Al-QinnawjiSad · 38:20–32

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Sad 38:20–32

38:20Page 454

وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠

And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.

(وشددنا ملكه) أي قويناه وثبتناه بالنصر في المواطن على أعدائه، وإلقاء الرعب منه في قلوبهم؛ وقيل بكثرة الجنود، كان يبيت حول محرابه كل ليلة ستة أو ثلاثة وثلاثون ألف رجل يحرسونه، وكان أشد ملوك الأرض سلطاناً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس " قال استعدى رجل من بني إسرائيل عند داود على رجل من عظمائهم فقال إن هذا غصبني بقراً لي، فسأل داود الرجل عن ذلك، فجحده، فسأل الآخر البينة فلم تكن له بينة فقال لهما داود قوماً حتى أنظر في أمركما، فقاما من عنده؛ فأتى داود في منامه فقيل له اقتل الرجل الذي استعدى، فقال إن هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت: فأتى الليلة الثانية في منامه فأمر أن يقتل الرجل فلم يفعل ثم أتى الليلة الثالثة؛ فقيل له اقتل الرجل أو تأتيك العقوبة من الله فأرسل داود إلى الرجل فقال إن الله أمرني أن أقتلك قال تقتلني بغير بينة ولا تثبت قال نعم والله لأنفذن أمر الله فيك فقال الرجل لا تعجل عليّ حتى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته فبذلك أخذت؛ فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وشدد به ملكه فهو قول الله وشددنا ملكه ".

(وآتيناه الحكمة) المراد بها النبوة والمعرفة بكل ما يحكم به، وقال مقاتل: الفهم والعلم، وقيل الزبور وعلم الشرائع، وقيل الإصابة في الأمور وقيل كل كلام وافق الحق فهو الحكمة، وقال مجاهد: العدل وقال أبو العالية العلم بكتاب الله، وقال شريح: السنة، ولا مانع من حمل الآية على الكل.

(وفصل الخطاب) المراد به الفصل في القضاء، وبه قال الحسن والكلبي ومقاتل وحكى الواحدي عن الأكثر أن فصل الخطاب الشهود والأيمان لأنها إنما تنقطع الخصومة بهذه وبه قال أُبي ابن كعب، وقال علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقيل: الفصل بين الحق والباطل، وقاله شريح والشعبي وقتادة أيضاًً، وقيل: هو الإيجاز يجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل، وقيل: بيان الكلام، وقيل علم الحكم والتبصر بالقضاء والمعاني متقاربة.

وعن أبي موسى الأشعري قال: " أول من قال: أما بعد، داود عليه السلام، وهو فصل الخطاب "، أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي، وعن الشعبي أنه سمع زياد بن أبيه يقول: فصل الخطاب الذي أوتيه داود: أما بعد أخرجه سعيد بن منصور، ولما مدحه الله سبحانه بما تقدم ذكره أردف ذلك بذكر هذه القصة الواقعة له، لما فيها من الأخبار العجيبة وقال: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)

38:21Page 454

۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١

And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -

(وهل أتاك نبأ الخصم) ومعنى الاستفهام هنا التعجب، والتشويق إلى استماع ما بعده لكونه أمراً غريباً، كما تقول لمخاطبك هل تعلم ما وقع اليوم؟ ثم تذكر له ما وقع قال مقاتل: بعث الله إلى داود ملكين جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة فأتياه وهو في محرابه قال النحاس: ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بالخصم هنا الملكان، والخصم مصدر يقع على الواحد والإثنين والجماعة، ومعنى قوله:

(إذ تسوروا المحراب) أتوه من أعلى سوره، ونزلوا إليه، والسور الحائط المرتفع، وجاء بلفظ الجمع في تسوروا مع كونهما اثنين نظراً إلى ما يحتمله لفظ الخصم من الجمع، والمحراب الغرفة لأنهم تسوروا عليه وهو فيها، كذا قال يحيى بن سلام.

وقال أبو عبيدة: إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد، وقيل: إنهما كان إنسيين ولم يكونا ملكين، والعامل في إذ النبأ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم؟ وبهذا قال ابن عطية ومكي وأبو البقاء، وقيل: العامل فيه. أتاك، وقيل: معمول للخصم، وقيل: معمول لمحذوف، أي وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم.

عن ابن عباس أن داود حدث نفسه إذا ابتلى أنه يعتصم، فقيل له: إنك ستبتلى وستعلم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك، فقيل له. هذا اليوم الذي تبتلى فيه فأخذ الزبور ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأخذ الزبور في حجره وأقعد منصفاً يعني خادماً على الباب، وقال: لا تأذن لأحد عليَّ اليوم فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير فيه من كل لون فجعل يدور بين يديه فدنا منه فأمكن أن يأخذه فتناوله بيده ليأخذه فاستوفز من خلفه فأطبق الزبور، وقام إليه ليأخذه فطار فوقع على كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه فأفضى فوقع على خص فأشرف عليه لينظر أين وقع؟ فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها فغطت جسدها أجمع بشعرها وكان زوجها غازياً في سبيل الله فكتب داود إلى رأس الغزاة انظر أوريا فاجعله في حملة التابوت، وكان حملة التابوت، إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا، فقدمه في حملة التابوت فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل، وكتبت عليه بذلك كتاباً فما شعر بفتنته أنه افتتن حتى ولدت سليمان، وشب فتسور عليه الملكان المحراب وكان شأنهما ما قص الله في كتابه، وخر داود ساجداً فغفر الله له، وتاب عليه. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم [[رواه الطبري من رواية الصوفي عن ابن عباس 23/ 146 والصوفي ضعيف ورواه عن السدي 23/ 147 وقال ابن كثير: ولم يثبت عن المعصوم فيها حديث يجب اتباعه وأكثرها مأخوذ من الإسرائيليات. وقال عياض في الشفا: فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره الإخباريون عن أهل الكتاب الذين بدّلوا وغيروا. والله أعلم.]].

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب قال، ما أصاب داود ما أصابه بعد القدر إلا من عجب بنفسه وذلك أنه قال، يا رب ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا وعابد من آل داود يعبدك يصلي لك أو يسبح أو يكبر، وذكر أشياء فكره الله ذلك فقال، يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي فلولا عوني ما قويت عليه، وعزتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوماً، قال يا رب فأخبرني به فأخبر به فأصابته الفتنة ذلك اليوم.

وأخرج أصل القصة الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنسر مرفوعاً بإسناد ضعيف.

وأخرجها ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس مطولة وأخرجها جماعة عن جماعة من التابعين.

قال صاحب الكشاف بعد ذكر هذه القصة هذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء اهـ ...

وقال القاضي عياض، لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطره الإخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا نقله بعض المفسرين، ولم ينص الله على شيء من ذلك، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص عليه الله في قصة داود (وظن داود أنما فتناه) وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه من أمر داود.

قال الرازي: حاصل القصة يرجع إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته وكلاهما منكر عظيم، فلا يليق بعاقل أن يظن بداود عليه السلام هذا، وقال غيره: إن الله أثنى على داود قبل هذه القصة وبعدها وذلك يدل على استحالة ما نقلوه من القصة فكيف يتوهم عاقل أن يقع بين مدحين ذم ولو جرى ذلك من بعض الناس لاستهجنه العقلاء، ولقالوا أنت في مدح شخص كيف تجري ذمه أثناء مدحك والله تعالى منزه عن مثل هذا في كتابه القديم.

وروى سعيد بن المسيب والحارث الأعور عن عليّ بن أبي طالب أنه قال من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حد الفرية على الأنبياء وروى أنه حُدِّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به، وقال إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك وإن كان على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه فقال عمر سماعي هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس.

قال النسفي: والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله بقصته عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح، لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه وأشد تمكناً من قلبه، وأعظم أثراً فيه، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة انتهى قال أبو السعود: وأما ما يذكر من أنه عليه السلام تزوج امرأة أوريا فهو إفك مبتدع مكروه، ومكر مخترع تمجه الأسماع، وتنفر عنه الطباع، ويل لمن ابتدعه وأشاعه، وتباً لمن اخترعه وأذاعه، وسيأتي الكلام على ذنب داود عليه السلام في آخر هذه القصة.

38:22Page 454

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢

When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.

(إذ) بدل من الأولى، وقيل هو معمول لتسوروا، وقال الفراء إن أحد الظرفين المذكورين بمعنى لما (دخلوا على داود ففزع منهم) لأنهما أتياه ليلاً في غير وقت دخول الخصوم، ودخلوا عليه بغير إذنه، ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس، قال ابن الأعرابي: وكان محراب داود من الامتناع بالإرتفاع بحيث لا يرتقي إليه آدمي بحيلة.

(قالوا لا تخف) جملة مستأنفة كأنه قيل: فماذا قالوا لداود لما فزع منهم (خصمان) أي نحن خصمان وجاء فيما سبق بلفظ الجمع، وهنا بلفظ التثنية لما ذكرنا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد والمثنى والمجموع، فالكل جائز قال الخليل: هو كما تقول: نحن فعلنا كذا إذا كنتما اثنين: وقال الكسائي جمع لما كان خبراً فلما انقضى الخبر وجاءت المخاطبة أخبر الإثنان عن أنفسهما فقالا: خصمان وقوله.

(بغى بعضنا على بعض) هو على سبيل الفرض والتقدير أو على سبيل التعريض، لأن من المعلوم أن الملكين لا يبغيان؛ ثم طلبا منه أن يحكم بينهما بالحق ونهياه عن الجور فقالا: (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط) أي لا تجر في حكمك يقال: شط الرجل وأشط شططاً وإشطاطاً إذا جار في حكمه وتجاوز الحد قال أبو عبيدة شططت عليه وأشططت فيه أي جرت فهو مما اتفق فيه فعل وأفعل وقال الأخفش معناه لا تسرف وقيل لا تفرط وقيل لا تمل والمعنى متقارب والأصل فيه البعد من شطت الدار إذا بعدت قال أبو عمر: والشطط مجاوزة القدر في كل شيء.

(وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) أي وسطه ومحجته أي العدل والصواب، والمعنى أرشدنا إلى الحق واحملنا عليه ثم لما أخبراه عن الخصومة إجمالاً شرعا في تفصيلها وشرحها فقال:

38:23Page 454

إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣

Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."

(إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) المراد بالأخوة هنا أخوة الدين، قاله ابن مسعود، أو الصحبة أو الألفة أو أخوة الشركة والخلطة، والنعجة هي الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر الوحش: نعجة ويعبر بها عن المرأة لما هي عليه من السكون والعجز وضعف الجانب وقد يكنّى عنها بالبقرة والحجر والناقة لأن الكل مركوب قال الواحدي النعجة البقرة الوحشية والعرب تكني عن المرأة بها وتشبه النساء بالنعاج من البقر، قرأ الجمهور تسع وتسعون بكسر التاء، وقرىء بفتحها، قال النحاس وهي لغة شاذة، وإنما عنى بهذا داود لأنه كان له تسع وتسعون امرأة وعنى بقوله:

(ولي نعجة واحدة) أوريا زوج المرأة التي أراد أن يتزوجها داود [[راجع تعليقات المطيعي رقم 1 في الاستدراك آخر الكتاب.]] كما تقدم بيان ذلك (فقال أكفلنيها) أي ضمها إليّ وانزل لي عنها حتى أكفلها وأصير بعلاً لها قال ابن كيسان اجعلها كفلي ونصيبي قال ابن مسعود ما زاد داود على أن قال اكفلنيها وعن ابن عباس قال ما زاد داود على أن قال تحول لي عنها وهذا يخالف ما سبق عنه [[قال المفسر (ص 160) " ولي نعجة واحدة " أوريا .. الخ. وجاء التعليق هكذا: كان على المصنف أن لا يقحم قصة أوريا الإسرائيلية في مفهوم الآيات، لا سيما وقد سبق له أنه نقل إن الصحابة رفضوا هذه القصة.]].

(وعزني في الخطاب) أي غلبني يقال عزه يعزه عزاً إذا غلبه، وفي المثل من عزّ بزّ أي من غلب أخذ السلب، والإسم العزة، وهي القوة قال عطاء المعنى إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني لقوة ملكه فالغلبة كانت له عليّ لضعفي في يده، وإن كان الحق معي، وهذا كله تمثيل، وقرىء وعازني أي غالبني من المعازة وهي المغالبة.

38:24Page 454

قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤

[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].

(قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه التسع والتسعين إن كان الأمر على ما تقول واللام هي الموطئة للقسم، وهي وما بعدها جواب القسم المقدر، وجاء بالقسم في كلامه مبالغة في إنكار ما سمعه من طلب صاحب التسع والتسعين النعجة أن يضم إليه النعجة الواحدة التي مع صاحبه ولم يكن معه غيرها ويمكن أنه إنما قال بهذا بعد أن سمع الإعتراف من الآخر قال النحاس ويقال إن خطيئة داود هي قوله لقد ظلمك لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت.

(وإن كثيراً من الخلطاء) وهم الشركاء واحدهم خليط، وهو المخالط في المال (ليبغي) اللام لام التوكيد وقعت في خبر إن أي يتعدى (بعضهم على بعض) ويظلمه غير مراع لحقه (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإنهم يتحامون ذلك، ولا يظلمون خليطاً ولا غيره والإستثناء متصل (وقليل ما هم) أي وقليل هم، وما زائدة لتوكيد القلة والتعجيب وقيل هي موصولة وهم مبتدأ وقليل خبره، عن ابن عباس قال يقول قليل الذي هم فيه.

(وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) قال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن، ومعنى فتناه إبتليناه، وقال ابن عباس. اختبرناه، والمعنى أنه عند أن تخاصما إليه، وقال ما قال، علم عند ذلك أنه المراد وأن مقصودهما التعريص به وبصاحبه الذي أراد أن ينزل له عن امرأته، قال الواحدي قال المفسرون، فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك فعند ذلك علم داود بما أراداه قرأ الجمهور فتناه بالتخفيف للتاء وتشديد النون وقرىء بالتشديد للتاء والنون وهي مبالغة في الفتنة، وقرأ الضحاك أفتناه، وقرىء فتناه بتخفيفهما وإسناد الفعل إلى الملكين.

(فاستغفر ربه) لذنبه (وخر راكعاً) أي ساجداً، وعبر بالركوع عن السجود لأن كل واحد منهما فيه انحناء، وقيل: خر ساجداً بعد ما كان راكعاً، قال ابن العربي لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هنا السجود فإن السجود هو الميل والركوع هو الإنحناء وأحدهما يدخل في الآخر ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئته ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر وقيل المعنى للسجود راكعاً أي مصلياً وقيل: بل كان ركوعهم سجوداً، وقيل: بل كان سجودهم ركوعاً.

(وأناب) أي رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه، قال المفسرون: سجد داود أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجداً إلى تمام أربعين لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة ثم أنزل الله له التوبة والمغفرة وقد اختلف المفسرون في ذنب داود الذي استغفر له وتاب عنه على أقوال.

الأول: أنه نظر إلى امرأة الرجل الذي أراد أن تكون زوجة له كذا قال سعيد بن جبير وغيره قال الزجاج ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها وصارت الأولى له والثانية عليه.

الثاني: أنه أرسل زوجها في جملة الغزاة.

الثالث: أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها.

الرابع: أن أوريا بن حنان كان خطب تلك المرأة فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا فعتب الله عليه حيث لم يتركها لخاطبها.

الخامس: أنه لم يجزع على قتل أوريا كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة.

السادس: أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر كما قدمنا، وأقول الظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين تعريضاً لداود عليه السلام أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له عنها ويضمها إلى نسائه، ولا ينافي هذا العصمة الكائنة للأنبياء فقد نبهه الله على ذلك وعرض له بإرسال ملائكته إليه ليتخاصموا في مثل قصته حتى يستغفر لذنبه ويتوب منه، فاستغفر وتاب عنه.

وقد قال تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) وهو أبو البشر، وأول الأنبياء ووقع لغيره من الأنبياء ما قصه الله علينا في كتابه، وفي الآية ما يدل على صدور الذنب منه، وهو قوله (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) وقوله (فاستغفر ربه) وقوله (وأناب) وقوله:

38:25Page 454

فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥

So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

(فغفرنا له ذلك) والجواب عن هذا بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ليس كما ينبغي، والأولى ما ذكرناه، ثم أخبر سبحانه أنه قبل استغفاره وتوبته فقال: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)

(فغفرنا له ذلك) الذنب الذي استغفر منه قال عطاء الخراساني وغيره إن داود بقي ساجداً أربعين يوماً حتى نبت الرعي حول وجهه، وغمر رأسه قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: ذلك تام. ثم يبتدأ الكلام بقوله.

(وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) والزلفى القربة والكرامة بعد المغفرة لذنبه، قال مجاهد الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة والمراد بحسن المآب حسن المرجع وهو الجنة.

وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه ذكر يوم القيامة فعظم شأنه وشدته قال: ويقول الرحمن عز وجل لداود عليه السلام: مر بين يدي، فيقول داود: يا رب أخاف أن تدحضني خطيئتي، خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عز وجل فيمر قال فتلك الزلفى التي قال الله (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ).

وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه قال في السجود في (ص) ليست من عزائم السجود وقد " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها " وأخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عنه أيضاًً " أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً " [[النسائي 2/ 319 السنن الكبرى.]].

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وعن أنس مثله مرفوعاً، أخرجه ابن مردويه وأخرج الدارمي وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه؛ فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود فقال إنما هي توبة ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود فنزل فسجد ".

38:26Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) لما تمم سبحانه قصة داود أردفها ببيان تفويض أمر خلافة الأرض إليه، والجملة مقولة لقول مقدر معطوف على غفرنا أي وقلنا له: يا داود إنا استخلفناك على الأرض، أو جعلناك خليفة لمن قبلك من الأنبياء لتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتدبر أمر الناس، وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير قط.

(فاحكم بين الناس بالحق) أي بالعدل الذي هو حكم الله بين عباده لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهرج فيه؛ والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم.

(ولا تتبع الهوى). أي هوى النفس في الحكم بين العباد وفيه تنبيه لداود عليه السلام أن الذي عوتب عليه ليس بعدل، وأن فيه شائبة من اتباع هوى النفس.

(فيضلك عن سبيل الله) بالنصب على أنه جواب النهي، والفاعل هو الهوى، ويجوز أن يكون الفعل مجزوماً بالعطف على النهي، وإنما حرك لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول يكون المنهي عنه الجمع بينهما وعلى الثاني يكون النهي عن كل واحد منهما على حدة، وسبيل الله هو طريق الجنة أو دلائله التي نصبها على الحق تشريعاً وتكويناً.

(إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد) تعليل للنهي عن اتباع الهوى، والوقوع في الضلال (بما نسوا يوم الحساب) الباء للسببية، ومعنى النسيان الترك، قال الزجاج: أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينظرون ويذكرون ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا.

وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير، ولهم عذاب يوم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل والأول أولى.

38:27Page 455

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً) مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها من أمر البعث والحساب أي ما خلقنا هذه الأشياء خلقاً باطلاً خارجاً عن الحكمة الباهرة، بل خلقناها للدلالة على قدرتنا. فانتصاب باطلاً على المصدرية أو على الحالية أو على أنه مفعول لأجله، والإشارة بقوله (ذلك) إلى النفي قبله وهو مبتدأ وخبره: (ظن الذين كفروا) أي مظنونهم فإنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض ويقولون: إنه لا قيامة ولا بعث ولا حساب، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلاً.

(فويل للذين كفروا من النار) الفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم، كما أن وضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بعلية للصلة، لاستحقاقهم الويل، ثم وبخهم وبكتهم فقال: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)

38:28Page 455

أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨

Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?

(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ) قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطي في الآخرة كما تعطون فنزلت وأم هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة للإضراب الانتقالي عن تقرير أمر البعث والحساب والجزاء، بما مر من نفي خلق العالم خالياً عن الحكم والمصالح إلى تقريره وتحقيقه بما في الهمزة من إنكار التسوية بين الفريقين، ونفيها على أبلغ وجه وآكده؛ أي بل أنجعل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وعملوا بفرائضه كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض بالمعاصي.

قال ابن عباس في الآية الذين آمنوا عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث والمفسدون في الأرض عتبة وشيبة والوليد ثم أضرب سبحانه إضراباً آخر وانتقل عن الأول إلى ما هو أظهر استحالة منه فقال:

(أم نجعل المتقين كالفجار) أي بل أنجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين؟ وحمل الفجار على المنهمكين في معاصي الله سبحانه من المسلمين، مما لا يساعده المقام، وقيل المراد بالمتقين الصحابة ولا وجه للتخصيص بغير مخصص والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين على الأولين ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين.

38:29Page 455

كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩

[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.

(كتاب) أي القرآن كتاب (أنزلناه إليك) يا محمد (مبارك). أي كثير الخير والبركة (ليدبروا آياته) أي التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع، وهو متعلق بأنزلناه؛ وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه لا لمجرد التلاوة بدون تدبر، قال الحسن قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، قرأ الجمهور ليدبروا بالإدغام، وقرىء لتدبروا بالتاء الفوقية على الخطاب وهي قراءة عليّ رضي الله تعالى عنه والأصل لتتدبروا.

(وليتذكر أولو الألباب) أي ليتعظ أهل العقول والبصائر والألباب جمع لب وهو العقل.

38:30Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

(ووهبنا لداود سليمان) أخبر سبحانه بأن من جملة نعمه على داود أنه وهب له سليمان ولداً ثم مدح سليمان فقال (نعم العبد) أي سليمان فالمخصوص بالمدح محذوف، وقيل: إن المدح هنا بقوله نعم العبد هو لداود، والأول أولى وجملة (إنه أواب) تعليل لما قبلها من المدح والأواب الرجاع إلى الله بالتوبة، كما تقدم بيانه.

38:31Page 455

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

(إذ عرض عليه بالعشي) أي اذكر ما صدر عنه وقت أن عرض عليه (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) وقيل: هو متعلق بنعم، وهو مع كونه غير متصرف لا وجه لتقييده بذلك الوقت، قيل: متعلق بأواب، ولا وجه لتقييد كونه أواباً بذلك الوقت، والعشي من الظهر أو العصر إلى آخر النهار. والصافنات جمع صافن.

وقد اختلف أهل اللغة في معناه، فقال القتيبي والفراء الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها وبه قال قتادة ومنه الحديث " من أحب أن يتمثل له الناس صفونا فليتبوأ مقعده من النار [[لم نره بهذا اللفظ ورواه الترمذي 2/ 100 من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: " من سره أن يتمثل به الرجال قياماً فليتبؤوا مقعده من النار " ورواه أبو داود 5229. وأحمد 4/ 91 باختلاف في الرواية.]] "، أي يديمون القيام له وقال الزجاج هو الذي يقف على إحدى اليدين ويرفع الأخرى، ويجعل على الأرض طرف الحافر منها، حتى كأنه يقوم على ثلاث وهي الرجلان وإحدى اليدين وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه، وهي علامة الفراهة.

وقال أبو عبيدة الصافن الذي يجمع يديه ويسويهما وأما الذي يقف على سنبكه فاسمه المتخيم، والجياد جمع جواد يقال للفرس ذكراً كان أو أنثى إذا كان شديد العدو، وقيل: إنها الطوال الأعناق، مأخوذ من الجيد وهو العنق وقيل الذي يجود في الركض، قيل كانت مائة فرس. وقيل كانت عشرين ألفاً قيل كانت عشرين فرساً، وعن إبراهيم التيمي قال كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة فعقرها، وقيل إنها خرجت له من البحر وكانت لها أجنحة [[قد يكون في هذا القول غرابة لأننا لم نسمع بخيل لها أجنحة إلا أنه ليس بمستبعد لأن الله وهب لسليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعد.]].

وعن أبي هريرة قال الصافنات الجياد خيل خلقت على ما شاء وعن مجاهد قال صفون الفرس رفع إحدى يديه حتى يكون على أطراف الحافر والجياد السراع لأنه يجود بالركض وصفها بالصفون لأنه لا يكون في الهجان، وإنما هو في العراب، وقيل: وصفها بالصفون والجودة ليجمع لها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعاً خفافاً في جريها، قيل إن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس، وقيل ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة.

38:32Page 455

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

(فقال) اعترافاً بما صدر منه وندماً عليه وتمهيداً لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها والتعقيب باعتبار آخر العرض الممتد دون ابتدائه (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) انتصاب حب على أنه مفعول أحببت بعد تضمينه معنى آثرت، قال الفراء يقول آثرت حب الخير، وكل من أحب شيئاًً فقد آثره وقيل انتصابه على المصدرية بحذف الزوائد، والناصب له أحببت، وقيل هو مصدر تشبيهي أي حباً مثل حب الخير، والأول أولى، والمراد بالخير هنا الخيل، قاله الزجاج، وقال الفراء الخير والخيل في كلام العرب واحد، وأنها تعاقب بين الراء واللام فتقول انهملت العين وانهمرت وختلت وخترت، قال النحاس وفي الحديث، الخيل معقود بنواصيها الخير فكأنها سميت خيراً لهذا وقيل لما فيها من المنافع وعن بمعنى على، أي آثرت حب الخيل على ذكر ربي يعني صلاة العصر، وبه قال علي، وقال ابن عباس الخير المال، وقيل أحببت بمعنى لزمت، وقيل بمعنى قعدت من أحب البعير إذا سقط وبرك من الإعياء، وفيل بمعنى أردت.

(حتى توارت بالحجاب) يعني الشمس ولم يتقدم لها ذكر ولكن المقام يدل على ذلك، قال الزجاج إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر، وقد جرى هنا الدليل. وهو قوله بالعشي، والتواري الاستتار عن الأبصار والحجاب ما يحجبها عن الأبصار، قال قتادة وكعب الحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق وهو جبل قاف، وسمي الليل حجاباً لأنه يستر ما فيه ويقال إن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه وفيه بعد وبرودة [[قال المفسر (ص 168) " حتى توارت بالحجاب " قال قتادة وكعب: الحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، وهو جبل قاف الخ. وكان تعليق الأستاذ طويلاً وخلاصته أنه لا يوجد في الدنيا جبل اسمه جبل قاف، وقد حصرت جبال الدنيا الآن وعرف الإنسان جميع الجبال وأسماءها وأماكنها.]]، وعن ابن مسعود قال توارت من وراء ياقوتة خضراء فخضرة السماء منها، وعن ابن عباس قال كان سليمان لا يكلم إعظاماً له فلقد فاتته صلاة العصر وما استطاع أحد أن يكلمه، وقيل الضمير للخيل أي حتى توارت في المسابقة عن الأعين، والأول أولى.

وقوله:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском