Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:36–76
26:36Page 368
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦
They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
(قالوا أرجه وأخاه) أخرّ أمرهما، من أرجيته إذا أخرته. وقيل المعنى احبسهما (وابعث في المدائن حاشرين) للسحرة، وهم الشَرِط الذين يحشرون الناس، أي يجمعونهم
26:37Page 368
يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧
Who will bring you every learned, skilled magician."
(يأتوك بكل سحار عليم) هذا ما أشاروا به عليه، وجاءوا بكلمة الإحاطة وصيغة المبالغة ليسكنوا بعض قلقه. والمراد بالسحار العليم الفائق في معرفة السحر وصنعته، أي: يفضل موسى ويفوق ويزيد عليه في علم السحر.
26:38Page 368
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨
So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1
(فجمع السحرة لميقات يوم معلوم) هو يوم الزينة كما في قوله: (قال موعدكم يوم الزينة. وكان يوم عيد لهم أو يوم سوق، وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى من يوم الزينة حيث قال: (وأن يحشر الناس ضحى) والميقات ما وقت، أي حد من زمان، أو مكان. ومنه مواقيت الإحرام والصلاة.
26:39Page 368
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩
And it was said to the people, "Will you congregate
(وقيل للناس هل أنتم مجتمعون)؟ حثّاً لهم على الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة، ولمن تكون الغلبة، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور؛ وطلباً أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم، فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده، لأنه يعلم أنّ حجة الله هي الغالبة وحجة الكافرين هي الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين، والانقهار للمبطلين.
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47)
26:40Page 369
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠
That we might follow the magicians if they are the predominant?"
(لعلنا نتبع السحرة) في دينهم (إن كانوا هم الغالبين) لا موسى عليه السلام؛ وليس مرادهم بذلك أن يتبعوا دينهم حقيقة؛ وإنما هو أن لا يتبعوا موسى عليه السلام، لكنهم ساقوا كلامهم مساق الكناية حملاً لهم على الاهتمام والجد في المبالغة. قاله أبو السعود. وقيل أراد بالسحرة موسى وهارون على طريقة الاستهزاء.
26:41Page 369
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١
And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"
(فلما جاء السحرة) أي فعند ذلك طلب السحرة من فرعون الجزاء على ما سيفعلونه (وقالوا لفرعون أئن لنا لأجراً)؟ أي: لجزاء تجزينا به من مال أو جاه وقيل: أرادوا أن لنا ثواباً عظيماً، ثم قيدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى فقالوا (إن كنا نحن الغالبين) فوافقهم فرعون على ذلك.
و
26:42Page 369
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢
He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."
(قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين) أي نعم، لكم ذلك الأجر والجعل عندي، على عملكم السحر مع زيادة عليه، وهي كونكم من المقربين لديّ.
26:43Page 369
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣
Moses said to them, "Throw whatever you will throw."
(قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) من السحر، فسوف ترون عاقبته. وفي آية أخرى (قالوا إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين)، فيحمل ما هاهنا على أنه قال لهم ألقوا بعد أن قالوا هذا القول، ولم يكن ذلك من موسى عليه السلام أمراً لهم بفعل السحر والتمويه، بل أراد أن يقهرهم بالحجة، توسلاً إلى إظهار الحق، ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي أرادوا معارضته به.
26:44Page 369
فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."
(فألقوا حبالهم وعصيهم) سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا وقيل كانت الحبال اثنين وسبعين ألفاً وكذا العصي، فيخيلون أنها حيات تسعى (وقالوا) عند الإلقاء (بعزة فرعون) أقسموا بعزته وقوته. وهو من أيمان الجاهلية. وقولهم هذا يحتمل وجهين؛ الأول: أنه قسم، وجوابه ما بعده والثاني: إن يتعلق بمحذوف والباء للسببية والمراد بالعزة العظمة (إنا لنحن الغالبون) أي: نغلب بسبب عزته لفرط اعتقادهم في أنفسهم بالغلبة؛ وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.
26:45Page 369
فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥
Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.
(فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون) قد تقدم تفسير هذا مستوفى؛ والمعنى أنها تبتلع وتلقف ما صدر منهم من الإفك؛ بإخراج الشيء عن صورته الحقيقية. قيل أن عصا موسى صارت حية وابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم ثم أخذها موسى فإذا هي كما كانت أول مرة.
26:46Page 369
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦
So the magicians fell down in prostration [to Allāh].
(فألقي السحرة) أي فخروا وسقطوا (ساجدين) أي لما شاهدوا ذلك علموا أنه صنيع صانع حكيم. ليس من صنيع البشر؛ ولا من تمويه السحرة فآمنوا بالله وسجدوا له. وأجابوا دعوة موسى وقبلوا نبوّته. وعبّر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لأنه ذكر مع الإلقاءات؛ ولأنهم لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقوا وأخذوا فطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق. وقد تقدم بيان معنى ألقى ومن فاعله، لوقوع التصريح به.
قال الشهاب ففي (فألقي) استعارة تبعية حسنها المشاكلة، وليس مجازاً مرسلاً وإن احتمله النظم، ووجه الشبه عدم التمالك.
26:47Page 369
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
(قالوا) عند سجودهم، بدل اشتمال من (ألقى) أو حال بإضمار قد: (آمنا برب العالمين) قال عكرمة أمسوا سحرة وأصبحوا شهداء.
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58)
(رب موسى وهارون) بدل للتوضيح والإشعار بأن سبب إيمانهم ما أجراه الله تعالى على يدهما، لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر، وأضافوه سبحانه إليهما لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحالة. وفيه تبكيت لفرعون، فإنه ليس برب وإن الرب في الحقيقة هو هذا. فلما سمع فرعون ذلك منهم ورأى سجودهم لله.
26:49Page 369
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."
(قال آمنتم له قبل أن آذن لكم)؟ أي بغير إذن مني، قال ذلك لما خاف على قومه أن يتبعوا السحرة، ثم قال مغالطاً للسحرة الذين آمنوا وموهماً للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر.
(إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وإنما اعترف له بكونه كبيرهم، مع كونه لا يحب الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى، لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة فهو فعل كبيرهم، وهو من أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الرب الذي يدعو إليه موسى، ولا تعتقدوا أنّ السحرة آمنوا على بصيرة، وظهور حق، يعني أن غلبته عليكم لم تكن بالعجز الإلهي، بل بما لم يعلمكم من السحر، وأنتم لضعف عقولكم حسبتم أنه غلبكم بغير جنس السحر، فآمنتم.
ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله فقال: (فلسوف تعلمون) وبال ما فعلتم وما ينالكم مني. أجمل التهديد أولا للتهويل، ثم فصله فقال:
(لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي من أجل خلافٍ ظهر منكم. وقيل: أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى (ولأصلبنّكم أجمعين) كأنه أراد به ترهيب العامة لئلا يتبعونهم في الإيمان. قيل: إنه فعل بهم ما توعدهم به من التقطيع والتصليب وقيل: لم يفعله بهم ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ذلك، فلما سمعوا ذلك من قوله
26:50Page 369
قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠
They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.
(قالوا لا ضير) أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا، فإن ذلك يزول، ولا بد من الانقلاب بعده إلى ربنا، فيعطينا من النعيم الدائم ما لا يُحَدُّ ولا يوصف. قال الهروي: لا ضير ولا ضرر ولا ضر، بمعنى واحد، قال الجوهري: ضاره يضوره ويضيره ضيراً وضوراً أي ضره، قال الكسائي سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يضورني، قال أبو زيد: لا يضيرنا الذي تقول وإن صنعت بنا وصلبتنا.
(إنا إلى ربنا منقلبون) أي راجعون، وهو مجازينا لصبرنا على عقوبتك إيانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر قاله أبو زيد، تعليل لعدم الضير أي لا ضير في ذلك، بل لنا فيه نفع عظيم، لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله تعالى من تكفير الخطايا والثواب العظيم، أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل؛ إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت، والقتل أهونها وأرجاها.
26:51Page 369
إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١
Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."
(إنّا نطمع) أي نرجو (أن يغفر لنا ربنا خطايانا) أي الكفر والسحر، ثم علّلوا هذا بقولهم: (أن كنا) أي بسبب أن كنا (أول المؤمنين) أي: أنهم أول من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية أو من أهل المشهد.
وقال الفرّاء أول مؤمني زمانهم، وأنكره الزجاج، وقال: قد روي أنه أمن معهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً، وهم الذين عناهم فرعون بقوله: إن هؤلاء لشرذمة قليلون قاك أبو زيد: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها.
26:52Page 369
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢
And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."
(وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أمر الله سبحانه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً إلى البحر، أي لا إلى جهة الشام بالبر، وهذا بعد سنين من إيمان السحرة، وسمّاهم عباده لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به. وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الأعراف.
(إنكم مُتبعون) تعليل للأمر المتقدم، أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم أي: أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حيث تلجون البحر، فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم وأغرقهم.
26:53Page 369
فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣
Then Pharaoh sent among the cities gatherers1
(فأرسل فرعون في المدائن حاشرين) وذلك حين بلغه خروجهم، والمراد بالحاشرين الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون، ثم قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه:
26:54Page 369
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤
[And said], "Indeed, those are but a small band,
(إن هؤلاء لشرذمة قليلون) يريد بني إسرائيل والشرذمة الجمع الحقير القليل والجمع شراذم. قال الجوهري: الشرذمة الطائفة القليلة من الناس والقطعة من الشيء وثوب شراذم أي قطع، قال الفراء يقال عصبة قليلة وقليلون وكثيرة وكثيرون. قال المبرد: الشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها الشراذم.
قال الواحدي: قال المفسرون وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف، وبه قال ابن عباس ولا يحصى عدد أصحاب فرعون وقال ابن مسعود ستمائة ألف وسبعون ألفاً، ومقدمة جيشه سبعمائة ألف، فقللهم بالنظر إلى كثرة جيشه، وجملة جيشه ألف ألف وستمائة ألف.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أصحاب موسى الذين جازوا البحر اثني عشر سبطاً فكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم ولد يعقوب.
وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً بسند، قال السيوطي واه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله سبحانه هو وأصحابه في سبعين قائداً، مع كل قائد سبعون ألفاً، وكان موسى مع سبعين ألفاً حيث عبروا البحر ".
وعنه قال: كان طلائع قوم فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيها أحد إلا على بهيم. وأقول هذه الأقوال والروايات المضطربة قد روي عن كثير من السلف ما يماثلها في الاضطراب والاختلاف، ولا يصح منها شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(وإنّهم لنا لغائظون) يقال غاظني كذا، والغيظ الغضب، ومنه التغيظ والاغتياظ، أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني.
(وإنا لجميع حاذرون) أي خائفون من شرّهم، وقرئ (حذرون) قال الفراء الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر المخلوق كذلك، أي مجبولاً على الحذر لا تلقاه إلا حذراً وقال الزجاج الحاذر المستعد، والحذر المتيقظ، وبه قال الكسائي، والمبرد، وذهب أبو عبيدة إلى أن معنى (حاذرون) و (حذرون) واحد. وهو قول سيبويه أي وإنا لجمع من عادتنا الحذر، واستعمال الحزم في الأمور. أشار أولاً إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم، ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عدوانهم ووجوب التيقظ في شأنهم، حثّاً عليه. أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كيلا يظن به ما يكسر سلطانه قاله البيضاوي.
(فأخرجناهم) أي فرعون وقومه أي خلقنا فيهم داعية الخروج فخرجوا (من جنات وعيون وكنوز) أخرجهم الله من أرض مصر ليلحقوا موسى وقومه. وفيها الجنات والبساتين على جانبي النيل من أسوان إلى رشيد وهي جمع جَنة، وعين، وكنز، والمراد بالكنوز الخزائن، وقيل الدفائن وقيل الأنهار، وفيه نظر؛ لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين عيون الماء، فتدخل تحتها الأنهار.
والمراد بالكنوز الأموال الظاهرة من الذهب والفضة، وسميت كنوزاً لأنه لم يعط حق الله منها، وفي الشهاب المراد بها إما الأموال التي تحت الأرض، وخصها لأن ما فوقها انطمس، أو مطلق المال الذي لم يؤد منه حق الله لأنه يقال له كنز، والأول أوفق باللغة، والثاني مروي عن السلف فلا وجه للتحكم هنا.
(ومقام كريم) أي بهي بهيج واختلف فيه، فقيل المنازل الحسان، وقيل المنابر، قاله ابن عباس، وقيل مجالس الرؤساء والأمراء والوزراء، حكاه ابن عيسى وقيل مرابط الخيل، الأول أظهر، وقال سعيد بن جبير سمعت أن المقام الكريم الفيوم.
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72)
26:59Page 369
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.
(كذلك) أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا أو مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم أو الأمر كذلك (وأورثناها بني إسرائيل) أي جعلناها ملكاً لهم بعد إغراق فرعون وقومه.
قال الحسن: لما عبروا النهر رجعوا وأخذوا ديارهم وجناتهم وأموالهم وعيونهم وقيل أراد بالوراثة هنا ما استعاروا من حلي آل فرعون بأمر الله تعالى وقيل مساكنهم الحسنة والكنوز (قلت) وكلا الأمرين جعل لهم والحمد لله.
(فأتبعوهم) بقطع الهمزة وقرئ بوصلها وتشديد التاء أي فلحقوهم حال كونهم (مشرقين) أي داخلين في وقت الشروق، يقال شرقت الشمس شروقاً أذا طلعت كأصبح وأمسى، أي: دخل في هذين الوقتين وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد، واتّهم. وقيل: مضيئين قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت.
26:61Page 370
فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١
And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"
(فلما تراءى الجمعان) أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية. وقرئ (تراءت الفئتان) والمراد بنو إسرائيل والقبط.
(قال أصحاب موسى إنا لمدكرون) أي سيدركنا جمع فرعون. ولا طاقة لنا بهم، وهذه قراءة الجمهور. يعني اسم مفعول من أدرك، ومنه (حتى إذا أدركه الغرق) وقرئ بفتح الدال المشددة وكسر الراء، قال الفراء هما بمعنى واحد. قال النحاس ليس كذلك يقول النحويون الحذاق إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم. قال: وهذا معنى قول سيبويه.
وقال الزمخشري: إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد. قال موسى زجراً لهم وردعاً
26:62Page 370
قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢
[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."
(كلا) يعني أنهم لا يدركونكم، وذكرهم وعد الله بالهداية والخلاص، والظفر بقوله:
(إنّ معى ربي) بالنصر (سيهدين) أي سيدلّني على طريق النجاة. عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إنّ موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلّ الطريق فقال لبني إسرائيل ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى فقال: دلينا على قبر يوسف، فقالت لا والله، حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: إن أكون معك في الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: أعطها حكمها فأعطاها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء فقالت لهم؛ انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت: احفروا، فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم به، أمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه وذلك قوله:
26:63Page 370
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣
Then We inspired to Moses, "Strike with your staff the sea," and it parted, and each portion was like a great towering mountain.
(فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر) وذلك أن الله عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى، ومتعلقة بفعل يفعله، وإلا فضرب العصا ليس بفارق البحر، ولا معيناً على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله تعالى واختراعه، وبه نجا موسى وبنو إسرائيل وهلك عدوهم (فانفلق) الفاء فصيحة، أي: فضرب فصار وانشق اثني عشر فلقاً، بعدد الأسباط، وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم، وهو معنى قوله:
(فكان كل فرق) هو القطعة من البحر، وقرئ (فلق) باللام بدل الراء (كالطود) كالجبل أو عظيمه والجمع أطواد، يقال طاد يطود إذا ثبت (العظيم) أي الضخم بينها مسالك سلكوها، لم يبتل منها سرج الراكب ولا لبده قاله ابن عباس، وابن مسعود.
26:64Page 370
وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤
And We advanced thereto the others [i.e., the pursuers].
(وأزلفنا ثَمَّ الآخرين) أي قربناهم إلى البحر قاله ابن عباس، قال أبو عبيدة أزلفنا جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع، وثَمَّ ظرف مكان للبعيد، وقيل: قربنا من النجاة وقرئ (زلفنا) ثلاثياً، وقرئ (أزلقنا) أي أزللنا وأهلكنا، من قولهم، أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها، ويعني بالآخرين فرعون وقومه وقيل، المراد بهم موسى وأصحابه والأول أولى.
قيل: كان جبريل بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون. يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط رويداً ليلحق آخركم أولكم فكان بنو إسرائيل يقولون ما رأينا أحسن سياسة من هذا الرجل، وكان القبط يقولون ما رأينا أحسن داع من هذا!.
26:65Page 370
وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥
And We saved Moses and those with him, all together.
(وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) بمرورهم في البحر بعد أن جعله الله طرقاً يمشون فيها
(ثم أغرقنا الآخرين) يعني فرعون وقومه، أغرقهم الله بإطباق البحر عليهم، بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه، وخرج بنو إسرائيل منه، وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف طوالعهم.
26:67Page 370
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
(إن في ذلك) أي فيما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية (لآية) عبرة عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه لمن بعدهم.
(وما كان أكثرهم) أي أكثر هؤلاء الذين مع فرعون (مؤمنين) بالله فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته، وآسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت على قبر يوسف وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بوسى، فإنهم هلكوا جميعاً في البحر، بل المراد من كان معه من الأصل، ومن كان متابعاً له، ومنتسباً إليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال.
وقال سيبويه وغيره: إنّ (كان) زائدة، وأنّ المراد الإخبار عن المشركين بعد ما سمعوا الموعظة.
26:68Page 370
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
(وإنّ ربك لهو العزيز) أي المنتقم من أعدائه بإغراقهم (الرحيم) بأوليائه بإنجائهم.
(واتل) أي: أقصص يا محمد (عليهم) أي على كفار مكة (نبأ) خبر (إبراهيم) وحديثه
26:70Page 370
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
(إذ قال) أي وقت قوله (لأبيه وقومه ما) أي أيُّ شيء (تعبدون) وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنه أراد إلزام الحجة وليريهم أنّ ما يعبدونه ليس بمستحق للعبادة، بل بمعزل عنها بالكلية.
26:71Page 370
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
(قالوا نعبد أصناماً) افتخاراً ومباهاة بعبادتها (فنظل لها عاكفين) أي فنقيم وندوم على عبادتها، مستمرين طوال النهار، لا في وقت معين. يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهاراً، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلاً، فظاهره أنهم يستمرون على عبادتهم نهاراً لا ليلاً والمراد من العكوف لها الإقامة على عبادتها وإنما قال (لها) لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها.
فلما قالوا هذه المقالة
26:72Page 370
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
(قال) إبراهيم منبهاً على فساد مذهبهم (هل يسمعونكم إذ تدعون)؟ قال الأخفش المعنى هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءكم؟ وقرأ قتادة هل يُسمعونكم؟ بضم الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم وقت دعائكم لهم؟ قال الزمخشري إنه على حكاية الحال الماضية، ومعناه استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها، هل سمعوكم إذا دعوتم؟ وهو أبلغ في التبكيت.
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)
(أو ينفعونكم)؟ بوجه من وجوه النفع إن عبدتموها (أو يضرون) أي يضرونكم إذا تركتم عبادتها؟ وهذا الاستفهام للتقرير، فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، فلا وجه لعبادتها، فإذا قالوا نعم هي كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث والسفه، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة، لم يجدوا لها جواباً إلا رجوعهم إلى التقليد البحت وهو أنهم.
26:74Page 370
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
(قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) هذه العبادة لهذه الأصنام، فقلدناهم مع كونها بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها، وفي أبي السعود هذا الجواب منهم اعتراف بإنها بمعزل عما ذكر من السمع والمنفعة والمضرة بالمرة، واضطروا إلى إظهار أن لا مستند لهم سوى التقليد أي ما علمنا ولا رأينا منهم ما ذكر من الأمور، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فاقتدينا بهم. انتهى.
قال الخازن: وفي الآية دليل على إبطال التقليد في الدين وذمّهِ، ومدح الأخذ بالاستدلال انتهى. وهذا الجواب هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز ويمشي بها كل أعرج، ويغتر بها كل مغرور، وينخدع لها كل مخدوع؛ فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التي طبقت الأرض، بطولها والعرض؛ وقلت لهم: ما الحجة لكم على تقليد فرد من أفراد العلماء؟ والأخذ بكل ما يقوله في الدين ويبتدعه من الرأي المخالف للدليل؟ لم يجدوا غير هذا الجواب ولا فاهوا بسواه، وأخذوا يعدون عليك من سبقهم إلى تقليد هذا من سلفهم، واقتدى بقوله وفعله، وهم قد ملأوا صدورهم هيبة، وضاقت آذانهم عن تصورهم وظنوا أنهم خير أهل الأرض، وأعلمهم وأورعهم فلم يسمعوا لناصح نصحاً ولا لداع إلى الحق دعاء، ولو فطنوا لرأوا أنفسهم في غرور عظيم، وجهل ثشيع وأنهم كالبهيمة [[هذا كلام لا يليق.]] العمياء وأولئك الأسلاف كالعمي الذين يقودون البهائم العمي كما قال الشاعر:
كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الحائر
فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف؛ أن تورد عليهم حجج الله، وتقيم عليهم براهينه، فإنه ربما انقاد لك منهم من لم يستحكم داء التقليد في قلبه، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء العضال فلو أوردت عليه كل حجة، وأقمت عليه كل برهان، لما أعارك إلا أذناً صماء وعيناً عمياء، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن، والهداية بيد الخلاق العليم، إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة
26:75Page 370
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
(قال) الخليل عليه السلام: (أفرأيتم ما كنت تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون) أي فهل أبصرتم؟ أو تفكرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر حتى تعلموا أنكم على ضلالة وجهالة والرؤية هنا مستعملة في معناها الأصلي، وإليه نحا أبو السعود، وصنيع الكازروني يقتضي أنها بمعنى أخبروني، أي أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون، هل هو حقيق بالعبادة أولاً؟ وهذا استهزاء بعبدة الأصنام، والفاء فاء السببية تفيد أن ما بعدها وهو العداوة سبب لطلب الإخبار عن حالهم؛ فهي بمعنى اللام، أي: أخبروني عن حالها لأنها عدو لي كما صرح به الرضى في قوله أخرج منها فإنك رجيم ثم أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها فقال:
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences