Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:102–133
37:102Page 449
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."
(فلما بلغ معه السعي) في الكلام حذف كما تشعر به هذه الفاء الفصيحة النقد فوهبنا له الغلام فنشأ حتى صار إلى السن التي يسعى فيها مع أبيه في أمور دنياه معيناً له على أعماله. قال مجاهد: أي لما شب وأدرك سعيه سعي إبراهيم، قال ابن عباس: شب حتى بلغ سعيه سعي أبيه في العمل، وقال مقاتل: لما مشى معه، قال الفراء: كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة، وقال الحسن: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة، وقال ابن زيد: هو السعي في العبادة، وقيل: هو الاحتلام.
(قال) إبراهيم لابنه لما بلغ ذلك المبلغ: (يا بني) بفتح الياء وكسرها سبعيتان (إني أرى في المنام أني أذبحك) أي أفعل الذبح، أو أومر به فهما احتمالان ويشير للثاني قوله: افعل ما تؤمر، ويشير للأول: قد صدقت الرؤيا، والمعنى إني رأيت في المنام هذه الرؤيا.
قال مقاتل: رأى إبراهيم ذلك ثلاث ليال متتابعات، قال قتادة: رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئاًً فعلوه وقد اختلف أهل العلم في الذبيح هل هو إسحق أو إسماعيل عليهما السلام، قال القرطبي: فقال أكثرهم: الذبيح إسحق وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب، وابنه عبد الله وهو الصحيح عن ابن مسعود ورواه أيضاًً عن جابر وعلي وابن عمر وعمر بن الخطاب قال: فهؤلاء سبعة من الصحابة. قال: ومن التابعين وغيرهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار، وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهري والسدي وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس كلهم قالوا: الذبيح إسحق، وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد منهم النحاس وابن جرير الطبري وغيرهما.
قال: وقال آخرون هو إسماعيل وممن قال بذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن وائلة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضاًً كما سيجيء ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وعلقمة.
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى كان إسحق بمكة، وإنما كان إسماعيل بمكة، قال ابن كثير في تفسيره: وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى يقال: عن بعض الصحابة وليس في ذلك كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ مسلماً من غير حجة، وكتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ذلك (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) انتهى.
واحتج القائلون بأنه إسحق بأن الله عز وجل قد أخبرهم عن إبراهيم حين فارق قومه وهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) أنه دعا فقال: (رب هب لي من الصالحين) وقال تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) ولأن الله قال: (وفديناه بذبح عظيم) فذكر أنه في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم، وإنما بشر بإسحق لأنه قال: وبشرناه بإسحق وقال هنا: بغلام حليم، وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن يصير له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا إسحق، قال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح انتهى، وهذا مذهب ثالث وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين وتفويض علم ذلك إلى الله تعالى، وما استدل به الفريقان يمكن الجواب عنه، والمناقشة له.
ومن جملة ما احتج به القائلون بأنه إسماعيل أن الله وصفه بالصبر دون إسحاق، كما في قوله: (وإسماعيل واليسع وذا الكفل كل من الصابرين) وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق الوعد في قوله: (إنه كان صادق الوعد) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به، ولأن الله سبحانه قال: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا) فكيف يأمره بذبحه، وقد وعده أن يكون نبياً، وأيضاًً فإن الله قال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) فكيف يؤمر بذبح إسحق قبل إنجاز الوعد في يعقوب. وأيضاًً ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة فدل على أن الذبيح إسماعيل.
ولو كان إسحق لكان الذبح واقعاً ببيت المقدس وكل هذا أيضاً يحتمل المناقشة والمسألة ليست من العقائد التي كلفنا بمعرفتها فلا نسأل عنها في القيامة فهي مما لا ينفع علمه، ولا يضر جهله. وزعم ابن عباس أن الذبيح إسماعيل، وعنه قال: المفدي إسماعيل وهو الأظهر، وعنه قال: فدي إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين، وعن ابن عمر قال: " إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش ".
وعن الفرزدق الشاعر قال: " رأيت أبا هريرة يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إن الذي أمر بذبحه إسماعيل "، وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال نبي الله داود يا رب أسمع الناس يقولون رب إبراهيم وإسحق ويعقوب فاجعلني رابعاً، قال: إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي، وإن إسحق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك ".
أخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه وفي إسناده الحسن بن دينار البصري وهو متروك.
عن علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه، وعن ابن مسعود قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذبيح إسحق " [[وانظر ما كتبه ابن الجوزي في زاد المسير ص 7/ 72.]] أخرجه الدارقطني في الأفراد والديلمي.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، وعن ابن مسعود قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم " من أكرم الناس؟ قال يوسف بن يعقوب بن إسحق ذبيح الله "، أخرجه الطبراني وابن مردويه.
وعن ابن مسعود موقوفاً مثله وعن العباس مثله أخرجه البخاري في تاريخه وغيره في غيره، وعن علي قال كبش أعين أبيض أقرن قد ربط بسمرة في أصل ثبير، وعن ابن عباس قال فدي إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين.
وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحق أو إسماعيل؟ وما استدل به المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع أو يتعين رجحانه تعيناً ظاهراً وقد رجح كل قول طائفة من المحققين النصفين كابن جرير فإنه رجح أنه إسحق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض ما سقناه ههنا وكابن كثير فإنه رجح أنه إسماعيل وجعل الأدلة على ذلك أقوى وأصح وليس الأمر كما ذكره فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن الذبيح إسحق لم تكن فوقها ولا أرجح منها، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، وما روي عنه فهو إما موضوع أو ضعيف جداً ولم يبق إلا مجرد استنباطات من القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، وهي محتملة ولا تقوم حجة بمحتمل، فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، وفيه السلامة من الترجيح بلا مرجح ومن الاستدلال بالمحتمل.
(فانظر ماذا ترى) قرىء: بضم التاء الفوقية وكسر الراء والمفعولان محذوفان أي انظر ماذا تريني إياه من صبرك واحتمالك، وقرىء: بفتح التاء والراء من الرأي، وهو مضارع رأيت وقرىء ترى بضم التاء وفتح الراء مبنياً للمفعول، أي ماذا يخيل إليك ويسنح لخاطرك؟ قال الفراء: في بيان معنى القراءة: الأولى انظر ماذا ترى من صبرك وجزعك.
وقال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره وإنما قال العلماء: ماذا تشير أي ما تريك نفسك من الرأي؟ وقال أبو عبيد: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة، وكذا قال أبو حاتم، وغلطهما النحاس. وقال: هذا يكون من رؤية العين وغيرها، ومعنى القراءة الثانية ظاهر واضح وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله وإلا فرؤيا الأنبياء وحي وامتثالها لازم لهم متحتم عليهم.
(قال يا أبت افعل ما تؤمر) به مما أوحي إليك من ذبحي و (ما) موصولة. وقيل: مصدرية على معنى افعل أمرك، والمصدر مضاف إلى المفعول وتسمية المأمور به أمراً والأول أولى (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) على ما ابتلاني به من الذبح، والتعليق بمشيئة الله سبحانه تبرك بها منه.
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)
37:103Page 450
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,
(فلما أسلما) أي استسلما لأمر الله وأطاعاه، وانقادا له وخضعا، قرأ الجمهور: أسلما، وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس: فلما سلما أي فوضا أمرهما إلى أمر الله، وروي عن ابن عباس أنه قرأ: استسلما، قال قتادة: أسلم أحدهما نفسه لله، وأسلم الآخر ابنه، يقال: سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد، وقد اختلف في جواب (لما) ماذا هو؟ فقيل محذوف تقديره: ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، أو فديناه بكبش، هكذا قال البصريون، وقال الكوفيون: الجواب هو ناديناه، والواو زائدة مقحمة، واعترض عليهم النحاس بأن الواو من حروف المعاني ولا يجوز أن تزاد، وقال الأخفش: الجواب وتله للجبين والواو زائدة، وروي هذا أيضاًً عن الكوفيين، ويرد عليه اعتراض النحاس كما ورد على الأول.
(وتله للجبين) أي صرعه وأسقطه على شقه، وقيل: هو الرمي بقوة وأصله من رماه على التل، وهو المكان المرتفع، أو من التليل وهو العنق، أي رماه على عنقه، ثم قيل: لكل إسقاط وإن لم يكن على تل ولا على عنق، وفي القاموس: تله تلا من باب قتل فهو متلول وتليل صرعه وألقاه على عنقه وخده، يقال: تللت الرجل إذا ألقيته، والتل الصرع والدفع، والمراد أنه أضجعه على جبينه على الأرض، والجبين ما انكشف من الجبهة قاله السمين.
وفي المصباح: الجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجهة وشمالها، قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جبن بضمتين مثل بريد وبرد، وأجبنة مثل أسلمة، وقيل: المعنى كبه على وجهه كيلا يرى منه ما يؤثر الرقة لقلبه، واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه فيه فقيل: هو مكة في المقام، وقيل في المنحر بمنى عند الجمار، وقيل: على الصخرة التي بأصل جبل ثبير، وقيل بالشام.
(وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي عزمت على الإتيان بما رأيته، قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل يا إبراهيم الخ وجعله مصدقاً بمجرد العزم، وإن لم يذبحه لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب استسلامهما لأمر الله، وقد فعلا. قال القرطبي: قال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل، لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء، قال: ومعنى صدقت الرؤيا فعلمت ما أمكنك، ثم امتنعت لما منعناك، هذا أصح ما قيل في هذا الباب، وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه لأن معنى ذبحت الشيء قطعته، وقد كان إبراهيم يأخذ السكين فيمر بها على حلقه فتنقلب كما قال مجاهد.
وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءاً التأم وقالت طائفة منهم السدي: ضرب الله على عنقه صفحة نحاس فجعل إبراهيم يحز ولا يقطع شيئاً وهذا كله جائز في القدرة الإلهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر، ولو كان قد جرى ذلك لبينه الله تعظيماً لرتبة إسماعيل وإبراهيم وكان أولى بالبيان من الفداء.
وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي فلما أتى بما أمر به من الاضجاع قيل له: قد صدقت الرؤيا وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة، حتى يكون منهما التوهم، وأيضاًً لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء.
أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: " لما أراد إبراهيم أن يذبح إسحق قال لأبيه: إذا ذبحتني فاعتزل لا أضطرب فينتضخ عليك دمي، فشده فلما أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه نودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا "، وأخرج أحمد عنه مرفوعاً مثله مع زيادة، وأخرجه عنه موقوفاً.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه قال: " فلما أسلما سلما ما أمرا به وتله وضع وجهه إلى الأرض فقال: لا تذبحني وأنت تنظر، عسى أن ترحمني فلا تجهز علي، وأن أجزع فأنكص فأمتنع منك، ولكن اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي إلى الأرض فلما أدخل يده ليذبحه فلم تحل المدية حتى نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فأمسك يده.
وعنه أيضاًً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رؤيا الأنبياء وحي "، أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه البخاري وغيره من قول عبيد بن عمير، واستدل بهذه الآية. [[زاد المسير 7/ 73.]]
(إنا كذلك) أي كما جزيناك (نجزي المحسنين) أي نجزيهم بامتثال الأمر بالخلاص من الشدائد والسلامة من المحن. فالجملة كالتعليل لما قبلها قال مقاتل: جزاه الله سبحانه بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.
37:105Page 450
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.
No commentary for this ayah
(إن هذا لهو البلاء المبين) الابتلاء والبلاء الاختبار والمعنى إن هذا هو الاختبار الظاهر حيث اختبره الله في طاعته بذبح ابنه وقيل: إن هذا لهو النعمة الظاهرة حيث سلم الله ولده من الذبح وفداه بالكبش. يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه والأول أولى وإن كان الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير والشر ومنه: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) ولكن المناسب للمقام المعنى الأول قال أبو زيد: هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ولده، قال: وهذا من البلاء المكروه.
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117)
(وفديناه بذبح عظيم) الذبح اسم المذبوح، وجمعه ذبوح كالطحن اسم للمطحون، وبالفتح المصدر، ومعنى عظيم عظيم القدر، ولم يرد عظيم الجثة وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح أو لأنه متقبل، قال النحاس: العظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف، وأهل التفسير على أنه ههنا للشريف، أي المتقبل، قال الواحدي: قال أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس: " أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً "، وقال الحسن ما فدي إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه، قال الزجاج: قد قيل إنه فدي بوعل والوعل التيس الجبلي، ومعنى الآية جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح، قال ابن عباس: بكبش عظيم متقبل، قيل: قد بقي قرناه معلقين على الكعبة إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير، قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة.
وقال ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد يبس. انتهى. ومن المعلوم المقرر أن كل ما هو من الجنة لا تؤثر فيه النار فلم يطبخ لحم الكبش بل أكلته السباع والطيور تأمل.
قال أبو السعود: لما ذبحه السيد إبراهيم قال جبريل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقي هذا سنة انتهى. عن ابن عباس: " أن رجلاً قال: نذرت لأذبح نفسي فقال ابن عباس: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ثم تلا: (وفديناه بذبح عظيم) فأمره بكبش فذبحه " وقد استشهد أبو حنيفة بهذه الآية فيمن نذر بذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة.
37:108Page 450
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨
And We left for him [favorable mention] among later generations:
(وتركنا عليه في الآخرين) أي في الأمم الآخرة التي تأتي بعده ولا وقف عليه لأن قوله:
(سلام على إبراهيم) مفعول وتركنا، والسلام الثناء الجميل وقال عكرمة: سلام منا، وقيل: سلامة من الآفات، والكلام في هذا كالكلام في قوله: سلام على نوح في العالمين وقد تقدم في هذه السورة بيان معناه.
(كذلك نجزي المحسنين) أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من انقاد لأمر الله، ولم يقل: إنا كذلك هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في هذه القصة فاستخف بتركه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية
(إنه من عبادنا المؤمنين) أي الذين أعطوا العبودية حقها ورسخوا في الإيمان بالله وتوحيده.
37:112Page 450
وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢
And We gave him good tidings of Isaac, a prophet from among the righteous.1
(وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) أي بشرنا إبراهيم بولد يولد له ويصير نبياً بعد أن يبلغ السن التي يتأهل فيها لذلك، ونبياً منصوب على الحال، وهي حال مقدرة. وقال ابن عباس: إنما بشر نبياً حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده.
قال الزجاج: إن كان الذبيح إسحق فيظهر كونها مقدرة والأولى أن يقال: إن من فسر الذبيح بإسحق جعل البشارة هنا خاصة بنبوته. وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه، ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال ليس بشرط وإنما الشرط المقارنة للفعل وقوله: (من الصالحين) كما يجوز أن يكون صفة (لنبياً) يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر فيه فتكون أحوالاً متداخلة.
37:113Page 450
وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣
And We blessed him and Isaac. But among their descendants is the doer of good and the clearly unjust to himself [i.e., sinner].
(وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ) أي على إبراهيم (وَعَلَى إِسْحَاقَ) بمرادفة نعم الله عليهما وقيل: كثرنا أولادهما وقيل: إن الضمير في عليه يعود إلى إسماعيل وهو بعيد. وقيل: المراد بالمباركة هنا هي الثناء الحسن عليهما إلى يوم القيامة. وقيل: أخرجنا من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى.
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) أي محسن في عمله بالإيمان والتوحيد، وظالم لها بالكفر والمعاصي، لما ذكر الله سبحانه البركة في الذرية بين أن كون الذرية من هذا العنصر الشريف والمحتد المبارك، ليس بنافع لهم ولا يجري أمر الخبث والطيب على العرق والعنصر.
فقد يلد البر الفاجر والفاجر البر، وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، بل إنما ينتفعون بأعمالهم لا بآبائهم فإن اليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحق فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال المبين، وإن العرب وإن كانوا من ولد إسماعيل فقد ماتوا على الشرك إلا من أنقذه الله بالإسلام، وفيه تنبيه على أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أصله وفرعه، ولما فرغ سبحانه من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح وما من عليه بعد ذلك من النبوة ذكر ما منّ به على موسى وهرون فقال:
37:114Page 450
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤
And We did certainly confer favor upon Moses and Aaron.
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) يعني بالنبوة وغيرها من النعم العظيمة التي أنعم الله بها عليهما
37:115Page 450
وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥
And We saved them and their people from the great affliction,
(ونجيناهما وقومهما) المراد بقومهما هم المؤمنون من بني إسرائيل (من الكرب العظيم) هو ما كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء، وقيل: هو الغرق الذي أهلك فرعون وقومه، والأول أولى.
37:116Page 450
وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦
And We supported them so it was they who overcame.
(ونصرناهم) جاء بضمير الجمع. قال الفراء: الضمير لموسى وهرون وقومهما لأن قبله: (ونجيناهما وقومهما) وقيل: الضمير عائد على الاثنين موسى وهارون تعظيماً لهما. والأول أولى (فكانوا) بسبب نصرنا وتأييدنا (هم الغالبين)، على عدوهم من القبط بعد أن كانوا تحت أسرهم وقهرهم وهم تأكيد أو بدل أو فصل وهو الأظهر.
37:117Page 450
وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧
And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],
(وآتيناهما الكتاب) أي التوراة (المستبين) البين الظاهر فيما أتى به من الحدود. والأحكام. يقال: استبان كذا أي صار بيناً.
وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134)
37:118Page 450
وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨
And We guided them on the straight path.
(وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي القيم الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام فإنه الطريق الموصلة إلى الحق والصواب عقلاً وسمعاً أو إلى المطلوب وهو الجنة
37:119Page 450
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩
And We left for them [favorable mention] among later generations:
(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ) منا (عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) أي أبقينا عليهما في الأمم المتأخرة الثناء الجميل وقد قدمنا الكلام في السلام وكذلك تقدم في هذه السورة تفسير قوله
No commentary for this ayah
(إنا كذلك) أي كما جزيناهما (نجزي المحسنين
37:122Page 450
إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢
Indeed, they were of Our believing servants.
إنهما من عبادنا المؤمنين) تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره وأصالة أمره.
37:123Page 450
وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣
And indeed, Elias was from among the messengers,
(وإن إلياس لمن المرسلين) قال المفسرون هو نبي من أنبياء بني إسرائيل وقصته مشهورة مع قومه، قيل: وهو إلياس بن ياسين من سبط هرون أخي موسى، قال ابن إسحق وغيره: كان إلياس هو القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع، وقال قتادة: هو إدريس، وقيل: هو ابن عم اليسع والأول أولى.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الخضر هو إلياس " [[ضعيف الجامع 2940.]] أخرجه ابن مردويه، قرىء: إلياس بهمزة مكسورة مقطوعة ويوصلها وهما سبعيتان وتوجيههما أنه اسم أعجمي تلاعبت به العرب فقطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى. وقرأ ابن مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب: وإن إدريس لمن المرسلين، وقرىء: إبليس وقالوا فيه: إلياسين كإسرافيل قيل: في الإلياس والخضر: إنهما حيان وقيل: إلياس وكّل بالفيافي كما وكّل الخضر بالبحار، قال السيوطي في الاتقان قال وهب: إن إلياس عمر كما عمر الخضر وأنه يبقى إلى آخر الدنيا أهـ.
وقال الحسن البصري: قد هلكا ولا نقول كما يقول الناس إنهما حيان وهو الراجح نظراً في الأدلة والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم.
ثم اختلف في كون الخضر نبياً مرسلاً أو نبياً فقط أو هو من الأولياء، وأما إلياس فهو نبي مرسل باتفاق، وذكر الثعلبي أنه كان إلياس على صفة موسى في الغضب والقوة، نشأ نشأة حسنة يعبد الله، جعله الله نبياً رسولاً وآتاه آيات وسخر له الجبال والأسود وغيرهما، وتوهم قوم أن اليسع هو إلياس وليس كذلك لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر وقال وهب: اليسع صاحب إلياس وكانا قبل زكريا ويحيى وعيسى وقيل: إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته، وقيل: إلياس هو الخضر وقيل: لا بل الخضر هو اليسع.
37:124Page 450
إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤
When he said to his people, "Will you not fear Allāh?
(إذ) ظرف لقوله لمن المرسلين أو متعلق بمحذوف أي: اذكر يا محمد إذ (قال لقومه ألا تتقون) عذاب الله، ثم أنكر عليهم بقوله:
37:125Page 450
أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥
Do you call upon Baʿl1 and leave the best of creators -
(أَتَدْعُونَ بَعْلًا) هو اسم لصنم كانوا يعبدونه أي: أتعبدون صنماً وتطلبون الخير منه؟ قال ثعلب: اختلف الناس في قوله سبحانه (بَعْلًا) فقالت طائفة: البعل هنا الصنم وكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بالضلال والخدمة يحفظونه ويعلمونه الناس، وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه فاعتنوا به وعظموه حتى أخدموه بأربعمائة خادم، وجعلوهم أبناءه.
وقالت طائفة: البعل هناك ملك، وقال إسحق امرأة كانوا يعبدونها، قال الواحدي والمفسرون يقولون: رباً وهو بلغة اليمن يقولون للسيد والرب البعل قال النحاس: القولان صحيحان أي أتدعون صنماً عملتموه رباً، وكان موضعه يقال له: بك فركب وصار: بعلبك وهو من بلاد الشام.
(وتذرون أحسن الخالقين) أي تتركون عبادة أحسن من يقال له: خالق بأي معنى كان كما قاله الآمدي، وانتصاب الاسم الشريف في قوله:
37:126Page 450
ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦
Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"
(الله ربكم ورب آبائكم الأولين) على أنه بدل من أحسن هذا على قراءة حمزة والكسائي والربيع بن خيثم وابن أبي إسحق وغيرهم منهم قرأوا بنصب الثلاثة الأسماء، وقيل: النصب على المدح. وقيل: على عطف البيان، وحكى أبو عبيد: أن النصب على النعت. قال النحاس: وهو غلط، وإنما هو بدل ولا يجوز النعت لأنه ليس بتحلية، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وغيرهما بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربكم، قال النحاس وأولى ما قيل أنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف، وحكي عن الأخفش: أن الرفع أولى وأحسن. قال ابن الأنباري: من رفع أو نصب لم يقف على أحسن الخالقين على جهة التمام لأن الله مترجم عن أحسن الخالقين على الوجهين جميعاً، والمعنى أنه خالقكم وخالق من قبلكم فهو الذي تحق له العبادة.
37:127Page 451
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧
And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],
(فكذبوه فإنهم) بسبب تكذيبه (لمحضرون) في العذاب أو في النار، وقد تقدم أن الإحضار المطلق مخصوص. بالشر
(إلا عباد الله المخلصين) أي من كان مؤمناً به من قومه، قرىء بكسر اللام وفتحها كما تفم، والمعنى: على الكسر أنهم أخلصوا لله وعلى الفتح أن الله استخلصهم من عباده، والاستثناء متصل، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا،
37:129Page 451
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩
And We left for him [favorable mention] among later generations:
وقد تقدم تفسير قوله: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى آل يَاسِينَ) قرأ نافع وابن عامر: بإضافة آل بمعنى آل ياسين، وقرأ الباقون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة بياسين إلا الحسن فإنه قرأ: الياسين بإدخال آلة التعريف على ياسين، قيل: المراد على هذه القراءة كلها إلياس، وعليه وقع التسليم، ولكنه اسم أعجمي، والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها.
قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعباً؛ فياسين وإلياس وإلياسين شيء واحد، قال الأخفش: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب، قال: فعلى هذا أنه سمي كل رجل منهم بالياسين. قال الفراء: نذهب بالياسين إلى أن نجعله جمعاً فنجعل أصحابه داخلين معه في اسمه، قال أبو علي الفارسي: تقديره الياسيين إلا أن اليائين للنسبة حذفتا كما حذفتا في الأشعرين والأعجمين ورجح الفراء وأبو عبيدة قراءة الجمهور، قالا: لأنه لم يقل في شيء من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم كذلك الياسين، لأنه إنما هو بمعنى إلياس أو بمعنى إلياس وأتباعه.
وقال الكلبي: المراد بآل ياسين آل محمد صلى الله عليه وسلم، قال الواحدي: وهذا بعيد لأن ما بعده من الكلام وما قبله لا يدل عليه، قال ابن عباس: نحن آل محمد آل ياسين. وقيل: آله القرآن لأن ياسين من أسماء القرآن، وفيه بعد بعيد.
وقد تقدم تفسير قوله:
No commentary for this ayah
(إنا كذلك نجزي المحسنين) أي كما جزيناه ببقاء سيرته الحسنة في الآخرين وتقدم أيضاًً تفسير قوله:
(إنه من عبادنا المؤمنين) مستوفى.
(وإن لوطاً لمن المرسلين) قد تقدم ذكر قصة لوط عليه السلام مستوفى
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences