Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:38–53
25:38Page 363
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
(و) اذكر (عاداً) قوم هود (وثمود) قوم صالح، وقصتهما قد ذكرت فيما سبق، وثمود بالصرف على معنى الحي، وتركه على تأويله بالقبيلة قراءتان سبعيتان (وأصحاب الرسّ) هو في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية أي لم نبن بالحجارة والجمع رساس، كذا قال أبو عبيدة، وقيدها أهل اللغة، كصاحب القاموس، بأنها التي طويت، أي بنيت بالحجارة، فيؤخذ من مجموع النقلين أن الرسّ ابتداء الشيء، ومنه رسّ الحمى ورسيسها، والبئر المطوية بالحجارة انتهى قال السدي: هي بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، فنسبوا إليها، وهو صاحب يس الذي قال (يا قوم اتبعوا المرسلين)، وكذا قال مقاتل وعكرمة وغيرهما وقيل هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياءهم، فجفت أشجارهم، وزروعهم، فماتوا جوعاً وعطشاً.
وقيل كانوا يعبدون الشجر وقيل كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم شعيباً عليه السلام فكذبوه وآذوه، وقيل بئر بفلج اليمامة قرية عظيمة بناحية اليمن. أو موضع باليمن من مساكن عاد، وهم قوم أرسل الله إليهم نبياً فقتلوه وقيل هم أصحاب الأخدود؛ وقيل إن الرس هي البئر المعطلة التي تقدم ذكرها أو صحابها أهلها، وقال في الصحاح: الرس إسم بئر كانت لبقية ثمود، وقيل الرس ماء ونخل لبني أسد وقيل هو الثلج المتراكم في الجبال، أو الرس اسم واد قريب من البصرة قاله ابن كثير والرس أيضاً الإصلاح بين الناس، والإفساد بينهم فهو من الأضداد.
وقيل الرس نهر بالشرق وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر فبينما هم حول الرس -وهي البئر غير المطوية- فانهارت فخسف بهم وبمنازلهم وديارهم، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف العنقاء قال ابن عباس: الرس قرية من ثمود وعنه بئر بأذربيجان وعنه أنه سأل كعباً عن أصحاب الرس قال: صاحب يس، وورد عن محمد بن كعب القرظي في صاحب الرس خبر طويل مرفوع فيه نكارة وغرابة ولعل فيه إدراجاً كما قال ابن كثير في تفسيره والحديث أيضاً مرسل.
(وقروناً بين ذلك كثيراً) القرون جمع قرن أي أهل قرون يعني واذكر أقواماً، والقرن مائة سنة، قاله قتادة وقيل مائة وعشرون سنة قاله زرارة بن أوفى وقيل أربعون سنة وقيل سبعون سنة قاله قتادة أيضاً وقد روي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " القرن مائة سنة " وقال القرن خمسون سنة وقال القرن أربعون سنة، وما أظنه يصح شيء من ذلك وقد سمي الجماعة من الناس قرناً كما في الحديث الصحيح " خير القرون قرني " [[الترمذي كتاب الفتن باب 45 - البخاري كتاب الشهادات باب 9.]] وأخرج الحاكم في الكني عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ثم يقول: " كذب النسابون، قال الله وقروناً بين ذلك كثيراً والإشارة بقوله (بين ذلك) إلى ما تقدم ذكره من الأمم أي بين عاد وأصحاب الرس. وهم جماعات فلذلك حسن دخول (بين) عليه وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت أي ذلك المحسوب، أو المعدود.
وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
25:39Page 363
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
(وكُلاًّ) أي كل الأمم (ضربنا له الأمثال) أي القصص العجيبة من قصص الأولين التي تشبه الأمثال في الغرابة وبينا لهم الحجة فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة (وكُلاًّ تبرنا تتبيراً) التتبير الإهلاك بالعذاب، قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، ومنه التبر لفتات الذهب والفضة وقال المؤرج والأخفش: معناه دمرنا تدميراً أبدلت التاء، الباء من الدال والميم.
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
(ولقد أتوا على القرية) مستأنفة مبينة لمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم، وضمن أتى معنى مر لأنه يستعمل متعدياً بنفسه أو بإلى، والمعنى ولقد أتى مشركو مكة في أسفارهم إلى الشام، على قرية قوم لوط، وهي سدوم، وهي أعظم قرى قومه وكانت خمساً. أهلك الله أربعاً مع أهلها، وبقيت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعمل الخبائث.
(التي أمطرت مطر السوء) وهو الحجارة، قاله ابن عباس، والأمطار معناه الرمي، أي: هلكت بالحجارة، التي أمطروا بها، ورميت رمي الحجارة، والمعنى أعطيتها وأوليتها، مطر السوء، أي أمطاراً مثل مطر السوء وقد تقدم، تفسير السوء في براءة (أفلم يكونوا يرونها) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة. فإنهم يمرون بها مراراً أي: يرون آثارها، وآثار ما حل بأهلها، وقيل: للتقرير، أي: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، وهو ما بعد النفي، أي: ليقروا بأنهم رأوها حتى يعتبروا بها، والفاء للعطف على مقدر، أي لم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها، أو كانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، فالمنكر في الأول: ترك النظر وعدم الرؤية معاً، والمنكر في الثاني: عدم الرؤية مع تحقق النظر، الوجب لها.
(بل كانوا لا يرجون) أي: لا يأملون (نشوراً) أي بعثاً أضرب سبحانه عما سبق، من عدم رؤيتهم لتلك الآثار، إلى عدم رجاء البعث منهم، المستلزم لعدم رجائهم للجزاء، أو معنى يرجون يخافون، على اللغة التهامية
25:41Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
(وإذا رأوك إن) أي: ما (يتخذونك إلا هزواً) أي مهزواً بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزواً، قيل نزلت في أبي جهل، كان إذا مر مع أصحابه قال مستهزياً (أهذا الذي بعث)؟ أي بعثه (الله رسولاً) أي مرسلاً في دعواه، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به آ
25:42Page 363
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
(إن كاد) أي قالوا إنه كاد هذا الرسول (ليضلنا) ليصرفنا (عن آلهتنا) فنترك عبادتها بفرط اجتهاده والدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يورده مما يسبق إلى الذهن أنه حجج ومعجزات.
(لولا أن صبرنا عليها) أي حبسنا أنفسنا على عبادتها ثم إنه سبحانه أجاب عليهم بقوله: (وسوف يعلمون حين يرون العذاب) عياناً، أي عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه، ويستوجبونه، لسبب كفرهم (من أضل سبيلاً) أي أبعد طريقاً عن الحق والهدى، أهم؟ أم المؤمنون؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد، وإتباع الهوى، فقال معجباً لرسوله:
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
(أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قدم المفعول الثاني للعناية به كما تقول علمت منطلقاً زيداً قاله الزمخشري، أي أطاع هواه طاعة. كطاعة الإله، أي انظر إليه يا محمد، وتعجب منه والوجه الآخر أنه لا تقديم، ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف، قاله السمين فادعاء القلب ليس بجيد، لأنه من ضرورات الشعر وقال أبو السعود بالوجه الأول، ثم قال: ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويها في التعريف؛ فقد غاب عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة، أي أرأيت من جعل هواه إلهاً لنفسه، من غير أن يلاحظه، وبنى عليه أمر دينه، معرضاً عن استماع الحجة الباهرة، والبرهان النير بالكلية عن ابن عباس قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر، فأنزل الله الآية، وعنه قال: ذلك الكافر لا يهوى شيئاًً إلا اتبعه، وعن الحسن مثله.
(أفأنت تكون عليه وكيلاً)؟ أي حفيظاً، وكفيلاً، حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر وتحفظه من اتباع الهوى، وعبادة ما يهواه من دون الله، والاستفهام للإنكار والاستبعاد، فالمعنى لست تقدر على ذلك، ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ، وقد قيل أن هذه الآية منسوخة بآية القتال. قاله الكلبي، ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال:
25:44Page 364
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
(أم تحسب أن أكثرهم يسمعون)؟ " ما تتلو عليهم من آيات القرآن، ومن المواعظ سماع تفهم، واعتبار " (أو يعقلون) معاني ذلك ويفهمونه، حتى تعتني بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وليسوا كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع، ولا يعقل. وتخصيص الأكثر بالذكر، لأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق، وكابر استكباراً وخوفاً على الرياسة، ثم بين سبحانه حالهم، وقطع مادة الطمع فيهم فقال:
(إن هم) أي ما هم في الانتفاع بما يسمعون (إلا كالأنعام) التي هي مسلوبة العقل والفهم، فلا تطمع فيهم فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم، ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك، كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم، بأنهم كالأنعام، إلى ما هو فوق ذلك؛ فقال:
(بل هم أضل) من الأنعام (سبيلاً) أي طريقاً قال مقاتل: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها ومشاربها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم؛ الذي خلقهم؛ ورزقهم، والمعنى أنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن، وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها، ولا ذم عليها، وهؤلاء مقصرون، ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم.
وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها، وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة، لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء، فإنهم اعتقدوا البطلان عناداً ومكابرة، وتعصباً. وغمطاً للحق. وقيل إن الأنعام تسجد وتسبح، والكفار لا يفعلون ذلك، وقيل الملائكة روح، وعقل، والبهائم نفس، وهوى، والآدمي مجمع الكل ابتلاء، فإن غلبته النفس والهوى، فضلته الأنعام، وإن غلبته الروح وضلالتهم، أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، وحاصل ما ذكر منها خمسة، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
25:45Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
(ألم تر إلى ربك كيف) أي: على أي وجه (مد الظل)؟ هذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك؟ أو ألم تبصر إلى الظل؟ كيف مده ربك؟ وإما قلبية، بمعنى العلم، فإن الظل متغير وكل متغير حادث ولكل حادث موجد. قال الزجاج: (ألم تر): ألم تعلم؟ وهذا من رؤية القلب، قال: وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك، يعني الظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، وبه قال الحسن وقتادة. وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها، قال القرطبي: والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر، وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب، وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر.
قال أبو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي فيئاً لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب، وقال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس، وعن رؤبة. قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء، وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، انتهى. وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، وأطيب الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحس، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري، ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصفت به الجنة في قوله:
(وظل ممدود) قال أبو السعود، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فغير سديد، إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظم قدرة الله عز وجل، وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها، في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر؛ وإن كان في الحقيقة ظلاً للأفق الشرقي، لكنهم لا يعدونه ظلاً، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة، انتهى.
وعن ابن عباس قال: كيف مد الظل أي: بعد الفجر، قبل أن تطلع
الشمس، وعنه قال: ألم تر أنك إذا صليت الفجر، كان ما بين مطلع
الشمس إلى مغربها ظلاً؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً فقبض الظل.
وعنه قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبه قال الجمهور، واعترض عليه بأنه لا يسمى ظلاً لأنه من بقايا الليل واقع في غير النهار، ومعنى الآية كيف أنشأ ظلاً لأي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتداً، وأنه تعالى مده، بعد أن لم يكن كذلك، كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم.
(ولو شاء) سكونه (لجعله ساكناً) ثابتاً دائماً لا يزول، ومستقراً لا تنسخه الشمس، ولا يذهب عن وجه الأرض، وقيل: المعنى ولو شاء لمنع الشمس الطلوع، فلا يزول، أو جعلها مسلوبة الضوء، والأول أولى، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار شائع، ومنه قولهم: سكن فلان بلد كذا إذا أقام به، واستقر فيه (ثم جعلنا الشمس عليه) أي على الظل بنسخها إياه عند مجيئها (دليلاً) أي: حجة وبرهاناً. وعلامة يستدل بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها، كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص والمعنى أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، فالأشياء تعرف بأضدادها، ولم يؤنث الدليل، وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق.
25:46Page 364
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
(ثم قبضناه) أي: ذلك الظل الممدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس، موقعه بالتدريج حتى انتهت تلك الأظلال إلى العدم والاضمحلال، ومعنى (إلينا) أن مرجعه إليه سبحانه، كما أن حدوثه منه، وجاء بثم استعارة تبعية لتفاضل ما بين الأمور الثلاثة، مد الظل، وجعل الشمس عليه دليلاً وقبضه يسيراً، فكان الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، أو لتفاضل مبادي أوقات ظهورها، وقيل: المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة قبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة، والأول أولى، وقيل: المعنى أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً جزءاً فجزءاً، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار.
وقال قوم: قبضه بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله لمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئاًً فشيئاًً قاله مالك وإبراهيم التيمي. وقيل: المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء.
(قبضاً يسيراً) أي: قليلاً قليلاً على تدريج بقدر ارتفاع الشمس، لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، وقيل: يسيراً أي سريعاً، قاله الضحاك، وقيل: المعنى يسيراً علينا، ليس بعسير. وقال قتادة: أي خفيفاً، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة، وهو قول مجاهد.
25:47Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
(وهو الذي جعل لكم الليل لباساً) شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. قال ابن جرير: وصف الليل باللباس تشببها من حيث إنه يستر الأشياء ويغشاها (و) جعل (النوم سباتاً) أي: راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وأصل السبات التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها، أي: نقضته وأرسلته. ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة، وقيل للنوم سبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة، وقيل السبت القطع - فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال قال الزجاج: السبات النوم الخفيف، وهو أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه، أو ابتداؤه في الرأس، حتى يبلغ القلب، أي: جعلنا نومكم راحة لكم.
وقال الخليل: السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام، والراحة، وقيل السبات الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، هو كقوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) ويعضده ذكر النشور في مقابلته، ذكره الزمخشري، والنسفي (وجعل النهار نشوراً) أي: ذا نشور وانتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أي جعله زمان بعث من ذلك السبات شبه اليقظة بالحياة، كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية دنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر، قال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
25:48Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
(وهو الذي أرسل الرياح بشراً) جمع بشور، وقرئ نشراً بالنون (بين يدي رحمته) أي متفرقة قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر، وهذه استعارة مليحة، والمراد بالرياح الجنس، وهي الصبا والجنوب والشمال، بخلاف الدبور، فإنها ريح العذاب التي أهلكت بها عاد. والشمال تأتي من ناحية الشام والجنوب تقابلها وهي اليمانية، والصبا تأتي من مطلع الشمس وهي القبول أيضاً، والدبور تأتي من ناحية المغرب، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال هي الريح. وقد تذكر على معنى الهواء فيقال: هو الريح وهب الريح نقله أبو زيد وقال ابن الأنباري: إنها مؤنثة لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكّر، قد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف.
(وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) وصف الماء به إشعاراً بالنعمة وتتميماً للمنة بما بعده. فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته. وفيه تنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها، فبواطنهم أولى بذلك، قال الأزهري: الطهور في اللغة المطهر، قال: وفعول في كلام العرب لِمَعانٍ منها فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به، والوضوء لما يتوضأ به قال ابن الأنباري: الطَهور بفتح الطاء الاسم وكذلك الوضوء والوقود، وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة، ويدل له ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. [[أبو داوود كتاب الطهارة باب 41.
الترمذي كتاب الطهارة 52.
النسائي كتاب الطهارة باب 46.]] وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر. واستدل لذلك بقوله تعالى (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) يعني طاهراً وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره. قال الله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (خلق الماء طهوراً) وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر قضاعة، وهي بئر تلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " [[أبو داوود كتاب الطهارة باب 34 - الإمام أحمد 3/ 31 - 4/ 17.]] وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفاه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وتبعه الشوكاني في شرحه على المنتقى، ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال:
25:49Page 364
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
(لنحيي به) أي الماء المنزل من السماء (بلدة ميتاً) وصف البلدة بالميت، وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد. وقال الزجاج: أراد بالبلد المكان أو يستوي فيه المذكر والمؤنث والمراد بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه (ونسقيه) بضم النون، وقرئ بفتحها والضمير المنصوب راجع إلى الماء (مما خلقنا أنعاماً) أي بهائم أي إبلاً، وبقراً وغنماً، وقد تقدم الكلام عليها، وخصها بالذكر لأنها ذخيرتنا. ومدار معاش أكثر أهل المدر، ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض فإنها سبب لحياتها وتعيشها فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم.
(وأناسي كثيراً) جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه، وهو الراجح وقال المبرد، والفراء والزجاج: إنه جمع إنسي أي بياء النسب وفيه أن ما هي فيه لا يجمع على فعاليَّ، وللفراء قول آخر، أنه جمع إنسان والأصل على الأول أناسين مثل سرحان وسراحين، وبستان وبساتين، فجعلوا الياء عوضاً من النون.
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)
25:50Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
(ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) أي كررنا أحوال الإظلال. وذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر في القرآن، وفي سائر الكتب السماوية، ليتفكروا أو يعتبروا، وقرئ صرفناه مثقلاً ومخففاً، وكذا ليذكروا مخففة من الذكر، ومثقلة من التذكر، وقيل ضمير صرفناه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم، في البلدان المختلفة. والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطش وطل وجود ورذاذ. وديمة فنزيد منه في بعض البلدان، وننقص في بعض آخر منها.
وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، وقد جرى ذكره في أول السورة حيث قال (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) وقوله (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) وقوله: (اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) والمعنى ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس، ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، وقيل هو راجع إلى الريح، وعلى رجوع الضمير إلى المطر. فقد اختلف في معناه فقيل ما ذكرناه وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به، في الشرب والسقي. والزراعات، والطهارات عن ابن عباس قال: ما من عام بأقل مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية.
(فأبى أكثر الناس إلا كفوراً) أي كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها قال عكرمة: إن المراد هو قولهم في الأفواه: مطرنا بنوء كذا، قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً أن الكفر هنا قولهم مطرنا بنوء كذا، والنوء كما في المختار سقوط نجم من المنازل في المغرب، وطلوع رقيبة من المشرق في ساعته في كل ثلاثة عشر يوماً، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منهما وقيل إلى الطالع لأنه في سلطانه والجمع أنواء.
25:51Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
(ولو شئنا لبعثنا) أي في زمنك (في كل قرية نذيراً) أي رسولاً ينذرهم ليكون الرسل المبعوثون معاونين لك، فتخف عليك أعباء النبوة. كما قسمنا المطر بينهم، ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيراً واحداً وهو أنت يا محمد، وقصرنا الأمر عليك إجلالاً لك، وتعظيماً لشأنك وتفضيلاً لك على سائر الرسل، وليعظم أجرك، فقابل ذلك بشكر النعمة وبالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق.
25:52Page 364
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
(فلا تطع الكافرين) فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم، بل اجتهد في الدعوة واثبت فيها ولا تضجر (وجاهدهم به) أي بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع، والنواذر والزواجر والأوامر والنواهي، وقيل الضمير يرجع إلى الله أو الإسلام أو إلى السيف. والأول أولى، وهذه السورة مكية والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة، وقيل راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله فلا تطع الكافرين، وقيل الضمير يرجع إلى ما دل عليه ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً، من كونه نذير كافة القرى لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها، وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات فكبر جهاده وعظم فكأنه قال له: وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهاداً جامعاً. لكل مجاهدة ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد.
(جهاداً كبيراً) أي شديداً عظيماً موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيوف وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم، ثم ذكر سبحانه دليلاً رابعاً على التوحيد فقال.
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
(وهو الذي مرج البحرين) أي أرسلهما متجاورين أو خلاهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرَج أي خلى وخلط وأرسل يقال مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء قال مجاهد: أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر، وقال ابن عرفة: خلطهما فهما يلتقيان، يقال مرجته إذا خلطته، ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب، ومنه قوله تعالى (في أمر مريج) وقال الأزهري: مرج البحرين خلى بينهما لا يلتبس أحدهما بالآخر، يقال: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وقال ثعلب: المرج الإجراء فالمعنى أجراهما، وقال الأخفش: وتقول قوم أمرج مثل مرج فعل وأفعل بمعنى.
(هذا عذب فرات) هو البليغ العذوبة، المائلة إلى الحلاوة. والجملة مستأنفة كأنه قيل: كيف مرجهما؟ فقيل: هذا عذب الخ، أو حال بتقدير مقولاً فيهما. قيل سمى الماء الحلو فراتاً، لأنه يفرت العطش، أي يقطعه، ويشقه ويكسره ولا يجمع إلا نادراً على فرتان كغربان (وهذا ملح أجاج) أي بليغ الملوحة، وقيل البليغ في الحرارة وقيل البليغ في المرارة. وقرئ ملح بفتح الميم وكسر اللام. قال ابن عباس: خلع أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب، وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال: عذب فرات، وملح أجاج.
(وجعل بينهما برزخاً) هو الحاجز والحائل، الذي جعله الله بينهما من قدرته، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ولا يحس (وحجراً محجوراً) أي ستراً مستوراً، يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فلا يبغي أحدهما على الآخر، ولا يفسد الملح العذب، فالبرزخ الحاجز والحجر المانع.
وقيل معناه ما تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ، كان كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له هذا القول، وهو استعارة تمثيلية. وقيل حداً محدوداً، وقيل المراد من البحر العذب، الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج، البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض. وقيل معناه حراماً محرماً أن يعذب هذا المالح بالعذب أو يملح هذا العذب المالح. ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) وعن ابن عباس قال: حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه، ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان من الماء فقال:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences