Al-QinnawjiAz‑Zumar · 39:27–46

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:27–46

39:27Page 461

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧

And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.

(ولقد) اللام موطئة للقسم (ضربنا للناس في هذا القرآن) أي جعلنا وأوجدنا وبينا (من كل مثل) قد قدمنا تحقيق المثل وكيفية ضربه في غير موضع، ومعنى من كل مثل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم، وليس المراد ما هو أعم من ذلك، فهو هنا كما في قوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أي من شيء يحتاجون إليه في أمر دينهم، وقيل: المعنى ما ذكرنا من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء (لعلهم يتذكرون) يتعظون فيعتبرون.

39:28Page 461

قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨

[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2

(قرآناً عربياً) حال مؤكدة من هذا، وتسمى هذه حالاً موطئة لأن الحال في الحقيقة هو عربياً وقرآناً توطئة له، نحو جاءني زيد رجلاً صالحاً، كذا قال الأخفش، ويجوز أن ينتصب على المدح، قال الزجاج. عربياً منتصب على الحال، وقرآناً توكيد.

(غير ذي عوج) أي لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، قال الضحاك: أي غير مختلف، قال النحاس: أحسن ما قيل في معناه قول الضحاك، وقيل: غير متضاد، وقيل: غير ذي لبس، وقيل غير ذي لحن، وقيل: غير ذي شك؛ كما قال الشاعر:

وقد أتاك يمين غير ذي عوج ... من الإِله وقول غير مكذوب

وقال ابن عباس: غير مخلوق، وقيل: معناه صحيح مستقيم يفهم ولا يلتبس بخلافه من الباطل (لعلهم يتقون) علة أخرى بعد العلة الأولى وهي لعلهم يتذكرون، أي لكي يتاقوا الكفر والكذب، وقيل: علة لقوله: لعلهم يتذكرون فالأول سبب في الثاني، ثم ذكر سبحانه مثلاً من الأمثال القرآنية للتذكير والإيقاظ فقال:

39:29Page 461

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩

Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.

(ضرب الله مثلاً) أي تمثيل حالة عجيبة بأخرى مثلها، ثم بين المثل فقال: (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) قال الكسائي: نصب رجلاً لأنه تفسير للمثل، وقيل منصوب ينزع الخافض، أي ضرب الله مثلاً برجل، وقيل إن رجلاً هو المفعول الأول، ومثلاً هو المفعول الثاني، وأخر المفعول الأول ليتصل بما هو من تمامه، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة يس، وجملة. فيه شركاء في محل نصب صفة لرجل، والتشاكس التخالف، وأصله سوء الخلق وعسره، وهو سبب التخالف والتشاجر، ويقال التشاخس بالخاء المعجمة، قال الفراء؛ أي مختلفون، وقيل: متنازعون، وقال المبرد متعاسرون من شكس يشكس شكساً فهو شكس، مثل عسر يعسر عسراً فهو عسر، وشكس بكسر الكاف هو القياس قال الجوهري التشاكس الاختلاف، قال: ويقال رجل شكس بالتسكين أي صعب الخلق، وهذا مثل من أشرك بالله وعبد آلهة كثيرة، ثم قال:

(وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) أي خالصاً له. وهذا مثل من يعبد الله وحده، قرأ الجمهور. سلماً بفتح السين واللام، وقرىء بكسر السين وسكون اللام، وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن كثير ويعقوب سالماً اسم فاعل من سلم له فهو سالم، واختارها أبو عبيد، قال لأن السالم الخالص ضد المشترك والسلم ضد الحرب، ولا موضع للحرب ههنا، وأجيب عنه بأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولالهما، فالسلم وإن كان ضد الحرب فله معنى آخر بمعنى سالم من سلم له كذا إذا خلص له، وأيضاً يلزمه في سالم ما ألزم به لأنه يقال شيء سالم أي لا عاهة به، واختار أبو حاتم القراءة الأولى، والحاصل أن قراءة الجمهور هي على الوصف بالمصدر للمبالغة أو على حذف مضاف، أي ذا سلم، ومثلها قراءة سعيد بن جبير ومن معه، قال ابن عباس، رجلاً سلماً أي ليس لأحد فيه شيء، ثم جاء سبحانه بما يدل على التفاوت بين الرجلين فقال:

(هل يستويان مثلاً) وهذا الاستفهام للإنكار والاستبعاد، والمعنى هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء؟ أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة، يستخدمه كل واحد منهم فيتعب وينصب، مع كون كل واحد منهم غير راض بخدمته، وهذا الذي يخدم واحداً لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي عنه، وإذا عصاه عفا عنه؟ فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر عاقل أن يتفوه باستوائهما لأن أحدهما في أعلى المنازل، والآخر في أدناها، وانتصاب مثلاً على التمييز المحول عن الفاعل لأن الأصل هل يستوي مثلهما؟ أي حالهما وصفتهما؟ وأفرد التمييز ولم يثنه لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه مبنياً للجنس، وقال السمين وأفرد التمييز لأنه مقتصر عليه أولاً في قوله ضرب الله مثلاً، وقرىء مثلين فطابق حالي الرجلين.

وجملة (الحمد لله) مقررة لما قبلها من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وللإيذان للموحدين بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة المستحقة لتخصيص الحمد به، أي الحمد لله على عدم استواء هذين الرجلين، وقيل: الجملة اعتراضية فإن قوله (بل أكثرهم لا يعلمون) إضراب انتقالي من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس، وهم المشركون، فإنهم لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره ووضوحه، فيقعون في ورطة الشرك والضلال.

قال الواحدي والبغوي والمراد بالأكثر الكل، والظاهر خلاف ما قالاه، فإن المؤمنين بالله يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه، وعلو مكانه، وأن الشرك لا يماثله بوجه من الوجوه، ولا يساويه في وصف من الأوصاف، ويعلمون أن الله سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة، وأن الحمد مختص به.

ثم أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن الموت يدركه ويدركهم لا محالة، فقال:

39:30Page 461

إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠

Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.

(إنك ميت وإنهم ميتون) وذلك إنهم كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت، فأخبر أن الموت يعمهم جميعاً، فلا معنى للتربص، وشماتة الفاني بالفاني وهذا تمهيد لما يعقبه من الخصام يوم القيامة، قرأ الجمهور ميت وميتون بالتشديد، وقرىء مائت ومائتون، وبها قرأ عبد الله بن الزبير، وقد استحسن هذه القراءة بعض المفسرين لكون موته وموتهم مستقبلاً، ولا وجه للاستحسان فإن قراءة الجمهور تفيد هذا المعنى، قال الفراء والكسائي: الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف من قد مات وفارقته الروح قال الخليل: أنشد أبو عمرو:

وتسألني تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت إن كنت تعقل

فمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل

وقال السمين: ولا خلاف بين القراء في تثقيل مثل هذا؟ قال قتادة: نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نفسه ونعيت إليهم أنفسهم، ووجه هذا الإخبار الإِعلام للصحابة بأنه يموت، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت مع كونه توطئة وتمهيداً لما بعده أخرج النسائي وغيره عن ابن عمر قال: لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين من قبلنا، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا.

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)

39:31Page 461

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١

Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.

(ثم إنكم) أيها الناس جميعاً مؤمنكم وكافركم (يوم القيامة عند ربكم تختصمون) فيما بينكم من المظالم، قيل: يعني المحق والمبطل، وقيل: تخاصمهم يا محمد وتحتج عليهم بأنك قد بلغتهم وأنذرتهم، وهم يخاصمونك، أو يخاصم المؤمن الكافر، والظالم المظلوم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه ". رواه البخاري.

وعنه قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم ولا متاع له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار " [[مسلم 8/ 18 والترمذي 3/ 291 وأحمد 2/ 303 والبخاري 8/ 35 (معلق).]]، أخرجه مسلم.

وعن ابن عمر قال: نزلت علينا هذه الآية وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه، أخرجه ابن جرير وأخرج النسائي وغيره عنه فال: لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا، وفي أهل الكتابين من قبلنا، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا.

وعن الزبير بن العوام قال: لما نزلت: إنك ميت إلى قوله: تختصمون قلت: " يا رسول الله أيكرر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: نعم ليكررن عليكم ذلك حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه، قال الزبير: فوالله إن الأمر لشديد "، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

وعن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا وعن إبراهيم لما نزلت هذه الآية قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا هذه خصومتنا ثم بين سبحانه حال كل فريق من المختصمين فقال:

39:32Page 462

۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?

(فمن) أي لا أحد (أظلم ممن كذب على الله) فزعم أن له ولداً أو شريكاً أو صاحبة (وكذب بالصدق إذ جاءه) وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاء الناس إلى التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرماته، وإخبارهم بالبعث والنشور، وما أعد الله للمطيع والعاصي، وقوله: (إذ جاءه) ظرف لكذب بالصدق أي كذب بالقرآن في وقت مجيئه. أي فاجأه بالتكذيب لما سمعه من غير وقفة، ولا إعمال روية بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النُّصْفَة فيما يسمعون، ثم استفهم سبحانه استفهاماً تقريرياً فقال: (أليس في جهنم مثوى للكافرين) أي أليس لهؤلاء المفترين المكذبين بالصدق؟ والمثوى المقام وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به، يثوى ثواء وثوياً، مثل مضى مضاء ومضياً، وحكى أبو عبيدة أنه يقال: أثوى، وأنكر ذلك الأصمعي وقال: لا نعرف أثوى ثم ذكر سبحانه فريق المؤمنين المصدقين فقال:

39:33Page 462

وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣

And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.

(والذي جاء بالصدق وصدق به) الموصول في موضع رفع بالابتداء وهو عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تابعه. وقيل الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر، قاله علي بن أبي طالب، وعن أبي هريرة مثله، وقال مجاهد الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به علي بن أبي طالب.

وقال السدي الذي جاء بالصدق جبريل، والذي صدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة ومقاتل وابن زيد الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه وسلم والذي صدق به المؤمنون. وقال النخعي الذي جاء بالصدق وصدق به هم المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة.

وقيل إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله وأرشد إلى ما شرعه لعباده، واختار هذا ابن جرير وهو الذي اختاره من هذه الأقوال، ويؤيده قراءة ابن مسعود، والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به، وقرىء صدق به بالتخفيف، أي صدق به الناس، قال ابن عباس الذي جاء بالصدق يعني بلا إله إلا الله وصدق به يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الذي جاء بالصدق هو جبريل جاء بالقرآن وصدق به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع والكل صحيح.

قالوا والوجه في العربية أن يكون جاء وصدق لفاعل واحد، لأن التغاير يستدعي إضمار الذي وذا غير جائز وإضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد. ولفظ الذي كما وقع في قراءة الجمهور وإن كان مفرداً فمعناه الجمع لأنه يراد به الجنس كما يفيده قوله (أولئك هم المتقون) أي المتصفون بالتقوى التي هي عنوان النجاة، قال ابن عباس: يعني اتقوا الشرك: ثم ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين المصدقين في الآخرة فقال:

39:34Page 462

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤

They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -

(لهم ما يشاؤون عند ربهم) أي لهم كل ما يشاؤونه من رفع الدرجات، ودفع المضرات، وتكفير السيئات، وجلب المنافع، وفي هذا ترغيب عظيم وتشويق بالغ (ذلك) أي ما تقدم ذكره من جزائهم، وهو مبتدأ وخبره (جزاء المحسنين) أي الذين أحسنوا في أعمالهم، وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، " إن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " [[سبق ذكره.]]، ثم بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم فقال:

39:35Page 462

لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥

That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.

(ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا) فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم، لأن الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى، واللام متعلقة بيشاؤون أو بالمحسنين أو بمحذوف قرأ الجمهور أسوأ على أنه أفعل تفضيل وقيل: ليست للتفضيل بل بمعنى سيىء الذي عملوا أو بهذا الاعتبار عم الأسوأ جميع معاصيهم وقرىء أسواء بألف بين الهمزة والواو بزنة أحمال جمع سوء.

ولما ذكر الله سبحانه ما يدل على دفع المضار عنهم، ذكر ما يدل على جلب أعظم المنافع إليهم فقال:

(ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) إضافة الأحسن إلى ما بعده ليست من إضافة المفضل إلى المفضل عليه بل من إضافة الشيء إلى بعضه قصداً إلى التوضيح من غير اعتبار تفضيل، قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء، وعم الأحسن جميع حسناتهم، ولولا هذا التأويل لاقتضى النظم أنه يكفر عنهم أقبح السيئات فقط ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط.

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37)

39:36Page 462

أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.

(أليس الله بكاف عبده) قرأ الجمهور بالإفراد، وقرىء بالجمع فعلى الأولى المراد النبي صلى الله عليه وسلم، أو الجنس ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخولاً أولياً وعلى الثانية المراد الأنبياء، أو المؤمنون أو الجميع، واختار أبو عبيدة الأولى لقوله عقبه: (ويخوفونك) والاستفهام للإنكار لعدم كفايته سبحانه على أبلغ وجه، كأنها بمكان من الظهور لا يتيسر لأحد أن ينكره، وقيل المراد بالعبد والعباد ما يعم المسلم والكافر قال الجرجاني: إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب. وقرىء بكافي عباده بالإضافة ويكافي بصيغة المضارع.

وقوله (ويخوفونك) يجوز أن يكون في محل نصب على الحال إذ المعنى أليس كافيك حال تخويفهم إياك (بالذين من دونه) هي المعبودات التي يعبدونها، قالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون كأن المعنى أنه كافيك في كل حال حتى في هذه الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة (ومن يضلل الله) أي من حق عليه القضاء بضلاله حتى غفل عن كفاية الله لعبده محمد، وخوفه بما لا ينفع ولا يضر (فما له من هاد) يهديه إلى الرشد ويخلصه من الضلالة.

39:37Page 462

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧

And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?

(ومن يهد الله فما له من مضل) يخرجه من الهداية ويوقعه في الضلالة (أليس الله بعزيز) أي غالب لكل شيء قاهر له (ذي انتقام) ينتقم من عصاته بما يصبه عليهم من عذابه، وما ينزله بهم من سوط عقابه، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40)

39:38Page 462

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن الخالق بأنه الله سبحانه لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية، مع عبادتهم للأصنام والأوثان، واتخاذهم الآلهة من دون الله وفي هذا أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة، وجهالة عظيمة لأنهم إذا علموا أن الخالق لهم ولما يعبدون من دون الله هو الله سبحانه، فكيف استحسنت عقولهم عبادة غير خالق الكل، وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة وقد كانوا يذكرون بحسن العقول وكمال الإدراك والفطنة التامة، ولكنهم لما قلدوا أسلافهم وأحسنوا الظن بهم هجروا ما يقتضيه العقل، وعملوا بما هو محض الجهل، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يبكتهم بعد هذا الاعتراف ويوبخهم فقال:

(قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر؟ والضر هو الشدة والبلاء (أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) عنّي بحيث لا تصل إليّ والرحمة النعمة والرخاء قرأ الجمهور: كاشفات وممسكات في الموضعين بالإضافة، وقرأهما أبو عمرو بالتنوين، واختار أبو عبيدة وأبو حاتم قراءة أبي عمرو لأن كاشفات اسم فاعل في معنى الاستقبال، وما كان كذلك فتنوينه أجود وبها قرأ الحسن وعاصم، قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، فسكتوا وقال غيره قالوا لا تدفع شيئاًً من قدر الله، ولكنها تشفع فنزل:

(قل حسبي الله) في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر (عليه يتوكل المتوكلون) أي عليه لا على غيره يعتمد المعتمدون، ثم أمره الله سبحانه أن يهددهم ويتوعدهم فقال

39:39Page 462

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

(قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) أي على حالتكم التي أنتم عليها وتمكنتم منها، والمكانة بمعنى المكان فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا، وحيث للزمان وهما للمكان (إني عامل) على حالتي التي أنا عليها، وتمكنت منها، وحذف ذلك للعلم به مما قبله.

(فسوف تعلمون

39:40Page 462

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

من يأتيه عذاب يخزيه) أي يهينه ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلك أنه المبطل وخصمه المحق، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا وما حل بهم من القتل والأسر والقهر والذلة، ثم ذكر عذاب الآخرة فقال:

(ويحل عليه عذاب مقيم) أي دائم مستمر في الدار الآخرة، وهو عذاب النار، وهو مجاز في الطرف أو في الإسناد، وأصله مقيم فيه صاحبه، ثم لما كان يعظم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إصرارهم على الكفر أخبره بأنه لم يكلف إلا بالبيان، لا بأن يهدي من ضل فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)

39:41Page 463

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

(إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس) أي لأجلهم، ولبيان ما كلفوا به فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم، فهو للناس كافة، لأن رسالتك كذلك (بالحق) حال من الفاعل أو المفعول، أي محقين أو متلبساً بالحق (فمن اهتدى) طريق الحق وسلكها (فلنفسه ومن ضل) عنها (فإنما يضل عليها) أي على نفسه فضرر ذلك عليه لا يتعدى إلى غيره.

(وما أنت عليهم بوكيل) أي مكلف بهدايتهم مخاطب بها، بل ليس عليك إلا البلاغ وقد فعلت، وهذه الآيات منسوخة بآية السيف فقد أمر الله سبحانه رسوله بعد هذه أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويعملوا بأحكام الإسلام، ثم ذكر سبحانه نوعاً من أنواع قدرته البالغة وصنعته العجيبة فقال:

39:42Page 463

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

(الله يتوفى الأنفس حين موتها) أي يقبض الأرواح عند حضور آجالها ويخرجها من الأبدان (و) يتوفى الأنفس (التي لم تمت في منامها) أي لم يحضر أجلها في منامها، وقد اختلف في هذا فقيل: يقبضها عن التصرف مع بقاء الروح في الجسد، وقال الفراء: المعنى ويقبض التي لم تمت، عند انقضاء أجلها قال وقد يكون توفيها نومها فيكون التقدير على هذا، والتي لم تمت وفاتها نومها، قال الزجاج لكل إنسان نفسان إحداهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس قال القشيري في هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد ولهذا قال: (فيمسك التي قضى عليها الموت) فلا يردها إلى البدن.

قرأ الجمهور قضى مبنياً للفاعل أي قضى الله عليها الموت، وقرىء على البناء للمفعول، واختار أبو عبيدة وأبو حاتم الأولى لموافقتها لقوله (الله يتوفى الأنفس).

(ويرسل الأخرى) أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة (إلى أجل مسمى) وهو الوقت المضروب لموته، وهو غاية جنس الإرسال، وقد قال بمثل قول الزجاج ابن الأنباري، وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف، فيمسك التي قضي عليها الموت، ويرسل الأخرى فيعيدها، والأولى أن يقال: أن توفى الأنفس حال النوم بإزالة الإحساس، وحصول الآفة به في محل الحس، فيمسك التي قضى عليها الموت، ولا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه، ويرسل الأخرى بأن يعيد عليها إحساسها.

قيل: ومعنى يتوفى الأنفس عند موتها هو على حذف مضاف، أي عند موت أجسادها، وعن ابن عباس قال: نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه، ويدع الروح في جوفه يتقلب ويعيش، فإن بدا له أن يقبضه قبض الروح فمات، وإن أخر أجله رد النفس إلى مكانها من جوفه، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.

وعنه قال: تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام، فيتساءلون بينهم ما شاء الله، ثم يمسك الله أرواح الأموات ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها إلى أجل مسمى، لا يغلط بشيء منها أخرجه عبد بن حميد وغيره، وعنه أيضاً في الآية قال: كل نفس لها سبب تجري فيه، فإذا قضى عليه الموت نامت حتى ينقطع السبب، والتي لم تمت في منامها تترك.

وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " [[صحيح الجامع/400.]].

وقد اختلف العقلاء في النفس والروح هل هما شيء واحد؟ أو شيئان والكلام في ذلك يطول جداً، وهو معروف في الكتب الموضوعة لهذا الشأن [[أهم هذه الكتب وأجمعها كتاب الروح لابن القيم طبعة مطبعة الإمام بتحقيق وتعليق المطيعي.]] والأظهر أنهما شيء واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح.

(إن في ذلك) أي فيما تقدم من التوفي والإمساك والارسال للنفوس (لآيات) عجيبة بديعة دالة على القدرة الباهرة، ولكن ليس كون ذلك آيات يفهمه كل أحد بل (لقوم يتفكرون) في ذلك ويتدبرونه ويستدلون به على توحيد الله، وكمال قدرته، فإن في هذا التوفي والإمساك والإرسال موعظة للمتعظين وتذكرة للمتذكرين.

39:43Page 463

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

(أم) هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة أي بل أ (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ) آلهة (شفعاء) تشفع لهم عند الله؟ (قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا) الهمزة للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على محذوف مقدر، أي أيشفعون؟ ولو كانوا الخ جواب لو محذوف، أي وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم والمعنى أنهم غير مالكين لشيء من الأشياء، وتدخل الشفاعة في ذلك دخولاً أولياً (ولا يعقلون) شيئاًً من الأشياء لأنها جمادات لا عقل لها، وجمعهم بالواو والنون لاعتقاد الكفار فيهم أنهم يعقلون، ثم أمره سبحانه بأن يخبرهم أن الشفاعة لله وحده فقال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)

39:44Page 463

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

(قل لله الشفاعة جميعاً) فليس لأحد منها شيء إلا أن تكون بإذنه لمن ارتضى، كما في قوله (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)، وقوله (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وانتصاب (جميعاً) على الحال، وإنما أكد الشفاعة بما يؤكد به الاثنان فصاعداً لأنها مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، ثم وصف نفسه بسعة الملك فقال (له ملك السموات والأرض) أي يملكهما ويملك ما فيهما، ويتصرف في ذلك كيف يشاء، ويفعل ما يريد، فهو مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم دون إذنه ورضاه (ثم إليه) لا إلى غيره (ترجعون) بعد البعث.

39:45Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) انتصاب وحده على الحال عند يونس، وعلى المصدر عند الخليل وسيبويه، والاشمئزاز في اللغة النفور، قال أبو عبيدة: اشمأزت نفرت، وقال المبرد: انقبضت، وبالأول قال قتادة، وبالثاني قال مجاهد، والمعنى متقارب، وقال المؤرج: أنكرت، وقال أبو زيد: اشمأز الرجل ذعر من الفزع. والمناسب للمقام تفسير اشمأزت بانقبضت، وهو في الأصل الازورار، وكان المشركون إذا قيل لهم: لا إله إلا الله انقبضوا، كما حكاه الله عنهم في قوله:

(وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً) قال ابن عباس في الآية: اشمأزت قست ونفرت قلوب هؤلاء الأربعة الذين لا يؤمنون بالآخرة أبو جهل ابن هشام، والوليد بن عقبة، وصفوان، وأبي بن خلف.

(وإذا ذكر الذين من دونه) اللات والعزى وغيرهما من الأصنام (إذا هم يستبشرون) أي يفرحون بذلك، ويبتهجون به، والعامل في (إذا) في قوله (وإذا ذكر الله) الفعل الذي بعدها وهو اشمأزت، والعامل في إذا في قوله (وإذا ذكر الذين) الخ الفعل العامل في إذا الفجائية، والتقدير فاجأوا الاستبشار وقت ذكر الذين من دونه، وذلك لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم حق الله.

ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه، والاشمئزاز أن يمتلىء غضباً وغماً حتى ينقبض أديم وجهه، ولما لم يقبل المتمردون من الكفار ما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء إلى الخير، وصمموا على كفرهم أمره الله سبحانه، أن يرد الأمر إلى الله سبحانه، ويلتجىء إليه تعالى بالدعاء لما تحير في أمرهم، وعجز في عنادهم وشدة شكيمتهم، فإنه القادر على الأشياء، العالم بالأحوال كلها فقال:

39:46Page 463

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

(قل اللهم) أصله يا الله عوض عنها الميم لقربها من حروف العلة، وشددت لتكون على حرفين كالمعوض عنه، ولذا لم يجمع بينهما، فلا يقال: يا اللهم في فصيح الكلام، وما سمع من قوله:

إني إذا ما حدثٌ ألمَّا ... أقول: يا اللهم يا اللهما

فضرورة قاله الرخى (فاطر السموات والأرض) أي مبدعهما (عالم الغيب والشهادة) أي ما غاب وشوهد، وهما منصوبان على النداء:

(أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) من الهدى والضلالة، والمعنى تجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءته، فإنه بذلك يظهر من هو المحق، ومن هو المبطل، ويرتفع عنده خلاف المختلفين، وتخاصم المتخاصمين.

وقيل: هذه محاكمة من النبي للمشركين إلى الله تعالى.

وعن ابن المسيب لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا أجيب سواها، وعن الربيع ابن خيثم -وكان قليل الكلام- أنه أخبر بقتل الحسين رضي الله عنه، وقالوا الآن يتكلم فما زاد أن قال آه أو قد فعلوا، وقرأ هذه الآية، وروي أنه قال على إثره. قتل من كان صلى الله عليه وآله وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه.

وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته:

" اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " [[الجزء الأول منه أخرجه النسائي 2/ 320 والحاكم 3/ 622.]]. ثم لما حكى عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر الله، والاستبشار عند ذكر الأصنام ذكر ما يدل على شدة عذابهم وعظم عقوبتهم فقال:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском