Al-QinnawjiAr‑Rum · 30:39–57

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:39–57

30:39Page 408

وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩

And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3

(وما آتيتم) بالمد بمعنى: أعطيتنم، وقرئ بالقصر بمعنى: ما فعلتم، وهما سبعيتان، وقيل بالقصر بمعنى: ما جئتم به من إعطاء ربا، وهو يؤول من حيث المعنى إلى القراءة المشهورة، لأنه يقال: آتى معروفاً، وأتى قبيحاً إذا فعلهما.

(من ربا) وأجمعوا على الأولى في قوله: وما آتيتم من زكاة، أصل الربا الزيادة والمعني: ما أعطيتم من زيادة خالية عن العوض بأن تعطوا شيئاًً هبة أو هدية.

(ليربوا في أموال الناس) أي ليزيد ويزكو في أموالهم (فلا يربو عند الله) قرئ بالتحتية، على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا، وقرئ بالفوقية مضمومة خطاباً للجماعة، بمعنى لتكونوا ذوي زيادات، وقرئ لتربوها، ومعنى الآية: أنه لا يزكو عند الله ولا يثيب عليه، لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه خالصاً، قال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، أي لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه وهكذا قال قتادة والضحاك قال الواحدي: وهذا قول جماعة المفسرين قال الزجاج: يعني دفع الرجل الشيء ليعوض أكثر منه، وذلك ليس بحرام ولكنه لا ثواب فيه لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه.

وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم به الإنسان أحداً لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجري به الخدمة، لا يربو عند الله وقيل: هذا كان حراماً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الخصوص، لقوله سبحانه (ولا تمنن تستكثر) ومعناها: إن تعطي فتأخذ أكثر منه عوضاً عنه وحرم عليه تشريفاً له، وقيل: إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب، وبه قال ابن عباس وابن جبير، وطاوس، ومجاهد، قال ابن عطية وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلام وغيره، وهو وإن كان لا إثم فيه، فلا أجر ولا زيادة عند الله.

قال عكرمة: الربا ربوان، فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه، يعني كما في هذه الآية. وقيل: إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرم، فمعنى لا يربو عند الله على هذا القول: لا يحكم به، بل هو للمأخوذ منه، قال المهلب: اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله مثل ذلك، مثل هبة الفقير للغني، وهبة الخادم للمخدوم، وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي رحمه الله الآخر.

وعن عليّ قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب عليها، بخلاف القسمين الآخرين، فلا يرجع فيهما صاحبهما. قال ابن عباس: في الآية الربا ربوان، ربا لا بأس به، وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به، فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها وإضعافها، وعنه قال: هذا هو الربا الحلال أن يهدي يريد أكثر منه وليس له أجر ولا وزر، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة فقال: ولا تمنن تستكثر.

(وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) أي: وما أعطيتم من صدقة تطوع لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله (فأولئك هم المضعفون) أي ذوو الأضعاف من الحسنات، الذين يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء: هو نحو قولهم: مسمن، ومعطش، ومضعف إذا كانت له إبل سمان وعطاش وضعيفة، وقرئ بفتح العين اسم مفعول وفيه التفات حسن عن الخطاب، لأنه يفيد التعظيم، كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفاً لحالهم، فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون أو للتعميم لغير المخاطبين، كأنه قال: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين، وكان مقتضى ظاهر المقابلة أن يقال: فيربو عند الله فغير عبارة الربا إلى الإضعاف ونظم الفعلية إلى الإسمية الدال على الدوام، المشتملة على ضمير الفصل، المفيد للحصر، والمعنى: المضعفون به لأنه لا بد له من ضمير يرجع إلى ما الموصولة.

30:40Page 408

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠

Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين، وأنه الخالق الرازق، المميت المحيي، أي المختص بالخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء؛ ثم قال على جهة الاستفهام: (هل من شركائكم) أي أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة ويجعلون لهم نصيباً من أموالهم.

(من يفعل من ذلكم)؟ أي: الخلق والرزق والإماتة والإحياء (من شيء) أي شيئاًً من هذه الأفعال؟ ومعلوم أنهم يقولون: ليس فيهم من يفعل شيئاًً من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، و (من) الأولى والثانية لبيان شروع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم النفي، ثم نزه سبحانه نفسه فقال: (سبحانه وتعالى عما يشركون) أي نزهوه تنزيهاً، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)

30:41Page 408

ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١

Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].

(ظهر الفساد) بين سبحانه أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد (في البر والبحر) أي العالم، والفساد من فسد كنصر وكرم، فساداً ضد صلح فهو فاسد، والفساد أخذ المال ظلماً والجدب والمفسدة ضد المصلحة، واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل: هو القحط وعدم النبات ونقصان الرزق، وكثرة الخوف، ونحو ذلك، وقال مجاهد وعكرمة: فساد البر قتل ابن آدم أخاه. يعني قتل قابيل لهابيل، وفساد البحر الملك الذي يأخذ كل سفينة غصباً. وليت شعري أي دليل دلهم على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب؟ فإن الآية نزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم -، والتعريف في الفساد يدل على الجنس، فيعم كل فساد واقع في حيز البر والبحر.

وقال السدي: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد، ويمكن أن يقال: إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع المعاصي، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش، وقيل: قطع السبل والظلم وقيل: نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا، قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. وعنه أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. قال ابن عطية: فإذا قل المطر قل الغوص فيه، وعميت دواب البحر. وقيل غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه، والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق اسم الفساد عليه، سواء كان راجعاً إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات، وتقاطعهم وتظالمهم، وتقاتلهم، أو راجعاً إلى ما هو من جهة الله سبحانه، بسبب ذنوبهم، كالقحط وكثرة الخوف، والموتان ونقصان الزرائع والثمار، وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء، والبر والبحر هما المعروفان المشهوران.

وقيل: البر الفيافي، والبحر القرى التي على ماء، قاله عكرمة، والعرب تسمي الأمصار البحار. قال مجاهد: البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر، وعن ابن عباس نحوه، والأول أولى، ويكون معنى البر مدن البر، ومعنى البحر مدن البحر، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها.

(بما كسبت أيدي الناس) من المعاصي والذنوب، والباء للسببية وأما (ما) موصولة أو مصدرية (ليذيقهم بعض الذي عملوا) اللام للعلة، أي: ليذيقهم بعض عقوبة عملهم، أو جزاء بعض عملهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة. وقيل: للصيرورة، قرئ بالياء وبنون العظمة (لعلهم يرجعون) عما هم فيه من المعاصي، ويتوبون إلى الله، قال ابن عباس: يرجعون من الذنوب. ولما بيَّن سبحانه ظهور الفساد فيهما بما كسبت أيدي المشركين والعصاة بين لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأول فقال:

30:42Page 409

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].

(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) أمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم، ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم. فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة، كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار (كان أكثرهم مشركين) مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه، وهو فشو الشرك والعصيان فيما بينهم، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)

30:43Page 409

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣

So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1

(فأقم) خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمته أسوته فيه، كأن المعنى: إذاً قد ظهر الفساد بالسبب المتقدم فأقم (وجهك) يا محمد (للدين القيم) قال الزجاج: اجعل جهتك اتباع الدين القيم البليغ الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج وهو الإسلام. وقيل: المعنى: أوضح الحق وبالغ في الإعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم. قاله القرطبي.

(من قبل أن يأتي يوم) يعني يوم القيامة (لا مرد له من الله) المرد مصدر، رد، أي لا يقدر أحد على أن يرده كقوله: لا يستطيعون ردها فلا بد من وقوعه، وقيل: المعنى لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، قاله أبو السعود (يومئذ) أي: يوم إذ يأتي هذا اليوم.

(يصدعون) أصله يتصدعون، والتصدع: التفرق، يقال: تصدع القوم، إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر [[الشاعر هو متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً الذي قتل في حروب الردة والبيت الذي يليه:

فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً. المطيعي]]:

وكنا كندماني حذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وفي المصباح: صدعته صدعاً من باب نفع؛ شققته فانصدع. وصدعت القوم صدعاً فتصدعوا. أي: فرقتهم فتفرقوا، وقوله: فاصدع بما تؤمر، قيل: مأخوذ من هذا، أي: شق جماعاتهم بالتوحيد، وقيل: افرق بذلك بين الحق والباطل. وقيل: أظهر ذلك، وصدعت بالحق: تكلمت به جهاراً، وصدعت الفلاة: قطعتها، والمراد بتفرقهم أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ثم فصل سبحانه المتصدعين بقوله:

30:44Page 409

مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤

Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,

(من كفر فعليه كفره) أي: جزاء كفره ووباله وهو النار (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) أي: يوطئون لأنفسهم منازل في الجنة بالعمل الصالح والمهاد: الفراش، وقد تقول مهدت الفراش مهداً إذا بسطته ووطأته، فجعل الأعمال الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة كبناء المنازل في الجنة وفرشها، وقيل: المعنى: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم يا المشفق أم فرشت فأنامت، وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص، وقال مجاهد: فلأنفسهم يمهدون، في القبر، أي يوطئون الضاجع ويسوونها في القبور.

30:45Page 409

لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥

That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.

(ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله) والكافرين بعدله، متعلق بيصدعون أو يمهدون أي يتفرقون ليجزي الله المؤمنين بما يستحقونه، على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه، أو يمهدون لأنفسهم بالأعمال الصالحة ليجزيهم. وقال ابن عطية: تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقدم من قوله: من كفر ومن عمل. قال ابن عباس: ليثيبهم الله ثواباً أكثر من أعمالهم، وجعل أبو حيان قسيم قوله الذين آمنوا وعملوا الصالحات محذوفاً لدلالة قوله:

(إنه لا يحب الكافرين) عليه، لأنه كناية عن بغضه لهم، الموجب لغضبه سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته؛ وقيل: تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس، وفيه تهديد ووعيد لهم.

30:46Page 409

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦

And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.

(ومن آياته أن يرسل الرياح) أي: ومن دلالات بديع قدرته تعالى إرسال الرياح، أي [[الشمال ريح تخالف الجنوب والجنوب مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. المطيعي.]] الشمال، والصبا، والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فهي ريح العذاب، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " قرئ الرياح بالجمع والإفراد على قصد الجنس لأجل قوله (مبشرات) بالمطر لأنها تتقدمه؛ كما في قوله سبحانه بشراً بين يدي رحمته.

(وليذيقكم من رحمته) أي: يرسلها ليذيقكم بها الغيث والخصب، أو نعمته من المياه العذبة، والأشجار الرطبة؛ وصحة الأبدان، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله. وقيل: اللام متعلقة بمحذوف، أي وأرسلها ليذيقكم، وقيل: الواو مزيدة على رأي من يجوز ذلك فتتعلق اللام بيرسل و (من) تبعيضية.

(و) يرسل الرياح (لتجري الفلك) في البحر عند هبوبها، ولما أسند الجري إلى الفلك عقبه بقوله: (بأمره) أي: بتدبيره أو بتكوينه، كقوله: إنما أمره إذا أراد شيئاً الآية (ولتبتغوا) الرزق (من فضله) بالتجارة التي تحملها السفن (ولعلكم تشكرون) هذه النعم فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة.

30:47Page 409

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.

(ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم) كما أرسلناك إلى قومك، وهذا تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين معنى، أي: قوله: ومن آياته أن يرسل الرياح، وقوله: الله الذي يرسل الرياح، وقال أبو حيان جاء تأنيساً له - صلى الله عليه وسلم - ووعداً بالنصر ووعيداً لأهل الكفر، وحقية نصر المؤمنين على الله لا تختص بالدنيا بل تعم الآخرة أيضاً فما في الآخرة من متناولات الآية.

(فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج النيرات، على صدقهم في رسالتهم إليهم، فآمن بهم قوم وكفر بهم قوم، ويدل على هذا الإضمار قوله: (فَانْتَقَمْنَا) بالإهلاك في الدنيا (من الذين أجرموا) أي: فعلوا الإجرام وهي الآثام.

(وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد، لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين.

أخرج الطبراني، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) "، وهو من طريق شهر [[روى شهر بن حوشب الأشعري عن أم سلمة وأبي هريرة وجماعة وعنه قتادة وداود بن أبي هند وعبد الحميد بن بهرام وجماعة قال أحمد بن حنبل روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حساناً. وروى ابن خيثمة ومعاوية ابن صالح عن ابن معين أنه ثقة وقال أبو حاتم: ليس هو بدون أبي الزبير - أحد رجال سفيان بن عيينة، ولا يحتج به، وعن ابن عون تركوه: وقال النسائي وابن عدي ليس بالقوي، قال يحيى بن بكير الكرماني: حدثني أبيّ قال كان شهر على بيت المال فأخذ منه دراهم فقال قائل: لقد باع شهر دينه بخريطة.

وقال الفلاس كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عن شهر فمن يأمن القراء بعدك. يا شهر والحديث من مكارم الأخلاق وتظاهره أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. المطيعي.]] بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء.

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)

30:48Page 409

ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨

It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice

(الله الذي يرسل الرياح) قرئ بالجمع والإفراد، قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد، وهي مسوقة لبيان ما سبق من أحوال الرياح (فتثير سحاباً) أي تزعجه وتهيجه وتحركه.

(فيبسطه) أي ينشره متصلاً بعضه ببعض، أي ينشره كمال الانتشار وإلا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائماً (في السماء) أي في سمت السماء، وجهتها وشقها، كقوله: وفرعها في السماء، أي: في جهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة (كيف يشاء) تارة سائراً، وتارة واقفاً، وتارة مطبقاً، وتارة غير مطبق؛ وتارة إلى مسافة بعيدة وتارة إلى مسافة قريبة، وتارة من ناحية الشمال، وتارة من ناحية الجنوب أو الدبور أو الصبا وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة وفي سورة النور.

(ويجعله كسفاً) تارة أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعاً متفرقة بعضها فوق بعض، والكسف جمع كسفة بالكسر: وهي القطعة من الشيء أو السحاب وقرئ بفتح السين وسكونها، والمسكن مخفف من المحرك بمعنى، والقراءتان سبعيتان، وجمع الجمع: أكساف وكسوف. وكسفه يكسفه: قطعه (فترى الودق) أي المطر (يخرج من خلاله) أي: من بينه ووسطه.

(فإذا أصاب به) أي بالودق (من يشاء من عباده) أي: بلادهم وأرضهم (إذا هم يستبشرون) إذا هي الفجائية أي: فاجأوا الاستبشار بمجيء المطر والخصب، والاستبشار: الفرح.

30:49Page 409

وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩

Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.

(وإن) أي: وإن الشأن، وفسر المحلي إن بقد، تبعاً للبغوي، والأول أولى، ويدل له اللام في لمبلسين، فإنها اللام الفارقة (كانوا من قبل أن ينزل عليهم) المطر (من قبله) تكرير للتأكيد، قاله الأخفش، وأكثر النحويين كما حكاه عنهم النحاس، كقوله: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها، ومعنى التوكيد فيها على ما قاله الزمخشري: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول، فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.

قال السمين: وهو كلام حسن وقال ابن عطية: وفائدة هذا التأكيد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله: من قبل أن ينزل عليهم، يحتمل الفسحة في الزمان، أي: من قبل أن ينزل بكثير كالأيام، فجاء قوله: من قبله بمعنى: إن ذلك متصل بالمطر: فهو تأكيد مفيد، وقال قطرب: إن الضمير في قبله راجع إلى المطر. أي: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر، قيل: المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم: من قبل الزرع والمطر، وقيل: من قبل أن ينزل عليهم: من قبل السحاب، أي من قبل رؤيته، واختار هذا النحاس. وقيل: الضمير عائد إلى الكسف، وقيل: إلى الإرسال، وقيل: إلى الاستبشار، والراجح الوجه الأول، وما بعده من هذه الوجوه كلها ففي غاية التكلف والتعسف.

(لمبلسين) أي آيسين، يقال: أبلس الرجل إبلاساً: سكت، وأبلس أيس، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا.

30:50Page 409

فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠

So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.

(فانظر إلى آثار رحمه الله) الناشئة عن إنزال المطر من النبات والثمار. والزرائع [[الزرائع جمع زراعة وليس جمع زرع كرسالة ورسائل وسحابة وسحائب. المطيعي.]] التي بها يكون الخصب ورخاء العيش؛ أي انظر نظر اعتبار واستبصار، لتستدل بذلك على توحيد الله، وتفرده بهذا الصنع العجيب؛ والفاء للدلالة على سرعة ترتبها عليه وقرئ: أثر بالتوحيد، وآثار بالجمع سبعية.

(كيف يحيي الأرض بعد موتها)؟ فاعل الإحياء ضمير يعود إلى الله سبحانه وقيل: ضمير يعود إلى الأثر، أي: انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض بعد موتها، والمراد بالنظر التنبيه على عظيم قدرته، وسعة رحمته، مع ما فيه من التمهيد لأمر البعث، وقرئ تحيي بالفوقية على أن فاعله ضمير يعود إلى الرحمة، أو إلى الآثار.

(إن ذلك) أي: إن الله العظيم الشأن، المخترع لهذه الأشياء المذكورة (لمحيي الموتى) أي: القادر على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم ومجازاتهم، كما أحيا الأرض الميتة بالمطر، وهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات (وهو على كل شيء قدير) أي: عظيم القدرة وكثيرها، وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء.

30:51Page 410

وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١

But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1

(ولئن أرسلنا ريحاً) مضرة وهي الريح الدبور التي أهلكت بها عاد (فرأوه) أي: الزرع والنبات الذي كان من أثر رحمة الله (مصفراً) من البرد الناشئ عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره، وقيل: الضمير راجع إلى الريح، وهو يجوز تذكيره وتأنيثه، وقيل: راجع إلى الأثر المدلول عليه بالآثار، وقيل: راجع إلى السحاب، لأنه إذا كان مصفراً لم يمطر، والأول أولى واللام هي الموطئة، وجواب القسم قوله تعالى: (لظلوا من بعده) وهو يسد مسد جواب الشرط، لأنه اجتمع هنا شرط وقسم، والشرط مؤخر فيحذف جوابه، دلالة عليه بجواب القسم على القاعدة والمعنى: وبالله لئن أرسلنا ريحاً حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفرة لظلوا من بعد ذلك.

(يكفرون) بالله ويجحدون نعمه والمعنى: أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذاباً على زرعهم لجحدوا سالف نعمتي، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم، وعدم صبرهم، وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل الإيمان، ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)

30:52Page 410

فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢

So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.

(فإنك لا تسمع الموتى) أي موتى القلوب إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم للحقائق، ومعرفتهم للصواب (ولا تسمع الصم الدعاء) إذا دعوتهم إلى الحق ووعظتهم بمواعظ الله، وذكرتهم الآخرة وما فيها (إذا ولوا مدبرين) بيان لإعراضهم عن الحق بعد بيان كونهم كالأموات وكونهم صم الآذان.

وقد تقدم تفسير هذا في سورة النمل، فإن قلت: الأصم لا يسمع مقبلاً أو مدبراً؛ فما فائدة هذا التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلاً يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل بدر، والإسناد ضعيف.

والمشهور في الصحيحين وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على رد رواية من روى من الصحابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى أهل قليب بدر، وهو من الاستدلال بالعام على رد الخاص، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له إنك تنادي أجساداً بالية: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.

وفي مسلم من حديث أنس: إن عمر بن الخطاب لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يناديهم فقال: يا رسول الله تناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله: إنك لا تسمع الموتى، فقال " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا " ثم وصفهم بالعمي فقال:

30:53Page 410

وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣

And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].

(وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي، أو لفقدهم للبصائر (إن) أي: ما (تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) لكونهم أهل التفكر والتدبر، والاستدلال بالآثار على المؤثر (فهم مسلمون) أي منقادون للحق متبعون له، وفيه مراعاة معنى: (من).

30:54Page 410

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤

Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.

(الله الذي خلقكم) ذكر سبحانه استدلالاً آخر على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، كما قال: (من ضعف) أي: بدأكم وأنشأكم على ضعف، وهو مصدر، ضد القوة، قال الواحدي: قال المفسرون: من نطفة كقوله: من ماء مهين، أي: ذي ضعف، وقيل: المراد حال الطفولية والصغر، فهذه أحوال غاية الضعف، قرئ: ضعف بضم الضاد في هذه المواضع، وبفتحها، وهما سبعيتان. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم؛ قال الجوهري: الضعف خلاف القوة والصحة، وقيل: هو بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسم، وأجاز الكوفيون ضعف بفتحتين.

(ثم جعل من بعد ضعف قوة) وهي قوة الشباب، وبلوغ الأشد، فإنه إذ ذاك تستحكم القوة، وتشتد الخلقة إلى بلوغ النهاية.

(ثم جعل من بعد قوة ضعفاً) أي: عند الكبر والهرم (وشيبة) هي تمام الضعف، ونهاية الكبر. وقيل: بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن [[الكهولة من الأربعين إلى الستين وبعدها الشيخوخة. المطيعي.]] الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى.

(يخلق ما يشاء) من جميع الأشياء، ومن جملتها القوة والضعف، والشباب والشيبة، في بني آدم (وهو العليم) بتدبيره وأحوالهم (القدير) على خلق ما يريده وتغييرهم، وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع القادر.

30:55Page 410

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥

And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.

(ويوم تقوم) أي: توجد وتحصل (الساعة) أي: القيامة، وهي النفخة الثانية، وسميت ساعة لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة (يقسم المجرمون) أي: يحلف المشركون والكافرون المنكرون للبعث بأنهم (ما لبثوا) في الدنيا، قاله الخطيب، والكشاف، والقاضي [[يعني بالقاضي الإمام الجهبذ أبو بكر بن العربي في كتابه " أحكام القرآن ".]] أو في قبورهم، قاله مقاتل والكلبي.

(غير ساعة) فيمكن أن يكونوا استقلوا مدة لبثهم، واستقر ذلك في أذهانهم، فحلفوا عليه، وهم يظنون أن حلفهم مطابق للواقع، وقال ابن قتيبة: إنهم كذبوا في هذا الوقت، كما كانوا يكذبون من قبل، وهذا هو الظاهر لأنهم إن أرادوا لبثهم في الدنيا، فقد علم كل واحد منهم مقداره، وإن أرادوا لبثهم في القبور فقد حلفوا على جهالة أن؟ كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ.

(كذلك) الصرف (كانوا يؤفكون) أي: يصرفون ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين، يقال: أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والحق. وقيل: المراد يصرفون عن الحق، وقيل: عن الخير، والأول أولى، وهو دليل على أن حلفهم كذب.

30:56Page 410

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦

But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1

(وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) اختلف في تعيين هؤلاء، فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: علماء الأمم، وقيل مؤمنو هذه الأمة، ولا مانع من الحمل على الجميع. قالوا رداً على هؤلاء الكفرة وتكذيباً لهم: (لقد لبثتم في كتاب الله) أي: سابق علمه، وسالف قضائه (إلى يوم البعث) قال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ، قال الواحدي: المفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير، على تقدير: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، وكان رد الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد، أو للمقابلة لليمين باليمين، ردوا ما قالوه، وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث، فنبهوهم على طريقة التبكيت بقولهم:

(فهذا) الوقت الذي صاروا فيه هو (يوم البعث) الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، وقيل: الفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يومه، أي: فقد تبين بطلان إنكاركم (ولكنكم كنتم لا تعلمون) أنه حق وقوعه في الدنيا، بل كنتم تستعجلونه تكذيباً واستهزاء.

30:57Page 410

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧

So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].

(فيومئذ) الفاء تفصيل، لما يفهم مما قبلها، من أنه لا يفيدهم تقليل مدة اللبث، ولا النسيان، أو هو جواب شرط مقدر أيضاً.

(لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم) أي: لا ينفعهم الاعتذار يومئذ، ولا يفيدهم علمهم بالقيامة، كأنهم توهموا أن التقليل ونحوه عذر في عدم طاعتهم، كقوله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وقيل؛ لا رد عليهم المؤمنون، سألوا الرجوع إلى الدنيا، واعتذروا فلم يعذروا. قرئ لا ينفع بالتحتية وبالفوقية، وهما سبعيتان.

(ولا هم يستعتبون) أي: لا يطلب منهم العتبى، وهو الرجوع إلى ما يرضى الله من التوبة، والعمل الصالح، وذلك لانقطاع التكليف في ذلك اليوم، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني، وذلك إذا كنت جانياً عليه، وحقيقة أعتبته: أزلت عتبه، والمعنى: أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة والطاعة، كما دعوا إلى ذلك في الدنيا.

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском