Al-QinnawjiAn‑Naml · 27:1–17

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

النمل

An-Naml

The Ant · Meccan · 93 ayahs

27:1Page 377

طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ١

Ṭā, Seen.1 These are the verses of the Qur’ān [i.e., recitation] and a clear Book

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سورة النمل

(هي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية)

قال القرطبي: وهي مكية كلها في قول الجميع، وبه قال ابن عباس، وعن ابن الزبير مثله.

بسم الله الرحمن الرحيم

طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)

(طس) قد مر الكلام مفصلاً في فواتح السور، وهذه الحروف إن كانت اسماً للسورة فمحلها الرفع على الابتداء، وما بعدها خبرها، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي اسم هذه السورة طس، وإن كانت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها، والله أعلم بمراده بذلك.

(تلك) إشارة إلى نفس السورة لأنها قد ذكرت إجمالاً بذكر اسمها (آيات القرآن وكتاب مبين) عطف بزيادة صفة على مفهوم المعطوف عليه، وكان مفيداً بهذا الاعتبار، والمراد بالكتاب القرآن نفسه أو اللوح المحفوظ، أو نفس السورة.

وقد وصف الآيات بالوصفين، القرآنية الدالة على كونها مقروءة مع الإشارة إلى كونها قرآناً عربياً معجزاً، والكتابية الدالة على كونها مكتوبة، مع الإشارة إلى كونها متصفة بصفة الكتب المنزلة ثم ضم إلى الوصفين وصفاً ثالثاً، وهي الإبانة لمعانيه لمن يقرأه: وهو من أبان بمعنى بان، معناه اتضح إعجازه، بما اشتمل عليه من البلاغة أو مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام، وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب؛ أو لسبيل الرشد والغي، أو فارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام.

وقدم وصف القرآنية هنا نظراً إلى تقدم حال القرآنية على حال الكتابة، وأخره في سورة الحجر فقال: تلك آيات الكتاب وقرآن مبين، نظراً إلى حالته التي قد صار عليها فإنه مكتوب، والكتابة سبب القراءة، والله أعلم.

وأما تعريف القرآن هنا وتنكير الكتاب، وتعريف الكتاب في سورة الحجر وتنكير القرآن، فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ووصفان له، لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف.

27:2Page 377

هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

As guidance and good tidings for the believers

(هدى وبشرى للمؤمنين) أي: تلك آيات هادية ومبشرة أو هو هدى أو يهدي هدى ويبشر بشرى، أو هاد من الضلالة، ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى فقال:

27:3Page 377

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٣

Who establish prayer and give zakāh, and of the Hereafter they are certain [in faith].

(الذين يقيمون الصلاة) أي الخمس، ويديمون على شرائطها من

الفروض والسنن، ويأتون بها على وجهها.

(ويؤتون الزكاة) أي: يؤدون ويعطون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم، طيبة بها أنفسهم، ولما كانت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما، أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه، أتى به جملة اسمية فقال:

(وهم بالآخرة هم يوقنون) يعلمونها بالاستدلال، وجعل الخبر مضارعاً للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد في كل وقت، وعدم الانقطاع وكرر الضمير للدلالة على الحصر، ولما فصل بينه وبين الخبر، أي لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق، وأنهم الأوحدون فيه، ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة فقال:

27:4Page 377

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ ٤

Indeed, for those who do not believe in the Hereafter, We have made pleasing to them their deeds, so they wander blindly.

(إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: لا يصدقون بالبعث وهم الكفار.

(زينا لهم أعمالهم) قيل: المراد أن الله زين لهم أعمالهم السيئة القبيحة بتركيب الشهوة فيهم، حتى رأوها حسنة، وقيل: المراد أن الله زين لهم الأعمال الحسنة وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا والآخرة فلم يقبلوا ذلك. قال الزجاج: معنى الآية إنا جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه بأن جعلناه مشتهى بالطبع محبوباً للنفس.

(فهم يعمهون) أي يترددون فيها متحيرين على الاستمرار، لا يهتدون. إلى طريقه، ولا يقفون على حقيقته؛ لعدم إداركهم قبحها في الواقع، وقيل: المعنى يتمادون، قاله أبو العالية وقال قتادة: يلعبون. وعن الحسن: يتحيرون. وقيل: يداومون وينهمكون فيها، ويستمرون. والمعاني متقاربة.

27:5Page 377

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥

Those are the ones for whom there will be the worst of punishment, and in the Hereafter they are the greatest losers.

(أولئك الذين لهم سوء العذاب) أي: أشده، قيل: في الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده:

(وهم في الآخرة هم الأخسرون) أي: هم أشد الناس خسراناً، وأعظمهم خيبة، فالمفضل عليه هو أنفسهم من حيث اعتبار اختلاف الزمان والمكان ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال مخاطباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -:

27:6Page 377

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦

And indeed, [O Muḥammad], you receive the Qur’ān from one Wise and Knowing.

(وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) أي: يلقى عليك بشدة فتلقاه، وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم، ووجه الجمع بينهما -مع أن العلم داخل في الحكمة- أن العلم الذي يدخل فيها هو العلم العملي، وهو الذي يتعلق بكيفية عمل، والعلم أعم منه، فكأنه قيل: مصيب في أفعاله، لا يفعل شيئاًً إلا على وفق علمه، عليم بكل شيء، سواء كان ذلك العلم مؤدياً إلى العمل أم لا.

قيل: إن (لدن) هاهنا بمعنى عند، وفيها لغات كما تقدم في سورة الكهف، وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه؛ وقد اشتملت هذه السورة على قصص خمس: الأولى هذه، وتليها قصة النملة، وتليها قصة بلقيس، وتليها قصة صالح، وتليها قصة لوط.

إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)

27:7Page 377

إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧

[Mention] when Moses said to his family, "Indeed, I have perceived a fire. I will bring you from there information or will bring you a burning torch that you may warm yourselves."

(إذ قال موسى لأهله) قال الزجاج: أي اذكر قصته إذ قال لأهله، والمراد بأهله امرأته في مسيره من مدين إلى مصر، وكان في ليلة مظلمة باردة مثلجة وقد ضل الطريق، وأخذ زوجه الطلق، والحامل له على هذا السفر أن يجتمع بأمه وأخيه بمصر، ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب، فكنى عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة للتعظيم، وقيل: كان معه ولده وخادمه أيضاً ومثله قوله: امكثوا (إني آنست ناراً) أي أبصرتها من بعيد.

(سآتيكم منها بخبر) عن حال الطريق، وكان قد ضلها، والسين تدل على بعد مسافة النار وتأكيد الوعد. والجمع -إن صح أنه لم يكن معه عليه السلام إلا امرأته لما كنى عنها بالأهل، أو للتعظيم- مبالغة في التسلية.

(أو آتيكم بشهاب قبس) بتنوينهما على أن الثاني بدل من الأول أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس، أي بشعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة من أصلها، وقرئ بالإضافة على أنها للبيان، فالمراد تعيين المقصود الذي هو القبس الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء، لأن من النار ما ليس بقبس كالجمر وكلتا العدتين منه عليه الصلاة والسلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه من صيغة الترجي والترديد للإيذان بأنه إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناء على ظاهر الأمر وثقة بسنة الله تعالى فإنه تعالى لا يكاد يجمع على عبده حرمانين، قاله أبو السعود.

والمعنى على القراءتين آتيكم بشعلة نار مأخوذة من أصلها في رأس فتيلة أو عود. قال الزجاج: من نوّن جعل (قبس) من صفة (شهاب). وقال الفراء: هذه الإضافة كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، أضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس: هي إضافة النوع إلى الجنس، كما تقول ثوب خز وخاتم حديد وهي بمعنى: من. أي: شهاب من قبس.

قال: ويجوز في غير القرآن بشهاب قبساً، على أنه مصدر أو بيان أو حال. قال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب. وقال أبو عبيدة: الشهاب النار، وقال ثعلب: أصل الشهاب عود، في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه، والشهاب الشعاع المضيء، وقيل للكوكب: شهاب.

(لعلكم تصطلون) أي: رجاء أن تستدفئوا بها من البرد: أو لكي تستدفئوا بها، يقال: صلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ بها، والصلاء النار العظيمة، واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على جواز نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ التزوج.

27:8Page 377

فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨

But when he came to it, he was called, "Blessed is whoever is at the fire and whoever is around it. And exalted is Allāh, Lord of the worlds.

(فلما جاءها) أي النار التي أبصرها (نودي) من جانب الطور (أن بورك من في النار ومن حولها) (أن) هي المفسرة لما في النداء من معنى القول، أي قيل له: بورك أو هي المصدرية أي بأن بورك، أي بارك الله أي ناداه بأنا قدسناك، وطهرناك، واخترناك للرسالة. وقيل: هي المخففة من المثقلة، وتقديره بأنه بورك، واسمها ضمير الشأن، وبورك خبرها، وجاز ذلك من غير عوض، وإن منعه الزمخشري، أي لم يحتج هنا إلى فاصل. لأن قوله بورك دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة. وقرئ أن بوركت النار.

وحكى الكسائي عن العرب باركك الله وبارك فيك وعليك ولك. وكذلك حكى هذا الفراء. قال ابن جرير: قال بورك من في النار، ولم يقل بورك على من في النار، على لغة من يقول: باركك الله، أي بورك، وقدس، وطهر من النار، وهو موسى، وليس هو فيها حقيقة، بل في المكان القريب منها وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حي إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) قاله القرطبي.

ْوقال السدي: كان في النار ملائكة، والنار هنا هي مجرد النور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما وصل إليها وجدها نوراً، وعن الحسن، وسعيد بن جبير أن المراد بمن في النار هو الله سبحانه أي نوره أو قدرته وسلطانه. وقيل: بورك ما في النار من أمر الله سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة.

قال الواحدي: ومذهب المفسرين أن المراد بالنار هنا النور، وعن ابن عباس قال: يعني تبارك وتعالى نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها يعني الملائكة؛ وعنه قال: كان الله في النور، نودي من النور ومن حولها. قال الملائكة، وعنه قال: ناداه الله وهو في النور وعنه قرئ بوركت النار، وفي مصحف أُبي بن كعب. بوركت النار أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين.

وعن ابن عباس، بورك قال: قدس، وقيل: المراد (من) غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها. وأخرج عبد بن حميد، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ". ثم قرأ أبو عبيدة (أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) والحديث أصله مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة.

وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران. والمراد بعثة موسى من سيناء، وبعثة عيسى من ساعير، وبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - من فاران، وهو اسم مكة، ثم نزه سبحانه نفسه من السوء فقال:

(وسبحان الله رب العالمين) فيه تعجيب لموسى من ذلك هو من جملة ما نودي به، وإنما وقع التعرض للتنزيه في هذا المقام لدفع ما رب أن يتوهمه موسى بحسب الطبع البشري، الجاري على العادة الخلقية أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث، ككلام الخلق، أو المتكلم به في مكان أو جهة قاله الحفناوي.

27:9Page 377

يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩

O Moses, indeed it is I - Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

(يا موسى إنه) أي الشأن (أنا الله العزيز) الغالب القاهر (الحكيم) في أمري وفعلي، وقيل: إن موسى قال: يا رب من الذي ناداني؟ فأجابه سبحانه بقوله: إنه أنا الله، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات فأمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه على يده من المعجزات الخارقة، فيأنس بها فقال:

27:10Page 377

وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it were a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, fear not. Indeed, in My presence the messengers do not fear.

(وألق) عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق (عصاك فلما رآها تهتز) جملة حالية من هاء (رآها) لأن الرؤية بصرية وقوله (كأنها جان) يجوز أن تكون حالاً ثانية وأن تكون حالاً من ضمير (تهتز) فتكون حالاً متداخلة، قاله السمين.

قال الزجاج: صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان وهو الحية البيضاء، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها وإلا فجثتها كانت كبيرة جداً: وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وجمع الجان جنان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم، وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها، ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل: فألقاها فانقلبت حية تسعى، فأبصرها.

فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب (ولى مدبراً) من الخوف (ولم يعقب) أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، يقال: عقب فلان إذا رجع وكل راجع معقب، وقيل: لم يقف ولم يلتفت ولم يعطف، ولم ينظر، والأول أولى. لأن التعقيب هو الكر بعد الفر، وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله:

(يا موسى لا تخف) من غيري أي: من الحية وضررها ثقة بي أو لا تخف مطلقاً.

(إني لا يخاف لدي المرسلون) أي: لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي، من حية وغيرها، فلا تخف، أنت عندي. قيل: ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات، بل في وقت الخطاب لهم، والإيحاء والإرسال؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون في مطالعة شؤون الله عز وجل، لا يخطر ببالهم خوف من شيء وأما في غير هذه الحالة فالمرسلون أخوف الناس منه تعالى. أو المعنى لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه، ثم استثنى استثناء منقطعاً فقال:

27:11Page 377

إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١

Otherwise, he who wrongs, then substitutes good after evil - indeed, I am Forgiving and Merciful.

(إلا من ظلم) أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية (ثم بدل حسناًْ) أي: توبة وندماً أتاه (بعد سوء) أي بعد عمل سوء (فإني غفور رحيم) أقبل التوبة وأغفر له؛ وقيل: الاستثناء من مقدر، أي لا يخاف لدي المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم " إلا من ظلم ... الخ "، كذا قال الفراء. وقال النحاس: الاستثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لم يذكر. وعن الفراء أن (إلا) بمعنى الواو.

وقيل: إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال: علم من عصاه منهم فاستثناه فقال إلا من ظلم، وإن كنت قد غفرت له كآدم، وداود. وإخوة يوسف، وموسى لقتله القبطي. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول: وددت أني شجرة تعضد.

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)

27:12Page 377

وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ١٢

And put your hand into the opening of your garment [at the breast]; it will come out white without disease. [These are] among the nine signs [you will take] to Pharaoh and his people. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

(وأدخل يدك في جيبك) المراد بالجيب هو المعروف، أي طوق القميص سمي جيباً لأنه يجاب، أي: يقطع ليدخل فيه الرأس. وفي القصص (أسلك يدك في جيبك) وفي (أدخل) من المبالغة ما لم يكن في (أسلك) ولم يأمره بإدخالها في كمه لأنه كان عليه مدرعة صغيرة من صوف لا كم لها. وقيل: كان لها كم قصير، عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له أدخل يدك في جيبك فأدخلها.

(تخرج) خلاف لونها من الأدمة (بيضاء من غير سوء) أي من غير برص أو نحوه من الآفات فهو احتراس، وقيل: في الكلام حذف تقديره: أدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج، ولا حاجة إلى هذا الحذف، ولا ملجئ إليه. قال المفسرون: وكانت على موسى مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق كالبرق لها شعاع يغشي البصر.

(في تسع آيات) قال أبو البقاء: هو في محل نصب على الحال من فاعل (تخرج) وفيه بعد. وقيل: متعلق بمحذوف أي: اذهب في تسع آيات وقيل: متعلق بقوله: ألق عصاك وأدخل يدك، في جملة تسع آيات: وقيل: المعنى مهما آيتان من تسع، يعني العصا واليد فتكون الآيات إحدى عشرة، هاتان والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، قال النحاس: أحسن ما قيل فيه: إن هذه الآية يعني اليد داخلة في تسع آيات، وكذا قال المهدوي والقشيري.

قال الزجاج والقشيري: تقول خرجت في عشرة نفر وأنت أحدهم أي: خرجت عاشر عشرة فـ (في) بمعنى من، لقربها منها كما تقول: خذ لي عشراً من الإبل فيها فحلان، أي منها. وقيل: في بمعنى مع واليد والعصا خارجتان من التسع، وكذا فعل ابن عطية.

(إلى فرعون وقومه) قال الفراء: في الكلام إضمار، أي: إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه، وكذا قال الزجاج.

(إنهم كانوا قوماً فاسقين) تعليل لما قبله من المقدر، أي خارجين عن الحدود في الكفر والعدوان.

27:13Page 377

فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١٣

But when there came to them Our visible signs, they said, "This is obvious magic."

(فلما جاءتهم آياتنا) التي كانت على يد موسى حال كونها (مبصرة) أي مضيئة واضحة اسم فاعل أطلق على المفعول نحو ماء دافق، أي مدفوق إشعاراً بأنها لفرط إنارتها ووضوحها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر. كقوله: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة) وقرئ مبصرة بفتح الميم والصاد، أي مكاناً يكثر فيه التبصر، كما يقال: الولد مجبنة ومبخلة، والأول أولى. ونسب الإبصار إليها مجازاً لأن بها يبصر. والمعنى إضاءة معنوية في كلها أو حسية أيضاً في بعضها وهو اليد.

فلما جاءتهم آياتنا (قالوا هذا) الذي نشاهده من الخوارق التي أتى بها موسى (سحر مبين) واضح ظاهر سحريته.

27:14Page 378

وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤

And they rejected them, while their [inner] selves were convinced thereof, out of injustice and haughtiness. So see how was the end of the corrupters.

(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) أي قد كذبوا بها ولم يقروا حال كون أنفسهم مستيقنة لها أنها من عند الله فالواو للحال، يقال: جحد حقه وبحقه بمعنى، والاستيقان أبلغ من الإيقان.

(ظلماً) أي للآيات كقوله تعالى: بما كانوا بآياتنا يظلمون، ولقد ظلموا بها أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية، وسموها سحراً.

(وعلواً) استكباراً عن الإيمان بها كقوله تعالى والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها؛ وانتصابهما إما على العلة أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو، أو على الحالية من فاعل جحدوا، أي جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف، أي جحدوا بها جحوداً ظلماً وعلواً.

قال أبو عبيدة: والباء في (وجحدوا بها) زائدة. وقال الزجاج: التقدير وجحدوا بها ظلماً وعلواً أي وتكبروا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، وهم يعلمون أنها من عند الله.

(فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) أي تفكر يا محمد في ذلك فإن فيه معتبراً للمعتبرين، وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم هنا في البحر، على تلك الصفة الهائلة، والإحراق ثمة، وإنما لم يذكر تنبيهاً على أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيما بين كل باد وحاضر. ولما فرغ سبحانه من قصة موسى، شرع في قصة داود وابنه سليمان، وهذه القصة وما قبلها وما بعدها، هي كالبيان والتقرير لقوله: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) فقال:

27:15Page 378

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥

And We had certainly given to David and Solomon knowledge, and they said, "Praise [is due] to Allāh, who has favored us over many of His believing servants."

(ولقد آتينا) أي أعطينا (داود وسليمان) ابنه (علماً) التنوين إما للنوع أي طائفة من العلم، أو للتعظيم، أي علماً كثيراً، قيل: المراد علم الدين والحكم، وقيل: علم القضاء والسياسة، وقيل: علم داود تسبيح الطير، وعلم سليمان منطق الطير والدواب.

وكان لداود تسعة عشر ولداً، سليمان واحد منهم، وعاش داود مائة سنة وبينه وبين موسى [[ليس في القرآن ولا في السنة دليل على هذا التحديد التاريخي وبالرجوع إلى التواريخ الإسرائيلية لوحظ أنه ينقصه التحقيق؛ فهو لا يتفق مع أي حساب. المطيعي.]] خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، وعاش سليمان نيفاً وخمسين سنة، وبينه وبين محمد - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة وسبعمائة سنة ذكره في التحبير.

(وقالا) أي كل منهما والواو للعطف على محذوف لأن هذا المقام مقام الفاء، فالتقدير ولقد آتيناهما علماً فعملا به، وقالا شكراً لله.

(الحمد لله) ويؤيده أن الشكر باللسان وإنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب، وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية (الذي فضلنا) بالعلم والنبوة وتسخير الطير والجن والإنس والشياطين (على كثير) ممن لم يؤت علماً أو مثل علمنا، وهذه المقالة على سبيل التحدث والشكر (من عباده المؤمنين) ولم يفضلوا أنفسهم على الكل تواضعاً منهم.

وظاهر النظم أن التسخير كان لكل من داود وسليمان، ومثله في الخازن -، والخطيب وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من العباد؛ ومنح شرفاً جليلاً، وما سماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم.

وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، فقد قال الله عز وجل: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً إلى قوله: عباده المؤمنين) وأي نعمة أفضل مما أعطي داود وسليمان؟

أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله، والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته.

وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)

27:16Page 378

وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

And Solomon inherited David. He said, "O people, we have been taught the language of birds, and we have been given from all things. Indeed, this is evident bounty."

(وورث سليمان داود) أي ورثه العلم والنبوة أو الكتب، دون باقي أولاده، قال قتادة والكلبي: كان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً، فورث سليمان من بينهم نبوة، ولو كان المراد وراثة المال لم يخص سليمان بالذكر، لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين.

فهذه الوراثة هي وراثة مجازية، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: العلماء ورثة الأنبياء، قال قتادة: في الآية ورث نبوته وملكه وعلمه؛ وأعطى ما أعطي داود وزيد له تسخير الريح، والجن والشياطين، وكان أعظم ملكاً منه، وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، شاكراً لنعم الله تعالى.

(وقال) سليمان لبني إسرائيل تحدثا بما أنعم الله به عليه، وشكر النعمة التي خصه بها (يا أيها الناس علمنا) الضمير فيه وفي أوتينا لكل من داود وسليمان، قال القرطبي: تفضل الله علينا زيادة على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة، والخلافة في الأرض أن فهمنا (منطق الطير) أي فهم ما يريده كل طائر إذا صوت، والمعاني التي في نفوسها، سمى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس. وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصة به، لا يشاركه فيها غيره. قال الفراء: منطق الطير كلام الطير، فجعل كمنطق الرجل. ومعنى الآية فهمنا ما يقول الطير.

ومقتضى هذا أن كُلاًّ منهما كان يعلم أصوات الطير؛ وما تريده. قال الخطيب: علمنا أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله. وفي البيضاوي النطق والمنطق في التعارف: كل لفظ يعبر به عما في الضمير؛ مفرداً كان أو مركباً مفيداً كان أو غير مفيد. وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات نزلت منزلة العبارات، سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض، بحيث يفهمها ما هو من جنسه.

ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية الغرض الذي صوت لأجله، والغرض الذي توخاه به انتهى. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جنداً من جنوده، يسير معه لتظليله من الشمس، فخص بالذكر لكثرة مداخله. وقال قتادة والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة، ولا يعترض ذلك بالنملة فإنها من جملة الطير، وكثيراً ما تخرج لها أجنحة فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع سليمان كلامها وفهمه.

أخرج أحمد في الزهد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الصديق [[أبو الصديق الناجي واسمه بكر بن عمرو، وقال ابن سعد في الطبقات يتكلمون في أحاديثه يستنكرونها وقال غيره: ثقة تابعي، قال الذهبي يحتج به في الصحاح والكلام هنا عن قصة دعاء النملة موقوف عليه. المطيعي.]] الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا، وإما إن تهلكنا، فقال سليمان: للناس ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.

وقد ذكر الخازن والنسفي في تفسيريهما منطق بعض الطيور، وما تقوله القمري وغيرها، وكذا القرطبي بلا إسناد صحيح متصل يعتمد عليه، ويصار إليه فتركنا ذكره هاهنا فإنه لا يأتي بكثير فائدة للمنقحين.

(وأوتينا من كل شيء) تدعو إليه الحاجة، كالعلم والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن، والإنس، والطير، والرياح، والوحش، والدواب، وكل ما بين السماء والأرض. وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بياناً لحاله من كونه مطاعاً لا يخالف، لا تكبراً وتعظيماً لنفسه، عن جعفر [[يعتبر الشيعة الإمامية والشيعة الإثنا عشرية وطائفة الإسماعيلية جعفر بن محمد أحد الأئمة المعصومين ويعدون قوله بمنزلة التنزيل، ورحم الله جعفراً الصادق وأباه محمداً الباقر، وأجدادهما الطاهرين لو رأيا كيف اتخذهما بعض الناس أرباباً لالتمسا في يديهما السيوف. المطيعي.]] بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم، وأعطي كل شيء.

وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله أن يقبضه أوحى إليه أن يستودع علم الله وحكمته أخاه؛ وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً، أنبياء بلا رسالة. قال الذهبي: هذا باطل وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان عن القرظي وغيره لا تطيب النفس بذكر شيء منها، فالإمساك عن ذكرها أولى.

(إن هذا) أي ما تقدم ذكره من التعليم والإيتاء (لهو الفضل المبين) أي الظاهر الواضح، الذي لا يخفي على أحد. أو المظهر لفضيلتنا وإنما قال ذلك شكراً لا فخراً.

27:17Page 378

وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٧

And gathered for Solomon were his soldiers of the jinn and men and birds, and they were [marching] in rows

(وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) من الأماكن المختلفة في مسير له، والحشر: الجمع، أي: جمع له جنوده من هذه الأجناس. وقد أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده؛ وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول، ولا تصح من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك وأكثر.

(فهم يوزعون) أي: لكل طائفة منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم فيقفون على مراتبهم. قيل: كان في جنوده وزراء وهم النقباء، ترد أول العسكر على آخره، لئلا يتقدموا في السير. يقال: وزعه يزعه وزعاً: كفه، فاتزع أي: انكف وأوزعه بالشيء أغراه به؛ واستوزعت الله شكره فأوزعني، أي استلهمته فألهمني، والوازع في الحرب الموكل بالصفوف، يزع من تقدم منهم أي يرده، وجمعه وزعة: وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق، يقال: القوم أوزاع، أي طوائف.

وقال ابن عباس: يوزعون يدفعون. وعنه قال: لكل صف وزعة، ترد أولاها على آخرها، لئلا تتقدمها في السير كما يصنع الملوك وفي الآية دليل على اتخاذ الأئمة والحكام وزعة، يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. قال الحسن: لا بد للناس من وازع أي سلطان يكفهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском