Al-QinnawjiAs‑Saffat · 37:29–67

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:29–67

37:29Page 447

قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩

They [i.e., the oppressors] will say, "Rather, you [yourselves] were not believers,

(قالوا بل لم تكونوا مؤمنين) أي قال الرؤساء أو الشياطين لهؤلاء القائلين: كنتم تأتوننا عن اليمين، بل لم تكونوا مؤمنين ولم نمنعكم من الإيمان والمعنى أنكم لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم عن الإيمان إلى الكفر، بل كنتم من الأصل على الكفر فأقمتم عليه، أجابوا بأجوبة خمسة الأول (بل لم تكونوا) الخ.

والثاني قوله:

37:30Page 447

وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠

And we had over you no authority, but you were a transgressing people.

(وما كان لنا عليكم من سلطان) أي قوة وقدرة وتسلط بقهر وغلبة حتى ندخلكم في الكفر ونخرجكم من الإيمان.

والثالث قوله: (بل كنتم قوماً طاغين) أي متجاوزين الحد في الكفر والضلال.

والرابع قوله:

37:31Page 447

فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١

So the word [i.e., decree] of our Lord has come into effect upon us; indeed, we will taste [punishment].

(فحق علينا) أي وجب علينا وعليكم ولزمنا (قول ربنا) يعنون قوله تعالى: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) (إنا) جميعاً (لذائقون) العذاب الذي ورد به الوعيد، قال الزجاج: أي إن المضل والضال في النار.

الخامس:

37:32Page 447

فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢

And we led you to deviation; indeed, we were deviators."

(فأغويناكم) أي أضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا فيه من الغي وزينا لكم ما كنتم عليه من الكفر، فاستجبتم لنا باختياركم، واستحبابكم الغي على الرشد.

(إنا كنا غاوين) فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك الدعوة لأنا أردنا أن تكونوا أمثالنا في الغواية، ومعنى الآية: أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية، فأقروا ههنا بأنهم تسببوا لإغوائهم لكن لا بطريق القهر والغلبة، ونفوا عن أنفسهم فيما سبق أنهم قهروهم وغلبوهم فقالوا: (وما كان لنا عليكم من سلطان) ثم أخبر الله سبحانه عن الاتباع والمتبوعين بقوله:

37:33Page 447

فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣

So indeed they, that Day, will be sharing in the punishment.

(فإنهم يومئذ) أي يوم إذ يتساءلون ويتحاورون ويتخاصمون بما سبق (في العذاب مشتركون) كما كانوا مشتركين في الغواية

37:34Page 447

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤

Indeed, that is how We deal with the criminals.

(إنا كذلك نفعل بالمجرمين) أي بأهل الإجرام، وهم المشركون كما يفيده قوله سبحانه:

37:35Page 447

إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥

Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant

(إنهم كانوا إذا قيل لهم) قولوا (لا إله إلا الله يستكبرون) عن القبول.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " [[أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً.]].

وأنزل الله في كتابه.

وذكر قوماً استكبروا فقال: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) وقال: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة، وعن ابن عباس قال: كانوا إذا لم يشرك بالله يستنكفون.

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47)

37:36Page 447

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦

And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"

(وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ) أي لقول شاعر (مجنون) لا يعقل: يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، فحكى الله سبحانه صدقه ورد عليهم بقوله:

37:37Page 447

بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧

Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.

(بل جاء بالحق) يعني القرآن المشتمل على التوحيد والوعد والوعيد (وصدق المرسلين) أي صدقهم فيما جاؤوا به من التوحيد والوعيد وإثبات الدار الآخرة، ولم يخالفهم ولا جاء بشيء لم تأت به الرسل قبله.

37:38Page 447

إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨

Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,

(إِنَّكُمْ) بسبب شرككم وتكذيبكم (لذائقو العذاب الأليم) أي الشديد، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لإظهار كمال الغضب عليهم، قرأ الجمهور: لذائقو بحذف النون وخفض العذاب، وقرىء بحذفها ونصب العذاب، وأجاز سيبويه أيضاًً (والمقيمي الصلاة) بنصب الصلاة على هذا التوجيه، وقد قرىء بإثبات النون ونصب العذاب على الأصل، ثم بين سبحانه إن ما ذاقوه من العذاب ليس إلا بسبب أعمالهم فقال:

37:39Page 447

وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩

And you will not be recompensed except for what you used to do -

(وما تجزون إلا) جزاء (ما) أو بما (كنتم تعملون) من الكفر والمعاصي، ثم استثنى المؤمنين فقال:

37:40Page 447

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

But not the chosen servants of Allāh.

(إلا عباد الله المخلصين) قرأ أهل المدينة والكوفة بفتح اللام، أي الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده وقرىء بكسرها أي الذين أخلصوا لله العبادة والتوحيد، والاستثناء إما متصل على تقدير تعميم الخطاب في تجزون لجميع المكلفين؛ أو منقطع، أي لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.

37:41Page 447

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١

Those will have a provision determined -

(أولئك) المخلصون (لهم رزق) يرزقهم الله إياه (معلوم) في حسن منظره وطيبه ولذته ورائحته وطعمه وعدم انقطاعه، قال قتادة: يعني الجنة وقيل: معلوم الوقت وهو أن يعطوا منه بكرة وعشياً كما في قوله: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) والنفس إليه أسكن.

وقيل: معلوم خصائصه من الدوام، وتمحض اللذة، وقيل: معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله تعالى، وقيل: هو المذكور في قوله بعده

37:42Page 447

فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢

Fruits;1 and they will be honored

(فواكه) فإنه بدل من رزق أو هو فواكه، وهذا هو الظاهر؛ والفواكه جمع فاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها وخصص الفواكه بالذكر لأن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه كذا قيل والأولى أن يقال: إن تخصيصها بالذكر لأنها أطيب ما يأكلونه وألذ ما تشتهيه أنفسهم، وقيل: إن الفواكه من أتباع سائر الأطعمة فذكرها يغني عن ذكر غيرها.

(وهم مكرمون) في محل نصب على الحال أي: ولهم من الله عز وجل إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده وسماع كلامه ولقائه في الجنة أو مكرمون في نيل ثواب يصل إليهم من غير تعب وسؤال، كما عليه رزق الدنيا. قرىء: مكرمون بتخفيف الراء وبتشديدها.

37:43Page 447

فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣

In gardens of pleasure

(في جنات النعيم على سرر متقابلين) قال عكرمة ومجاهد معنى التقابل أنه لا ينظر بعضهم في قفا بعضهم تواصلاً وتحابباً، وقيل: إنها تدور بهم الأسرة كيف شاءوا فلا يرى بعضهم قفا بعض، قرأ الجمهور: سرر بضم الراء وقرىء بفتحها، وهي لغة بعض تميم قيل: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، والسرير ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد والله أعلم. ذكره القرطبي.

ثم ذكر سبحانه صفة أخرى لهم فقال:

37:44Page 447

عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤

On thrones facing one another.

No commentary for this ayah

37:45Page 447

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥

There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,

(يطاف عليهم بكأس) مستأنفة جواب سؤال مقدر، أو في محل نصب على الحال، والكأس عند أهل اللغة ما كان من الزجاج، وهو اسم شامل لكل إناء فيه الشراب، فإن كان فارغاً فليس بكأس، وقد تسمى الخمر كأساً تسمية للشيء باسم محله، قال الشاعر: وكأساً شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها

وقال الضحاك والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، قال النحاس وحكى من يوثق به من أهل اللغة: أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر كأساً، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح كما يقال للخوان إذا كان فيه طعام مائدة فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة.

(من معين) صفة لكأس، قال الزجاج: أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض ظاهرة تراها العيون، والمعين: الماء الجاري وقوله

37:46Page 447

بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦

White and delicious to the drinkers;

(بيضاء لذة للشاربين) صفتان لكأس قال الزجاج: أي ذات لذة، فحذف المضاف ويجوز أن يكون الوصف بالمصدر لقصد المبالغة في كونها لذة، ولا يحتاج إلى تقدير المضاف، قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن، له لذة لذيذة. يقال: شراب لذ ولذيذ، كما يقال: نبات غض وغضيض، واللذيذ كل شيء مستطاب، وقيل: البيضاء هي التي لم تعتصرها الرجال ثم وصف هذه الكأس من الخمر بغير ما يتصف به خمر الدنيا فقال:

37:47Page 447

لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧

No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.

(لا فيها غول) أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع، قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء، وقال أبو عبيدة: الغول أن تغتال عقولهم، وقال الواحدي: الغول حقيقته الإهلاك، يقال: غاله غولاً واغتاله أي أهلكه، والغول: كل ما اغتالك أي أهلكك، ومنه الغول بالضم شيء توهمته العرب، ولها فيه أشعار كالعنقاء.

(ولا هم عنها ينزفون) أي يسكرون. يقال: نزف الشارب فهو منزوف ونزيف إذا سكر قرأ الجمهور: ينزفون مبنياً للمفعول. وقرىء: بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الرجل إذا ذهب عقله من السكر فهو نزيف ومنزوف ومنزف، يقال: أحصد الزرع إذا آن حصاده وأقطف الكرم إذا حان قطافه.

قال الفراء: من كسر الزاي فله معنيان يقال: أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر، وتحمل هذه القراءة على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة، قال النحاس: والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى لأن معنى ينزفون عند جمهور المفسرين لا تذهب عقولهم فنفى الله سبحانه عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها، من الصداع والسكر.

وقال الزجاج وأبو علي الفارسي معنى لا ينزفون بكسر الزاي: لا يسكرون، قال المهدوي: لا يكون معنى ينزفون يسكرون. لأن قبله لا فيها غول أي لا تغتال عقولهم، فيكون تكريراً، وهذا يقوي ما قاله قتادة: إن الغول وجع البطن وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال الحسن: إن الغول الصداع، وبه قال ابن عباس.

وقال ابن كيسان هو المغص فيكون معنى الآية لا يكون فيها نوع من أنواع الفساد المصاحبة لشرب الخمر في الدنيا من مغص أو وجع بطن أو صداع أو عربدة أو لغو أو تأثيم، ولا هم يسكرون منها، ويؤيد هذا أن أصل الغول الفساد الذي يلحق في خفاء يقال: اغتاله اغتيالاً إذا أفسد عليه أمره في خفية، ومنه الغول والغيلة: القتل خفية، وقرىء: ينزفون بفتح الياء وكسر الزاي، وقرىء: بفتح الياء وضم الزاي.

عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال السكر والصداع والقيء والبول فنزه الله خمر الجنة عنها، فقال: (لا فيها غول) أي لا تغول عقلهم من السكر، (ولا هم عنها ينزفون) قال: لا يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها.

وعنه قال: هي الخمر ليس فيها وجع بطن، قال في النهر: ذكر أولاً الرزق وهو ما تتلذذ به الأجسام، وثانياً الإكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل الذي هم فيه وهو جنات النعيم، ثم أشرف المحل وهو السرر. ثم لذة التأنس بأن بعضهم مقابل بعضاً وهو أتم السرور وآنسه ثم المشروب وأنهم لا يتناولون ذلك بأنفسهم بل يطاف عليهم بالكؤوس، ثم وصف ما يطاف عليهم به من الطيب وانتفاء المفاسد، ثم ذكر تمام النعمة الجسمانية وختم بها كما بدأ باللذة الجسمانية من الرزق وهي أبلغ الملاذ وهي التأنس بالنساء فقال: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)

37:48Page 447

وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨

And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,

(وعندهم قاصرات الطرف) أي نساء حابسات الأعين غاضات العيون قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، والقصر: معناه الحبس، وقيل: القاصرات المحبوسات على أزواجهن والأول أولى، لأنه قال قاصرات الطرف ولم يقل مقصورات.

(عين) أي عظام العيون جمع عيناء وهي الواسعة العين، والذكر أعين قال الزجاج: معنى عين كبار الأعين حسانها، وقال مجاهد العين حسان العيون عظام المقلة، وقيل: نجل العيون بضم النون جمع نجلاء وهي التي اتسع شقها سعة غير مفرطة، وقال الحسن: هن الشديدات بياض العين الشديدات سوادها والأول أولى.

37:49Page 447

كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩

As if they were [delicate] eggs, well-protected.

(كأنهن بيض) جمع بيضة وهو معروف (مكنون) أي مصون مستور من كننته إذا جعلته في كن، قال الحسن وابن زيد: شبهن ببيض النعام تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونه أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء عند العرب، وإلا فأحسنها عند العجم والروم: الأبيض المشرب بحمرة وقال سعيد بن جبير والسدي: شبههن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي، وبه قال ابن جرير قال المبرد: وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى بالريش.

وقيل: المكنون المصون عن الكسر أي إنهن عذارى وقيل: المراد بالبيض اللؤلؤ كما في قوله وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون والأول أولى، وإنما قال مكنون ولم يقل مكنونات لأنه وصف البيض باعتبار اللفظ، وعن ابن عباس في قوله: (كأنهن بيض مكنون) قال اللؤلؤ المكنون: وعنه قال بياض البيضة ينزع عنها فوفها وغشاؤها.

37:50Page 447

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠

And they will approach one another, inquiring of each other.

(فأقبل بعضهم على بعض) يعني أهل الجنة في الجنة (يتساءلون) أي يسأل هذا ذاك، وذاك هذا حال شربهم عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، وما جرى لهم، وما عملوه، وذلك من تمام نعيم الجنة، والتقدير فيقبل بعضهم على بعض وإنما عبر عنهم بالماضي للتأكيد والدلالة على تحقق وقوعه، قيل: المعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشراب، قال الشاعر:

فما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام

37:51Page 447

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١

A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].

(قال قائل منهم) أي من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم على بعض بالحديث وسؤال بعضهم لبعض: (إني كان لي قرين) أي صاحب ملازم لي في الدنيا كافر بالبعث منكر له. قيل: كان قرينه شيطاناً، وقيل: كان من الإنس وقيل: كانا أخوين، وقيل: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وهما اللذان قص الله خبرهما في سورة الكهف في قوله: واضرب لهم مثلاً رجلين، والأول أولى.

37:52Page 448

يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢

Who would say, 'Are you indeed of those who believe

(يقول) لي (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) بالبعث والجزاء وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ ذلك المؤمن وتبكيته بإيمانه، وتصديقه بما وعد الله به من البعث، وكان هذا القول منه في الدنيا، قرأ الجمهور: مصدقين بتخفيف الصاد من التصديق أي لمن المصدقين بالبعث وقرىء: بتشديدها ولا أدري من قرأ بها ومعناها بعيد لأنها من التصدق لا من التصديق، وممكن تأويلها بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب الثواب، وعلل ذلك باستبعاد البعث ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد للبعث عنده وفي زعمه فقال:

37:53Page 448

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣

That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"

(أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ)؟ أي لمجزيون بأعمالها ومحاسبون بها بعد أن صرنا تراباً وعظاماً، وقيل: معنى مدينون مسوسون يقال: دانه إذا ساسه، وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة والثالثة بكسر الألف من غير الاستفهام ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وابن عامر الأولى والثالثة بهمزتين، والثانية بكسر الألف من غير استفهام والباقون بالاستفهام في جميعها ثم اختلفوا، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعده ساكنة خفيفة، وأبو عمرو مطولة وعاصم وحمزة بهمزتين.

37:54Page 448

قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤

He will say,1 "Would you [care to] look?"

(قال هل أنتم مطلعون)؟ القائل هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا، أي هل أنتم يا إخواني مطلعون إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة؟ كيف منزلته في النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا.

قال ابن الأعرابي: والاستفهام هو بمعنى الأمر، أي اطلعوا، وقيل القائل هو الله سبحانه، وقيل: الملائكة والأول أولى، قرأ الجمهور: مطلعون بتشديد الطاء مفتوحة، وبفتح النون فاطلع ماضياً مبنياً للفاعل من الطلوع، وقرأ ابن عباس ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو: بسكون الطاء وفتح النون فاطلع بقطع الهمزة مضمومة وكسر اللام ماضياً مبنياً للمفعول، وقرىء: مطلعون بتخفيف الطاء وكسر النون: فاطلع مبنياً للمفعول، وأنكرها أبو حاتم وغيره، قال النحاس: هي لحن، لأنه لا يجوز الجمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافاً لقال: هل أنتم مطلعي، وإن كان سيبويه والفراء قد حكيا مثله، ولكنه شاذ خارج عن كلام العرب.

37:55Page 448

فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥

And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.

(فاطلع فرآه في سواء الجحيم) أي فاطلع ذلك المؤمن على النار؛ الذي صار يحدث أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا، فرأى قرينه في وسط الجحيم، وقال الزجاج: سواء كل شيء وسطه، قال النحاس: فاطلع فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلاً مستقبلاً أي فاطلع أي أنا، والثاني أن يكون فعلاً ماضياً أي المؤمن، قال ابن مسعود في الآية: اطلع ثم التفت إلى أصحابه فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي، قال ابن عباس: " إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار "، جمع كوة وهي الثقب في الحائط وهي بفتح الكاف وضمها وفي الجمع وجهان كسرها وضمها لكن مع الكسر يصبح المد والقصر، ومع الضم يتعين القصر.

قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66)

37:56Page 448

قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦

He will say, "By Allāh, you almost ruined me.

(قَالَ) ذلك الذي من أهل الجنة لما اطلع على قرينه ورآه في النار (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) أي لتهلكني بالإغواء، وفيه معنى التعجب، قال الكسائي: الردى الهلاك. قال المبرد: لو قيل (لتردين) لتوقعني في النار لكان جائزاً قال مقاتل: المعنى والله لقد كدت أن تغويني، فأنزل منزلتك والمعنى متقارب فمن أغوى إنساناً فقد أهلكه.

37:57Page 448

وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧

If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].

(ولولا نعمة ربي) أي رحمته وإنعامه علي بالإسلام وهدايتي إلى الحق وعصمتي عن الضلال (لكنت) معك في النار (من المحضرين) قال الماوردي: ولا يستعمل أحضر إلا في الشر. ولما تمم كلامه مع ذلك القرين الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة فقال:

37:58Page 448

أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨

Then, are we not to die

(أفما نحن بميتين) الهمزة للاستفهام التقريري وفيها معنى التعجب، والفاء للعطف على محذوف كما في نظائره أي: أنحن مخلدون منعمون؟ فما نحن بميتين، وقرأ زيد بن علي بمائتين.

قال ابن عباس: في الآية قول الله لأهل الجنة (كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون) قال: هنيئاً أي لا تموتون فيها، فعند ذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلى قوله الفوز العظيم، وقيل: هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، وقيل: من قولهم توبيخاً للكفار لما كانوا ينكرونه من البعث وإنه ليس إلا الموت في الدنيا والأول أولى.

37:59Page 448

إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩

Except for our first death, and we will not be punished?"

(إلا موتتنا الأولى) التي كانت في الدنيا، وقوله: هذا كان على طريقة الابتهاج والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، وأنهم مخلدون لا يموتون أبداً، والاستثناء مفرغ، وقيل: منقطع بمعنى لكن (وما نحن بمعذبين) كما يعذب الكفار ثم قال: مشيراً إلى ما هم فيه من النعيم

37:60Page 448

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠

Indeed, this is the great attainment.

(إن هذا) الأمر العظيم والنعيم المقيم والخلود الدائم الذي نحن فيه (لهو الفوز العظيم) الذي لا يقادر قدره، ولا يمكن الإحاطة بوصفه.

37:61Page 448

لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١

For the like of this let the workers [on earth] work.

(لمثل) أي لنيل مثل (هذا) العطاء والفضل العظيم (فليعمل العاملون) فإن هذه هي التجارة الرابحة لا العمل للدنيا الزائلة، وحظوظها المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، فإنها صفقة خاسرة، نعيمها منقطع، وخيرها زائل، وصاحبها عن قريب منها راحل، وهذا من تمام كلامه وقيل: إن هذا من قول الله سبحانه قاله ابن عباس وقيل من قول الملائكة والأول أولى.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: " كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثا على ركبتيه فجعل يبكي حتى بل الثرى ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون " وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: " دخلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مريض يجود بنفسه فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون ".

37:62Page 448

أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢

Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?

(أذلك)؟ الذي ذكره من نعيم الجنة وهو مبتدأ وخبره (خير) و (نزلاً) تمييز والنزل في أصل اللغة الفضل والريع فاستعير للحاصل من الشيء والرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه، والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره، والمعنى: قل يا محمد لقومك على سبيل التوبيخ والتبكيت والتهكم: أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير نزلاً.

(أم شجرة الزقوم)؟ أي التي حاصلها الألم والغم، قال الزجاج: المعنى أذلك خير في باب الإنزال التي يبقون بها نزلاً أم نزل أهل النار؟ وهو الزقوم وهو ما يكره تناوله، قال الواحدي: وهو شيء مر كريه يكره أهل النار على تناوله فهم يتزقمونه فهي على هذا مشتقة من التزقم؛ وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها؛ واختلف فيها: هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب؟ أم لا؟ على قولين أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا، فقال قطرب: إنها شجرة مرة كريهة الرائحة تكون بتهامة من أخبث الشجر، وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل، وقيل: شجرة مسمومة متى مست جسد أحد تورم فمات والإضافة من إضافة المسمى إلى الاسم.

القول الثاني: أنها غير معروفة في شجر الدنيا، وقيل: إنه قال ابن الزبعري لصناديد قريش: إن محمداً يخوفنا بالزقوم وهي بلسان بربر الزبد والتمر، وقيل: هي بلغة أهل اليمن، قال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا كيف تكون في النار شجرة؟ فأنزل الله تعالى:

37:63Page 448

إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣

Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.

(إنا جعلناها فتنة للظالمين) قال الزجاج: أي حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها، ولم يعلموا أن من يقدر على خلق حيوان وهو السمندل يعيش في النار؛ ويتلذذ بها يقدر على خلق الشجر في النار وحفظه منها، وقيل: معنى جعلها فتنة لهم أنها محنة لهم لكونهم يعذبون بها؛ والمراد بالظالمين هنا الكفار أو أهل المعاصي الموجبة للنار، ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة رداً على منكريها فقال:

37:64Page 448

إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤

Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,

(إنها شجرة تخرج) أي تنبت (في أصل الجحيم) أي في قعرها وأسفلها قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترفع إلى دركاتها.

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: مر أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس فلما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)؛ فلما سمع أبو جهل قال: من توعد يا محمد؟ قال إياك، قال بم توعدني، قال أوعدك بالعزيز الكريم فقال: أبو جهل أليس أنا العزيز الكريم؟ فأنزل الله: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم إلى قوله ذق إنك أنت العزيز الكريم) فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه فأخرج إليهم زبداً وتمراً فقال: تزقموا من هذا فوالله ما يتوعدكم محمد إلا بهذا فأنزل الله: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) الآية؛ وعنه قال: لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم، ثم قال الله تعالى:

37:65Page 448

طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥

Its emerging fruit as if it was heads of the devils.

(طلعها) الطلع حقيقة اسم لثمر النخل أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة، والمعنى ثمرها وما تحمله (كأنه) في تناهي قبحه وهوله وشناعة منظره (رؤوس الشياطين) فشبه المحسوس بالمتخيل؛ وإن كان غير مرئي للدلالة على أنه غاية في القبح كما يقولون في تشبيه من يستقبحونه كأنه شيطان، وفي تشبيه من يستحسنونه كأنه ملك كما في قوله تعالى: (ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم).

قال الزجاج والفراء: الشياطين حيات هائلة لها رؤوس وأطراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسماً، وقيل: إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له الأستن، ويقال له الشيطان، قال النحاس: وليس ذلك معروفاً عند العرب، وقيل: هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة، فالكلام حقيقة وقيل: إنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات.

37:66Page 448

فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦

And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.

(فإنهم لآكلون) لشدة جوعهم أو لقهرهم على الأكل (منها) أي من الشجرة أو من طلعها، والتأنيث لاكتساب الطلع والتأنيث من إضافته إلى الشجرة (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلىء بطونهم فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة.

ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74)

37:67Page 448

ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧

Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.

(ثم إن لهم عليها) أي على الشجرة بعد الأكل منها (لشوباً من حميم) الشوب الخلط، قال الفراء: يقال شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبها شوباً وشيابة، وقال ابن عباس: شوباً مزجاً أي يخالط طعامهم ويشاب بالحميم وهو الماء الحار، فأخبر الله سبحانه أنه يشاب لهم طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحار ليكون أفظع لعذابهم وأشنع لحالهم كما في قوله: (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [[عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان يقول: " يقرب -إلى أهل النار- ماء فيتكرهه فإذا أدني منه شوي وجهه ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره " (رواه ابن أبي حاتم).]] قرأ الجمهور: بفتح الشين وهو مصدر وقرأ شيبان النحوي بالضم، قال الزجاج: المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском