Al-QinnawjiAz‑Zumar · 39:47–65

Al-Qinnawji · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:47–65

39:47Page 463

وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧

And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1

(ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً) أي جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر (ومثله معه) أي منضماً إليه (لافتدوا به) أي بالمذكور من الأمرين أي لجعلوه فدية لأنفسهم (من سوء العذاب يوم القيامة) أي من سوء عذاب ذلك اليوم، وقد مضى تفسير هذا في آل عمران.

(وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) أي ظهر لهم من فنون عقوبات الله وسخطه، وشدة عذابه، ما لم يكن في حسابهم ولا يحدثون به في نفوسهم وفي هذا وعيد لهم عظيم، وتهديد بالغ غاية لا غاية وراءها وقال مجاهد عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات وكذا قال السدي.

وقال سفيان الثوري: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، وهذه آيتهم وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار، جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعاً شديداً فقيل له ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله، (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب.

39:48Page 464

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨

And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

(وبدا لهم سيئات ما كسبوا) أي مساوىء أعمالهم من الشرك، وظلم أولياء الله، و (ما) تحتمل أن تكون مصدرية أي سيئات كسبهم، وأن تكون موصولة أي سيئات الذي كسبوه، حين تعرض صحائف أعمالهم، وكانت خافية عليهم، أو عقاب ذلك (وحاق بهم) أي أحاط بهم ونزل بهم (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)

39:49Page 464

فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩

And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.

(فإذا مس الإنسان) المراد هنا بالإنسان الجنس باعتبار بعض أفراده أو غالبها، وقيل: المراد به الكفار فقط، والأول أولى، ولا يمنع من حمله على الجنس خصوص سببه، لأن الاعتبار بعموم اللفظ وفاء بحق النظم القرآني، ووفاء بمدلوله، والمعنى أن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه (ضر) من مرض أو فقر أو غيرهما (دعانا) وتضرع إلينا في رفعه ودفعه.

(ثم إذا خولناه نعمة منا) أي أعطيناه نعمة كائنة من عندنا (قال إنما أوتيته على علم) مني بوجوه المكاسب، أو على خير عندي، أو على علم من الله بفضلي، وقيل إن كان ذلك سعادة في المال أو عافية في النفس يقول: إنما حصل ذلك بجدي واجتهادي، وإن كان صحة قال: إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني، وإن حصل مالاً، يقول: حصل بكسبي، وهذا تناقض أيضاًً لأنه لما كان عاجزاً محتاجاً أضاف الكل إلى الله تعالى، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله تعالى وأسنده إلى كسب نفسه. وهذا تناقض قبيح.

وقال الحسن: على علم علمني الله إياه. وقيل: قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة، وجاء في أوتيته بالضمير مذكراً مع كونه راجعاً إلى النعمة لأنها بمعنى الإنعام، وقيل: إن الضمير عائد إلى (ما) وهي موصولة والأول أولى.

(بل هي فتنة) هذا رد لما قاله، أي ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت بل هو محنة لك واختبار لحالك، أتشكر أم تكفر؟ قال الفراء: أنث الضمير في قوله: (هي) لتأنيث الفتنة، ولو قال: بل هو فتنة لجاز، وقيل: تأنيث الضمير باعتبار لفظ الفتنة، وتذكير الأول في قوله: أوتيته باعتبار معناها وقال النحاس: بل عطية فتنة (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر.

39:50Page 464

قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.

(قد قالها الذين من قبلهم) أي قال هذه الكلمة التي قالوها، وهي قوله (إنما أوتيته على علم) الذين من قبلهم كقارون وقومه، فإن قارون قال (إنما أوتيته على علم عندي) وإنما نسب إليهم قوله باعتبار رضاهم به (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) ما نافية أي لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئاًً أو استفهامية أي أيُّ شيء أغنى عنهم ذلك.

39:51Page 464

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١

And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1

(فأصابهم سيئات ما كسبوا) أي جزاء سيئات كسبهم أو أصابهم سيئات هي جزاء كسبهم، وسمي الجزاء سيئات لوقوعه في مقابلة سيئاتهم، فيكون ذلك من باب الازدواج والمشاكلة. كقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وفيه رمز إلى أن جميع أعمالهم كذلك، ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره فقال:

(والذين ظلموا من هؤلاء) الموجودين من الكفار (سيصيبهم سيئات ما كسبوا) كما أصاب من قبلهم، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر، والسين للتأكيد (وما هم بمعجزين) أي بفائتين على الله بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة.

39:52Page 464

أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

(أَوَلَمْ يَعْلَمُوا) الضمير للقائلين (إنما أوتيته على علم) فالمعنى أقالوها ولم يعلموا؟ أو أغفلوا ولم يعلموا؟ (إن الله يبسط) أي يوسع (الرزق لمن يشاء) أن يوسعه له، وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحاناً (ويقدر) أي يقبضه على من يشاء أن يقبضه، ويضيقه عليه، وإن كان قوياً شديد الحيلة ابتلاه، وقيل: يجعله على قدر قوت، قال مقاتل: وعظهم الله ليعتبروا في توحيده، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين، فقال: أولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء؟ ويقتر على من يشاء؟ فلا قابض ولا باسط إلا الله تعالى، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه، فلا بد لذلك من حكمة وسبب، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله، فإنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، والجاهل الضعيف في أعظم السعة.

(إن في ذلك) المذكور من التوسيع والتضييق (لآيات) أي لدلالات عظيمة وعلامات جليلة (لقوم يؤمنون) بالله، وإنما خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بالآيات، المتفكرون فيها، ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبة بذكر سعة رحمته، وعظيم معرفته، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم بذلك فقال:

39:53Page 464

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

(قل يا عبادي) قرىء بإثبات الياء وصلاً ووقفاً. وبغير الياء. وهما سبعيتان (الذين أسرفوا) أي أفرطوا (على أنفسهم) في الكفر أو المعاصي واستكثروا منها (لا تقنطوا) بفتح النون وبكسرها أي لا تيأسوا (من رحمة الله) أي من مغفرته، وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة: منها إقباله تعالى عليهم، ونداؤهم ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: (من رحمة الله) ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله الآتي: (إن الله)، قاله السمين.

وقال عبد الله وغيره: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة فإنه أولاً أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب قيل: وهذه عامة في كل كافر يتوب، ومؤمن عاص يتوب، فتمحو توبته ذنبه، والمراد منها التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب، فإن من أعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وإنه متى تاب زال عقابه، وصار من أهل المغفرة والرحمة والحق أن الآية غير مقيدة بالتوبة بل هي على إطلاقها.

ولما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه، ويجعل الرجاء مكان القنوط، وجاء بما لا يبقى بعده شك، ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن، فقال:

(إن الله يغفر الذنوب) فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس، الذي يستلزم استغراق أفراده فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائناً ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني، وهو الشرك، ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله (جميعاً) فيالها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم، الصادقين في رجائه الخالعين لثياب القنوط الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده، المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم، وما أحسن ما علل به سبحانه هذا الكلام قائلاً:

(إنه هو الغفور الرحيم) أي كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما فأبرز الجملة مؤكدة بإن والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة، فمن أبى هذا التفضل العظيم، والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به فقد ركب أعظم الشطط وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير وعدم التقنيط هو الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز والمسلك الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صح عنه من قوله: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " [[البخاري 4/ 26 - 5/ 108 - 7/ 101 - 8/ 114 مسلم 5/ 141 - أحمد 4/ 412 - 4/ 417.]].

وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) هو أن كل ذنب كائناً ما كان ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعاً يدل على أنه يشاء غفرانهما جميعاً، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية.

وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين، وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات فهو جمع بين الضب والنون وبين الملاح والحادي، وعلى نفسها براقش تجني.

ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، ولذا قال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فلو كانت التوبة قيداً في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقد قال سبحانه (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) قال الواقدي المفسرون كلهم قالوا إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك وقتل النفس ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: هب أنها في هؤلاء القوم فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم، لا بخصوص السبب، كما هو متفق عليه بين أهل العلم، ولو كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة، إن لم ترتفع كلها واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وفي السنة المطهرة من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما في هذا الباب ما لو عرفه المطلع عليه حق معرفته وقدره حق قدره علم صحة ما ذكرناه، وعرف حقيقة ما حررناه، قاله الشوكاني.

وعن ابن عمر قال: " كنا نقول ليس لمفتتن توبة وما الله بقابل منه شيئاًً عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم، وكانوا يقولونه لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآيات، قال ابن عمر فكتبتها بيدي ثم بعثت بها إلى هشام بن العاصي ".

وعن أبي سعيد قال: " لما أسلم وحشي أنزل الله (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق)، قال وحشي وأصحابه قد ارتكبنا هذا كله، فأنزل الله (قل يا عبادي الذين أسرفوا) " الآية.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال: " خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه وهم يضحكون ويتحدثون، فقال: والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ثم انصرف وأبكى القوم، وأوحى الله إليه يا محمد لم تقنط عبادي فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبشروا وسددوا وقاربوا " [[حديث قاربوا وسددوا وأبشروا صحيح الجامع الصغير 4173.]].

وعن عمر بن الخطاب أنها نزلت فيمن افتتن وعن ابن عباس أنها نزلت في مشركي مكة لما قالوا إن الله لا يغفر لهم ما قد اقترفوه من الشرك، وقتل النفس وغير ذلك وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية، فقال رجل: ومن أشرك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ألا ومن أشرك، ثلاث مرات ".

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنة وابن المنذر والحاكم وغيرهم عن أسماء بنت يزيد: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جمعاً -ولا يبالي- إنه هو الغفور الرحيم " وعن ابن مسعود أنه مر على قاص يذكر الناس فقال: يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ يا عبادي الآية.

وعن ابن سيرين قال: قال علي: أي آية أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن: (من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه) الآية ونحوها، فقال علي: ما في القرآن أوسع من (يا عبادي) الآية، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزير ابن الله ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول لهؤلاء أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم؟ ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء، من قال (أنا ربكم الأعلى) وقال: (ما علمت لكم من إله غيري) قال ابن عباس: ومن آيس العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.

وحديث أبي سعيد الخدري " في رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً " في الصحيحين بطوله، وكذا حديث رجل قال " وذروُّني في الريح؟ " فيهما بطوله، عن أبي هريرة، وعنه في سنن أبي داود حديث رجلين متحابين.

وعن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله عز وجل يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاًً لأتيتك بقرابها مغفرة " [[رواه الترمذي 2/ 270 والدارمي 2/ 322 وأحمد 5/ 172 و5/ 154.]] أخرجه الترمذي والعنان السحاب، والقراب بضم القاف هو ما يقارب ملؤها.

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59)

39:54Page 464

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

(وأنيبوا إلى ربكم) أي ارجعوا إليه بالطاعة لما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب جميعاً أمرهم بالرجوع إليه، بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي وليس في هذا ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة، لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى. ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال إن هذه الجملة مستأنفة خطاباً للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله:

(وأسلموا له) جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى، وتبشيرهم، وهذا وإن كان بعيداً ولكنه يمكن أن يقال به، والمعنى على ما هو الظاهر أن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم، والأمر بالإِنابة إليه، والإخلاص له، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه.

وقوله (من قبل أن يأتيكم العذاب) أي عذاب الدنيا كما يفيده النظم، فليس في ذلك ما يدل على ما زعمه الزاعمون، وتمسك به القانطون المقنطون والحمد لله رب العالمين (ثم لا تنصرون). أي لا تمنعون من العذاب إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب.

39:55Page 464

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

(واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) يعني القرآن، يقول: أحلوا حلاله، وحرموا حرامه والقرآن كله حسن. قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معاصيه. وقال السدي الأحسن ما أمر الله به في كتابه.

وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه.

وقيل: الناسخ دون المنسوخ. وقيل العفو دون الانتقام بما يحق فيه الانتقام. وقيل أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية، ومثله قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) وقيل القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه أو العزائم دون الرخص، ولعله ما هو أنجى وأسلم، كالإنابة والمواظبة على الطاعة.

(من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) أي من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به، وقيل: أراد أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب، والأول أولى، لأن الذي يأتيهم بغتة هو العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، والخوف والقهر، والجدب لا عذاب الآخرة ولا الموت لأنه لم يسند الإتيان إليه.

39:56Page 464

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

(أن تقول نفس) قال البصريون: أي حذر أن تقول: وقال الكوفيون أي لئلا تقول، قال المبرد: بادروا خوف أن تقول أو حذراً من أن تقول، وقدره الزمخشري كراهة أن تقول، وابن عطية: وأنيبوا من أجل أن تقول وأبو البقاء والحوفي: أنذرناكم مخافة أن تقول قال الحلبي: عقب نقل بعض هذه التقادير: ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود أنيبوا ونكر (نفس) لأن المراد بها بعض الأنفس وهي النفس الكافرة المتميزة باللجاج الشديد في الكفر، أو بالعذاب الأليم.

وقيل: المراد به التكثير كما في قوله (علمت نفس ما أحضرت) أي نفوس كثيرة، وهم الكفار والعصاة المؤمنون. وقال الزجاج خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها: (يا حسرتي) قرأ الجمهور يا حسرتا بالألف بدلاً من الياء المضاف إليها، وقرأ ابن كثير يا حسرتاه بهاء السكت. وقفاً، وقرأ أبو جعفر: يا حسرتي بالياء على الأصل، والحسرة الندامة، والاغتمام والحزن على ما فات (على ما فرطت) أي على تفريطي وتقصيري فما مصدرية (في جنب الله) أي طاعته قاله الحسن.

والجنب والجانب كلاهما بمعنى جهة الشيء المحسوسة، وإطلاق الجنب على الطاعة مجاز بالاستعارة حيث شبهت بالجهة بجامع تعلق كل بصاحبه، فالطاعة لها تعلق بالله، كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها، وقال الضحاك: في ذكر الله ويعنى به القرآن والعمل به وقال أبو عبيدة، في ثواب الله، وقيل: في حق الله أو في أمر الله أو في ذات الله.

وقال الفراء: الجنب القرب والجوار أي في قرب الله وجواره، ومنه قوله (والصاحب بالجنب) والمعنى على هذا القول على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة، وبه قال ابن الأعرابي.

وقال الزجاج: أي في الطريق الذي هو طريق الله من توحيده والإقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالجنب بمعنى الجانب، أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، يقال أنا في جنب فلان وفلان لين الجانب والجنب ثم قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه، وهذا من باب الكناية قال ابن عباس في الآية أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوا وعلمهم قبل أن يعلموا.

(وإن كنت لمن الساخرين) أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين الله في الدنيا، وبكتابه وبرسوله وبالمؤمنين قال قتادة: " لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، والجملة حالية، أي فرطت وأنا ساخر.

39:57Page 465

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

(أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين) أي لو أن الله أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك والمعاصي وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة، ويتعللون به من العلل الباطلة كما في قوله: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) فهي كلمة حق يريدون بها باطلاً.

قال أبو المنصور: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم (لو هدانا الله لهديناكم) ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا، والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا ثم ذكر سبحانه مقالة أخرى مما قالوه فقال:

39:58Page 465

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

(أو تقول حين ترى العذاب) والتعبير بأو للدلالة على أن النفس لا تخلو عن هذه الأقوال تحسراً وتحيراً وتعللاً بما لا طائل تحته، فأو للتنويع لما تقوله النفس في ذلك اليوم، ويصح أن تكون مانعة خلو فتجوز الجمع (لو أن لي كرة) أي رجعة إلى الدنيا (فأكون من المحسنين) المؤمنين بالله الموحدين له، المحسنين في أعمالهم، ثم ذكر سبحانه جوابه على هذه النفس المتمنية المتعللة بغير علة فقال:

39:59Page 465

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.

(بلى) أي فيقال له من قبل الله: بلى الخ كأنه قال: ما هداني الله فيقال بلى (قد جاءتك آياتي) مرشدة لك، والمراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو القرآن (فكذبت بها) وهو قوله: إنها ليست من عند الله (واستكبرت) أي تكبرت عن الإيمان بها (وكنت) مع ذلك التكذيب والاستكبار (من الكافرين) بالله.

وجاء سبحانه بخطاب المذكر في قوله جاءتك وكذبت، واستكبرت، وكنت لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث. قال المبرد: تقول العرب نفس واحد أي إنسان واحد، أو التذكير باعتبار كونها شخصاً كافراً قرأ الجمهور بفتح التاء في هذه المواضع، وقرىء بكسرها في جميعها وهي قراءة أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وبنته عائشة، وأم سلمة، ورويت عن ابن كثير.

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)

39:60Page 465

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?

(ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله) بأن له شريكاً، وصاحبة، وولداً (وجوههم مسودة) لما أحاط بهم من العذاب، ولما شاهدوه من غضب الله ونقمته، والجملة في محل النصب على الحال، قال الأخفش (ترى) غير عامل في (وجوههم مسودة) إنما هو مبتدأ وخبره، والأولى أن (ترى) إن كانت من الرؤية البصرية فجملة (وجوههم مسودة) حالية وإن كانت قلبية فهي مفعول ثان لترى.

(أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) الاستفهام لتقرير اسوداد وجههم، وتعليل له، كأنه قال: لأن لهم في جهنم مقراً ومقاماً، والكبر هو " بطر الحق وغمط الناس " [[جزء من حديث طويل رواه البخاري 548 وأحمد 2/ 169 والبيهقي في الاسماء بقوله: " إن نبي الله نوحاً لما حضرته الوفاة .... " وبطر الحق: إنكاره، وغمط الناس: ظلمهم.]]، كما ثبت في الحديث الصحيح.

39:61Page 465

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١

And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.

(وينجي الله الذين اتقوا) الشرك ومعاصي الله من جهنم متلبسين (بمفازتهم) أي بمكان فوزهم من الجنة بأن يجعلوا فيه، قرأ الجمهور بالإفراد على أنه مصدر ميمي والفوز الظفر بالخير، والنجاة من الشر، قال المبرد المفازة مفعلة من الفوز وهي السعادة، وإن جمع فحسن كقولك: السعادة والسعادات.

والمعنى ينجيهم الله بفوزهم، أي بنجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة، وقرىء بمفازاتهم جمع مفازة وجمعها مع كونها مصدراً لاختلاف الأنواع وقيل ثَمِّ مضاف محذوف، والتقدير بدواعي مفازتهم أو أسبابها، والمفازة المنجاة، وقيل لا حاجة لذلك إذ المراد بالمفازة الفلاح.

وجملة (لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل لا يمسهم الخ أو منصوبة رد علي الحال من الذين اتقوا، وقيل الباء للسببية أي بسبب فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم، وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم، لأنهم رضوا بثواب الله وأمنوا من عقابه.

39:62Page 465

ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢

Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.

(الله خالق كل شيء) من الأشياء الموجودة في الدنيا والآخرة، كائناً ما كان، من غير فرق بين شيء وشيء وفيه رد على المعتزلة والثنوية (وهو على كل شيء وكيل) أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها، من غير مشارك له.

39:63Page 465

لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣

To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.

(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) جملة مستأنفة والمقاليد واحدها مقليد ومقلاد، أو لا واحد له من لفظه كأساطير، ويقال أيضاً أقليد وأقاليد أو الكلمة أصلها فارسية على ما قيل إنه جمع إقليد معرب إكليد والكلام من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبرها هو الذي يملك مفاتيحها، فهو كناية عن شدة التمكن والتصرف في كل شيء مخزون في السموات أو في الأرض، والحمل على الظاهر أولى، وهي هنا مفاتيح الرزق والرحمة. قاله مقاتل وقتادة وغيرهما، قال ابن عباس أي مفاتيحها، وقال الليث المقلاد الخزانة.

ومعنى الآية له خزائن السموات والأرض، وبه قال الضحاك والسدي، وقيل: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات وقيل: هي عبارة عن قدرته سبحانه وحفظة لها، والأول أولى: قال الجوهري: الإقليد المفتاح ثم قال: والجمع المقاليد، وقيل هي لا إله إلا الله والله آكبر، وسبحان الله وبحمده، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأخرج أبو يعلى ويوسف القاضي في سننه وأبو الحسن القطان وابن السني وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان ابن عفان قال:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فقال لي: يا عثمان لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، مقاليد السموات والأرض لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير "، ثم ذكر فضل هذه الكلمات وله طرق عن عثمان. وقيل غير ذلك، والمعنى على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلم بها أصابه.

(والذين كفروا بآيات الله) أي بالقرآن وسائر الآيات الدالة على الله سبحانه وتوحيده (أولئك هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران لأنهم صاروا بهذا الكفر إلى النار متصل بقوله: (وينجي الله) الخ أي معطوف عليه وما بينهما اعتراض، وإن كان المعطوف جملة اسمية، والمعطوف عليه جملة فعلية فهذا لا يمنع صحة العطف، غايته أنه خال عن حسنه.

39:64Page 465

قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤

Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"

(قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) الاستفهام للإِنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدر كنظائره، والأصل أفتأمروني؟ أي بعد مشاهدة الآيات الدالة على انفراده وتوحيده أن أعبد غير الله، قاله الكسائي وغيره، وقيل: أفتلزموني عبادة غير الله؟ أو أعبد غير الله؟ أمره الله سبحانه أن يقول هذا للكفار لمَّا دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا: هو دين آبائك.

وعن ابن عباس أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه فقالوا له: هذا لك يا محمد وتكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء بالوحي: (قل يا أيها الكافرون) إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي) إلى قوله: (مِنَ الْخَاسِرِينَ) [[سيأتي الكلام عنه عند تفسيرنا لسورة الكافرون.]].

39:65Page 465

وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥

And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.

(ولقد) هذه اللام دالة على قسم مقدر أي والله لقد (أوحي إليك وإلى الذين من قبلك) من الرسل (لئن) جواب القسم وهذه اللام أيضاًً دالة على قسم مقدر أي والله لئن (أشركت) يا محمد فرضاً (ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) وكل من هاتين اللامين واقعة في جواب القسم الثاني، والثاني وجوابه جواب الأول، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل، لأن الله سبحانه قد عصمهم عن الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير والإنذار للعباد من الشرك، لأنه إذا كان موجباً لإِحباط عمل الأنبياء على الفرض والتقدير، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى.

قيل وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير ولقد أوحي إليك لئن أشركت الخ وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك، قال مقاتل أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف، ثم قال: لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

وقيل إفراد الخطاب في لئن أشركت، باعتبار كل واحد من الأنبياء كأنه قيل أوحي إليك وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام، لئن أشركت، وهذه الآية مقيدة بالموت على الشرك كما في الآية الأخرى.

(ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وقيل هذا خاص بالأنبياء لأن الشرك منهم أعظم ذنباً من الشرك من غيرهم والأول أولى، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بتوحيده فقال: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском