Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
25:1Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
سورة الفرقان
(سبع وسبعون آية)
وهي مكية كلها في قول الجمهور، نزلت قبل الهجرة، وبه قال ابن الزبير وقال القرطبي وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة وهي (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) الآيات.
وأخرج البخاري ومسلم ومالك والشافعي وابن حبان والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم، فاستمعت لقراءته. فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه. فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت: فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أرسله، اقرأ يا هشام "، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كذلك أنزلت "، ثم قال: أقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤا ما تيسر منه " [[مسلم 818 - البخاري 1195.]].
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
(تبارك الذي نزّل الفرقان) تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة ثم في المعاد، لأنه الخاتمة وأصل تبارك مأخوذ من البركة. وهي النماء والزيادة. حسيّة كانت أو عقلية. قال الزجاج: تبارك تفاعل من البركة، وبه قال ابن عباس، قال: ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير، وقال الفراء: إن تبارك وتقدس في العربية واحد. ومعناهما العظمة. وقيل المعنى تبارك عطاؤه، أي زاد وكثر، وقيل دام وثبت.
قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة، والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل، أي دام وثبت، واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة، وليس من ذا في شيء. قال العلماء: هذه اللفظة لا تستعمل إلا لله سبحانه، ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي. والمعنى تعالى الله عما سواه في ذاته وصفاته، وأفعاله التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم المعجز الناطق بعلو شأنه تعالى، وسمو صفاته، وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، والفرقان القرآن وسمي فرقاناً لأنه يفرق بين الحق والباطل بأحكامه أو بين المحقِّ والمبطل.
قال قتادة: هو القرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه وقيل لأنه نزل مفرقاً في أوقات كثيرة، ولهذا قال: (نزّل) بالتشديد لتكثير التفريق.
(على عبده) محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم علل التنزيل بقوله، (ليكون للعالمين نذيراً) فإن النذارة هي الغرض المقصود من الإنزال والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل إليهما، قال المحلي: دون الملائكة، ولم يكن غيره من الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام مرسلاً إلى الثقلين.
والنذير المنذر أي ليكون محمد - صلى الله عليه وسلم - منذراً أي وبشيراً أو ليكون إنزال القرآن منذراً أو ليكون إنزاله إنذاراً أو ليكون محمد - صلى الله عليه وسلم - إنذاراً وجعل الضمير للنبي - صلى الله عليه وسلم - أولى، لأن صدور الإنذار منه حقيقة ومن القرآن مجاز.
والحمل على الحقيقة أولى، أو لكونه أقرب مذكور قال قتادة: بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم.
وقيل إِنّ رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. ويصح رجوعه للمنزِّل وهو الله وقوله (للعالمين) متعلق بـ (نذيراً) قدم عليه لرعاية الفاصلة. ثم إنه سبحانه وصف ذاته الكريمة بصفات أربع.
الأولى:
25:2Page 359
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.
(الذي له ملك السماوات والأرض) دون غيره لا استقلالاً، ولا تبعاً فهو المتصرف فيهما، وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البقاء وغيره.
(و) الصفة الثانية: (لم يتخذ ولداً) فيه رد على اليهود والنصارى.
(و): (لم يكن له شريك في الملك) فيه رد على طوائف المشركين من الثنوية والوثنية وعباد الأصنام، وأهل الشرك الخفي. فأثبت له الملك بجميع وجوهه، ثم نفى ما يقوم مقامه فيه، ثم نبه على ما يدل عليه فقال.
(وخلق كل شيء) من الموجودات مما تطلق عليه صفة المخلوق، وهي الصفة الرابعة: (فقدره تقديراً) أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته، على ما أراده وهيأه لما يصلح له، وسواه تسوية لا اعوجاج فيه، ولا زيادة على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولا نقصاً عن ذلك في بأبي الدنيا والدين. وقيل: أحلله إحداثاً مراعى فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة، فقدره وهيأه لما أراد منه، من الخصائص والأفعال أو فقدره للبقاء إلى أجل مسمى.
قال قتادة: بيّن الله لكل شيء من خلقه صلاحه وجعل ذلك بقدر معلوم. قال الواحدي: قال المفسرون: قدر له تقديراً من الأجل والرزق فجرت المقادير على ما خلق، وقيل أريد بالخلق هنا مجرد الإحداث والإيجاد مجازاً من غير ملاحظة معنى التقدير، وإن لم يخل عنه في نفس الأمر، فيكون المعنى أوجد كل شيء فقدره، لئلا يلزم التكرار هذا أوضح دليل على المعتزلة في خلق أفعال العباد، ثم صرح سبحانه في تزييف مذاهب عبدة الأوثان فقال:
25:3Page 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
(واتخذوا من دونه) الضمير للكفار، أو المنذرين أو للمشركين، وإن لم يتقدم لهم ذكر لدلالة العالمين، ونفي الشريك، والنذير عليهم أي اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين الله (آلهة) قال قتادة: هي الأوثان التي تعبد من دون الله (لا يخلقون شيئاً) أي لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وغلب العقلاء على غيرهم لأن في معبودات الكفار الملائكة وعزيراً والمسيح.
(وهم يخلقون) أي يخلقهم الله سبحانه قال قتادة: أي هو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تُخْلَقَ ولا تَخْلُق شيئاً ولا تضر ولا تنفع، وقيل عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جرياً على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع، وقيل المعنى عبدتهم يصورونهم وينحتونهم، ثم لما وصف سبحانه نفسه الكريمة بالقدرة الباهرة وصف الآلهة المشركين بالعجز البالغ فقال:
(ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً) أي لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعاً ولا يدفعوا عنها ضرراً، وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم وهذا يدل على غاية عجزهم، ونهاية ضعفهم، ثم زاد في بيان عجزهم فنص على هذه الأمور فقال:
(ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً) أي لا يقدرون على إماتة الأحياء، ولا إحياء الموتى، ولا بعثهم من القبور، لأن النشور هو الإحياء بعد الموت، يقال: أنشر الله الموتى، فنشروا. وقدم الموت لمناسبته للضر المتقدم ولما فرغ سبحانه من بيان التوحيد وتزييف مذاهب المشركين، شرع في ذكر شبه منكري النبوة، فالشبهة الأولى ما حكاه عنه بقوله:
25:4Page 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
(وقال الذين كفروا) أي مشركو العرب (إن هذا) أي ما هذا القرآن (إلا إفك) أي كذب (افتراه) أي اختلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - (وأعانه عليه) أي على الاختلاق (قوم آخرون) يعنون من اليهود قيل وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، وجبر مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مر الكلام على مثل هذا في سورة النحل، ثم رد الله سبحانه عليهم فقال:
(فقد جاؤوا ظلماً وزوراً) أي فقد قالوا ظلماً هائلاً عظيماً وكذباً ظاهراً، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة بل على أن الثاني هو عين الأول حقيقة، وإنما الترتب بحسب التغاير الاعتباري و (قد) لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور، وانتصاب (ظلماً) جاؤوا فإن (قد) لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور، وانتصاب (ظلماً) بجاؤوا فإن جاء قد تستعمل استعمال أتى، وتعدى تعديته، وقال الزجاج: الأصل جاؤوا بظلم، وقيل على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلماً لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه. فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو الظلم.
وقيل هو جعل الكلام المعجز إفكاً مختلقاً متلفقاً من اليهود، وأما كون ذلك منهم زوراً فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة، ثم ذكر الشبهه الثانية فقال:
25:5Page 360
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
(وقالوا أساطير الأولين) أي أحاديثهم، وما سطروه من الأخبار مثل خبر رستم وإسفنديار. قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة، مثل أحاديث وأحدوثة، وقال غيره: جمع أسطار، مثل أقاويل وأقوال (اكتتبها) أي استكتبها أو كتبها لنفسه، أو المعنى جمعها من الكتب، وهو الجمع لأمر الكتابة بالقلم، والأول أولى. ومحل اكتتبها النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر ثان. وقرئ اكتتبها مبنياً للمفعول والمعنى اكتتبها له كاتب، لأنه كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ.
(فهي تملى عليه) أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب. لكونه أمياً لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه. أو المعنى أراد اكتتابها فهي تملي عليه لأنه يقال أمليت عليه فهو يكتب (بكرة وأصيلاً) أي غدوة وعشياً، كأنهم قالوا: إن هؤلاء يعلمون محمداً - صلى الله عليه وسلم -، طرفي النهار، وقيل معنى بكرة وأصيلاً دائماً في جميع الأوقات فأجاب الله سبحانه عن هذه الشبهة بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
25:6Page 360
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
(قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض) أي ليس ذلك مما يفترى، ويفتعل، بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة مثله، وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة، لا يبلغ إليها عقول البشر، والسر: الغيب، أي يعلم الغيب الكائن فيهما.
(إنه كان غفوراً رحيماً) تعليل لتأخير العقوبة أي: إنكم، وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والظلم له فإنه لا يعجل عليكم بذلك لأنه كثير المغفرة والرحمة، ثم لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن، ذكر ما طعنوا به على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال:
25:7Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
(وقالوا مال هذا الرسول)؟ في الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسموه رسولاً استهزاء وسخرية، وحاصل ما ذكر هنا ستة قبائح، والأخيرة هي قوله (إلا رجلاً مسحوراً) وقد ردّ الله عليهم هذه الستة إجمالاً في البعض، وتفصيلاً في البعض، والمعنى، أي شيء. وأي سبب حصل، لهذا الذي يدعى الرسالة حال كونه (يأكل الطعام) كما نأكله.
(ويمشي في الأسواق) ويتردد فيها لطلب المعاش كما نتردد، زعموا أنه كان يجب أن يكون الرسول ملكاً مستغنياً عن الطعام، والكسب، والاستفهام للإنكار، وهو يرجع إلى السبب مع تحقق المسبب، وهو الأكل والمشي، ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم، تهكماً واستهزاء، والمعنى: أنه إن صح ما يدعيه من النبوة فما باله يخالف حاله حالنا؟ (لولا) للتحضيض، هذا ما استظهره ابن هشام، بعد نقله عن الهروي أنها للاستفهام أي: هلا.
(أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) طلبوا أن يكون النبي مصحوباً بملك. يعضده ويساعده، تنزلوا عن اقتراح كون الرسول ملكاً، مستغنياً عن الأكل والكسب، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه، ويشهد له بالرسالة
25:8Page 360
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
(أو يلقى إليه كنز) تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء، ليستغني به عن طلب الرزق.
(أو تكون له جنة يأكل منها) قرأ الجمهور بالفوقية، وقرئ بالتحتية لأن تأنيث الجنة غير حقيقي، وقرئ نأكل بالنون، أي: بستان نأكل نحن من ثماره، وبالتحتية، أي: يأكل هو وحده منه، ليكون له بذلك مزية علينا، حيث يكون أكله من جنته: قال النحاس: والقراءتان حسنتان، وإن كانت القراءة بالياء أبين، لأنه قد تقدم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، فعود الضمير إليه أبين.
عن ابن عباس قال: إن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب، والنضر ابن الحرث، وأبا البختري والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ومنبه بن الحجاج، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه، وخاصموه، حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه، إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك.
قال: فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف. فنحن نسودك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم! ولا الشرف فيكم! ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك، أو قالوا: فإذا لم تفعل هذا، فسل نفسك، وسل ربك، أن يبعث معك ملكاً يصدقك، بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً، من ذهب وفضة، يغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك، ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولاً، كما تزعم.
فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً " فأنزل الله في ذلك هذه الآية أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر.
(وقال الظالمون) المراد بهم هنا هم القائلون بالمقالات الأول، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به: (إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً) أي مخدوعاً مغلوباً على عقله بالسحر، وقيل ذا سحر، وهي الرئة، أي: بشراً له رئة لا ملكاً، فالمراد بالسحر هنا لازمه، وهو اختلال العقل وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان.
25:9Page 360
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
(انظر كيف) استعظام للأباطيل التي اجترؤا على التفوه بها، وتعجب منها أي: أنظر كيف (ضربوا لك الأمثال) وقالوا: في حقك تلك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول، الجارية مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات، والأحوال الشاذة، البعيدة من الوقوع، ليتوصلوا بها إلى تكذيبك والأمثال هي الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه هاهنا من المفتري، والمملى عليه، والمسحور.
(فضلوا) عن الصواب، فلا يجدون طريقاً إليه، ولا وصلوا إلى شيء منه، بل جاؤوا بهذه المقالات الزائفة، التي لا تصدر عن أدنى العقلاء، وأقلهم تمييزاً، ولهذا قال (فلا يستطيعون سبيلاً) يعني لا يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقاً من الطرق.
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
(تبارك) أي تكاثر خير (الذي إن شاء جعل لك) في الدنيا معجلاً (خيراً من ذلك) الذي اقترحوه من الكنز والبستان، ثم فسر الخير فقال (جنات تجري من تحتها الأنهار) أي في الدنيا لأنه تعالى شاء أن يعطيه إياها في الآخرة (ويجعل لك قصوراً) قد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع فجعل هاهنا في محل جزم ورفع فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم كما قرأ الجمهور، وأن يرفع كما قرأ ابن كثير، والقصر البيت من الحجارة، لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه. وقيل هو بيت الطين. وبيوت الصوف، والشعر.
عن خيثمة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا نعطيها أحداً بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً وإن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال: " اجمعوها لي في الآخرة " فأنزل الله سبحانه هذه الآية أخرجه الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم. ثم أضرب الله سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء فقال:
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
(بل كذبوا بالساعة) أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل، ولا يتأملون فيها، ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة فقال (وأعتدنا) أي: والحال إنا أعتدنا، وهيأنا وخلقنا (لمن كذب بالساعة سعيراً) قال أبو مسلم: أي جعلناه عتيداً، ومعداً لهم، انتهى. والسعير هي النار المتسعرة المشتعلة، والنار موجودة اليوم إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
لهذه الآية، كما أن الجنة كذلك لقوله تعالى (أعدت للمتقين) ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع وإعداد السعير لهم وإن لم يكن لخصوص تكذيبهم بالساعة بل لأي تكذيب بشيء من الشريعة، لكن الساعة لما كانت هي العلة القريبة لدخولهم السعير، اقتصر على ترتيب الإعداد على التكذيب بها.
25:12Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
(إذا رأتهم) قيل: معناها إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر في البعد، وقيل: المعنى إذا رأتهم خزنتها وقيل: إن الرؤية هنا حقيقية وكذلك التغيظ والزفير، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا الإدراك، وهو الأرجح ومعنى (من مكان بعيد) أنها رأتهم وهي بعيدة عنهم، قيل: بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام، وقيل: عام.
وعن ابن عباس قال: من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر، فترى تزفر زفرة لا تبقى قطرة من دمع إلا بدت، ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر.
وعن رجل من الصحابة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً "، قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: " نعم أما سمعتم الله يقول: (إذا رأتهم من مكان بعيد)؟ " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير من طريق خالد بن دريك ونحوه عند رزين في كتابه وصححه ابن العربي في قبسه، وله لفظ بمعناه.
وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر. وبالمصورين " [[الترمذي كتاب جهنم باب 1 - الإمام أحمد 2/ 336 - 3/ 40.]] وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح.
(سمعوا لها تغيظاً) أي: غلياناً كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب، يعني: إن لها صوتاً يدل على التغيظ على الكفار أو لغليانها صوتاً يشبه صوت المغتاط. (وزفيراً) الصوت، أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وقال قطرب: أراد علموا لها تغيظاً، وسمعوا لها زمراً، وقيل المعنى فيها تغيظاً، وزفيراً للمعذبين، كما قال لهم فيها زفير وشهيق، وفي واللام، متقاربان بأن تقول هذا الله وفي الله
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
(وإذا ألقوا منها) أي طرحوا (مكاناً ضيقاً) وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة، وتناهي البلاد عليهم.
وعن يحيى بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما سئل عن هذه الآية قال: " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط " وعن ابن عباس " أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح "
(مقرنين) أي حال كونهم قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد. وقيل: مكتفين. وقيل قرنوا مع الشياطين، أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم (دعوا هنالك) أي في ذلك المكان الضيق (ثبوراً) أي هلاكاً، كما قال الزجاج، وقال ابن عباس: ثبوراً، أي ويلاً. وقيل ثبرنا ثبوراً وقيل مفعول له، والمعنى أنهم يتمنون هنالك الهلاك، وينادونه لما حل بهم من البلاء، ويقولون يا ثبوراه. أي إحضر، فهذا أوانك، لكنهم لا يهلكون. وأجيب عليهم بقوله:
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
(لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً) والقائل لهم هم الملائكة خزنة جهنم، أي اتركوا دعاء ثبوراً واحداً (وادعوا ثبوراً كثيراً) والثبور مصدر يقع على القليل والكثير، فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً، فالكثرة هاهنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب كثرته في نفسه، فإنه شيء واحد، والمعنى لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحداً، وادعوه أدعية كثيرة. فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته وعدم تناهيه. وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وهو خلاف ظاهر القرآن.
وقيل إن المعنى أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، بل هو ثبور كثير لأن العذاب أنواع كثيرة، كل نوع منها ثبور لشدته أو لأنه يتجدد لقوله تعالى (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب) أو لأنه ينقطع فهو في كل وقت ثبور، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه.
أخرج أحمد، والبزار والبيهقي، وغيرهم قال السيوطي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم. حتى يقف على الناس، فيقول: يا ثبوراه ويقولون: يا ثبورهم، فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، وادعوا ثبوراً كثيراً [[الإمام أحمد 3/ 152 - 3/ 153 - 3/ 249.]] " ثم وبخهم الله سبحانه توبيخاً بالغاً، على لسان رسوله فقال:
25:15Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
(قل أذلك) أي السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة (خير أم جنة الخلد) وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها. وعدم انقطاعه. والمجيء بلفظ (خير) هنا مع أنه لا خير في النار أصلاً لأن العرب قد تقول ذلك. ومنه ما حكاه سيبويه عنهم، أنهم يقولون: السعادة أحب إليك أم الشقاوة؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه. وقيل ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك عنده خير قال النحاس وهذا قول حسن.
(التي وعد) أي وعدها (المتقون) فالراجع إلى الموصول محذوف ثم قال سبحانه (كانت) أي تلك الجنة (لهم) أي للمتقين (جزاء) على أعمالهم (ومصيراً) يصيرون إليه وهذا في علم الله، أو في اللوح المحفوظ قبل خلقهم بأزمنة متطاولة، أو قال ذلك لأن ما وعد الله به فهو في تحققه كأنه قد كان.
25:16Page 361
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
(لهم فيها) أي في الجنة (ما يشاءون) أي ما يشاؤونه من النعم، وضروب الملاذ كما في قوله ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم. ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبتها، لأن الظاهر أن الناقص لا يدرك شيئاً مما هو للكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، قال الشهاب: وإنه تعالى لا يلقي في خواطرهم أن ينالوا رتبة من هو أشرف منهم، ولا يتلفتوا إلى حال غيرهم (خالدين) أي في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائماً إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم وقد تقدم تحقيق معنى الخلود.
(كان) أي ما يشاؤونه، وقيل كان الخلود وقيل الوعد المدلول عليه وبقوله (وعد المتقون) (على ربك وعداً مسؤولاً) أي الوعد الحقيقي بأن يسئل وبطلب كما في قوله (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، وقيل إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله (وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) وقيل المراد به الوعد الواجب وإن لم يسأل، وقال ابن عباس: يقول تعالى سلوا الذي وعدتكم تنجزوه.
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
25:17Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
(ويوم يحشرهم) أي اذكر، وتعليق التذكير باليوم، مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد، كما مر مراراً (وما يعبدون من دون الله) غلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيهاً على أنها جميعاً مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل. أكثر ممن يعبد من يعقل منها. فغلبت اعتباراً بكثرة من يعبدها، وقال مجاهد، وابن جريج: المراد الملائكة والإنس والجن، والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد، وقال الضحاك وعكرمة والكلبي: المراد الأصنام خاصة، وأنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم، فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، وقيل عام و (ما) يتناول العقلاء وغيرهم؛ لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم.
(فيقول) الله تعالى إثباتاً للحجة على العابدين؛ وتقريعاً وتبكيتاً لهم (أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والمعنى أن كان ضلالهم بسببكم؛ وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم (أم هم ضلوا السبيل) أي طريق الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق والتدبّر فيما يتوصل به إلى الصواب
25:18Page 361
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
(قالوا) أي المعبودون مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى (سبحانك) التعجب مما قيل لهم، لكونهم ملائكة. أو أنبياء معصومين، أو جمادات لا تعقل، أي تنزيهاً لك.
(ما كان ينبغي) وقرئ مبنياً للمفعول قال ابن خالويه: زعم سيبويه أنها لغة، أي ما صح ولا استقام (لنا أن نتخذ من دونك) أي متجاوزين إياك (من أولياء) فنعبدهم فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك، والولي يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور (نتخذ) مبيناً للفاعل وقرئ مبنياً للمفعول. والمعنى أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك، وقال أبو عبيدة: لا تجوز هذه القراءة وبه قال أبو عمرو بن العلاء، وعيس بن عمر؛ لأنه سبحانه ذكر (من) مرتين، ولو كانت صحيحة لقال أن نتخذ من دونك أولياء أي لحذفت من الثانية، وقيل إنها زائدة، ثم حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال:
(ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل، ولم يضلهم غيرهم، والمعنى ما أضللناهم؛ ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم، ووسعت عليهم الرزق، وأطلت لهم العمر، حتى غفلوا عن ذكرك، ونسوا موعظتك، والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك، وغرائب مخلوقاتك؛ وجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم؛ عكس القضية؛ وقيل المراد بنسيان الذكر هاهنا، هو ترك الشكر.
(وكانوا) هؤلاء الذين أشركوا بك، وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي (قوماً بوراً) أي هلكى، قاله ابن عباس مأخوذ من البوار، وهو الهلاك يقال رجل بائر. وقوم بور؛ يستوي فيه الواحد والجماعة. لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير، أو جمع بائر، وقيل البوار الفساد، يقال: بارت بضاعته أي فسدت، وأمر بائر، أي فاسد، وهي لغة الأزد. وقيل المعنى الأخير فيهم مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع، فلا يكون فيها خير، وقيل إن البوار الكساد. ومنه بارت السلعة إذا كسدت، وهذا كله يرجع إلى معنى الهلاك والفساد ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولاً عن الغيبة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences