ويتبرأ منه عند البلاء، والخذل: ترك الإغاثة، ومنه خذلان إبليس للمشركين، حيث يوالونه، ثم يتركهم عند استغاثتهم به، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو من تمام كلام الظالم، وأنه سمى خليله شيطاناً بعد أن جعله مضلاً، أو أراد بالشيطان إبليس، لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين.
25:30Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
(وقال الرسول) أي: يقول في يوم القيامة بثاً وشكاية لله مما صنع قومه، أو هو حكاية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا: (يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن) الذي جئت به إليهم وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به (مهجوراً) أي: متروكاً، لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه أو لم يعملوا به. وقيل من هجر إذا هذي، والمعنى أنهم اتخذوه هجراً وهذياناً. وقيل: المعنى مهجوراً فيه، وهجرهم فيه قولهم: إنه سحر، وشعر،
وأساطير الأولين.
25:31Page 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
(وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: أن الله جعل لكل نبي من الأنبياء الداعين إلى الله عدواً يعاديه من مجرمي قومه فلا تجزع يا محمد، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا. قال ابن عباس في الآية: كان عدو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى (وكفى بربك) الباء زائدة (هادياً) يهدي عباده إلى مصالح الدين والدنيا (ونصيراً) ينصرهم على الأعداء.
25:32Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
(وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)؟ هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم، أي: هَلاَّ أنزل الله عليه الكتاب دفعة واحدة غير منجم، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود عليهم السلام. واختلف في قائل هذه المقالة، فقيل كفار قريش، وقيل اليهود قالوا: هَلاَّ أتيتنا بالقرآن جملة واحدة؟ وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه، واعتراض منهم لا طائل تحته، لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقاً، مع أن للتفريق فوائد، منها أن نزوله بحسب الوقائع، يوجب مزيد بصيرة وغوص على المعنى ولأنه إذا نزل منجماً وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك في قوة قلبه، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة ثم رد الله سبحانه عليهم فقال:
(كذلك) إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي مثل ذلك التنزيل المفرّق، الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه (لنثبت) لنقوي (به) أي بهذا التنزيل على هذه الصفة (فؤادك) فإن إنزاله مفرقاً منجماً، على حسب الحوادث، أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه، وذلك من أعظم أسباب التثبيت، وقرأ ليثبت بالتحتية أي الله سبحانه.
وقيل قوله: (كذلك) هي من تمام كلام المشركين، والمعنى كذلك أي كالتوراة والإنجيل والزبور فيوقف على قوله: (كذلك) ثم يبتدأ بقوله: (لنثبت به فؤادك) على معنى أنزلناه عليك متفرقاً لهذا الغرض. قال ابن الأنباري: وهذا أجود وأحسن قال النحاس: وكان ذلك أي إنزال القرآن منجماً من إعلام النبوة لأنهم لا يسألونه عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم. قال ابن عباس: أي لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، والمعنى أنزلناه مفرقاً لتعيه وتحفظه. فإن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل القرآن على نبي إمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والنسوخ، ومنه ما هو جواب سؤال عن أمور تحدث في الأوقات المختلفة، ففرقناه ليكون أدعى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأيسر على العامل به.
(ورتلناه ترتيلاً) بديعاً، لا يقادر قدره ومعنى الترتيل أن تكون آية بعد آية، قاله النخعي والحسن وقتادة. وقيل إن المعنى بيناه تبييناً، وقال السدي: فصلناه تفصيلاً، وقال ابن عباس: رسلناه ترسيلاً يقول شيئاًً بعد شيء وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض قال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين، وقيل قرأناه عليك بلسان جبريل شيئاًً بعد شيء في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل لتيسر فهمه وحفظه، ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38)
25:33Page 363
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
(ولا يأتونك) أي لا يأتيك يا محمد المشركون (بمثل) من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة في إبطال أمرك (إلا جئناك) في مقابلة مثلهم (بالحق) أي بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاؤوا به من المثل، ويدمغه ويدفعه. فالمراد بالمثل هنا السؤال، والاقتراح، وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شهيته، ويحسم مادته، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والجملة في محل الحال. أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إيتائنا إياك ذلك.
(وأحسن تفسيراً) أي جئناك بأحسن تفسير بياناً وتفصيلاً. وبما هو معنى ومؤدى من مثلهم، أي من سؤالهم، وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلاً عليه، ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال
25:34Page 363
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
(الذين يحشرون) كائنين (على وجوههم) ومعنى الحشر على الوجوه أنهم يسحبون عليها ويطؤون الأرض على رؤوسهم، مع ارتفاع أقدامهم، بقدرة الله، ويساقون ويجرون عليها.
(إلى جهنم أولئك شر مكاناً) أي منزلاً، ومصيراً، ومسكناً وهو جهنم (وأضل سبيلاً) وأخطأ طريقاً من غيرهم، وهو كفرهم، وذلك لأنهم قد صلوا في النار. وهو من الإسناد المجازي. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سوره سبحان، وقد قيل: إن هذا متصل بقوله أصحاب الجنة يومئذ خيراً مستقراً وأحسن مقيلاً.
25:35Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
(ولقد) أي والله لقد (آتينا موسى الكتاب) أي التوراة كما آتيناك القرآن ذكر سبحانه طرفاً من قصص الأولين تسلية له - صلى الله عليه وسلم - بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً) أي عوناً وعضداً في الدعوة، وإعلاء الكلمة قاله قتادة، وقال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه، ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: كلا ولا وزر، وقد تقدم تفسير الوزير في طه، والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً، وقد كان هارون في أول الأمر وزيراً لموسى عليهما السلام، أو لاشتراكهما في النوبة لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه.
25:36Page 363
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
(فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا) وهم فرعون وقومه، يعني القبط (بآياتنا) هي التسع المذكورة التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون، بالذهاب فيحمل الماضي على معنى الاستقبال أي سيكذبون بها. وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بياناً لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل يجوز أن يراد إلى القوم الذين آلـ حالهم إلى أن كذبوا، وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري: وقوله تعالى في موضع آخر: (اذهب إلى فرعون إنه طغى). لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين، فكل واحد مأمور، ويمكن أن يقال: إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعاً.
(فدمرناهم تدميراً) في الكلام حذف، أي فذهبا إليهم فكذبوهما فأهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكاً عظيماً، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها، وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل. واستحقاق التدمير بتكذيبهم، وقيل إن المراد هنا الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدة.
25:37Page 363
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
(و) اذكر (قوم نوح لما كذبوا الرسل) أي كذبوا نوحاً وإنما جمع لطول لبثه فيهم، فكأنه رسل في المعنى، أو كذبوه. وكذبوا من قبله من رسل الله، لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد: قال الزجاج: من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء.
(أغرقناهم) بالطوفان، كما تقدم في هود (وجعلناهم) أي جعلنا إغراقهم، أو قصتهم (للناس) كلهم بعدهم (آية) أي عبرة يتعظ بها كل مشاهد لها، وسامع لخبرها (واعتدنا) في الآخرة (للظالمين) الكافرين أي قوم نوح خاصة، فيكون وضعاً للظاهر موضع الضمير تسجيلاً عليهم بوصف الظلم: ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب (عذاباً أليماً) هو عذاب الآخرة، سوى ما حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences