Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:56–66
33:56Page 426
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦
Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.
(إن الله وملائكته يصلون على النبي) هذه الآية شرف الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حياته وموته، وأظهر بها منزلته عنده تعالى، والضمير في: يصلون راجع إلى الله وإلى الملائكة، وفيه تشريف للملائكة عظيم حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحداً، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - لما سمع الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال: بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله، ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وثبت أيضاًً في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم منادياً ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله والملائكة واحداً، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه (- صلى الله عليه وسلم -) فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك، وهذا أحسن ما قيل في الجمع.
وقالت طائفة في هذه الآية حذف، والتقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون، وعلى هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد، ولا يرد أيضاًً ما قيل إن الصلاة من الله الرحمة، ومن ملائكته الدعاء، فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في لفظ يصلون، ويقال على القول الأول: إنه أريد بيصلون معنى مجازي يعم المعنيين، وذلك بأن يراد بقوله يصلون: يهتمون بإظهار شرفه، أو يعظمون شأنه، أو يعتنون بأمره وحكى البخاري عن أبي العالية: أن صلاة الله سبحانه ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء، وروى الترمذي في سننه: عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.
وقال عطاء بن أبي رباح: صلاته تبارك وتعالى: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي. والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته، وأن الملائكة تصلي عليه، وأمر عباده بأن يقتدوا بذلك ويصلوا عليه، وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) هل هي واجبة؟ أو مستحبة؟ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة. وقد حكى هذا الإجماع الاقرطبي في تفسيره فقال قوم من أهل العلم: إنها واجبة عند ذكره، وقال قوم: تجب في كل مجلس مرة، وقد وردت أحاديث مصرحة بذم من سمع ذكر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فلم يصل عليه.
واختلف العلماء في الصلاة على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في تشهد الصلاة المفروضة هل هي واجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها فيها سنة مؤكدة غير واجبة. قال ابن المنذر: يستحب أن لا يصاب أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول جمهور أهل العلم، قال: وشذ الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، وهذا القول عن الشافعي لم يروه عنه إلا حرملة ابن يحيى، ولا يوجد عن الشافعي إلا من روايته، قال الطحاوي: لم يقل به أحد من أهل العلم غير الشافعي، وقال الخطابي؛ وهو من الشافعية: إنها ليست بواجبة في الصلاة، قال: وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، ولا أعلم له في ذلك قدوة، انتهى.
وقد قال بقول الشافعي جماعة من أهل العلم منهم الشعبي والباقر ومقاتل ابن حيان وإليه ذهب أحمد بن حنبل أخيراً، كما حكاه أبو زرعة الدمشقي، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من المالكية وقد جمع الشوكاني رحمه الله في هذه المسألة رسالة مستقلة ذكر فيها ما احتج به الموجبون لها وما أجاب به الجمهور، وفي شرحه على المنتقى، ورسالتي: هداية السائل إلى أدلة المسائل، ما يشفي ويكفي وأشف ما يستدل به على الوجوب الحديث الثابت بلفظ: إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك في صلاتنا؟ قال قولوا: الحديث، فإن هذا الأمر يصلح للاستدلال به على الوجوب، وأما على بطلان الصلاة بالترك ووجوب الإعادة لها فلا، لأن الواجبات لا يستلزم عدمها العدم كما يستلزم ذلك الشروط والأركان.
واعلم أنه قد ورد في فضل الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف مستقل، ولو لم يكن منها إلا الأحاديث الثابتة في الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: [من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً] فناهيك بهذه الفضيلة الجليلة، والمكرمة النبيلة، وأما صفة الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما منها: ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة، ومنها ما هو مطلق، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها، والذي يحصل به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل: اللهم صل وسلم على رسولك أو على محمد أو على النبي، أو اللهم صل على محمد وسلم ومن أراد أن يصلي ويسلم عليه بصفة من الصفات التي ورد التعليم بها والإرشاد إليها فذلك أكمل وهي صفات كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة المطهرة، وسيأتي بعضها، وسيأتي الكلام في الصلاة على الآل.
وكان ظاهر هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل: صليت عليه وسلمت عليه أو الصلاة عليه والسلام عليه، أو عليه الصلاة والتسليم، لأن الله سبحانه أمرنا بإيقاع الصلاة عليه والتسليم منا، فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا بذلك أن نقول: اللهم صلّ عليه وسلم بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن نصلي عليه ونسلم عليه، وقد أجيب عن هذا بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانتا شعاراً ْعظيماً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتشريفاً كريماً، وكّلنا ذلك إلى الله عز وجل وأرجعناه إليه وهذا الجواب ضعيف جداً.
وأحسن ما يجاب به أن يقال: إن الصلاة والتسليم المأمور بهما في الآية هما أن نقول: اللهم صلّ عليه وسلم أو نحو ذلك مما يؤدي معناه كما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة أن هذه هي الصلاة الشرعية.
واعلم أن هذه الصلاة من الله على رسوله وإن كان معناها الرحمة فقد صارت شعاراً له يختص به دون غيره فلا يجوز لنا أن نصلي على غيره من أمته، كما يجوز لنا أن نقول اللهم ارحم فلاناً أو رحم الله فلاناً، وبهذا قال الجمهور من العلماء مع اختلافهم؛ هل هو محرم؟ أو مكروه كراهة شديدة؟ أو مكروه كراهة تنزيه؟ على ثلاثة أقوال. وقد قال ابن عباس: كما رواه عنه ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب: لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار.
وقال في المواهب: لم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم انتهى وقال في الأنموذج ومن خواصه - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من الله تعالى على غيره - صلى الله عليه وسلم - فهي خصيصة اختصه الله بها دون سائر الأنبياء انتهى. وقال قوم: إن ذلك جائز لقوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، ولقوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)، ولقوله: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته).
ولحديث عبد الله بن أبي أوفى الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلّ عليهم فأتاه أبيّ بصدقته فقال: اللهم صلّ على آل أبي أوفى، ويجاب عن هذا بأن هذا الشعار الثابت لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) له أن يخص به من شاء، وليس لنا أن نطلقه على غيره، وأما قوله تعالى: (هو الذي يصلي) إلخ وقوله: (أولئك عليهم صلوات) فهذا ليس فيه إلا إن الله سبحانه يصلي على طوائف من عباده كما يصلي على من صلى على رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) مرة واحدة عشر صلوات وليس في ذلك أمر لنا ولا شرعة الله في حقنا. بل لم يشرع لنا إلا الصلاة والتسليم على رسوله، وكما أن لفظ الصلاة على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) شعار له فكذا لفظ السلام عليه.
وقد جرت عادة جمهور هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن الصحابة والترحم على من بعدهم، والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه كما أرشدنا إلى ذلك بقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه يا موسى: سألوك هل يصلي ربك؟ فقال: نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله على نبيه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية أي يبركون، وعنه أن صلاة الله على النبي هي المغفرة إن الله لا يصلي، ولكن يغفر، وأما صلاة الناس على النبي فهي الاستغفار له.
(يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه) أي ادعوا له بالرحمة وقولوا: اللهم صلّ على محمد أو صلى الله على محمد فإنكم أولى بذلك، وعن ابن عباس أنه قرأ: صلوا عليه كما صلى الله عليه (وسلموا تسليماً) أي حيوه بتحية السلام، وقولوا اللهم سلم على محمد، أو انقادوا لأمره انقياداً والأول أولى، ثم هي واجبة مرة عند الطحاوي، وكلما ذكر اسمه عند الكرخي، وهو الاحتياط وعليه الجمهور.
قال أبو السعود: وهذه الآية دليل على وجوب الصلاة والسلام عليه مطلقاً أي من غير تعرض لوجوب التكرار، وقال القسطلاني قيل: هي مستحبة وقيل: واجبة في التشهد الأخير من كل صلاة وعليه الشافعي وهو رواية عن أحمد وقيل: تجب في الصلاة من غير تعيين لمحل منها. وقيل: تجب في خارج الصلاة وقيل: كلما ذكر وقيل: في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره فيه وقيل: تجب في العمر مرة واحدة وقيل: تجب في الجملة من غير حصر وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد. وتسليماً مصدر مؤكد قال الإمام ولم تؤكد الصلاة لأنها مؤكدة بقوله: إن الله وملائكته إلخ وقيل: إنه من الاحتباك فحذف عليه من أحدهما والمصدر من الآخر وقال بعض الفضلاء: إنه سئل في منامه لم خص السلام بالمؤمنين دون الله والملائكة؟ ولم يذكر له جواباً؟.
قلت: وقد لاح لب فيه نكتة سرية أي شريفة، وهي أن السلام تسليمه عما يؤذيه، فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي النبي والأذية إنما هي من البشر فناسب التخصيص بهم، والتأكيد، وإليه الإشارة بما ذكر بعده قاله الشهاب.
وأقول: هذه الآية من باب الاكتفاء على حد قوله: سرابيل تقيكم الحر والمعنى: إن الله وملائكته يصلون على النبي ويسلمون، وقد ثبت بالأدلة الصحيحة القرآنية وغيرها تسليم الله تعالى على غيره - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء والصلحاء، والنكتة التي ذكرها الشهاب لا تخلو عن تكلف وبعد تأمل. وعن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: (إن الله وملائكته) الآية قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه بلفظ: قال رجل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قل: اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والنسائي من حديث طلحة بن عبيد الله قال: قلت: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: قل: اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وفي الأحاديث اختلاف، ففي بعضها على إبراهيم فقط، وفي بعضها على آل إبراهيم فقط، وفي بعضها بالجمع بينهما، كحديث طلحة هذا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولوا: اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، وفي بعضها التقييد بالصلاة كما في حديث ابن مسعود عند ابن خزيمة والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه أن رجلاً قال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا الحديث.
وأخرج الشافعي في مسنده من حديث أبي هريرة مثله وجميع التعليمات الواردة عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة عليه مشتملة على الصلاة على آله معه إلا النادر اليسير من الأحاديث، فينبغي للمصلي عليه أن يضم آله إليه في صلاته عليه، وقد قال بذلك جماعة، ونقله إمام الحرمين والغزالي قولاً عن الشافعي، كما رواه عنهما ابن كثير في تفسيره، ولا حاجة إلى التمسك بقول قائل في مثل هذا مع تصريح الأحاديث الصحيحة به، ولا وجه لقول من قال: إن هذه التعليمات الواردة عنه (- صلى الله عليه وسلم -) في صفة الصلاة عليه مقيدة بالصلاة في الصلاة حملاً لمطلق الأحاديث على المقيد منها بذلك القيد لما في حديث كعب بن عجرة وغيره أن ذلك السؤال لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كان عند نزول الآية، وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وآله وسلم قال: صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني، ثم لما ذكر سبحانه ما يجب لرسوله من التعظيم ذكر الوعيد الشديد للذين يؤذونه فقال:
33:57Page 426
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧
Indeed, those who abuse Allāh and His Messenger - Allāh has cursed them in this world and the Hereafter and prepared for them a humiliating punishment.
(إن الذين يؤذون الله ورسوله) قيل المراد بالأذى هنا هو فعل ما يكرهانه من المعاصي ليعم هذا القدر الإيذاء الحقيقي في حق الرسول، والمجازي في حقه تعالى، لاستحالة حقيقة التأذي عليه سبحانه، قال الواحدي قال المفسرون: هم المشركون واليهود والنصارى وصفوا الله بالولد، فقالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسول الله وشجوا وجهه، وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون، شاعر، كذاب، ساحر وبه قال ابن عباس.
قال القرطبي: وبهذا قال جمهور العلماء، وقال عكرمة الأذية لله سبحانه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها، وقال جماعة إن الآية على حذف مضاف والتقدير: إن الذين يؤذون أولياء الله، وقيل: معنى الأذية الإلحاد في أسمائه وصفاته وأما أذية رسوله فهي كل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، ومنه ترك الاتباع، وفعل التقليد لآراء الرجال وإيثاره عليه.
(لعنهم الله) معنى اللعنة الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك (في الدنيا والآخرة) لتشملهم اللعنة فيهما بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم ومماتهم إلا واللعنة واقعة عليهم مصاحبة لهم.
(وأعد لهم) مع ذلك اللعن (عذاباً مهيناً) يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة، لما يفيده معنى الإعداد من كونه في الدار الآخرة، عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) حين اتخذ صفية بنت حي، وروي عنه: أنها نزلت في الذين قذفوا عائشة، ثم لما فرغ من الذم لمن آذى الله ورسوله ذكر الأذية لصالحي عباده فقال:
33:58Page 426
وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨
And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.
(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات) بوجه من وجوه الأذى من قول، أو فعل ومعنى قوله: (بغير ما اكتسبوا) إنه لم يكن ذلك بسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به وقيل: يقعون فيه ويرمونهم بغير جرم، فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه مما يوجب عليه حداً أو تعزيراً أو نحوهما فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا الله به وندبنا إليه وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة أو ضرب فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أي وجه كان ما لم يجاوز ما شرعه الله ثم أخبر عما لهؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقال:
(فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) أي ظاهراً واضحاً لا شك في كونه من البهتان والإثم، وقد تقدم بيان حقيقة البهتان وحقيقة الإثم. قيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه. وقيل نزلت في شأن عائشة وقيل نزلت في الزناة كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء وهن كارهات، وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق فكيف إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده، أمر رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ما يقع عليه منه فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)
33:59Page 426
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩
O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال الجوهري: لجلباب الملحفة، وقال الشهاب إزار واسع يلتحف به، وقيل: القناع وقيل: هو كل ثوب يستر جميع بدن المرأة من كساء وغيره كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ فقال: (لتلبسها أختها من جلبابها) قال الواحدي قال المفسرون: يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عيناً واحدة فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى، وبه قال ابن عباس، وقال الحسن: تغطي نصف وجهها، وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، وقال البرد: يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، و (من) للتبعيض أي ترخي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز عن الأمة.
(ذلك) أي إدناء الجلابيب وهو مبتدأ وخبره (أدنى) أقرب (أن يعرفن) فيتميزن عن الإماء ويظهر للناس أنهن حرائر (فلا يؤذين) من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن مراقبة لهن ولأهلهن، وليس المراد بقوله ذلك إلخ أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنهن لبسن لبسة تختص بالحرائر.
قال السبكي: في الطبقات الكبرى إن من أئمة الشافعية أحمد بن عيسى شارح التنبيه استنبط من هذه الآية أن ما يفعله علماء هذا الزمان في ملابسهم من سعة الأكمام والعمة ولبس الطيلسان حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزاً لهم، وبذلك يعرفون فيلتفت إلى فتاواهم وأقوالهم انتهى. ومنه يعلم أن تمييز الأشراف بعلامة أمر مشروع أيضاًً انتهى.
أقول ما أبرد هذا الاستنباط وما أقل نفعه، لا سيما بعد ما ورد في السنة المطهرة من النهي عن الإسراف في اللباس وإطالته، وقد منع عن ذلك سلف الأمة وأئمتها فأين هذا من ذاك؟ وإنما هو بدعة أحللها علماء السوء ومشايخ الدنيا ولذا قال علي القاري في معرض الذم: " لهم عمائم كالأبراج، وكمائم كالأخراج " وأنكر عليهم ذلك أشد الإنكار، وما ذكره من أن زي العلماء والأشراف سنة رده ابن الحاج في المدخل بأنه مخالف لزيهم في زمن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وزمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من خير القرون، فإن قيل إنهم به يعرفون، قيل إنهم لو بقوا على الزي الأول عرفوا به أيضاًً لمخالفته لما عليه غيرهم الآن وأطال في إنكار ما قالوه، وقد بسطنا القول على ذلك في حجج الكرامة بالفارسية أيضاًً فراجعه.
(وكان الله غفوراً) لما سلف من ترك إدناء الجلابيب (رحيماً). بهن أو غفوراً لذنوب المذنبين رحيماً بهم، فيدخل في ذلك دخولاً أولياً.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: يا سودة أما والله ما يخفين علينا فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عرق، فدخلت وقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال عمر: كذا وكذا فأوحي إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن.
وعن أبي مالك قال: كان نساء النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يخرجن لحاجتهن بالليل وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فَيَؤبْن فقيل ذلك للمنافقين فقالوا: إنما نفعله بالإماء فنزلت هذه الآية: (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له قال كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن، تخمر وجهها إلا إحدى عينيها ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، يقول ذلك أحرى أن يعرفن.
وعن ابن عباس في هذه الآية قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة، وعن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها هكذا في الرواية بلفظ: من السكينة، وليس لها معنى فإن المراد تشبيه الأكسية السود الغربان لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال: كأن على رؤوسهن الطير.
وعن عائشة قالت: رحم الله نساء الأنصار لما نزلت: (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأن على رؤوسهن الغربان.
وعن ابن عباس في الآية قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها.
قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة وقال يا لكاع تتشبهين بالحرائر ألقي القناع، قلت: ولكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل العبد، والأمة، والخامل، والقليل العقل، مثل قولك: يا خسيس، وذلك أن النساء في أول الإسلام على هاجراتهن في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار لا فصل بين الحرة والأمة.
وكان الفتيان يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيمان - للإماء، وربما تعرضوا للحرة لحسبان الأمة فأُمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس والوجوه، فلا يطمع فيهن طامع، ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف فقال:
33:60Page 426
۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠
If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,
(لئن لم ينته المنافقون) عما هم عليه من النفاق (والذين في قلوبهم مرض) أي شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب (والمرجفون في المدينة) عما يصدر منهم من الإرجاف بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين وظهور المشركين عليهم.
قال القرطبي: أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشىء واحد، والمعنى أن المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب والإرجاف على المسلمين فهو على هذا من باب قوله:
إلى الملك القرم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدحم
والواو مقحمة. وقيل الموصوف متغاير ومتعدد، فكان من المنافقين قوم يرجفون وقوم يتبعون النساء للريبة، وقال عكرمة وشهر بن حوشب: الذين في قلوبهم مرض هم الزناة. من قوله: (فيطمع الذي في قلبه مرض)، والمرض هو الزنا والإرجاف في اللغة إشاعة الكذب والباطل، يقال: أرجف بكذا إذا أخبر به على غير حقيقته لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة، يقال: رجفت الأرض أي تحركت وتزلزلت ترجف رجفاً، والرجفان الاضطراب الشديد، وسمي البحر رجافاً لاضطرابه، والإرجاف واحد الأراجيف، وأرجفوا في الشيء خاضوا فيه، وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، وتارة بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من الأخبار فتوعدهم الله سبحانه بقوله:
(لنغرينك بهم) أي لنحرشنك ولنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد بأمرنا لك بذلك، قال المبرد: قد أغراه الله بهم في قوله الآتي:
33:61Page 426
مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١
Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.
(ملعونين أينما ثقفوا) إلخ فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف؛ قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية، وأقول ليس هذا بحسن ولا أحسن، فإن قوله ملعونين إلخ، إنما هو لمجرد الدعاء عليهم لا أنه أمر لرسوله (- صلى الله عليه وسلم -) بقتالهم ولا تسليط له عليهم، وقد قيل: إنهم انتهوا بعد نزول هذه الآية عن الإرجاف فلم يغره الله بهم، وجملة لنغرينك بهم، جواب القسم.
(ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً) وإنما عطف بثم لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه يعني أنها للتفاوت الرتبي والدلالة على أن ما بعدها أبعد مما قبلها، وأعظم وأشد عندهم، والمعنى لا يساكنونك في المدينة إلا جواراً قليلاً حتى يخرجوا أو يهلكوا.
(ملعونين أينما ثقفوا) أي مطرودين أينما وجدوا وأدركوا (أخذوا وقتلوا تقتيلاً) دعاء عليهم بأن يؤخذوا ويقتلوا، والتشديد يدل على التكثير وقيل: إن هذا هو الحكم فيهم وليس بدعاء عليهم، والأول أولى، وقيل معنى الآية: أنهم إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون.
وقد فعل بهم - صلى الله عليه وسلم - هذا فإنه لما نزلت سورة براءة جمعوا، فقال: النبي (- صلى الله عليه وسلم -): " يا فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا فلان قم فقام إخوانهم من المسلمين وتولوا إخراجهم من المسجد ".
33:62Page 426
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢
[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.
(سنة الله في الذين خلوا من قبل) أي سن الله ذلك في الأمم الماضية وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين وهو منتصب على المصدر قال الزجاج: سن الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
(ولن تجد لسنة الله تبديلاً) أي تحويلاً وتغييراً، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف، يجريها الله مجرى واحداً في الأمم لإثباتها على أساس الحكمة التي عليها يدور فلك التشريع، وقال الخطيب: أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ.
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
33:63Page 427
يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣
People ask you concerning the Hour. Say, "Knowledge of it is only with Allāh. And what may make you perceive? Perhaps the Hour is near."
(يسألك الناس عن الساعة) أي عن وقت حصولها ووجودها وقيامها، قيل السائلون عنها هم أولئك المنافقون والمرجفون والمشركون واليهود لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعه استبعاداً وتكذيباً، أو امتحاناً، لأن الله تعالى عمى وقتها في التوارة وسائر الكتب (قل إنما علمها عند الله) يعني أنه سبحانه قد استأثر به ولم يطلع عليه نبياً مرسلاً ولا ملكاً مقرباً.
(وما يدريك) أي ما يعلمك ويخبرك يا محمد (لعل الساعة تكون قريباً) أي في زمان قريب وانتصاب قريباً على الظرفية والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم، أو الوقت مع كون التأنيث ليس بحقيقي، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها -وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم - فكيف بغيره من الناس وفي هذا تهديد عظيم للمستعجلين وإسكات للممتحنين والمشركين؛ ولمن يثبت علم المغيبات للأنبياء والصلحاء وغيرهم من الخلق.
33:64Page 427
إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤
Indeed, Allāh has cursed the disbelievers and prepared for them a Blaze.
(إن الله لعن الكافرين) أي طردهم وأبعدهم من رحمته (وأعد لهم) في الآخرة مع ذلك اللعن منه لهم في الدنيا (سعيراً) أي ناراً شديدة التسعّر
33:65Page 427
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥
Abiding therein forever, they will not find a protector or a helper.
(خالدين فيها) أي في السعير لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم (أبداً) بلا انقطاع وهذا تأكيد لما استفيد من خالدين (لا يجدون ولياً) يواليهم ويحفظهم من عذابها (ولا نصيراً) ينصرهم ويخلصهم منها.
33:66Page 427
يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦
The Day their faces will be turned about in the Fire, they will say, "How we wish we had obeyed Allāh and obeyed the Messenger."
(يوم تقلب وجوههم في النار) أي اذكر قرىء تقلب بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول وقرىء بالنون وكسر اللام على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه وبضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعير وجوههم وقرىء بفتح التاء واللام على معنى تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية هو تقلبها تارة على جهة منها وتارة على جهة أخرى ظهراً لبطن أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسود تارة وتخضر أخرى أو تبديل جلودهم بجلود أخرى وخصت الوجوه لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده أو يكون الوجه عبارة عن الجملة فحينئذ.
(يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) الجملة مستأنفة كأنه قيل فما حالهم؟ فقيل يقولون: متحسرين على ما فاتهم أو حال من ضمير وجوههم أو من نفس الوجوه تمنوا أنهم أطاعوا الله والرسول وآمنوا بما جاء به لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون وهذه الألف في (الرسولا) والتي تأتي في (السبيلا) هي الألف التي تقع في الفواصل، وتسميها النحاة ألف الإطلاق، لإطلاق الصوت كقوافي الشعر، وفائدتها الوقوف والدلالة على أن الكلام قد انقطع وأن ما بعده مستأنف، وقد سبق بيان هذا في أول هذه السورة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences