Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
الشعراء
Ash-Shu'ara
The Poets · Meccan · 227 ayahs
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشعراء
(مائتان وسبع وعشرون آية ومكيّة عند الجمهور) وبه قال ابن الزبير، وقال ابن عباس: سوى خمس آيات من آخرها نزلت بالمدينة وهي: والشعراء يتبعهم الغاوون إلى آخرها.
وأخرج القرطبي في تفسيره عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي ".
وأخرج أيضاً عن ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعطيت المفصل نافلة " قال ابن كثير: ووقع في تفسير مالك تسميتها بسورة الجمعة.
بسم الله الرحمن الرحيم
طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
(طسم) محله الرفع على الابتداء إن كان اسماً للسورة كما ذهب إليه الأكثر، أو على أنه خبر، ويجوز أن يكون في محل نصب، والتقدير: اذكر أو اقرأ، وأما إذا كان مسروداً على نمط التعديد كما تقدم مراراً فلا محل له من الإعراب، وقد قيل: إنه اسم من أسماء الله سبحانه، وقيل: إنه اسم من أسماء القرآن، وقيل: اسم السورة، وقيل: أقسم بطوله وسنائه وملكه.
وقال ابن عباس: طسم عجزت العلماء عن علم تفسيرها وهو الحق في المقام، ولذا قال المحلي: الله أعلم بمراده بذلك.
(تلك) أي: السورة أو آيات هذه السورة (آيات الكتاب) أي: القرآن.
(المبين) أي: المبين المظهر للحق من الباطل، أو المبين الظاهر إعجازه إن كان من أبان اللازم بمعنى بان وهذا المعنى أليق بالمقام: وأوفق للمرام، ولذا اقتصر عليه صاحب الكشاف.
26:3Page 367
لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣
Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.
(لعلك باخع) أي: قاتل ومهلك (نفسك) لعل هنا للإشفاق أي: أشفق عليها بتخفيف هذا الغم، والبخع في الأصل أن يبلغ بالذبح البخاع، وهو عرق في القفا، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف وقرئ باخع نفسك بالإضافة، والمعنى لعلك قاتل نفسك.
(أن لا يكونوا) أي أهل مكة (مؤمنين) أي: لعدم إيمانهم بما جئت به، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان حريصاً على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم.
26:4Page 367
إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤
If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1
(إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية، والمعنى ننزل آية تلجئهم إلى الإيمان ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للإهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر.
(فظلت أعناقهم لها خاضعين) أي أنهم صاروا منقادين لها أي فتظل أعناقهم، قيل: وأصله فظلوا لها خاضعين، فأقحمت (الأعناق) للتقرير والتصوير، لأن الأعناق موضع الخضوع. وقيل: إنها لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، ووصفت بما يوصفون به.
قال عيسى بن عمر: وخاضعين وخاضعة سواء واختاره المبرد، والمعنى أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويخبر عن الثاني.
وقال أبو عبيد والكسائي: إنّ المعنى خاضعيها هم وضعفه النحاس. وقال مجاهد: أعناقهم كبراؤهم. قال النحاس: وهذا معروف في اللغة، يقال جاءني عنق من الناس، أي: رؤساء منهم وقال أبو زيد، والأخفش: أعناقهم جماعاتهم، يقال: جاءني عنق منهم أي: جماعة، وقال ابن عباس: خاضعين ذليلين.
26:5Page 367
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥
And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.
(وما يأتيهم من) مزيدة لتأكيد المعنى (ذكر من الرحمن) لابتداء الغاية (محدث) إنزاله، وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول.
(إلاّ كانوا عنه معرضين) أي إنه لا يجدد لهم موعظة وتذكيراً إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء والجملة حالية، والاستثناء مفرغ من أعم العام. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء.
26:6Page 367
فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦
For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.
(فقد كذبوا) بالذكر الذي يأتيهم تكذيباً صريحاً، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض. وقيل: إن الإعراض بمعنى التكذيب لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله فقد كذبه، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، والأول أولى. فالإعراض عن الشيء عدم الالتفات إليه.
ثم انتقلوا عن هذا إلا ما هو أشد منه وهو التصريح بالتكذيب، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشد منه وهو الاستهزاء كما يدل عليه قوله: (فسيأتيهم أنباء) وهي ما يستحقونه من العقوبة آجلاً وعاجلاً، وسميت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن وقال:
(ما كانوا به يستهزءون) ولم يقل: ما كانوا عنه معرضين، أو: ما كانوا به يكذبون، لأن الاستهزاء أشد منهما، ومستلزم لهما، وفي هذا وعيد شديد، وقد مرّ تفسير مثل هذا في سورة الأنعام. ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية، التي يحصل بها للمتأمل فيها، والناظر إليها، والمستدل بها أعظم دليل، وأوضح برهان، وبيَّن أنه أظهر لهم أدلة تحدث في الأرض وقتاً بعد وقت تدل على توحيده، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر فقال:
26:7Page 367
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧
Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?
(أولم يروا) الهمزة للتوبيخ، والواو للعطف على مقدر، كما في نظائره (إلى الأرض) أي: إلى عجائبها وبينَّ بعضها بقوله (كم أنبتنا فيها) أي: كثيراً (من كل زوج كريم) فنبه سبحانه على عظمته وقدرته، وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد، والمراد بالزوج هنا الصنف والنوع، وقال الفراء: هو اللون. وقال الزجاج: زوج نوع، وكريم محمود. والمعنى من كل زوج نافع، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين، إذ ما من نبت إلا وله النفع. والكريم في الأصل الحسن الشريف، يقال: نخلة كريمة، أي: كثيرة الثمرة، ورجل كريم، شريف فاضل، وكتاب كريم؛ إذا كان مرضياً في معانيه، والنبات الكريم هو المرضي في منافعه.
قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار منهم إلى النار فهو لئيم. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة أن كلمة كل تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و (كم) تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، وبه نبه على كمال قدرته. قاله الزمخشري، وإليه أشار في التقرير.
26:8Page 367
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
(إن في ذلك لآية) أي: فيما ذكر من الإنبات، أو في كل واحد من تلك الأزواج لدلالة بينة وعلامة واضحة على كمال قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، واللام زائدة في اسم إن المؤخر. وقد ذكرت هذه الآية في هذه السورة ثمان مرات، ثم أخبر سبحانه بأن أكثر هؤلاء مستمر على ضلالته، مصمم على جحوده وتكذيبه واستهزائه فقال:
(وما كان أكثرهم مؤمنين) أي: سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا، فلذلك لا تنفعهم أمثال هذه الآيات العظام. قال سيبويه: إن (كان) هنا صلة أي: زائدة.
26:9Page 367
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
(وإن ربك لهو العزيز الرحيم) أي: الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم، مع كونه كثير الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، أو المعنى أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه.
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
26:10Page 367
وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -
(وإذ نادى ربك موسى) مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء وشروع في قصص سبع:
أولها: قصة موسى.
والثانية: قصة إبراهيم.
والثالثة: قصة نوح.
والرابعة: قصة هود.
والخامسة: قصة صالح.
والسادسة: قصة لوط.
والسابعة: قصة شعيب، والتقدير: واتل إذ نادى أو اذكر يا محمد والنداء الدعاء أي: نادى حين رأى الشجرة والنار وكان النداء بكلام سمعه من كل الجهات من غير واسطة.
(أن) مفسرة أو مصدرية، أي: بأن (ائت القوم الظالمين). وليس هذا مطلع ما ورد في حيز النداء، وأنما هو ما فصل في سورة طه من قوله: إني أنا ربك - إلى قوله لنريك من آياتنا الكبرى، ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم، وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم، كاستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفاً.
26:11Page 367
قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١
The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"
(قوم فرعون) يعني القبط، عطف بيان. كان معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون، وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد.
(ألا يتقون) أي: ألا يخافون عقاب الله سبحانه، فيصرفون عن أنفسهم عقوبته بطاعته. وقيل: المعنى قل لهم: ألا تتقون. وجاء بالتحتية لأنهم غيب وقت الخطاب. وقرئ بالفوقية أي قل لهم ذلك ومثله قل للذين كفروا ستغلبون بالتحتية والفوقية أو ائتهم زاجراً فقد آن لهم أن يتقوا، وهي كلمة حث وإغراء. وقيل: يظلمون غير متقين الله وعقابه، وعلى هذا حال من الضمير في الظالمين.
26:12Page 367
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢
He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me
(قال) موسى، واعتذر بثلاثة أعذار كل منها مرتب على ما قبله، وليس مراده الامتناع من الرسالة، بل إظهار العجز عن هذا الأمر الثقيل، وطلب المعونة عليه من الله.
(رب إني أخاف أن يكذبون) في الرسالة، والخوف غم يلحق الإنسان لأمر سيقع.
26:13Page 367
وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣
And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.
(ويضيق صدري) بتكذيبهم إياي.
(ولا ينطلق لساني) أي بتأدية الرسالة لعقدة كانت على لسانه، قرئ يضيق وينطلق، بالرفع على العطف، أو على الاستئناف وبنصبهما. قال الفراء: كلتا القراءتين لها وجه. قال النحاس: الوجه الرفع، لأن النصف عطف على (يكذبون) وهذا بعيد.
(فأرسل) جبريل بالوحي (إلى) أخي (هارون) ليكون معي رسولاً موازراً مظاهراً معاوناً، ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من غير هذا الموضع، كقوله في طه: (واجعل لي وزيراً من أهلي). وفي القصص: (أرسله معي ردءاً يصدقني). وكان هارون بمصر حين بعث موسى نبياً بالشام، وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له، والتماس العون في تبليغ الرسالة بإرسال أخيه، لا من باب الاستعفاء من الرسالة، ولا من التوقف عن المسارعة بالامتثال، وكفى بطلب العون دليلاً على التقبل لا على التقلل.
26:14Page 367
وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤
And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."
(ولهم عليَّ ذنب) هو قتله للقبطي، قال قتادة: وسماه ذنباً بحسب زعمهم، أو كما سمى جزاء السيئة سيئة.
(فأخاف أن يقتلون) به قصاصاً فيفوت المقصود من الرسالة: فهذا هو الخائف عليه، وليس هذا تعللاً أيضاً، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلاً عن الفضلاء، ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الرح. وطرف من الزجر.
26:15Page 367
قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥
[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.
(قال كلا) أي لا يقتلونك كأنه قيل. ارتدع عما تظن (فاذهبا) أي أنت وأخوك (بآياتنا) وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما، وفيه تغليب الحاضر على الغائب، لأنه إذ ذاك كان بمصر. والإرسال والخطاب كان في الطور.
(إنا معكم) وفي هذا تعليل للردع عن الخوف، وهو كقوله سبحانه: إنني معكما أسمع وأرى، وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما، وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما، وأجراهما مجرى الجمع فقال: (معكم) لكون الاثنين أقل الجمع على ما يذهب إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه. ويجوز أن يكون المراد هما مع بني إسرائيل، أو تعظيماً لهما، ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة.
(مستمعون) أي: سامعون ما تقولون وما يقال لكم، والاستماع في غير هذا، الإصغاء للسماع يقال: استُمع فلان حديثه أي: أصغي إليه، ولا يجوز حمله هاهنا على ذلك، فحمل على السماع، قاله النسفي.
26:16Page 367
فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,
(فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. قال القرطبي: فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول عليه، ووحّد الرسول هنا، ولم يثنه كما في قوله إنا رسولا ربك، لأنه مصدر بمعنى رسالة والمصدر يوحد، وأما إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع، قال أبو عبيدة رسول بمعنى رسالة، والتقدير على هذا إنا ذوو رسالة. وقال أبو عبيدة أيضاً يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي، ومنه قوله تعالى: فإنهم عدو لي. وقيل: إن معناه أن كل واحد منا رسول.
وقيل: إنهما لما كانا متعاضدين متساعدين في الرسالة كانا بمنزلة رسول واحد، وأن في قوله
26:17Page 367
أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧
[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"
(أن أرسل معنا بني إسرائيل) مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خلهم، واطلقهم معنا إلى أرض فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان قد استعبدهم أربعمائة سنة.
26:18Page 367
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
(قال) فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما الله به: (ألم نربّك فينا) أي في حجرنا ومنازلنا أراد بذلك المن عليه والاحتقار له أي: ربيناك لدينا (وليداً) أي: صغيراً قريباً من الولادة بعد فطامك، ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال.
(ولبثت فينا من عمرك سنين) فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ قيل: لبث
فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، ثم وبخه
بقتل القبطي فقال:
26:19Page 367
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
(وفعلت فعلتك التي فعلت) الفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل، كما قيل [[لعله أراد. كما قيل عن الفعلة للمرة الخ " المطيعي ".]] الفعلة للمرة، والفعلة للحالة، وقرأ الشعبي بكسر الفاء. والفتح أولى، لأنها للمرة الواحدة لا للنوع، والمعنى إنه عدد عليه النعم، وذكر له ذنوبه، وأراد بالفعلة قتل القبطي ثم قال: (وأنت من الكافرين) للنعمة حيث قتلت رجلاً من أصحابي، وقيل: من الكافرين بأن فرعون إله، وقيل من الكافرين بالله في زعمه لأنه كان معهم على دينهم.
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
26:20Page 368
قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠
[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].
(قال) موسى مجيباً لفرعون (فعلتها إذاً) أي فعلت هذه الفعلة التي ذكرت وهي قتل القبطي (وأنا) إذ ذاك (من الضالين) أي: الجاهلين قاله ابن عباس فنفى عليه الصلاة والسلام عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله، وقيل: المعنى من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل، وقال أبو عبيدة: من الناسين، وقيل: من المخطئين. قال ابن جرير: العرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال.
26:21Page 368
فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١
So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.
(ففررت منكم) أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص (لمّا خفتكم) أن تقتلوني وذلك حين قال له مؤمن من آل فرعون: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج، الآية.
(فوهب لي ربي) أي نبوة أو علماً وفهماً، وقال الزجاج: المراد بالحكم تيعليمه التوراة التي فيها حكم الله.
(وجعلني من المرسلين) أي من جملة رسله رد بذلك ما وبخه به فرعون قدحاً في نبوته وهو القتل بغير حق ووجه الرد أن موهبة الحكم والنبوة كانت بعد تلك الحادثة.
26:22Page 368
وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢
And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"
(وتلك نعمة تمنها عليَّ) قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها عليَّ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي، وبهذا قال الفراء وابن جرير.
وقيل: هو من موسى على جهة الإنكار أي أتمنّ عليَّ بأن ربيتني وليداً، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم، وهم قومي قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار لأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى أنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في البحر، فكأنك تمنّ على ما كان بلاؤك سبباً له، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه.
وقال المبرد: يقول. التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبّد، أي: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي. وقيلْ إن في الكلام تقدير الاستفهام، أي: أو تلك نعمة؛ قاله الأخفش وأنكره النحاس قال الفراء: ومن قال: إن الكلام إنكار قال: أو تلك نعمه؟ أي ليست هذه نعمة حتى تمنّ بها عليّ.
ومعنى (أن عبدت بني إسرائيل) أن اتخذتهم عبيداً، يقال عبّدته وأعبدته بمعنى كذا قال الفراء، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من نعمة، والجر بإضمار الباء، والنصب بحذفها، وعن مجاهد قال: عبدّت بني إسرائيل وقهرتهم واستعملتهم. وفيه أوجه سبعة ذكرها السمين.
26:23Page 368
قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣
Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"
(قال فرعون وما رب العالمين) أي لما سمع قول موسى وهارون (إنّا رسول رب العالمين) قال مستفسراً لهما عن ذلك، عازماً على الاعتراض لما قالاه، أي: أي شيء هو؟ وجاء في الاستفهام بـ (ما) التي يستفهم بها عن المجهول، ويطلب بها تعيين الجنس. وقيل: معناه وما صفته؟ تقول ما زيد؟ أي طويل أم قصير؟ فقيه أم طبيب؟ نص عليه صاحب الكشاف وغيره.
فلما قال فرعون ذلك
26:24Page 368
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤
[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."
(قال) موسى: (رب السماوات والأرض وما بينهما) أي بيّن الجنسين فعيّن له ما أراد بالعالمين، وترك جواب ما سأل عنه فرعون لأنه سأل عن جنس رب العالمين، ولا جنس له، فأجابه موسى بما يدل على عظيم القدرة الإلهية التي تتضح لكل سامع أنه سبحانه الربّ ولا ربّ غيره، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
(إن كنتم موقنين) بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان، لظهوره، وإنارة دليله، وهو العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال الله موقن.
26:25Page 368
قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥
[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"
(قال) فرعون (لمن حوله) من أشراف قومه وهم خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة (ألا تستمعون)؟ ما قاله، يعني موسى معجباً لهم من ضعف المقالة، كأنه قال: أتسمعون وتعجبون؟ يعني سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله، أو يزعم أنه ربّ السماوات، وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر. والعدول عن الجواب المطابق متعين لاستحالته. فالسؤال عن الحقيقة سفه وعبث وحمق، وهذا من اللعين مغالطة لما لم يجد جواباً عن الحجة التي أوردها عليه موسى، فلما سمع موسى ما قاله فرعون أورد عليه حجة أخرى، هي مندرجة تحت الحجة الأولى، ولكنها أقرب إلى فهم السامعين.
26:26Page 368
قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦
[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."
(قال ربكم ورب آبائكم الأولين) وخص من العام المتقدم أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه. وهي أظهر دلالة على القادر فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب كما يدعيه.
والمعنى أن هذا الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلق آباءكم الأولين وخلقكم، فكيف تعبدون من هو واحد منكم؟ مخلوق كخلقكم، وله آباء قد فنوا كآبائكم، فلم يجبه فرعون عند ذلك بشيء يعتدّ به، بل جاء بما يشكك قومه ويخيل إليهم أن هذا الذي قاله موسى مما لا يقوله العقلاء.
26:27Page 368
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧
[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."
(قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) قاصداً بذلك المغالطة وإيقاعهم في الحيرة، مظهراً أنه مستخفّ بما قاله موسى مستهزئ به، لأني أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر، وأضافه إلى مخاطبيه ترفعاً عن أن يكون مرسلاً إلى نفسه فأجابه موسى عند ذلك بما هو تكميل لجوابه الأول.
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39)
26:28Page 368
قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨
[Moses] said, "Lord of the east and the west and that between them, if you were to reason."
(قال رب المشرق والمغرب وما بينهما) خصهما لأنهما أوضح دلالة وأظهر، وذلك أنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وطلوع النهار، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، ومعلوم أن طلوع الشمس من أحد الخافقين، وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم، لا يكون إلا بتقدير قادر حكيم، والمعنى ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك بلداً واحداً لا يجري أمرك في غيره، ويموت فيه من لا تحب أن يموت.
والذي أرسلني، يملك المشرق والمغرب وما بينهما، أي فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات، ولم يشتغل موسى بدفع ما نسبه إليه من الجنون، بل بين لفرعون شمول ربوبية الله للمشرق والمغرب وما بينهما، وإن كان ذلك داخلاً تحت ربوبيته سبحانه للسموات والأرض وما بينهما لما تقدم، ولأن فيه تصريحاً بإسناد حركات السماوات وما فيها وتغيير أحوالها وأوضاعها، تارة بالنور، وتارة بالظلمة إلى الله، وقيل علم موسى أن قصده. في السؤال معرفة من سأل عنه فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب.
(إن كنتم تعقلون) شيئاًً من الأشياء، أو إن كنتم من أهل العقول أي إن كنت يا فرعون ومن معك من العقلاء، عرفت وعرفوا أنه لا جواب لسؤالك إلا ما ذكرت لك، لاينهم أولاً، وعاملهم بالرفق، حيث قال لهم (إن كنتم موقنين) ثم لما رأى شدة شكيمتهم، خاشنهم واغلظ عليهم في الرد، وعارضهم بمثل مقالتهم بقوله: (إن كنتم تعقلون) لأنه أبلغ وأوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه، ثم إن اللعين لما انقطع عن الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب والتهديد، وهكذا ديدن المعاند المحجوج.
26:29Page 368
قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩
[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."
(قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين) أي: من أهل السجن، واللام للعهد، أي ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان سجن فرعون أشد من القتل، لأنه إذا سجن أحداً لم يخرجه حتى يموت، وكان يطرحه في هوة عميقة في مكان تحت الأرض وحده. ولذلك (أجعل) أبلغ من (لأسجننك) فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك، لأن فيه الاعتراف بأن ثمة إلهاً غيره، وفي توعده بالسجن ضعف، لما يروى أنه كان يفزع من موسى فزعاً شديداً، حتى كان اللعين لا يمسك بوله فلما سمع موسى عليه الصلاة والسلام ذلك لاطفه طمعاً في إجابته، وإرخاء لعنان المناظرة معه، مريداً لقهره بالحجة المعتبرة في باب النبوة، وهي إظهار المعجزة، فعرض له على وجه يلجئه إلى طلب المعجزة.
26:30Page 368
قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠
[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"
(قال أو لو جئتك بشيء مبين) أي: اتجعلني من المسجونين؟ وتفعل ذلك؟ ولو جئتك بشيء يتبين به صدقي، وتظهر عنده صحة دعواي؟ يعني المعجزة فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده. والهمزة هنا للاستفهام، والواو للعطف على مقدر كما مر مراراً، فلما سمع فرعون ذلك طلب ما عرضه عليه موسى.
26:31Page 368
قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١
[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."
(قال فأت به إن كنت من الصادقين) في دعواك وإنما أمره بذلك لظنه أنه يقدر على معارضته وهذا الشرط جوابه محذوف، لأنه قد تقدم ما يدل عليه، فعند ذلك أبرز موسى المعجزة.
26:32Page 368
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢
So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1
(فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين) أي: ظاهر ثعبانيته ليس بتمويه وتخييل كما يفعل السحرة.
قيل: إنها لما صارت حية ارتفعت في السماء قدر ميل. ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، فقال بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت، وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في الأرض فانثعب، أي: فجرته فانفجر، وقد عبر سبحانه في موضع آخر مكان الثعبان بالحية بقوله: (فإذا هي حية تسعى) وفي موضع بالجان، فقال: (كأنها جانٌ) والجانّ هو المائل إلى الصغر، والثعبان هو المائل إلى الكبر، والحية جنس يشمل الكبير والصغير.
26:33Page 368
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣
And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.
(ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) خلاف ما كانت عليه من الأدمة [[السمرة.]] فيه دليل على أن بياضها كان شيئاًً يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نورياً، قال ابن عباس يقول: وأخرج موسى يده من جيبه، فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين لمن ينظر إليها ويراها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس يكاد يغشي الأبصار، ويسد الأفق.
26:34Page 368
قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤
[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.
(قال للملأ) مستقرين (حوله إن هذا لساحر عليم) فائق في علم السحر، وكان زمان السحر فلهذا روج فرعون هذا القول على قوله، ثم قال على سبيل التنفير:
26:35Page 368
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥
He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"
(يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) لئلا يقبلوا قول موسى عليه الصلاة والسلام.
(فماذا تأمرون) أي ما رأيكم فيه؟ وما مشورتكم في مثله؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألّفاً لهم، واستجلاباً لمودتهم، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال، وقارب ما كان يعزز به عليهم الاضمحلال، وإلا فهو أكبر تيهاً، وأعظم كبراً من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة، المشعرة بأنه فرد من أفرادهم، وواحد منهم، مع كونه قبل هذا الوقت يدعي أنه إلههم، ويذعنون له بذلك ويصدقونه في دعواه.
قال أبو السعود: بهره سلطان المعجزة، وحيره حتى حطه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده في زعمه، والامتثال بأمرهم، أو إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم، بعد ما كان مستقلاًّ بالرأي والتدبير، وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ملكه، ونسبة الإخراج والأرض إليهم لتنفيرهم عن موسى عليه السلام.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences