Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:58–77
28:58Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
(وكم أهلكنا من قرية) أي: أهل قرية كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء، رد لقولهم: إن نتبع الهدى معك نتخطف الخ بيَّن الله بهذا أن الأمر بالعكس، وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم فكثير من أهل القرى كان حالهم كحال هؤلاء في الأمن والخصب.
ثم (بطرت) أي: طغت وتمردت وخسرت وأشرت (معيشتها) أي في زمن حياتها، وقال الكرخي: كفرت نعمة معيشتها، أي أيام حياتها وهي ما يعاش به من النبات والحيوان وغيرهما، يعني وقع منهم البطر فأهلكوا قال الزجاج البطر الطغيان عند النعمة.
وفي القاموس: البطر محركاً النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وفعل الكل كفرح، وبطر الحق أي: تكبر عنده فلا يقبله.
قال عطاء: عاشوا في البطر؛ فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام. وقال الزجاج والمازني: معناها بطرت في معيشتها فلما حذفت (في) تعدى الفعل كقوله واختار موسى قومه، وقال الفراء: هو منصوب على التفسير كما تقول بطرك مالك، وبطرته، ونظيره قوله تعالى؛ إلا من سفه نفسه، ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين، لأن معنى التفسير أن تكون النكرة دالة على الجنس. وقيل إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى جهلت
(فتلك مساكنهم) أي منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار، كبلاد ثمود، وقوم شعيب وغيرهم، قد خربت بما ظلموا.
(لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً) أي: لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمناً قليلاً كالذي يمر بها مسافراً فإنه يلبث فيها يوماً أو بعض يوم أو المعنى: لم يبق من يسكن فيها إلا أياماً قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم، وقيل: إن الاستثناء يرجع إلى المساكن أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلة من المساكن وأكثرها خراب، كذا قال الفراء، وهو قول ضعيف
(وكنا نحن الوارثين) لها منهم لأنهم لم يتركوا وارثا يرث منازلهم وأموالهم، ولم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وغيرها وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)
28:59Page 392
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
(وما كان ربك) بيان للعادة الربانية أي: ما صح، ولا استقام، وما كان، وما ثبت في حكمه الماضي، وقضائه السابق أن يكون (مهلك القرى) الكافر أهلها قبل الإنذار (حتى يبعث) ويرسل (في أمها) أي أكبرها وأعظمها (رسولاً) ينذرهم.
و (يتلو عليهم آياتنا) أي تالياً عليهم آيات الله الدالة الناطقة بما أوجبه الله عليهم، وما أعده من الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومخبراً أن العذاب سينزل بهم إذا لم يؤمنوا، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها لأن فيها أشراف القوم وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك والأكابر فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى وقال الحسن: أم القرى أولها، وقيل: المراد بأم القرى هنا مكة كما في قوله: (إن أول بيت وضع للناس) الآية، والالتفات إلى نون العظمة لتربية المهابة والروعة، وقد تقدم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف.
(وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) معطوفة على الجملة التي قبلها والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي: وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولاً يدعوهم إلى الحق في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر، بعد الإعذار إليهم، وتأكيد الحجة عليهم، كقوله سبحانه (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).
28:60Page 393
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠
And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?
(وما أوتيتم) يا كفار مكة (من شيء) من الأشياء (فمتاع) أي فهو متاع (الحياة الدنيا) تتمتعون به مدة حياتكم، أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه، أو يزول عنكم (وزينتها) تتزينون به أيام عيشكم، ثم يفنى وعلى كل حال فذلك إلى فناء وانقضاء.
(وما عند الله) من ثوابه وجزائه (خير) من ذلك الزائل الفاني لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر (وأبقى) لأنه يدوم أبداً، وذلك ينقضي بسرعة.
(أفلا تعقلون) أن الباقي أفضل من الفاني وما فيه لذة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر، المنغصة بعوارض البدن والقلب قيل من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل، قال الشافعي رحمه الله: من وصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف إلى المشتغلين بطاعة الله، وقرئ؛ يعقلون بالياء، والتاء على الخطاب وهي أرجح لقوله وما أوتيتم.
وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يقول الله عز وجل يا ابن آدم مرضت فلم تعدني الحديث بطوله ".
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال: يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا، وأعطش ما كانوا، وأعرى ما كانوا فمن أطعم لله عز وجل أطعمه الله ومن كسا لله عز وجل كساه الله، ومن سقى لله عز وجل سقاه الله ومن كان في رضاء الله كان الله في رضاه.
28:61Page 393
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
(أفمن وعدناه وعداً حسناً) بالجنة وما فيها (من النعم) التي لا تحصى (فهو لاقيه) أي مدركه ومصيبه لا محالة، فإن الله لا يخلف الميعاد ولذلك جيء بالإسمية المفيدة لتحققه، وعطف بفاء السببية، والفاء الأول لترتيب إنكار التساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاعها وبين ما عند الله عز وجل.
(كمن متعناه متاع الحياة الدنيا)؟ المشوب بالأكدار المستتبع للتحسر على الانقطاع، فأعطي منه بعض ما أراد مع سرعة زواله. وتنغيصه عن قريب.
(ثم هو يوم القيامة من المحضرين) هذا معطوف على قوله: متعناه داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له، والمعنى ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار، وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا العذاب اقتضاه المقام. وفيه من التهويل ما لا يخفى أي ليس حالهما سواء فإن الموعود بالجنة لا بد أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا، وهذا حال المؤمن.
وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلا مجرد التمتع بشيء من الدنيا، يستوي فيه هو والمؤمن، وينال كل واحد منهما حظه منه؛ وهو صائر إلى النار، فهل يستويان؟
و (ثم) للتراخي في الزمان أو في الرتبة قيل: نزلت في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي جهل، أو في علي وحمزة وأبي جهل؛ أو في المؤمن والكافر، أو في عمار ابن ياسر والوليد بن المغيرة.
28:62Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
(ويوم يناديهم) أي اذكر يوم ينادي الله سبحانه هؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله والقصد من هذا النداء توبيخهم وتقريعهم، بأن معبوداتهم لم تنفعهم في هذا الوقت (فيقول) لهم (أين شركائي الذين) عبدتموهم من دوني، وأثبَتُّم لهم شركة في استحقاق العبادة و (كنتم تزعمون) أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم.
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66)
28:63Page 393
قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣
Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2
(قال الذين حق عليهم القول) أي حقت عليهم كلمة العذاب، بدخول النار وهم رؤساء الضلال، الذين اتخذوهم أرباباً من دون الله كذا قال الكلبي وقال قتادة: هم الشياطين.
(ربنا هؤلاء الذين أغوينا) أي: دعوناهم إلى الغواية، يعنون الأتباع في الكفر (أغويناهنم كما غوينا) أي: أضللناهم كما ضللنا، وآثروا الكفر على الإيمان، كما آثرنا نحن، وكنا السبب في كفرهم، فقبلوا منا، فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا لهم داعياً إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد، والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر، وداعياً إلى الإيمان.
(تبرأنا إليك) ممن أطاعنا؛ وهذا مقرر لما قبله، ولذلك لم يعطف، قال الزجاج: برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ). (ما كانوا إيانا يعبدون) إنما كانوا يعبدون أهواءهم. قيل: ما مصدرية، أي تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا والأول أولى.
28:64Page 393
وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤
And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!
(وقيل) للكفار من بني آدم تهكماً بهم وتبكيتاً لهم (ادعوا شركاءكم) أي: استغيثوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونهم من دون الله في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم (فدعوهم) عند ذلك (فلم يستجيبوا لهم) ولا نفعوهم بوجه من وجوه النفع.
(ورأوا) أي التابع والمتبوع (العذاب) قد غشيهم (لو أنهم كانوا يهتدون) قال الزجاج جواب لو محذوف أي لأنجاهم ذلك ولم يروا العذاب، وقيل: المعنى دعوهم، وقيل: لو كانوا يهتدون في الدنيا لعلموا أن العذاب حق، وقيل: لو يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب، وقيل: قد آن لهم أن يهتدوا، لو كانوا يهتدون، وقيل: غير ذلك.
28:65Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥
And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"
(ويوم يناديهم) عطف على ما قبله فسئلوا أولاً عن إشراكهم، وثانياً عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك كما قال: (فيقول ماذا أجبتم المرسلين) أي ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوا رسالاتي.
28:66Page 393
فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦
But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.
(فعميت عليهم الأنباء يومئذ) أي خفيت عليهم الحجج حتى صاروا كالعمي الذين لا يهتدون، والأصل فعموا عن الأنباء، ولكنه عكس الكلام للمبالغة والأنباء الأخبار وأنما سمى حججهم أخباراً لأنها لم تكن من الحجة في شيء وإنما هي أقاصيص وحكايات وقرئ: عميت بضم العين وتشديد الميم.
(فهم لا يتساءلون) أي لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب النافع وذلك لفرط الدهشة أو لعلمهم بأن الكل سواء في الجهل، وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً عن الأنساب، قاله مجاهد: ولا ينطقون بحجة، ولا يدرون بما ْيجيبون لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم عذر ولا حجة يوم القيامة.
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71)
28:67Page 393
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧
But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.
(فأما من تاب) من الشرك (وآمن) وصدق بتوحيد الله (وعمل صالحاً) أي أدى الفرائض (فعسى أن يكون من المفلحين) أي الناجين بوعد الله الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين، وعسى وإن كانت في الأصل للرجاء فهي من الله واجب على ما هو عادة الكرام، وقيل: إن الترجي هو من قبل التائب المذكور لا من جهة الله سبحانه، أي فليتوقع الفلاح.
28:68Page 393
وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨
And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.
(وربك يخلق ما يشاء) أن يخلقه، وفيه دلالة على خلق الأفعال (ويختار) ما يشاء أن يختار، لا يسأل عما يفعل؛ وهم يسألون؛ وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم، أي: الاختيار إلى الله.
(ما كان لهم الخيرة) أي التخير، وهو كالطيرة فإنها التطير؛ اسمان يستعملان استعمال المصدر وبمعنى المتخير كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه. وقيل: المراد من الآية أنه ليس لأحد من خلق الله أن يختار شيئاً اختياراً حقيقياً بحيث يقدم على تنفيذه بدون اختيار الله، بل الاختيار هو إلى الله عز وجل،. يختار لطاعته أو لنبوته، أو المعنى يخلق محمداً ويختار الأنصار لدينه، وقيل: اختار من النعم ضأناً، ومن الطير الحمام، ولا وجه للتخصيص. والعموم أولى.
وظاهر الآية نفي الاختيار عنهم رأساً، والأمر كذلك، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار الله، منوط بدواع لا اختيار لهم فيها، وقيل: إن هذه الآية جواب عن قولهم: (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وقيل: جواب عن اليهود حيث قالوا: لو كان الرسول إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - غير جبريل لآمنا به.
قال الزجاج: الوقف على (ويختار) تام على أن (ما) نافية قال: ويجوز أن يكون (ما) في موضع نصب بـ (يختار) والمعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، والصحيح الأول لإجماعهم على الوقف، وقال ابن جرير: إن تقدير الآية ويختار لولايته الخيرة من خلقه. وهذا في غاية من الضعف، وجوز ابن عطية أن تكون (كان) تامة ويكون (لهم الخيرة) جملة مستأنفة. وهذا أيضاً بعيد جداً، ومن قال معناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، فهو مائل إلى الاعتزال، وقيل: إن (ما) مصدرية، أي يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي ويختار مختارهم، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير والراجح أول هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة) وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح تعليم الاستخارة، وكيفية صلاتها ودعائها، فلا نطول بذكرها، ثم نزه سبحانه نفسه فقال:
(سبحان الله) أي تنزه تنزهاً خاصاً به، من غير أن ينازعه منازع، أو يشاركه مشارك، أو يزاحم اختياره (وتعالى كما يشركون) أي عن الذين يجعلونهم شركاء له
28:69Page 393
وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩
And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
(وربك يعلم ما تكن صدورهم) أي تخفيه قلوبهم وتسره من الشرك، أو من عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسده، أو من جميع ما يخفونه مما يخالف الحق (وما يعلنون) بألسنتهم من ذلك ويظهرونه، ثم تمدح نفسه سبحانه بالوحدانية، والتفرد بالاستحقاق للحمد، فقال:
28:70Page 393
وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠
And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.
(وهو الله) أي هو المستأثر بالإلهية المختص بها، وقوله (لا إله إلا هو) تقرير لذلك (له الحمد في الأولى) أي في الدنيا (والآخرة) لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها، يحمده المؤمنون في الآخرة، كما حمدوه في الدنيا والتحميد سمة على وجه اللذة لا على المكلفة، وهو قولهم: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، الحمد لله الذي صدقنا وعده، وقيل الحمد لله رب العالمين.
(وله الحكم) أي القضاء النافذ في كل شيء، فيقضي بين عباده بما شاء من غير مشارك (وإليه) لا إلى غيره (ترجعون) بالبعث والنشور، والخروج من القبور فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
28:71Page 394
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١
Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"
(قل) لأهل مكة (أرأيتم)؟ أي أخبروني (إن جعل الله عليكم الليل سرمداً بإسكان الشمس تحت الأرض، أو بتحريكها حول الأفق الغائر، والسرمد هو الدائم المستمر، من السرد، وهو المتابعة والاطراد، فالميم زائدة كما في دلامص من الدلاص، ووزنه فعمل، وقيل: إن ميمه [[إذا كانت ميمه أصلية فيكون فعله الماضي على وزن مصدره سرمد يسرمد سرمداً.]] أصلية، ووزنه فعلل لا فعمل، وهو الظاهر، بين لهم سبحانه أنه مهد لهم أسباب المعيشة ليقوموا بشكر النعمة، فإنه لو كان الدهر الذي يعيشون فيه ليلاً دائماً لا نهار معه (إلى يوم القيامة) لم يتمكنوا من الحركة فيه، وطلب ما لا بد لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم، والمشارب، والملابس، ثم امتن عليهم فقال:
(من إله غير الله يأتيكم)؟ أي هل لكم من إله بزعمكم من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم (بضياء) أي بنور تطلبون فيه المعيشة، وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه وتصلح ثماركم، وتنمو عنده زرائعكم، وتعيش فيه دوابكم والجملة صفة أخرى لـ (إله) عليها يدور التبكيت والإلزام (أفلا تسمعون)؟ هذا الكلام سماع فهم، وقبول، وتدبر وتفكر، وهذا توبيخ لهم على أبلغ وجه، ثم لما فرغ الله من الامتنان عليهم بوجود النهار؛ امتن عليهم بوجود الليل فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)
28:72Page 394
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢
Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"
(قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً)؟ أي: جعل جميع الدهر الذي تعيشون فيه نهاراً (إلى يوم القيامة) لا ليل معه بإسكان الشمس في وسط السماء، أو تحريكها على مدار فوق الأفق.
(من إله غير الله)؟ بزعمكم (يأتيكم بليل تسكنون) أي تستقرون (فيه) من النصب والتعب. وتستريحون مما تزاولون من طلب المعاش والكبت.
(أفلا تبصرون)؟ هذه المنفعة العظيمة إبصار متعظ متيقظ، حتى تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير الله، فإذا أقروا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، فقد لزمتهم الحجة، وبطل ما يتمسكون به من الشبهة الساقطة، وإنما قرن سبحانه بالضياء قوله أفلا تسمعون؟ لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر، ومن درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل قوله أفلا تبصرون، لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام، ما تبصره أنت من السكون، ونحوه، البصر يدرك ما لا يدرك السمع من ذلك.
28:73Page 394
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣
And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.
(ومن رحمته) تعالى (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) أي في الليل (ولتبتغوا من فضله) أي في النهار بالسعي في المكاسب وفيه مدح للسعي في طلب الرزق، وهو لا ينافي التوكل (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تشكروا نعمة الله عليكم، وهذه الآية من باب اللف والنشر، واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكناً، وطلب الرزق في الليل ممكناً، وذلك عند طلوع القمر على الأرض، أو عند الاستضاءة بشيء مما له نور كالسراج، لكن ذلك قليل نادر، مخالف لما يألفه العباد فلا اعتبار به.
28:74Page 394
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
(ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) كرر سبحانه هذا لاختلاف الحالتين، لأنهم ينادون مرة فيدعون الأصنام، وينادون أخرى فيسكتون وفي هذا التكرار أيضاً تقريع بعد تقريع وتوبيخ بعد توبيخ وإيذان بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده، أو الأول لتقرير فساد رأيهم، والثاني لبيان أنه لم يكن عن مستند وإنما هو محض تشبه وهوى.
28:75Page 394
وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥
And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.
(ونزعنا) جاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق أي أخرجنا (من كل أمة) من الأمم. (شهيداً) يشهد عليهم بما قالوا، قال مجاهد: هم الأنبياء وقيل: عدول كل أمة، والأول أولى، ومثله قوله سبحانه: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ثم بين سبحانه ما يقوله لكل أمة من هذه الأمم بقوله:
(فقلنا) لهم: (هاتوا برهانكم) أي حجتكم ودليلكم بأن معي شركاء: فعند ذلك اعترفوا وخرسوا عن إقامة البرهان ولذا قال:
(فعلموا أن الحق لله) في الإلهية وأنه وحده لا شريك له (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي غاب عنهم غيبة الشيء الضائع، وبطل، وذهب ما كانوا يختلقون من الكذب في الدنيا بأن لله شركاء يستحقون العبادة، ثم عقب سبحانه حديث أهل الضلال بقصة قارون، لما اشتملت عليه من بديع القدرة، وعجيب الصنع فقال: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
28:76Page 394
۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦
Indeed, Qārūn was from the people of Moses, but he tyrannized them. And We gave him of treasures whose keys would burden a band of strong men; thereupon his people said to him, "Do not exult. Indeed, Allāh does not like the exultant.
(إن قارون كان من قوم موسى) قارون على وزن فاعول اسم أعجمي، ممتنع للعجمة والعلمية. وليس بعربي مشتق من قرنت، قال الزجاج: لو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف، قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب، وموسى هو ابن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان عم موسى لأب وأم، فجعله أخاً لعمران، وهما ابنا قاهث. وقيل: هو ابن خالة موسى، وكان يسمى: المنور، لحسن صورته، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة فسمع كلام الله، قاله الرازي، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، فنافق كما نافق السامري، وخرج عن طاعة موسى وهو معنى قوله:
(فبغى) أي جاوز الحد في التجبر والتكبر، وطلب التفضل (عليهم) وأن يكونوا تحت أمره وحسد موسى على رسالته، وهارون على إمامته. وكفر بالله بعد ما آمن بهما، بسبب كثرة ماله، قال الضحاك: بغيه على بني إسرائيل: استخفافه بهم لكثرة ماله وولده، وقال قتادة: بغيه بنسبة ما آتاه الله من المال إلى نفسه لعلمه وحيلته. وقيل: كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم. وقيل: كان بغيه بغير ذلك مما لا يناسب معنى الآية.
(وآتيناه من الكنوز) جمع كنز وهو المال المدخر، سميت أمواله كنوزاً لأنه كان ممتنعاً من أداء الزكاة. قال عطاء: أصاب كنزاً من كنوز يوسف، وقيل: كان يعمل الكيمياء.
(ما إن مفاتحه) (ما) موصولة صلتها (إن) وما في حيزها، ولهذا كسرت، ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع جعل الكسورة وما في حيزها صلة الذي، واستقبح ذلك منهم لوروده في الكتاب العزيز في هذا الموضع، والمفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وقيل: المراد بالمفاتح الخزائن، فيكون وأحدها مفتحاً بفتح الميم. وقال الواحدي: إن المفاتح الخزائن في قول أكثر المفسرين كقوله: وعنده مفاتح الغيب، قال: هو اختيار الزجاج قال: الأشبه في التفسير أن مفاتحه خزائن ماله، وقال آخرون: هي جمع مفتاح، وهو ما يفتح به الباب، فهذا قول قتادة ومجاهد.
وعن خيثمة قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود الإبل كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجل، وعنه قال: وجدت في الإنجيل أن بغال مفاتيح خزائن قارون غر محجلة ما يزيد كل مفتاح منها على أصبع لكل مفتاح كنز. قال الشوكاني: لم أجد في الإنجيل هذا الذي ذكره خيثمة.
(لتنوء بالعصبة أولي القوة) أي لتثقل بالجماعة الأقوياء يقال نأى [[ينظر في هذين المثالين فإنه لا صلة لهما بقوله تعالى لتنوء لأنه من باب ناء ينوء لا من باب نأى ينأى أي: من باب نصر ينصر لا من باب فتح يفتح فليحرر. المطيعي.]] بحمله إذا نهض به مثقلاً، ويقال نأى بي الحمل أي أثقلني، والمعنى يثقلهم حمل المفاتيح، فلا يستطيعون حملها. وقال الرازي: فلا يستطيعون ضبطها لكثرتها انتهى. قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، والمعنى: لتنوء بها العصبة، أي تنهض بها، قال أبو زيد: نأوت بالحمل إذا نهضت به، وقال الفراء معنى تنوء بالعصبة تميلهم بثقلها، كما يقال يذهب بالبؤس، ويذهب البؤس، وذهبت به، وأذهبته، وجئت به، وأجأته ونؤت به، وأنأوته، اختار هذا النحاس، وبه قال كثير من السلف.
وقيل: هو مأخوذ من النأي، وهو البعد وهو بعيد. وقرئ لينوء بالتحتية أي لينوء الواحد منها، أو المذكور فحمل على المعنى أو التقدير حملها، أو ثقلها، وقيل الضمير في مفاتحه لقارون، فاكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، كقولهم: ذهبت أهل اليمامة قاله الزمخشري، والمراد بالعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، قيل: هي من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من العشرة إلى الخمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى العشرين وقيل: من الخمسة إلى العشرة. وقيل: أربعون، وقيل: سبعون وقيل: غير ذلك. قال ابن عباس لا ترفعها العصبة من الرجال أولي القوة، والعصبة أربعون رجلاً.
(إذ قال له قومه لا تفرح) أي اذكر، والمراد بقومه هنا: هم المؤمنون من بني إسرائيل. وقال الفراء: هو موسى، وهو جمع أريد به الواحد، والمعنى لا تبطر، ولا تأشر، ولا تمرح بكثرة المال.
(إن الله لا يحب الفرحين) البطرين الأشرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، قال الزجاج: المعنى لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه. وقيل: المعنى لا تفسد، قال الزجاج: الفرحين والفارحين سواء، وقال الفراء: معنى الفرحين الذين هم في حال الفرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل، وقال مجاهد: معنى لا تفرح لا تبغ، والفرحين الباغين. وقيل: معناه لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين، وقال ابن عباس الفرحين المرحين، قيل: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما ْمن قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها.
28:77Page 394
وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧
But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."
(وابتغ فيما آتاك الله) أي واطلب فيما أعطاك الله من الأموال والثروة والغنى (الدار الآخرة) هي الجنة فأنفقه فيما يرضاه الله كصدقة وصلة رحم، وإطعام جائع، وكسوة عار، ونفقة على محتاج. لا في التجبر والبغي. وقرئ، واتبع.
(ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال جمهور المفسرين: وهو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيب الإنسان عمره وعمله الصالح، قال الزجاج: معناه لا تنس أن تعمل لآخرتك لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته، وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، وهذا ألصق بمعنى النظم القرآني. وقال ابن عباس: إن تعمل فيها لآخرتك، وفسر بعضهم النصيب بالكفن، وعليه قول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءآن تدرج فيهما وحنوط
وفسره البيضاوي بما يحتاج إليه منها، وفي الحديث: " اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وهو مرسل. وهذا ما جرى عليه مجاهد، وابن زيد. وقيل: معناه خذ ما تحتاجه من الدنيا. وأخرج الباقي، وقيل: أمر أن يعدم الفضل ويمسك ما يغنيه.
(وأحسن كما أحسن الله إليك) الكاف للتشبيه، أي أحسن إحساناً كإحسان الله إليك، أو للتعليل، أي أحسن إلى عباد الله بما أنعم به عليك من نعم الدنيا لما أمره بالإحسان بالمال، أمره ثانياً بالإحسان مطلقاً. ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه، وطلاقة الوجه. وحسن اللقاء. وقيل أطع الله واعبده كما أنعم عليك، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: إن جبريل سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
(ولا تبغ الفساد في الأرض) أي: لا تعمل فيها بمعاصي الله (إن الله لا يحب المفسدين) في الأرض يعني أنه يعاقبهم.
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences